Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١ • سُوَرَّةُ النِّسَّاءِ (٧، ١٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 الحديث عند آيتي الميراث بسياق آخر(١)، والله أعلم. وقوله: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَى وَالْيَى وَالْمَسَكِينُ فَرْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُواْ لَمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا ﴾﴾، قيل: المراد وإذا حضر قسمة الميراث ذوو القربى ممن ليس بوارث ﴿ وَاُلْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ﴾ فليرضخ لهم من التركة نصيب، وإن ذلك كان واجباً في ابتداء الإسلام، وقيل: يستحب. واختلفوا هل هو منسوخ أم لا؟ على قولين، فقال البخاري: حدثنا أحمد بن حميد، أخبرنا عُبيد الله الأشجعي عن سفيان، عن الشيباني، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَ وَالْيَى وَالْمَسَكِينُ﴾. قال: هي محكمة وليست بمنسوخة. تابعه سعيد عن ابن عباس(٢). وقال ابن جرير: حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا عباد بن العوام، عن الحجاج، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس قال: هي قائمة يعمل بها(٣). وقال الثوري: عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في هذه الآية، قال: هي واجبة على أهل الميراث ما طابت به أنفسهم(٤)، وهكذا روي عن ابن مسعود وأبي موسى وعبد الرحمن بن أبي بكر وأبي العالية والشعبي والحسن(٥). وقال ابن سيرين وسعيد بن جبير ومكحول وإبراهيم النخعي وعطاء بن أبي رباح والزهري ويحيى بن يعمر: إنها واجبة (٦). وروى ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الأشج، عن إسماعيل بن علية، عن يونس بن عبيد، عن ابن سيرين قال: ولي عبيدة وصية فأمر بشاة فذبحت فأطعم أصحاب هذه الآية وقال: لولا هذه الآية لكان هذا من مالي(٧) . [وقال مالك فيما يروى عنه من التفسير في جزء مجموع عن الزهري: أن عروة أعطى من مال مصعب حين قسم ماله، وقال الزهري: هي محكمة. وقال مالك: عن عبد الكريم، عن مجاهد قال: هي حق واجب ما طابت به الأنفس](٨). ذكر من ذهب إلى أن ذلك أمر بالوصية لهم: قال عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج، أخبرني ابن أبي مليكة: أن أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق والقاسم بن محمد أخبراه أن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر، قسم ميراث (١) وهما آية ١١ و١٢ من هذه السورة، والحديث هو حديث الإمام أحمد عن جابر. (٢) أخرجه البخاري بسنده ومتنه وتعليقه (الصحيح، التفسير، باب ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ ... ﴾ [النساء: ٨] ح ٤٥٧٦). (٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف بسبب ضعف الحسين وهو سُنيد، ويشهد له سابقه في صحيح البخاري. (٤) أخرجه الثوري في تفسيره بسنده ومتنه، وسنده صحيح، وأخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق الثوري به . (٥) ذكرهم ابن أبي حاتم إلا رواية ابن مسعود، وذكر لهم بحذف السند إلا رواية أبي موسى الأشعري فقد أخرجها بسند صحيح من طريق حِطّان بن عبد الله الرقاشي عنه. (٦) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وقد أخرج الطبري وابن أبي شيبة معظم أقوالهم بأسانيد ثابتة (المصنف ١٩٣/١١ - ١٩٦، رقم ١٠٩٣٨ و١٠٩٤٨ و١٠٩٤٩). (٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح. (٨) الزيادة من (ح) و(حم) (مح)، وأسانيد الإمام مالك ثابتة إلى الزهري ومجاهد. ٢٢ سُورَةُ النَّسَّاءِ (٧، ١٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 0000000000000 أبيه عبد الرحمن وعائشة حية، قالا: فلم يدع في الدار مسكيناً ولا ذا قرابة إلا أعطاه من ميراث أبيه، قال: وتلا ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَ﴾، قال القاسم: فذكرت ذلك لابن عباس، فقال: ما أصاب، ليس ذلك له إنما ذلك إلى الوصية وإنما هذه الآية في الوصية يريد الميت يوصي لهم، رواه ابن أبي حاتم(١). ذكر من قال: هذه الآية منسوخة بالكلية: قال سفيان الثوري، عن محمد بن السائب الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس ﴿ّا ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ قال: منسوخة(٢)، وقال إسماعيل بن مسلم المكي عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال في هذه الآية ﴿وَإِذَا حَضَرَ اُلْقِسْمَةَ أُوُلُواْ الْقُرْبَ﴾ نسختها الآية التي بعدها ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِى أَوْلَدِكُمْ﴾ [النساء: ١١](٣). وقال العوفي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في هذه الآية ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُوا الْقُرْبَ﴾ كان ذلك قبل أن تنزل الفرائض، فأنزل الله بعد ذلك الفرائض فأعطى كل ذي حق حقه، فجعلت الصدقة فيما سمى المتوفى(٤)، [رواهن](٥) ابن مردويه. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا حجاج، عن ابن جريج وعثمان بن عطاء، عن عطاء، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَ وَالْيَى وَالْمَسَكِينُ﴾ نسختها آية الميراث فجعل لكل إنسان نصيبه مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر(٦). وحدثنا أسيد بن عاصم، حدثنا سعيد بن عامر، عن همام، حدثنا قتادة عن سعيد بن المسيب أنه قال: إنها منسوخة، كانت قبل الفرائض كان ما ترك الرجل من مال أعطى منه اليتيم والفقير والمسكين وذوي القربى إذا حضروا القسمة ثم نسخ بعد ذلك نسختها المواريث فألحق الله بكل ذي حق حقه، وصارت الوصية من ماله يوصي بها لذوي قرابته حيث شاء(٧). [وقال مالك، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب: هي منسوخة، نسختها المواريث والوصية](٨). وهكذا روي عن عكرمة وأبي الشعثاء والقاسم بن محمد وأبي صالح وأبي مالك وزيد بن أسلم والضحاك وعطاء الخراساني ومقاتل بن حيان وربيعة بن أبي عبد الرحمن أنهم قالوا: إنها منسوخة(٩)، وهذا مذهب جمهور الفقهاء والأئمة الأربعة وأصحابهم، وقد اختار ابن جرير ههنا قولاً غريباً جداً (١) أخرجه ابن أبي حاتم عن الحسن بن أبي الربيع عن عبد الرزاق به، وهو بسنده ولفظه في تفسير عبد الرزاق وصححه الحافظ ابن حجر (فتح الباري ٢٤٢/٨). (٢) في سنده محمد بن السائب الكلبي وقد صرح بأن كل ما رواه عن أبي صالح فهو كذب. (٣) أخرجه النحاس من طريق سلمة بن الفضل عن إسماعيل به (الناسخ والمنسوخ ص٩٥)، في سنده إسماعيل بن مسلم المكي: ضعيف، كما في التقريب. (٤) أخرجه الطبري من طريق عطية العوفي به، وسنده ضعيف بسبب ضعف العوفي. (٥) كذا في (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: ((رواه)). (٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف بسبب ضعف عثمان بن عطاء، وعطاء لم يسمع من ابن عباس. (٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ولفظه، وسنده صحيح. (٨) الزيادة من (ح) و(حم) و(مح)، وسند مالك صحيح. (٩) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف السند. ٢٣ • سُوَرَّةُ النِّسَخَّاءِ (٧، ١٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وحاصله أن معنى الآية عنده ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ أي: وإذا حضر قسمة مال الوصية أولو قرابة الميت ﴿فَرْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُواْ﴾ لليتامى والمساكين إذا حضروا ﴿قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾ هذا مضمون ما حاوله بعد طول العبارة والتكرار، وفيه نظر، والله أعلم. وقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿وَإِذَا حَضَرَ اُلْقِسْمَةَ﴾ هي قسمة الميراث(١)، وهكذا قال غير واحد، والمعنى على هذا لا على ما سلكه أبو جعفر بن جرير كَّلُهُ، بل المعنى أنه إذا حضر هؤلاء الفقراء من القرابة الذين لا يرثون واليتامى والمساكين قسمة مال جزيل، فإن أنفسهم تتوق إلى شيء منه إذا رأوا هذا يأخذ وهذا يأخذ، وهم يائسون لا شيء يعطونه، فأمر الله تعالى وهو الرؤوف الرحيم أن يرضخ لهم شيء من الوسط يكون براً بهم وصدقة عليهم، وإحساناً إليهم وجبراً لكسرهم. كما قال الله تعالى: ﴿كُلُواْ مِن ثَمَرِهِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِمِّ﴾ [الأنعام: ١٤١] وذمّ الذين يستغلون المال خفية خشية أن يطلع عليهم المحاويج وذوو الفاقة. كما أخبر عن أصحاب الجنة ﴿إِذْ أَقْعُوْ لَيَصْرِمُنََّا مُصِْينَ﴾ [القلم: ١٧] أي: بليل. وقال: ﴿فَنْطَلَقُواْ وَهُ يَنَخَفَنُونَ ﴿ أَنْ لَّا يَدْخُلَهَا أَلْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِنٌ ﴿﴾ [القلم] ف﴿ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَفِرِينَ أَمْثَلُهَا﴾ [محمد: ١٠] فمن جحد حق الله عليه عاقبه في أعز ما يملكه، ولهذا جاء في الحديث ((ما خالطت الصدقة مالاً إلا أفسدته))(٢)، أي: منعها يكون سبب محاق ذلك المال بالكلية. وقوله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ اَلَّذِينَ لَوْ تَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَفًا خَافُواْ عَلَيْهِمِّ فَلْيَتَّقُواْ اللَّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلًا سَدِيدًا ﴾﴾. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: هذا في الرجل يحضره الموت، فيسمعه الرجل يوصي بوصية تضر بورثته، فأمر الله تعالى الذي يسمعه أن يتقي الله ويوفقه ويسدده للصواب. فينظر لورثته كما كان يحب أن يصنع بورثته إذا خشي عليهم الضيعة (٣)، وهكذا قال مجاهد وغير واحد (٤). وثبت في الصحيحين أن رسول الله وَ لير لما دخل على سعد بن أبي وقاص يعوده، قال: يا رسول الله، إني ذو مال ولا يرثني إلا ابنة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: ((لا)). قال: فالشطر؟ قال: ((لا)). قال: فالثلث؟ قال: ((الثلث، والثلث كثير)). ثم قال رسول الله وَليقول: ((إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس)» (٥) [وفي الصحيح عن ابن عباس قال: لو أن الناس](٦) غضوا من الثلث إلى الربع، فإن رسول الله وَ الله قال: ((الثلث، والثلث كثير)) (٧). (١) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن عطية العوفي به. (٢) أخرجه الحميدي (المسند ح٢٣٧)، والبزار (كشف الأستار ح ٨٨١)، والبيهقي (السنن الكبرى ١٥٩/٤)، كلهم من طريق محمد بن عثمان الجمحي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة. ومحمد بن عثمان ضعيف (التقريب ص٤٩٦). (٣) أخرجه ابن أبي حاتم بنحوه بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به. (٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بنحوه. (٥) صحيح البخاري، الوصايا، باب أن يترك ورثته أغنياء خير من أن يتكففوا الناس (ح ٢٧٤٢)، وصحيح مسلم، الوصية، باب الوصية بالثلث (ح١٦٢٨). (٦) زيادة من (ح) و(حم) و(مح). (٧) صحيح البخاري، الوصايا، باب الوصية بالثلث (ح٢٧٤٣)، وصحيح مسلم، الباب السابق (ح١٦٢٩). ٢٤ • سُوَّرَّةُ الْنِسَاءِ (٧، ١٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 قال الفقهاء: إن كان ورثة الميت أغنياء، استحب للميت أن يستوفي في وصيته الثلث، [وإن كانوا فقراء](١) استحب أن ينقص الثلث، وقيل: المراد بقوله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ اُلَّذِينَ لَوْ تَرَّكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَفًا خَافُواْ عَلَيْهِمٌّ﴾ فليتقوا الله في مباشرة أموال اليتامى ﴿وَلَا تَأْكُوهَا إِسْرَافًا وَيِدَارًا أَنْ يَكْبُرُواْ﴾ [النساء: ٦]، حكاه ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس(٢)، وهو قول حسن يتأيد بما بعده من التهديد في أكل أموال اليتامى ظلماً، فأولاً رغبهم، أي: كما تحب أن تعامل ذريتك من بعدك، فعامل الناس في ذراريهم إذا وليتهم، ثم أعلمهم أن من أكل مال اليتيم ظلماً، فإنما يأكل في بطنه ناراً ولهذا قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ الْيَسَى كُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِ بُطُونِهِمْ نَارًّاً وَسَيَضْلَوْنَ سَعِيرًا ®﴾ أي: إذا أكلوا أموال اليتامى بلا سبب فإنما يأكلون ناراً تتأجج في بطونهم يوم القيامة. وفي الصحيحين من حديث سليمان بن بلال، عن ثور بن زيد، عن سالم أبي الغيث، عن أبي هريرة أن رسول الله وَ ﴿ قال: ((اجتنبوا السبع الموبقات))(٣) قيل: يا رسول الله، وما هن؟ قال: ((الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات)) (٤). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبيدة، أخبرنا أبو عبد الصمد عبد العزيز بن عبد الصمد العَمّي، حدثنا أبو هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري، قال: قلنا: يا رسول الله، ما رأيت ليلة أسري بك؟ قال: ((انطلق بي إلى خلق من خلق الله كثير. رجال كل منهم له مشفران(٥) كمشفر البعير، وهو موكل بهم رجال يفكون لحاء أحدهم، ثم يجاء بصخرة من نار فتقذف في فيّ أحدهم حتى يخرج من أسفله، ولهم خوار(٦) وصراخ، قلت: يا جبريل، من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً، إنما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً))(٧). وقال السدي: يبعث آكل مال اليتيم يوم القيامة ولهب النار يخرج من فيه ومن مسامعه وأنفه وعينيه، يعرفه كل من رآه بأكل مال اليتيم(٨). وقال أبو بكر بن مردویہ: حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن زید، حدثنا أحمد بن عمرو، حدثنا عقبة بن مكرم، حدثنا يونس بن بكير، حدثنا زياد بن المنذر، عن نافع بن الحارث، عن أبي برزة أن رسول الله ﴿ ﴿ قال: ((يبعث يوم القيامة قوم من قبورهم تأجج أفواههم ناراً)) قيل: يا رسول الله، من هم؟ قال: ((ألم تر أن الله قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَقْوَلَ اُلْتَسَمَى كُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ (١) كذا في (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: ((وإن كان فقيراً)). (٣) الموبقات أي: المهلكات. (٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف لضعف العوفي. (٤) صحيح البخاري، الوصايا، باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ اُلْيَتََى كُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِ بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ﴾﴾ [النساء] (ح ٢٧٦٦)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب بيان الكبائر وأكبرها (ح٨٩). (٥) أي شفتان (القاموس المحيط، باب: ش ف هـ). (٦) جوار: أي رفع الصوت والاستغاثة (النهاية ٢٣٢/١). (٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف بسبب أبي هارون العبدي وهو: عمارة بن جوين متروك ومنهم من كذبه (التقريب ٤٩/٢). (٨) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط بن نصر عن السدي. · ٠٠ سُورَةُ النِّسَاءِ (١١) ٢٥ 000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 0 فِي بُطُونِهِمْ نَارًّاً ... ) الآية))، رواه ابن أبي حاتم [عن أبي زرعة، عن عقبة بن مكرم، وأخرجه](١) ابن حبان في صحيحه عن أحمد بن [علي](٢) بن المثنى عن عقبة بن مكرم(٣). وقال ابن مردویه: حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا أحمد بن عصام، حدثنا أبو عامر العبدي، حدثنا عبد الله بن جعفر الزهري، عن عثمان بن محمد، عن المقبري، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَّير: ((أُحرِّج مال الضعيفين: المرأة واليتيم)) (٤). أي: أوصيكم باجتناب مالهما، وتقدم في سورة البقرة من طريق عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس صًَّا، قال: لما ﴾، نزلت ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ الْيَتَى كُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَضْلَوْنَ سَعِيرًا انطلق من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه، فجعل يفضل الشيء فيحبس له حتى يأكله أو يفسد، فاشتد ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله وَّله، فأنزل الله ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْيَتَّ قُلْ إِصْلَاحٌ لَُّمْ خَيْرٌ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمُّ وَاَللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِيَّ﴾ [البقرة: ٢٢٠] (٥)، قال: فخلطوا طعامهم بطعامهم وشرابهم بشرابهم. - ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِيَّ أَوْلَدِكُمٌّ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِّ فَإِن كُنَّ نِسَآءُ فَوْقَ أَثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكٌّ وَإِن كَانَتْ وَحِدَةً فَلَهَا النَّصْفُّ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدُْ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِتَهُ، أَبَوَهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُّ فَإِن كَانَ لَهُؤْ إِخْوَةٌ فَلِأُقِهِ السُّدُسَُّ مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُؤْمِى بِهَا أَوْ دَيْنٍّ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُنْ نَفْعَا فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهَّ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا هذه الآية الكريمة والتي بعدها والآية التي هي خاتمة هذه السورة هن آيات علم الفرائض، وهو مستنبط من هذه الآيات الثلاث ومن الأحاديث الواردة في ذلك مما هي كالتفسير لذلك. ولنذكر منها ما هو متعلق بتفسير ذلك. وأما تقرير المسائل ونصب الخلاف والأدلة، والحجاج