Indexed OCR Text

Pages 461-480

٤٦١
سُورَة العَقْرَانَ (١٦٥، ١٦٨)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
في حال شركهم وجاهليتهم، ﴿ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِنَبَ وَالْحِكْمَةَ﴾ يعني: القرآن والسنة، ﴿وَإِن كَانُواْ مِن
قَبْلُ﴾ أي: من قبل هذا الرسول ﴿لَفِى ضَلَلٍ مُبِينٍ﴾ أي: لفي غيّ وجهل ظاهر جليّ بيّن لكل أحد.
] ﴿أَوَ لَمَّآ أَصَبَتَكُم ◌ُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُ مِثْلَّهَا قُلْتُمْ أَنَّ هَذَّأْ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَى
وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ
كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ (٨٥) وَمَآ أَصَبَّكُمْ يَوْمَ اُلْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبَإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ
وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْ قَتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ أَدْفَعُواْ قَالُواْ لَوَ نَعْلَمُ قِتَالًا لَّأَتَّبَعْنَكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَيِذٍ أَقْرَبُ
اُلَّذِينَ قَالُواْ لِإِخْوَنِهِمْ وَقَعَدُوا
مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِّ يَقُولُونَ بِأَفْوَهِهِم ◌َا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُونَ (٦)
.
لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُواْ قُلْ فَادْرَءُواْ عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَدِّقِينَ
يقول تعالى: ﴿أَوَ لَمَّآ أَصَبَتَّكُمْ مُصِيبَةٌ﴾ وهي ما أصيب منهم يوم أُحد من قتل السبعين منهم
﴿قَدْ أَصَبْتُ مِثْلَيْهَا﴾ يعني يوم بدر، فإنهم قتلوا من المشركين سبعين قتيلاً، وأسروا سبعين أسيراً،
﴿قُلْتُمْ أَنَّ هَذَا﴾ أي: من أين جرى علينا هذا؟ ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ﴾
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، أنبأنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا قُراد(١) أبو نوح، حدثنا
عكرمة بن عمار، حدثنا سماك الحنفي أبو زميل، حدثني ابن عباس، حدثني عمر بن الخطاب،
قال: لما كان يوم أحد من العام المقبل، عوقبوا بما صنعوا يوم بدر من أخذهم الفداء، فقتل
منهم سبعون، وفرَّ أصحاب رسول الله وَّر عنه، وكُسرت رباعيته، وهُشمت البيضة على رأسه،
وسال الدم على وجهه، فأنزل الله: ﴿أَوَ لَمَّآ أَصَبَتَّكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّ هَذَأَ قُلْ هُوَ مِنْ
عِندِ أَنْفُسِكُمْ﴾ بأخذكم الفداء(٢). وهكذا رواه الإمام أحمد عن عبد الرحمن بن غزوان وهو قُراد
أبو نوح بإسناده ولكن بأطول منه(٣)، وهكذا قال الحسن البصري(٤).
وقال ابن جرير: حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا إسماعيل بن علية، عن ابن عون، عن
محمد، عن عبيدة، ح، قال سُنَيد وهو حسين: وحدثني حجاج، عن محمد، عن عَبيدة، عن
علي رحلته، قال: جاء جبريل إلى النبي وَل﴿، فقال: يا محمد، إن الله قد كره ما صنع قومك في
أخذهم الأسارى، وقد أمرك أن تخيرهم بين أمرين: إما أن يقدموا فتضرب أعناقهم، وبين أن
يأخذوا الفداء على أن يقتل منهم عدتهم، قال: فدعا رسول الله ﴿ ﴿ الناس، فذكر لهم ذلك،
فقالوا: يا رسول الله، عشائرنا وإخواننا ألا نأخذ فداءهم فنتقوى به على قتال عدونا، ويستشهد
منا عدتهم، فليس في ذلك ما نكره؟ قال: فقتل منهم يوم أُحد سبعون رجلاً، عدة أسارى أهل
بدر(٥). وهكذا رواه النسائي والترمذي من حديث أبي داود الحفري، عن يحيى بن زكريا بن أبي
زائدة، عن سفيان بن سعيد، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين به، ثم قال الترمذي:
(١) في الأصل: ((قرار)) وهو تصحيف.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٣) المسند (ح ٢٠٨)، وصححه أحمد شاكر.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم وسنده مرسل ويشهد له ما سبق.
(٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفيه سنيد فيه مقال، وقد توبع لكن المتابعة فيها نظر أيضاً كما سيأتي في
رواية الترمذي والنسائي.