بين الأئمة، فموضعه كتب الأحكام، والله المستعان. وقد ورد الترغيب في تعلم الفرائض وهذه الفرائض الخاصة من أهم ذلك، وقد روى أبو داود (١) سقط في الأصل واستدرك من (ح) و(حم) و(مح)، وتفسير ابن أبي حاتم. (٢) في الأصل: ((يعلى)) والمثبت من (ح) و(حم) و(مح)، وتفسير ابن أبي حاتم. (٣) أخرجه ابن أبي حاتم وابن حبان بالإسناد المذكور (الإحسان ٣٧٧/١٢ ح ٥٥٦٦)، وفي إسناديهما وإسناد ابن مردويه: زياد بن المنذر: كذاب (المجروحين ٣٠٦/١، والمطالب العالية ٣٢١/٣ ح٣٥٨٦)، فالإسناد ضعيف جداً. (٤) في سنده أحمد بن عصام: ضعيف (لسان الميزان ٢٢٠/١)، وأخرجه ابن ماجه من طريق ابن عجلان عن المقبري عن أبي هريرة مرفوعاً بلفظ: ((اللهم إني أُحرجُ حق الضعيفين: اليتيم والمرأة)) (السنن، الأدب، باب حق اليتيم ح ٣٦٧٨)، وصححه البوصيري وذكر المعنى، أُحرج عن هذا الإثم: بمعنى: بضيع حقهما (مصباح الزجاج ١٦٤/٣)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح٢٩٦٧)، وأخرجه الحاكم من طريق المقبري به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١٢٨/٤)، وكذا أخرجه ابن حبان (الإحسان ٣٧٦/٢ ح ٥٥٦٥). (٥) تقدم الأثر عند هذه الآية. ٢٦ • سُورَةُ النِّسَاءِ (١١) وابن ماجه من حديث عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي، عن عبد الرحمن بن [رافع](١) التنوخي، عن عبد الله بن عمرو به، أن رسول الله وَ في قال: ((العلم ثلاثة، وما سوى ذلك فهو فضل: آية محكمة، أو سنة قائمة، أو فريضة عادلة))(٢). وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: (يا أبا هريرة تعلموا الفرائض وعلموا فإنه نصف العلم، وهو ينسى، وهو أول شيء ينزع من أمتي)) رواه ابن ماجه وفي إسناده ضعف(٣). وقد روي من حديث ابن مسعود وأبي سعيد، وفي كل منهما نظر(٤). قال سفيان بن عيينة: إنما سمّى الفرائض نصف العلم، لأنه يبتلى به الناس كلهم. وقال البخاري عند تفسير هذه الآية: حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا هشام، أن ابن جريج أخبرهم قال: أخبرني [ابن المنكدر](٥)، عن جابر بن عبد الله قال: عادني رسول الله وَلثير وأبو بكر في بني سلمة ماشيين، فوجدني النبي ◌َّ لا أعقل شيئاً، فدعا بماء فتوضأ منه، ثم رش علي فأفقت فقلت: ما تأمرني أن أصنع في مالي يا رسول الله؟ فنزلت ﴿يُوصِيكُ اللَّهُ فِيَّ أَوْلَدِكُمٌّ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظٍ اَلْأُنْشَيَيْنِّ﴾(٦). وكذا رواه مسلم والنسائي من حديث حجاج بن محمد الأعور، عن ابن جريج به(٧)، ورواه الجماعة كلهم من حديث سفيان بن عيينة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر. (حديث آخر عن جابر في سبب نزول الآية) قال أحمد: حدثنا زكريا بن عدي، حدثنا عبيد الله هو ابن عمرو الرقي، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر، قال: جاءت امرأة سعد بن الربيع إلى رسول الله صل﴿، فقالت: يا رسول الله هاتان ابنتا سعد بن الربيع، قتل أبوهما معك في يوم أحد شهيداً، وإن عمهما أخذ مالهما فلم يدع لهما مالاً، ولا ينكحان إلا ولهما مال، قال: فقال: ((يقضي الله في ذلك)) فنزلت آية الميراث، فأرسل رسول الله وص له إلى عمهما فقال: ((أعط ابنتي سعد الثلثين، وأمهما الثمن، وما بقي فهو لك))(٨). وقد رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من طرق عن عبد الله بن محمد بن عقيل به، قال الترمذي: ولا يعرف إلا من حديثه(٩). (١) في الأصل: ((نافع)) وهو تصحيف والتصويب من (ح) و(حم) و(مح) والتخريج. (٢) سنن أبي داود، الفرائض، باب ما جاء في تعليم الفرائض (ح٢٨٨٥)، وسنن ابن ماجه، المقدمة، باب اجتناب الرأي والقياس (ح٥٤)، وسنده ضعيف لضعف عبد الرحمن بن زياد كما في التقريب. (٣) سنن ابن ماجه، الفرائض، باب الحث على تعليم الفرائض (ح٢٧١٩)، وسنده ضعيف بسبب ضعف أحد رواته وهو حفص بن عمر بن أبي العطاف كما في التقريب ص١٧٣. (٤) حديث ابن مسعود أخرجه الترمذي ثم قال: هذا حديث فيه اضطراب (السنن، الفرائض، باب ما جاء في تعليم الفرائض ح٢٠٩)، وأخرجه النسائي من طريق ابن المبارك عن عوف عمن حدثه عن سليمان بن جابر عن ابن مسعود (السنن الكبرى، الفرائض، باب الأمر بتعليم الفرائض ح٦٣٠٦)، قال الدار قطني: والقول قول ابن المبارك ومن تابعه (العلل ٧٨/٥ ح٧٢٦)، وحديث أبي سعيد وهو الخدري أخرجه الدارقطني من طريق عطية العوفي عنه (السنن ٨٢/٤)، وعطية العوفي ضعيف تقدم ذكره. (٥) في الأصل: ((ابن المنذر)) وهو تصحيف والتصويب من (ح) و(حم) و(مح) والتخريج. (٦) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِيَ أَوْلَدِكُمْ﴾ [النساء: ١١] (ح ٤٥٧٧). (٧) صحيح مسلم، الفرائض، باب ميراث الكلالة (ح١٦١٦). (٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٥٢/٣)، وسنده حسن. (٩) سنن أبي داود، الفرائض، باب ما جاء في ميراث الصلب (ح٢٨٩١)، وسنن الترمذي، الفرائض، باب = ٢٧ سُورَةُ النِّسَاءِ (١١) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 والظاهر أن حديث جابر الأول إنما نزل بسبب الآية الأخيرة من هذه السورة كما سيأتي، فإنه إنما كان له إذ ذاك أخوات، ولم يكن له بنات، وإنما كان يورث كلالة، ولكن ذكرنا الحديث ههنا تبعاً للبخاري تَخْلَتُ فإنه ذكره ههنا، والحديث الثاني عن جابر أشبه بنزول هذه الآية، والله أعلم. فقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَدِكُمٌّ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنَّ﴾ أي: يأمركم بالعدل فيهم، فإن أهل الجاهلية كانوا [يجعلون جميع الميراث للذكور] (١) دون الإناث، فأمر الله تعالى بالتسوية بينهم في أصل الميراث، [وفاوت](٢) بين الصنفين، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وذلك لاحتياج الرجل إلى مؤونة النفقة والكلفة ومعاناة التجارة والتكسب وتحمل المشاق، فناسب أن يعطى ضعفي ما تأخذه الأنثى، وقد استنبط بعض الأذكياء من قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَدِكُمٌّ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾ أنه تعالى أرحم بخلقه من الوالدة بولدها، حيث أوصى الوالدين بأولادهم، فعلم أنه أرحم بهم منهم، كما جاء في الحديث الصحيح وقد رأى امرأة من السبي فرق بينها وبين ولدها، فجعلت تدور على ولدها، فلما وجدته أخذته فألصقته بصدرها وأرضعته. فقال رسول الله وسير لأصحابه: ((أترون هذه طارحة ولدها في النار وهي تقدر على ذلك))؟ قالوا: لا يا رسول الله. قال: ((فوالله الله أرحم بعباده من هذه بولدها))(٣). وقال البخاري ههنا: حدثنا محمد بن يوسف، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: كان المال للولد، وكانت الوصية للوالدين، فنسخ الله من ذلك ما أحب، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس والثلث، وجعل للزوجة الثمن والربع، وللزوج الشطر والربع(٤). وقال العوفي، عن ابن عباس قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اَللَّهُ فِي أَوْلَدِكُمٌّ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْشَيَيْنِّ﴾ وذلك لما أنزلت الفرائض التي فرض الله فيها ما فرض للولد الذكر والأنثى والأبوين، كرهها الناس أو بعضهم وقال: تعطى المرأة الربع أو الثمن، وتعطى البنت النصف، ويعطى الغلام الصغير، وليس من هؤلاء أحد يقاتل القوم، ولا يحوز الغنيمة، اسكتوا عن هذا الحديث لعل رسول الله وَليه ينساه، أو نقول له فيغير، فقال بعضهم: يا رسول الله تُعطى الجارية نصف ما ترك أبوها، وليست تركب الفرس ولا تقاتل القوم، ويعطى الصبي الميراث وليس يغني شيئاً وكانوا يفعلون ذلك في الجاهلية لا يعطون الميراث إلا لمن قاتل القوم ويعطونه الأكبر فالأكبر. رواه ابن أبي حاتم وابن = ميراث البنات (ح٢٠٩٢)، وسنن ابن ماجه، الفرائض، باب فرائض الصلب (ح٢٧٢٠)، وصححه الترمذي وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح٢١٩٩). (١) كذا في (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: ((يعطون جميع الميراث للذكر)) وكلاهما صحيح. (٢) في الأصل: ((قارب)) وهو تصحيف والتصويب من (ح) و(حم) و(مح). (٣) متفق عليه من حديث عمر بن الخطاب ربه (صحيح البخاري، الأدب، باب رحمة الولد وتقبيله ح٥٩٩٩)، وصحيح مسلم، التوبة، باب في سعة رحمة الله تعالى (ح ٢٧٥٤). (٤) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَجُكُمْ﴾ [النساء: ١٢] ح٤٥٧٨)، وسنده مسلسل بالمفسرين. ٢٨ سُورَةِ النِّسَاءِ (١١) جرير أيضاً(١) وقوله: ﴿فَإِن كُنَّ نِسَآءٍ فَوْقَ أَثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكٌ﴾ قال بعض الناس: قوله: ﴿فَوْقَ﴾ زائدة، وتقديره فإن كن نساء اثنتين، كما في قوله: ﴿فَأَضْرِبُواْ فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ [الأنفال: ١٢] وهذا غير مسلم لا هنا ولا هناك. فإنه ليس في القرآن شيء زائد لا فائدة فيه، وهذا ممتنع، ثم قوله: ﴿فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكٌ﴾ لو كان المراد ما قالوه لقال: فلهما ثلث ما ترك وإنما استفيد كون الثلثين للبنتين من حكم الأختين في الآية الأخيرة، فإنه تعالى حكم فيها للأختين بالثلثين. وإذا ورثت الأختان الثلثين فلأن ترث البنتان الثلثين بالطريق الأولى والأحرى. وقد تقدم في حديث جابر أن النبي ◌َّر، حكم لابنتي سعد بن الربيع بالثلثين، فدل الكتاب والسنة على ذلك، وأيضاً فإنه قال: ﴿وَإِن كَانَتْ وَحِدَةٌ فَلَهَا النَّصْفُّ﴾ فلو كان للبنتين النصف لنصّ عليه أيضاً، فلما حكم به للواحدة على انفرادها، دل على أن البنتين في حكم الثلاث، والله أعلم. وقوله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَحِدٍ مِنْهُمَا الشُّدُسُ مِمَا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدْ فَإِن لَّمْ يَكُنُ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَّهُ، أَبَهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلْثُّ فَإِنِ كَانَ لَهُه إِخْوَةٌ فَلِأَقِّهِ السُّدُسُنَّ﴾(٢)، الأبوان لهما في الإرث أحوال: (أحدها): أن يجتمعا مع الأولاد فيفرض لكل واحد منهما السدس، فإن لم يكن للميت إلا بنت واحدة، فرض لها النصف، وللأبوين لكل واحد منهما السدس وأخذ الأب السدس الآخر [بالتعصيب](٣)، فيجمع له والحالة هذه بين الفرض والتعصيب. الحال الثاني: أن ينفرد الأبوان بالميراث، فيفرض للأم والحالة هذه الثلث، ويأخذ الأب الباقي بالتعصيب المحض، ويكون قد أخذ ضعفي ما حصل للأُم، وهو الثلثان، فلو كان معهما - والحالة هذه - زوج أو زوجة أخذ الزوج النصف والزوجة الربع. ثم اختلف العلماء ماذا تأخذ الأُم بعد فرض الزوج والزوجة، على ثلاثة أقوال: (أحدها): أنها تأخذ ثلث الباقي في المسألتين، لأن الباقي كأنه جميع الميراث بالنسبة إليهما . وقد جعل الله لها نصف ما جعل للأب. فتأخذ ثلث الباقي ويأخذ الأب ثلثيه، هذا قول عمر وعثمان، [وأصح الروايتين](٤) عن علي، وبه يقول ابن مسعود وزيد بن ثابت، وهو قول الفقهاء السبعة والأئمة الأربعة وجمهور العلماء. (والقول الثاني): أنها تأخذ ثلث جميع المال لعموم قوله: ﴿فَإِن لَّمْ يَكُنْ لَّهُ وَلٌَّ وَوَرِثَهُ: أَبَوَاهُ فَلَأُقِهِ اُلُّلْثُ﴾ فإن الآية أعمّ من أن يكون معها زوج أو زوجة أو لا، وهو قول ابن عباس. وروي عن علي ومعاذ بن جبل نحوه. وبه يقول شريح وداود الظاهري. واختاره أبو الحسين محمد بن عبد الله بن اللبان البصري في كتابه (الإيجاز في علم الفرائض) وهذا فيه نظر، بل هو ضعيف، لأن ظاهر الآية إنما هو إذا استبد بجميع التركة، وأما في هذه المسألة فيأخذ الزوج أو الزوجة الفرض ويبقى الباقي كأنه جميع التركة فتأخذ ثلثه كما تقدم. (١) أخرجاه في تفسيريهما وسنده ضعيف. (٢) تقدم في بداية تفسير الآية نفسها . (٣) زيادة من (ح) و(حم) و(مح). (٤) كذا في (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: ((في الروايتين)). ٢٩ • سُورَةِ النِّسَاءِ (١١) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 (والقول الثالث): أنها تأخذ ثلث جميع المال في مسألة الزوجة، فإنها تأخذ الربع وهو ثلاثة من اثني عشر، وتأخذ الأُم الثلث وهو أربعة، فيبقى خمسة للأب، وأما في مسألة الزوج فتأخذ ثلث الباقي لئلا تأخذ أكثر من الأب لو أخذت ثلث المال، فتكون المسألة من ستة: للزوج النصف ثلاثة وللأم ثلث الباقي بعد ذلك وهو سهم، وللأب الباقي بعد ذلك وهو سهمان. ويحكى هذا عن ابن سيرين وهو قول مركب من القولين الأولين، موافق كّلاً منهما في صورة وهو ضعيف أيضاً، والصحيح الأول، والله أعلم. (والحال الثالث من أحوال الأبوين): وهو اجتماعهما مع الإخوة، سواء كانوا من الأبوين أو من الأب أو من الأم، فإنهم لا يرثون مع الأب شيئاً، ولكنهم مع ذلك يحجبون الأم عن الثلث إلى السدس، فيفرض لها مع وجودهم السدس، فإن لم يكن وارث سواها وسوى الأب، أخذ الأب الباقي. وحكم الأخوين فيما ذكرناه كحكم الإخوة عند الجمهور. وقد روى البيهقي من طريق شعبة مولى ابن عباس، عن ابن عباس أنه دخل على عثمان، فقال: إن الأخوين لا يردان الأم عن الثلث، قال الله تعالى: ﴿فَإِن كَانَ لَهُهُ إِخْوَةٌ﴾ فالأخوان ليسا بلسان قومك إخوة، فقال عثمان: لا أستطيع [تغيير] (١) ما كان قبلي، ومضى في [الأمصار](٢) وتوارث به الناس(٣). وفي صحة هذا الأثر نظر، فإن شعبة هذا تكلم فيه مالك بن أنس، ولو كان هذا صحيحاً عن ابن عباس لذهب إليه أصحابه الأخصاء به، والمنقول عنهم خلافه، وقد روی عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه [عن خارجة بن زيد، عن أبيه أنه قال: العرب] (٤) تسمي الأخوين إخوة(٥). وقد أفردت لهذه المسألة جزءاً على حدة. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد العزيز بن المغيرة، حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة قوله: ﴿فَإِن كَانَ لَهُهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُّ﴾ أضروا بالأم ولا يرثون، ولا يحجبها الأخ الواحد من الثلث ويحجبها ما فوق ذلك، وكان أهل العلم يرون أنهم إنما حجبوا أمهم عن الثلث أن أباهم يلي إنكاحهم، ونفقتهم عليهم دون أمهم(٦). وهذا كلام حسن. لكن روي عن ابن عباس بإسناد صحيح أنه كان يرى أن السدس الذي حجبوه عن أمهم يكون لهم وهذا قول (١) زيادة من (ح) و(حم) و(مح). (٢) كذا في (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: ((الآثار))، وكذا أخرجه الطبري والحاكم (المستدرك ٣٣٥/٤)، والبيهقي (السنن الكبرى ٢٢٧/٦)، كلهم من طريق ابن أبي ذئب عن شعبة به، وشعبة هو ابن دينار الهاشمي: صدوق سيء الحفظ (التقريب ص٢٦٦)، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي وقد نقل الحافظ ابن حجر تصحيح الحاكم ثم قال: وفيه نظر فإن شعبة ضعفه النسائي (التلخيص الحبير ٨٥/٣)، ولكنه قال في موفقه الخُبر الخَبر: هذا موقوف حسن (٤٨٢/١)، والعلة التي ذكرها الحافظ ابن كثير هي الفيصل في ضعف هذه الرواية. (٣) قوله: ((وتوارث به الناس)) وردت في (السنن الكبرى للبيهقي ٢٢٧/٦)، ولم ترد في رواية الطبري. (٤) ما بين معقوفين زيادة من (ح) و(حم) و(مح). (٥) أخرجه البيهقي من طريق يحيى بن آدم عن عبد الرحمن بن أبي الزناد به (السنن الكبرى ٢٢٧/٦)، وما ذكره معروف عند العرب. (٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ولفظه، وسنده حسن. ٣٠ سُورَةُ النَّسَاءِ (١١) شاذ رواه ابن جرير في تفسيره فقال: حدثنا الحسن بن يحيى، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: السدس الذي حجبته الإخوة الأم لهم، إنما حجبوا أمهم عنه ليكون لهم دون أبيهم(١)، ثم قال ابن جرير: وهذا قول مخالف لجميع الأمة. وقد حدثني يونس، أخبرنا سفيان، أخبرنا عمرو، عن الحسن بن محمد، عن ابن عباس أنه قال: الكلالة: من لا ولد له ولا والد(٢). وقوله: ﴿مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ أجمع العلماء من السلف والخلف على أن الدين مقدم على الوصية وذلك عند [إمعان](٣) النظر يفهم من فحوى الآية الكريمة. وقد روى أحمد والترمذي وابن ماجه وأصحاب التفاسير من حديث أبي إسحاق، عن الحارث بن عبد الله الأعور، عن علي بن أبي طالب، قال: إنكم تقرؤون ﴿مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُؤْمِى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ﴾ وإن رسول الله ﴿ قضى بالدين قبل الوصية، وإن أعيان بني الأُم يتوارثون دون بني العلات. يرث الرجل أخاه لأبيه وأمه دون أخيه لأبيه. ثم قال الترمذي: لا نعرفه إلا من حديث الحارث، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم(٤). (قلت): لكن كان حافظاً للفرائض معتنياً بها وبالحساب، فالله أعلم. وقوله: ﴿ءَبَآؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُنْ نَفْعًا﴾ أي: إنما فرضنا للآباء والأبناء، وساوينا بين الكل في أصل الميراث على خلاف ما كان عليه الأمر [في الجاهلية وعلى خلاف ما كان عليه الأمر](6) في ابتداء الإسلام من كون المال للولد وللأبوين الوصية، كما تقدم عن ابن عباس، إنما نسخ الله ذلك إلى هذا ففرض لهؤلاء ولهؤلاء بحسبهم، لأن الإنسان قد يأتيه النفع الدنيوي أو الأخروي أو هما من أبيه ما لا يأتيه من ابنه، وقد يكون بالعكس، فلهذا قال: ﴿ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُنْ نَفْعًاً﴾ أي: كأن النفع متوقع ومرجو من هذا كما هو متوقع ومرجو من الآخر، فلهذا فرضنا لهذا ولهذا، وساوينا بين القسمين في أصل الميراث، والله أعلم. وقوله: ﴿فَرِيضَةُ مِّنَ اللَّهَ﴾ أي: هذا الذي ذكرناه من تفصيل الميراث وإعطاء بعض الورثة أكثر من بعض، هو فرض من الله، الله حكم به وقضاه، والله العليم الحكيم الذي يضع الأشياء (١) كذا في النسخ وكذا في النسخة المحققة على