٤٦٢
سُورَة العَقْرَانَ (١٦٥، ١٦٨)
حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث ابن أبي زائدة، وروى أبو أسامة عن هشام نحوه، وروى
عن ابن سيرين عن عبيدة(١)، عن النبي ◌َّ مرسلاً(٢).
وقال محمد بن إسحاق وابن جريج والربيع بن أنس والسدي: ﴿قُلّ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ﴾ أي:
بسبب عصيانكم لرسول الله ( * حين أمركم أن لا تبرحوا من مكانكم فعصيتم(٣). يعني بذلك الرماة
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا معقب لحكمه، ثم قال تعالى:
﴿وَمَآ أَصَلَبَكُمْ يَوْمَ اُلْتَقَى الْجَمْعَانِ فِيَإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي: فراركم بين يدي عدوكم وقتلهم لجماعة منكم
وجراحتهم لآخرين، كان بقضاء الله وقدره، وله الحكمة في ذلك ﴿وَلِيَعْلَمَ اٌلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: الذين
صبروا وثبتوا ولم يتزلزلوا ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْ قَبِتِلُواْ فِى سَبِيلِ الَّهِ أَوِ أَدْفَعُواْ قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ
قِتَالًا لَّأَتَّبَعْنَكُمْ﴾ يعني بذلك: أصحاب عبد الله بن أبي ابن سلول الذين رجعوا معه في أثناء الطريق،
فاتبعهم رجال من المؤمنين يحرضونهم على الإياب والقتال والمساعدة، ولهذا قال: ﴿أَوِ أَدْفَعُواْ﴾ .
قال ابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير والضحاك وأبو صالح والحسن والسدي: يعني: كثروا
سواد المسلمين(٤) .
وقال الحسن بن صالح: ادفعوا بالدعاء، وقال غيره: رابطوا (٥). فتعللوا قائلين: ﴿لَوَّ نَعْلَمُ
قِتَالَاً لَّأَتَّبَعْنَكُمْ﴾
.
قال مجاهد: يعنون لو نعلم أنكم تلقون حرباً لجئنا، ولكن لا تلقون قتالاً(٦).
قال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ومحمد بن يحيى بن حبّان
وعاصم بن عمر بن قتادة والحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ، وغيرهم من
علمائنا، كلهم قد حدث، قال: خرج علينا رسول الله وَّر - يعني حين خرج إلى أحد - في ألف
(١) في الأصل: ((عن أبي عبيدة)) وما أثبت من (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وهو الصواب.
(٢) السنن الكبرى للنسائي، السير، باب قتل الأسرى (ح٨٦٦٢)، وسنن الترمذي، السير، باب ما جاء في قتل
الأسرى والفداء (ح ١٥٦٧)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي ١١٠/٢. ولكن لفظ الترمذي:
وروى عن ابن سيرين عن عَبيدة عن علي عن النبي ◌َّر مرسلاً. كذا في السنن في شرحه تحفة الأحوذي ٥٪
١٨٦، والصواب ما نقله الحافظ ابن كثير من نسخة الترمذي التي اعتمدها.
وهذا الحديث وإن حسنه الترمذي وصححه الألباني إلا أنه يخالف ما صحَّ من أن أخذ الفداء من أسارى
يوم بدر كان رأياً عن النبي ◌َّله بعد مشاورة أصحابه له، ثم نزل الوحي بالعتاب موافقاً لرأي عمر في
قتلهم، ولو صحّ التخيير لما جاء العتاب، وأخشى أن يكون من تدليس ابن أبي زائدة وهو زكريا، فإنه ثقة
لكنه كان يدلس (التقريب ص٢١٦)، والأصح مرسلاً فقد أخرجه الطبري بسند مرسل عن عَبيدة السلماني.
(٣) ذكرهم ابن أبي حاتم كلهم بحذف السند، إلا قول ابن إسحاق فقد أخرجه بسند حسن عنه، وقول ابن
جريج أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق سنيد، وقول الربيع بن أنس أخرجه الطبري بسند ضعيف
بسبب إبهام شيخ الطبري، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.
(٤) قول ابن عباس أخرجه ابن المنذر بسند حسن من طريق كثير بن شِنظير عن مجاهد عن ابن عباس، وقول
الضحاك أخرجه ابن المنذر من طريق شعيب بن سليمان عن الضحاك، وقول السدي أخرجه الطبري بسند
حسن من طريق أسباط عنه.
(٥) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عتبة بن ضمرة عن أبي عون الأنصاري.
(٦) أخرجه ابن المنذر بنحوه بسند حسن من طريق ابن جريج عن عبد الله بن کثیر عنه.