عدة نسخ، وأما في نسخة أحمد شاكر بلفظ: ((أُمهم)). (٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وتعليقه، ولعل ابن عباس رجع عن ذلك بدليل ما ذكره ورواه الطبري بأنه قد روى عنه خلاف ذلك. وكلا الروايتين أخرجهما عبد الرزاق في مصنفه رقم (١٩٠٢٧ و١٩١٨٩). (٣) كذا في (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: ((إنعام)). (٤) المسند (ح٥٩٥)، وسنن الترمذي، الفرائض، باب ما جاء في ميراث الأخوة من الأب والأم (ح ٨٧٣٧) وتتمة كلامه: والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم، وسنن ابن ماجه، الفرائض باب ميراث العصبة (ح٢٧٣٩)، والحارث الأعور الكوفي ضعيف كما في التقريب، وأخرجه الحاكم ثم قال: هذا حديث رواه الناس عن أبي إسحاق والحارث بن عبد الله ... ولم يخرجه الشيخان، وقد صحت هذه الفتوى عن زيد (المستدرك ٣٣٦/٤). (٥) الزيادة من (ح) و(حم) و(مح). ٣١ • سُوَّرَةُ الْنِسَاءِ (١٢) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 في محالها، ويعطي كلاً ما يستحقه بحسبه، ولهذا قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ . ﴿﴿ وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَجُكُمْ إِن ◌َّْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدُ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَا تَرَكْنَّ مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُؤْصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ تُوُصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَلَةً أَوِ أَمْرَأَةٌ وَلَهُ: أَخُّ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُّ فَإِن كَانُواْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِى الثُّلُثِّ مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُوسَى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةٌ مِّنَ اللَّهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ ﴾﴾ يقول تعالى: ولكم أيها الرجال نصف ما ترك أزواجكم إذا متن من غير ولد، ﴿فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَا تَرَكْنَّ مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُؤُصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾. وقد تقدم أن الدين مقدم على الوصية، وبعده الوصية ثم الميراث، وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء وحكم أولاد البنين وإن سفلوا حكم أولاد الصلب ثم قال: ﴿وَلَهُنَ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدُ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِنَّا تَرَكْتُمْ﴾ وسواء في الربع أو الثمن الزوجة والزوجتان والثلاث والأربع يشتركن فيه. وقوله: ﴿مِّنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ تُصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ الكلام عليه كما تقدم. وقوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَلَةٌ﴾ الكلالة مشتقة من الإكليل، وهو الذي يحيط بالرأس من جوانبه، والمراد هنا من يرثه من حواشيه لا أصوله ولا فروعه، كما روى الشعبي عن أبي بكر الصديق أنه سئل عن الكلالة، فقال: أقول فيها برأيي، فإن يكن صواباً فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان منه، الكلالة من لا ولد له ولا والد، فلما ولي عمر بن الخطاب قال: إني لأستحي أن أخالف أبا بكر في رأي رآه، رواه ابن جرير وغيره(١) . وقال ابن أبي حاتم في تفسيره: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد، عن سفيان، عن سليمان الأحول، عن طاوس، قال: سمعت ابن عباس يقول: كنت آخر الناس عهداً بعمر بن الخطاب فسمعته يقول: القول ما قلت وما قلت وما قلت، قال: الكلالة من لا ولد له ولا والد(٢). وهكذا قال علي وابن مسعود، وصحّ ((مِن)) غير وجه عن ابن عباس وزيد بن ثابت، وبه يقول الشعبي والنخعي والحسن وقتادة وجابر بن زيد والحكم(٣)، وبه يقول أهل المدينة وأهل الكوفة والبصرة، وهو قول الفقهاء السبعة والأئمة الأربعة وجمهور السلف والخلف، بل جميعهم، وقد حكى الإجماع عليه غير واحد، وورد فيه حديث مرفوع، قال أبو الحسين بن اللبان: وقد روي (١) أخرجه الطبري من طريق الشعبي به، وسنده منقطع فإن الشعبي لم يسمع أبا بكر ولا عمر، ويتقوى بالرواية التالية. (٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح صححه الحافظ ابن حجر (التلخيص الحبير ٨٩/٣)، وأخرجه الحاكم من طريق سفيان بن عيينة به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣٠٤/٢). (٣) ذكرهم السيوطي في الدر المنثور. ٣٢ • سُوَرَةُ النِّسَاءِ (١٢) عن ابن عباس ما يخالف ذلك، وهو أنه من لا ولد له، والصحيح عنه الأول، ولعل الراوي ما فهم عنه ما [أراد] (١) وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ، أَخُّ أَوْ أُخْتٌ﴾ أي: من أُم كما هو في قراءة بعض السلف، منهم سعد بن أبي وقاص(٢)، وكذا [فسرها](٣) أبو بكر الصديق فيما رواه قتادة عنه(٤) ﴿فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُنَّ فَإِن كَانُواْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِىِ الثُّلُثِ﴾ إخوة الأُم يخالفون بقية الورثة من وجوه: (أحدها): أنهم يرثون مع من أدلوا به، وهي الأُم. (الثاني): أن ذكورهم وإناثهم سواء. (الثالث): أنهم لا يرثون إلا إن كان ميتهم يورث كلالة، فلا يرثون مع أب ولا جد ولا ولد ولا ولد ابن. (الرابع): أنهم لا يزادون على الثلث، وإن كثر ذكورهم وإناثهم. قال ابن أبي حاتم: [حدثنا يونس](٥)، حدثنا ابن وهب، أخبرنا يونس، عن الزهري، قال: قضى عمر بن الخطاب به أن ميراث الإخوة من الأُم بينهم للذكر مثل الأنثى، قال محمد بن شهاب الزهري: ولا أرى عمر قضى بذلك حتى علم بذلك من رسول الله وسلّر، وهذه الآية هي التي قال الله تعالى فيها: ﴿فَإِن كَانُواْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِىِ الثُّلُثِ﴾(٦). واختلف العلماء في المسألة المشتركة، وهي زوج وأم أو جدة واثنان من ولد الأُم وواحد أو أكثر من ولد الأبوين، فعلى قول الجمهور للزوج النصف، وللأُم أو الجدة السدس ولولد الأُم الثلث ويشاركهم فيه ولد الأب والأم بما بينهم من القدر المشترك وهو إخوة الأُم، وقد وقعت هذه المسألة في زمن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، فأعطى الزوج النصف، والأُم السدس، وجعل الثلث لأولاد الأُم، فقال له أولاد الأبوين: يا أمير المؤمنين، هبّ أن أبانا كان حماراً، ألسنا من أم واحدة؟ فشرك بينهم(٧). صحَّ التشريك عنه وعن عثمان، وهو إحدى الروايتين عن ابن مسعود وزيد بن ثابت وابن عباس ، وبه يقول سعيد بن المسيب وشريح القاضي ومسروق وطاوس ومحمد بن سيرين وإبراهيم النخعي وعمر بن عبد العزيز والثوري وشريك، وهو مذهب مالك والشافعي وإسحاق بن راهويه، وكان علي بن أبي طالب لا يشرك بينهم، بل يجعل الثلث الأولاود الأُم، ولا شيء لأولاد الأبوين، والحالة هذه لأنهم عصبة. وقال وكيع بن الجراح: لم يختلف عنه في (١) الزيادة من (ح) و(حم) و(مح). (٢) أخرجه ابن أبي شيبة بسند حسن عنه (المصنف ٤١٧/١١ ح ١١٦٥٠). (٣) كذا في (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: ((قرأها)). (٤) قتادة لم يسمع من أبي بكر فسنده منقطع. (٥) سقط في الأصل واستدرك من (ح) و(حم) و(مح)، وتفسير ابن أبي حاتم. (٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، والزهري لم يسمع من عمر. (٧) أخرجه الحاكم بنحوه من طريق الشعبي عن عمر وعلي وعبد الله وزيد، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣٣٧/٤) . ٣٣ • سُورَةُ النِّسَخَّاءِ (١٢) ذلك. وهذا قول أبي بن كعب وأبي موسى الأشعري. وهو المشهور عن ابن عباس. وهو مذهب الشعبي وابن أبي ليلى وأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن والحسن بن زياد [وزفر](١) بن الهُذيل والإمام أحمد بن حنبل ويحيى بن آدم ونعيم بن حماد وأبي ثور وداود بن علي الظاهري، [واختاره أبو الحسين بن اللبان الفرضي](٢) تَُّهُ في كتابه (الإيجاز). وقوله: ﴿مِنُ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُؤْصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍ﴾ أي: لتكن وصيته على العدل لا على الإضرار والجور والحيف بأن يحرم بعض الورثة أو ينقصه، أو يزيده على ما قدّر الله له من الفريضة، فمن سعى في ذلك، كان كمن ضادّ الله في حكمته، وقسمته. ولهذا قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو النضر الدمشقي الفراديسي، حدثنا عمر بن المغيرة، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي وَّ، قال: ((الإضرار في الوصية من الكبائر))(٣). وكذا رواه ابن جرير من طريق عمر بن المغيرة هذا، وهو أبو حفص بصري سكن المصيصة، قال أبو القاسم بن عساكر: ويعرف بمفتي المساكين، وروى عنه غير واحد من الأئمة، وقال فيه أبو حاتم الرازي: هو شيخ (٤)، وقال علي بن المديني: هو مجهول لا أعرفه، لكن رواه النسائي في سننه عن علي بن حجر، عن علي بن مسهر، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس موقوفاً: ((الإضرار في الوصية من الكبائر)) وكذا رواه ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الأشج، عن عائذ بن حبيب، عن داود بن أبي هند(٥)، ورواه ابن جرير من حديث جماعة من الحفاظ عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس موقوفاً (٦)، وفي بعضها: ويقرأ ابن عباس ﴿غَيّرَ مُضَآرٍ﴾. قال ابن جرير: والصحيح الموقوف، ولهذا اختلف الأئمة في الإقرار للوارث، هل هو صحيح أم لا؟ على قولين: (أحدهما): لا يصح لأنه مظنة التهمة أن يكون قد أوصى له بصيغة الإقرار. وقد ثبت في الحديث الصحيح أن رسول الله وَلو قال: ((إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث)). وهذا مذهب مالك وأحمد بن حنبل وأبي حنيفة، والقول القديم للشافعي رحمهم الله، وذهب في الجديد إلى أنه يصح الإقرار. وهو مذهب طاوس وعطاء والحسن وعمر بن عبد العزيز واختاره البخاري في صحيحه، واحتج بأن رافع بن خدج أوصى أن لا تكشف الفزارية عما أغلق عليه بابها، قال: وقال بعض الناس: لا يجوز إقراره لسوء الظن به للورثة، وقد قال النبي ◌َّر: ((إياكم والظن، فإن الظن (١) كذا في (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: ((زيد)) وهو تصحيف. (٢) كذا في (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: ((وأحباهم أبو الحسين بن اللبان القرظي)) وهو تصحيف في أوله وآخره. (٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، في سنده عمر المغيرة ضعيف جداً (تهذيب التهذيب ٢٢٠/١)، ولم يصح مرفوعاً، وإنما صح موقوفاً، وأخرجه الطبري والبيهقي من طرق عن ابن عباس موقوفاً، وعقب البيهقي فقال: هذا هو الصحيح موقوف (السنن الكبرى ٢٧١/٦)، وأخرجه العقيلي في الضعفاء وقال: لا يعرف أحد رفعه غير عمر بن المغيرة المصيصي (انظر: نصب الراية ٤٠٢/٤)، وصححه الطبري موقوفاً أيضاً كما نقل عنه الحافظ ابن كثير. (٤) الجرح والتعديل (١٣٦/٦). (٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن. (٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن. ٣٤ • سُوَّرَةُ النِّسَاءِ (١٣، ١٤) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 أكذب الحديث)) وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّواْ أَلْأَمَنَتِ إِلَىْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] فلم يخص وارثاً ولا غيره(١)، انتهى ما ذكره. فمتى كان الإقرار صحيحاً مطابقاً لما في نفس الأمر، جرى فيه هذا الخلاف، ومتى كان حيلة ووسيلة إلى زيادة بعض الورثة ونقصان بعضهم، فهو حرام بالإجماع وبنص هذه الآية الكريمة ﴿غَيْرَ مُضَارٍ وَصِيَّةٌ مِّنَ اللَّهِ وَاللّهُ عَلِيهُ حَلِيمٌ﴾ ثم قال تعالى: ] ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ, يُدْخِلْهُ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا اُلْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَلِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِيرٌ (®)﴾. أي هذه الفرائض والمقادير التي جعلها الله للورثة بحسب قربهم من الميت واحتياجهم إليه [وفقدهم](٢) له عند عدمه، هي حدود الله، فلا تعتدوها ولا تجاوزوها، ولهذا قال: ﴿وَمَنْ يُطِيعِ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: فيها فلم يزد بعض الورثة ولم ينقص بعضها بحيلة ووسيلة، بل تركهم على حكم الله وفريضته وقسمته ﴿يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا وَمَنْ يَعْصِ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ, وَيَتَعَذَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَلِدًا فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ اُلْعَظِيمُ وَلَمُ عَذَابٌ مُّهِيرٌ ﴾﴾ أي: لكونه غير ما حكم الله به وضادّ الله في حكمه، وهذا إنما يصدر عن عدم رضى بما قسم الله وحكم به، وضاد الله في حكمه وهذا إنما يصدر عن عدم الرضا بما قسم الله وحكم به، ولهذا يجازيه بالإهانة في العذاب الأليم المقيم - قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن أيوب، عن أشعث بن عبد الله، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَله: ((إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة سبعين سنة، فإذا أوصى حاف في وصيته فيختم بشر عمله فيدخل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الشر سبعين سنة، فيعدل في وصيته فيختم له بخير عمله فيدخل الجنة)) قال: ثم يقول أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿عَذَابٌ مُّهِيرٌ﴾(٣). قال أبو داود في باب الإضرار في الوصية من سننه: حدثنا عَبْدَة بن عبد الله، أخبرنا عبد الصمد، حدثنا نصر بن علي الحُدّاني، حدثنا الأشعث بن عبد الله بن جابر الحداني، حدثني شهر بن حوشب أن أبا هريرة حدثه أن رسول الله و * قال: ((إن الرجل ليعمل أو المرأة بطاعة الله ستين سنة ثم يحضرهما الموت، فيُضارّان في الوصية، فتجب لهما النار)) وقال: قرأ عليّ أبو هريرة من ههنا ﴿مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهِّآ أَوْ دَيْنٍ غَيّرَ مُضَارٍ﴾ [النساء: ١٢] حتى بلغ ﴿وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾(٤)، (١) ذكر البخاري مذهب طاوس وعطاء والحسن وعمر بن عبد العزيز وقول رافع والحريث، والتعليق كله معلقاً الصحيح، الوصايا، باب قول الله وَل: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢] قبل حديث رقم ٢٧٤٩، والحديث ذكر الحافظ ابن حجر أن البخاري وصله في الأدب المفرد (الفتح ٣٧٦/٥). (٢) كذا في (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: ((وفقرهم)) وهو تصحيف. (٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٧٧٢٨)، وسنده ضعيف بسبب شهر بن حوشب صدوق كثير الإرسال والأوهام (التقريب ص٢٦٩). (٤) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الوصايا، باب ما جاء في كراهية الإضرار في الوصية ح ٢٨٦٧)، ولم یذکره الألباني في صحيح سنن أبي داود. ٣٥ سُورَةُ الْنِسَاءِ (١٥، ١٦) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وهكذا رواه الترمذي وابن ماجه من حديث أشعث ابن عبد الله بن جابر الحداني به، وقال الترمذي: حسن غريب(١)، وسياق الإمام أحمد أتم وأكمل. ﴿وَلَّتِ يَأْتِينَ الْفَحِشَةَ مِن نِسَابِكُمْ فَأَسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةُ مِّنكُمَّ فَإِن شَهِدُواْ نَمْسِكُنَ وَلَّذَانِ يَأْتِيَنِهَا مِنكُمْ فَاذُوهُمَّا فَإِنْ فِى الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اَللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَاْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا زَّحِيمًا كان الحكم في ابتداء الإسلام أن المرأة إذا زنت فثبت زناها بالبينة العادلة، حبست في بيت فلا تمكن من الخروج منه إلى أن تموت، ولهذا قال: ﴿وَأَلَّتِ يَأْتِنَ الْفَاحِشَةَ﴾ يعني: الزنا ﴿مِن ◌ِسَائِكُمْ فَاسْتَشِْدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُواْ لَمْسِكُهُنَ فِى الْبُيُوتِ حَتَّى يَوَفَّهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ فالسبيل الذي جعله الله هو الناسخ لذلك. قال ابن عباس رَؤُه: كان الحكم كذلك حتى أنزل الله سورة النور، فنسخها بالجلد أو الرجم (٢). وكذا رُوي عن عكرمة، وسعيد بن جبير، والحسن وعطاء الخراساني وأبي صالح وقتادة وزيد بن أسلم والضحاك، أنها منسوخة (٣)، وهو أمر متفق عليه. قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن حطان بن عبد الله الرقاشي، عن عبادة بن الصامت، قال: كان رسول الله و 8* إذا نزل عليه الوحي، أثر عليه، وكرب لذلك، وتَرَبّد وجهه، فأنزل الله مت عليه ذات يوم، فلما سُري عنه، قال: ((خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلاً، الثيب بالثيب، والبكر بالبكر، الثيب جلد مائة ورجم بالحجارة، والبكر جلد مائة ثم نفي سنة))(٤). وقد رواه مسلم وأصحاب السنن من طرق عن قتادة، عن الحسن، عن حطان، عن عبادة بن الصامت، عن النبي 8َّ* ولفظه: ((خذوا عني خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم)(٥). وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وهكذا رواه أبو داود الطيالسي (١) سنن الترمذي، الوصايا، باب ما جاء في الوصية بالثلث (ح٢١١٧)، وسنن ابن ماجه، الوصايا، باب الحيف في الوصية (ح٢٧٠٤). (٢) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عطاء بن السائب عن ابن عباس، وفي سنده عطاء لم يسمع من ابن عباس وقد تابعه علي بن أبي طلحة كما في رواية الطبري والنحاس في الناسخ والمنسوخ ص ٣١٠، ويشهد له حديث عبادة بن الصامت له كما سيأتي في صحيح مسلم. فالإسناد حسن لغيره. (٣) هذه الأقوال ذكرها كلها ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول عطاء الخراساني تقدم في سابقه ضمن إسناد ابن عباس، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخ الطبري، وأخرجه الطبري بإسناد صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه الطبري بإسناد حسن من طريق أسباط عن السدي. وقول زيد بن أسلم أخرجه الطبري بإسناد صحيح من طريق عبد الله بن وهب عنه. (٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣١٨/٥)، وسنده صحيح فقد أخرجه مسلم كما سيأتي. (٥) صحيح مسلم، الحدود، باب حد الزنى (ح ١٦٩٠)، وسنن الترمذي، الحدود، باب ما جاء في الرجم على الثیب (ح١٤٣٣). ٣٦ سُورَةُ الْنِسَاءِ (١٥، ١٦) عن مبارك بن فضالة، عن الحسن، عن حطان بن عبد الله الرقاشي، عن عبادة، أن رسول الله ﴿ كان إذا نزل عليه الوحي، عُرف ذلك في وجهه، فلما أُنزلت ﴿أَوَ يَجْعَلَ اَللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ فلما ارتفع الوحي قال رسول الله وَّر: ((خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة ورمي بالحجارة)) (١). وقد روى الإمام أحمد أيضاً هذا الحديث عن وكيع بن الجراح، حدثنا الفضل بن دلهم، عن الحسن، عن قبيصة بن حُرَيث، عن سلمة بن المحبق، قال: قال رسول الله وَير: ((خذوا عني خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم))(٢). وكذا رواه أبو داود مطولاً من حديث الفضل بن دلهم، ثم قال: وليس هو بالحافظ، كان قصاباً بواسط. (حديث آخر) قال أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا عباس بن [حمدان](٣)، حدثنا أحمد بن داود، حدثنا عمرو بن عبد الغفار، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن مسروق، عن أبي كعب، قال: قال رسول الله وَله: ((البكران يجلدان وینفیان، والثيبان يجلدان ويرجمان، والشيخان يرجمان))(٤) هذا حديث غريب من هذا الوجه. وروى الطبراني من طريق ابن لهيعة عن أخيه عيسى بن لهيعة، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما نزلت سورة النساء، [قال رسول الله وَ﴾: ((لا حبس بعد سورة النساء))(٥)] (٦). وقد ذهب الإمام أحمد بن حنبل إلى القول بمقتضى هذا الحديث، وهو الجمع بين الجلد والرجم في حق الثيب الزاني، وذهب الجمهور إلى أن الثيب الزاني إنما يرجم فقط من غير جلد، قالوا: لأن النبي ◌ِّ ل و رجم ماعزاً والغامدية واليهوديين، ولم يجلدهم قبل ذلك، فدل على أن الجلد ليس بحتم، بل هو منسوخ على قولهم، والله أعلم. وقوله تعالى: ﴿وَأَلَّذَانِ يَأْتِيَنِهَا مِنكُمْ فَاذُوهُمِّ﴾ أي: واللذان يفعلان الفاحشة فآذوهما، قال ابن عباس ﴿ وسعيد بن جبير وغيرهما؛ أي: بالشتم والتعيير والضرب بالنعال(٧). وكان الحكم كذلك، حتى نسخه الله بالجلد أو الرجم. (١) مسند الطيالسي (ح ٥٨٤). (٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٧٦/٣)، وسنده ضعيف بسبب الفضل بن دلهم ضعفه ابن معين كما في (ميزان الاعتدال ٣٠١/٣)، وقال ابن أبي حاتم الرازي عن أبيه: هذا خطأ إنما أراه عن الحسن عن حطان عن قتادة (العلل ٤٥٦/١)، ولكن متنه صحيح كما تقدم. (٣) كذا في (ح) و(حم)، وفي (مح): ((حمران)) وفي الأصل: ((عمران)) وهو تصحيف. (٤) في سنده عمرو بن عبد الغفار وهو الفقيمي، قال أبو حاتم: متروك، وقال ابن عدي: اتهم بوضع الحديث (لسان الميزان ٤٦٩/٤). (٥) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ٣٦٥/١١)، وفي سنده عيسى بن لهيعة ضعيف كما تقدم في أول تفسير السورة. (٦) ما بين معقوفين سقط في الأصل واستدرك من (ح) و(حم) و(مح) والتخريج. (٧) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، وقول سعيد بن جبير أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عطاء بن دينار عنه. ٣٧ • سُوَرَّةُ الْنِسَخَّاءِ (١٧، ١٨) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال عكرمة وعطاء والحسن وعبد الله بن كثير: نزلت في الرجل والمرأة إذا زنيا (١). وقال السدي: نزلت في الفتيان من قبل أن يتزوجوا (٢). وقال مجاهد: نزلت في الرجلين إذا فعلا(٣) - لا يكنى، وكأنه يريد اللواط(٤) - والله أعلم. وقد روى أهل السنن من حديث عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله وَى: ((من رأيتموه يعمل عمل قوم لوط، فاقتلوا الفاعل والمفعول به)(٥). وقوله: ﴿فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا﴾ أي: أقلعا ونزعا عما كانا عليه وصلحت أعمالها وحسنت، ﴿فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَاً﴾ أي: لا تعنفوهما بكلام قبيح بعد ذلك، لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾. وقد ثبت في الصحيحين ((إذا زنت أمة أحدكم، فليجلدها الحد ولا يثرب عليها))(٦). أي: ثم لا يعيرها بما صنعت بعد الحد الذي هو كفارة لما صنعت. - ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَلَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمُ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴿ وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيْئَاتِ حََّ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ اُلْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْتَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارُ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَمْ عَذَابًا أَلِيمًا ( يقول الله تعالى: إنما يتقبل الله التوبة ممن عمل السوء بجهالة ثم يتوب ولو قبل معاينة الملك ليقبض روحه قبل الغرغرة. قال مجاهد وغير واحد: كل من عصى الله خطأً أو عمداً، فهو جاهل حتى ينزع عن الذنب(٧) . وقال قتادة، عن أبي العالية أنه كان يحدث أن أصحاب رسول الله بم لي كانوا يقولون: كل ذنب أصابه عبد فهو جهالة، رواه ابن جرير (٨) . وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: اجتمع أصحاب رسول الله وَ ﴿ فرأوا أن كل شيء عصي الله به، فهو جهالة عمداً كان أو غيره(٩) . (١) هذه الأقوال أخرجها الطبري بأسانيد ضعاف، ويشهد لها ما تقدم من روايات. (٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي. (٣) أخرجه الطبري بإسنادين أحدهما صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٤) كذا في النسخ التي بين يدي والمراد: ((اللواط)). (٥) أخرجه أبو داود (السنن، الحدود، باب فيمن عمل عمل قوم لوط ح ٤٤٦٢)، والترمذي (السنن، الحدود، باب ما جاء في حد اللوطي ح١٤٥٦)، والنسائي بنحوه (السنن الكبرى، الرجم، باب من عمل عمل قوم لوط ح ٧٣٣٧)، وابن ماجه (السنن، الحدود، باب من عمل عمل قوم لوط ح٢٥٦١)، كلهم من طريق عمرو بن أبي عمرو به، وقال الألباني: حسن صحيح (صحيح سنن أبي داود ح٣٧٤٥). (٦) صحيح البخاري، الحدود، باب لا يثرب على الأمَة إذا زنت (ح٦٨٣٩)، وصحيح مسلم الحدود، باب رجم اليهود، أهل الذمة في الزنى (ح ١٧٠٣). (٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٨) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة به. (٩) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن قتادة لكنه مرسل لأنه لم يسمع إلا من أنس لحظ اته. ٣٨ سُورَةُ النِّسَاءِ (١٧، ١٨) وقال ابن جريج: أخبرني عبد الله بن كثير، عن مجاهد، قال: كل عامل بمعصية الله فهو جاهل حين عملها، قال ابن جريج: وقال لي عطاء بن أبي رباح نحوه (١). وقال أبو صالح، عن ابن عباس: من جهالته عمل السوء (٢). وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ﴾ قال: ما بينه وبين أن ينظر إلى ملك الموت(٣). وقال الضحاك: ما كان دون الموت فهو قريب(٤). وقال قتادة والسدي: ما دام في صحته(٥)، وهو مروي عن ابن عباس. وقال الحسن البصري: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ﴾، ما لم يغرغر (٦). وقال عكرمة: الدنيا كلها قريب(٧). ذکر الأحاديث في ذلك: قال الإمام أحمد: حدثنا علي بن عياش، وعصام بن خالد، قالا: حدثنا ابن ثوبان، عن أبيه، عن مكحول، عن جبير بن نفير، عن ابن عمر، عن النبي ◌َّ، قال: ((إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر))(٨). رواه الترمذي وابن ماجه من حديث عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان به. وقال الترمذي: حسن غريب. ووقع في سنن ابن ماجه عن عبد الله بن عمرو، وهو وهم إنما هو عبد الله بن عمر بن الخطاب(4) . (طريق أخرى) عن ابن عمر قال ابن مردويه: حدثنا محمد بن معمر، حدثنا عبد الله بن الحسن الحراني، حدثنا يحيى بن عبد الله [الباهلي](١٠)، حدثنا أيوب بن نهيك الحلبي، سمعت عطاء بن أبي رباح، قال: سمعت عبد الله بن عمر، سمعت رسول الله وَّطيور يقول: ((ما من عبد مؤمن يتوب قبل الموت بشهر إلا قبل الله منه وأدنى من ذلك، وقبل موته بيوم وساعة يعلم الله منه التوبة (١) أخرجه الطبري من طريق الحسين - وهو سُنيد - عن حجاج، عن ابن جريج به، وسنده ضعيف بسبب ضعف سُنید. (٢) أخرجه الطبري عن أبي صالح به، وسنده ضعيف لضعف أبي صالح وهو باذام أو باذان مولى أم هاني. (٣) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به. (٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق النضر بن طهمان عن الضحاك به. (٥) قول السدي أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول قتادة ذكره ابن أبي حاتم بحذف السند. (٦) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق مسكين بن عبد الله الطاحي، عن حوشب، عن الحسن، وفي سنده مسكين ذكره ابن أبي حاتم وسكت عنه (الجرح والتعديل ٣٢٩/٨)، وله شاهد يقويه كما سيأتي في رواية الإمام أحمد عن ابن عمر. (٧) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق الحكم بن أبان عن عكرمة. (٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٦١٦٠)، وسنده حسن وصححه أحمد شاكر. (٩) سنن الترمذي، الدعوات (ح٣٥٣٧)، وسنن ابن ماجه، الزهد، باب ذكر التوبة (ح٥٢٥٣)، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٣٤٣٠). (١٠) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل: ((البابلي) وفي (مح): البابلتي. ٣٩ سُورَةُ النِّسَاءِ (١٧، ١٨) والإخلاص إليه إلا قبل منه))(١). (حديث آخر) قال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة عن إبراهيم بن ميمونة، أخبرني رجل من بلحارث يقال له: أيوب قال: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: من تاب قبل موته بعام تیب علیه، ومن تاب قبل موته بشهر تيب عليه، ومن تاب قبل موته بجمعة تيب عليه، ومن تاب قبل موته بيوم تيب عليه، ومن تاب قبل موته بساعة تيب عليه، فقلت له: إنما قال الله: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَلَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ﴾ فقال: إنما أحدثك ما سمعته من رسول الله وَل﴾(٢). وهكذا رواه أبو داود الطيالسي وأبو عمر الحوضي وأبو عامر العقدي عن شعبة. (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا حسين بن محمد، حدثنا محمد بن مطرف، عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن [البَيْلماني](٣)، قال: اجتمع أربعة من أصحاب النبي وَّ، فقال أحدهم: سمعت رسول الله وَّيه يقول: ((إن الله يقبل توبة العبد قبل أن يموت بيوم))، فقال الآخر: أنت سمعت هذا من رسول الله وَله؟ قال: نعم. قال: وأنا سمعت رسول الله صل* يقول: ((إن الله يقبل توبة العبد قبل أن يموت بنصف يوم))، فقال الثالث: أنت سمعت هذا من رسول الله وعليه؟ قال: نعم. قال: وأنا سمعت رسول الله و 98 يقول: ((إن الله يقبل توبة العبد قبل أن يموت بضحوة))، قال الرابع: أنت سمعت هذا من رسول الله وَ﴾؟ قال: نعم. قال: وأنا سمعت رسول الله وَو يقول: ((إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر بنفسه)) (٤). وقد رواه سعيد بن منصور عن الدراوردي، عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن البَيْلماني، فذكر قريباً منه. (حديث آخر) قال أبو بكر بن مردويه: حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن زيد، حدثنا عمران بن عبد الرحيم، حدثنا عثمان بن الهيثم، حدثنا عوف، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَله: ((إن الله يقبل توبة عبده ما لم يغرغر))(٥). أحاديث في ذلك مرسلة: قال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا ابن أبي عدي، عن عوف، عن الحسن، قال: بلغني أن رسول الله ( 8* قال: ((إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر))، هذا مرسل حسن عن الحسن البصري تَّقُ(٦). (١) أخرجه أبو نعيم من طريق يحيى بن عبد الله به (الحلية ٣٢٠/٣)، وسنده ضعيف لضعف أيوب بن نهيك، ضعفه أبو حاتم، وقال الأزدي: متروك (لسان الميزان ٤٩٠/١). (٢) أخرجه أبو داود الطيالسي بسنده ومتنه (منحة المعبود ح٢٢٨٤)، وأخرجه الإمام أحمد (المسند ح ٦٩٢٠)، والطبري وابن أبي حاتم والبخاري (التاريخ الكبير ٤٢٧/٢)، كلهم من طريق رجل من بلحارث. ولم يصرح باسمه فالإسناد ضعيف وسكت عنه الحافظ ابن حجر (تعجيل المنفعة ص٤٧ و٤٨). (٣) كذا في (ح) و(حم) و(مح) والمسند، وفي الأصل: ((السماني))، وهو تصحيف. (٤) أخرجه الإمام أحمد من طريق محمد بن مطرف عن زيد بن أسلم به (المسند ٣٦٢/٥)، وفي سنده عبد الرحمن بن البيلماني ضعيف كما في التقريب؛ ويشهد له حديث ابن عمر السابق. (٥) في سنده عمران بن عبد الرحيم بن أبي الورد: وضاع (لسان الميزان ٣٤٧/٤). (٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وهو مرسل، ويشهد له حديث ابن عمر السابق. ٤٠ • سُورَةُ الْنِسَاءِ (١٧، ١٨) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 (حديث آخر) قال ابن جرير أيضاً كَذَتُهُ: حدثنا ابن بشار، حدثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي عن قتادة، عن العلاء بن زياد، عن أبي أيوب بشير بن كعب أن نبي الله وَّر قال: ((إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر))، وحدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الأعلى، عن سعيد، عن قتادة، عن عبادة بن الصامت أن رسول الله وسلم قال ... فذكر مثله(١). (أثر آخر) قال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا أبو داود، حدثنا عمران، عن قتادة، قال: كنا عند أنس بن مالك وثمَّ أبو قلابة، فحدث أبو قلابة فقال: إن الله تعالى لما لعن إبليس سأله النظرة، فقال: وعزتك لا أخرج من قلب ابن آدم ما دام فيه الروح، فقال الله : وعزتي لا أمنعه التوبة ما دام فيه الروح. وقد ورد هذا في حديث مرفوع رواه الإمام أحمد في مسنده من طريق عمرو بن أبي عمرو وأبي الهيثم [العتواري](٢)، كلاهما عن أبي سعيد، عن النبي وَّ، قال: ((قال إبليس: وعزتك لا أزال أغويهم ما دامت أرواحهم في أجسادهم، فقال الله ربك: وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني)) (٣). فقد دلت هذه الأحاديث على أن من تاب إلى الله مك وهو يرجو الحياة، فإن توبته مقبولة، ولهذا قال تعالى: ﴿فَأُوْلَّبِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ وأما متى وقع الإياس من الحياة، وعاين الملك، وحشرجت الروح في الحلق وضاق بها الصدر، وبلغت الحلقوم، وغرغرت النفس صاعدة في الغلاصم، فلا توبة مقبولة حينئذٍ، ولات حين مناص، ولهذا قال: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّنْئَاتِ حَّةَ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْثُ قَالَ إِنِّ تُبْتُ اُلْتَنَ﴾، فَلَمْ (٨٤) وهذا كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُواْ ءَامَنَا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَزْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ، مُشْرِكِينَ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْ بَأْسَنًا﴾ الآية [غافر: ٨٤، ٨٥]، وكما حكم تعالى بعدم توبة أهل الأرض إذا عاينوا الشمس طالعة من مغربها في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِ بَعْضُ ءَايَتِ رَيِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَتُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِيَّ إِيَنِهَا خَيْرًا﴾ الآية [الأنعام: ١٥٨]، وقوله: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارُ﴾ يعني: أن الكافر إذا مات على كفره وشركه لا ينفعه ندمه ولا توبته، ولا يقبل منه فدية ولو بملء الأرض. قال ابن عباس وأبو العالية والربيع بن أنس: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارُ﴾ قالوا: نزلت في أهل الشرك (٤). وقال الإمام أحمد: حدثنا سليمان بن داود، قال: حدثنا عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، قال: حدثني أبي، عن مكحول أن عمر بن نعيم حدثه عن أسامة بن سلمان أن أبا ذر حدثهم أن رسول الله وَ له، قال: ((إن الله يقبل توبة عبده أو يغفر لعبده ما لم يقع الحجاب)). [قيل: وما وقوع الحجاب؟](٥) قال: (١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وقتادة لم يسمع من عباده ويشهد له حديث ابن عمر السابق. (٢) كذا في (ح) و(حم) و(مح) والمسند، وفي الأصل: ((العراري) وهو تصحيف. (٣) أخرجه الإمام أحمد من طريق يزيد بن الهاد عن عمرو بن أبي عمرو عن أبي سعيد الخدري به (المسند ٣٤٤/١٧ ح١١٢٤٤)، وحسنه محققوه بتعدد طرقه. (٤) قول أبي العالية والربيع بن أنس أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد عن أبي جعفر الرازي عن الربيع عن أبي العالية. (٥) سقط في الأصل واستدرك من (ح) و(حم) و(مح) والتخريج.