٤٦٣
سُورَةُ العَقْرَانَ (١٦٩، ١٧٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
رجل من أصحابه، حتى إذا كان بالشرط بين أُحد والمدينة، [انخزل](١) عنه عبد الله بن أبي ابن
سلول بثلث الناس، وقال: أطاعهم فخرج وعصاني، ووالله ما ندري علام نقتل أنفسنا ههنا أيها
الناس؟ فرجع(٢) بمن اتبعه من الناس من قومه من أهل النفاق وأهل الريب، واتبعهم عبد الله بن
عمرو بن حرام أخو بني سلمة يقول: يا قوم أذكركم الله أن لا تخذلوا نبيكم وقومكم عندما حضر
من عدوكم، قالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون ما أسلمناكم ولكن لا نرى أن يكون قتال، فلما
استعصوا عليه وأبوا [إلا](٣) الإنصراف عنهم، قال: أبعدكم الله أعداء الله فسيغني الله عنكم،
ومضى رسول الله فياليوم(٤) .
قال الله وَت: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَيِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَنَّ﴾ استدلوا به على أن الشخص قد تتقلب
به الأحوال، فيكون في حال أقرب إلى الكفر، وفي حال أقرب إلى الإيمان، لقوله: ﴿هُمْ
لِلْكُفْرِ يَوْمَيِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَنِّ﴾ .
ثم قال تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَهِهِم مَّا لَيْسَ فِ قُلُوبِهِمْ﴾ يعني: أنهم يقولون القول ولا يعتقدون
صحته، ومنه قولهم هذا: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَّأَتَّبَعْنَكُمْ﴾ فإنهم يتحققون أن جنداً من المشركين قد
جاؤوا من بلاد بعيدة يتحزبون على المسلمين بسبب ما أُصيب من سراتهم يوم بدر. وهم أضعاف
المسلمين أنه كائن بينهم قتال لا محالة. ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُونَ﴾ .
ثم قال تعالى: ﴿الَِّيَنَ قَالُواْ لِخْوَنِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُواْ﴾ أي: لو سمعوا من مشورتنا عليهم في
القعود وعدم الخروج ما قتلوا مع من قتل، قال الله تعالى: ﴿قُلِّ فَأَدْرَءُواْ عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ
صَدِقِينَ﴾ أي: إن كان القعود يسلم به الشخص من القتل والموت، فينبغي [أنكم](٥) لا تموتون،
والموت لا بدّ آتٍ إليكم ولو كنتم في بروج مشيدة، فادفعوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين.
قال مجاهد، عن جابر بن عبد الله: نزلت هذه الآية في عبد الله بن أبي(٦) بن سلول.
فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَنُهُمُ اللَّهُ
﴿وَلَا تَّحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَأُ بَلْ أَحْيَاءُ عِندَ رَيْهِمْ يُرْزَقُونَ
E
مِن فَضْلِهِ، وَيَسْتَبْشِرُونَ بِلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٨) ﴿ يَسْتَبْشِرُونَ
ـ اُلَِّينَ أُسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ
بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ اٌلْمُؤْمِينَ (َ)
الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَأَخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ
اُلْقَرْعٌ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَأَتَّقَوْ أَجْرٌ عَظِيمُ (َ
فَأَنْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوْءٌ وَأَتَّبَعُواْ رِضْوَانَ
إِيمَانًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ
اللّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (﴿َ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُحَوِّفُ أَوْلِيَآءٍَّ فَ تَّخَافُوهُمْ وَخَافُونٍ إِن كُم ◌ُؤْمِنَ
١٧٥)
يخبر تعالى عن الشهداء بأنهم وإن قتلوا في هذه الدار، فإن أرواحهم حيّة مرزوقة في دار القرار.
(١) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: ((اعدل)).
(٢) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: ((فخرج)).
(٣) سقط في الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
(٤) سيرة ابن هشام ٦٨/٣، وهذه المراسيل يقوي بعضها بضعاً، وأخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به.
(٥) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: ((لكم)).
(٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن جريج عن مجاهد به، وفيه سنيد وابن جريج لم يسمع من مجاهد.

٤٦٤
سُورَةُ العَقْرَانَ (١٦٩، ١٧٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
قال محمد بن جرير: حدثنا محمد بن مرزوق، حدثنا عمر بن يونس، عن عكرمة، حدثنا ابن
إسحاق بن أبي طلحة، حدثني أنس بن مالك في أصحاب رسول الله وَل ﴿ الذين أرسلهم نبي الله وَيّ
إلى أهل بئر معونة، قال: لا أدري أربعين أو سبعين، وعلى ذلك الماء عامر بن الطفيل الجعفري،
فخرج أولئك النفر من أصحاب رسول الله وسلتر حتى أتوا غاراً مشرفاً على الماء فقعدوا فيه، ثم قال
بعضهم لبعض: أيكم يبلغ رسالة رسول الله صل و [أهل هذا الماء؟ فقال - أراه ابن ملحان
الأنصاري -: أنا أبلغ رسالة رسول الله وَل#](١) فخرج حتى أتى حياً منهم فاختبأ أمام البيوت، ثم
قال: يا أهل بئر معونة، إني رسول رسول الله إليكم، إني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً
عبده ورسوله، فآمنوا بالله ورسوله، فخرج إليه رجل من كسر البيت برمح، فضربه في جنبه حتى
خرج من الشق الآخر، فقال: الله أكبر فزتُ وربّ الكعبة، فاتبعوا أثره حتى أتوا أصحابه في الغار
فقتلهم أجمعين عامر بن الطفيل، وقال إسحاق(٢): حدثني أنس بن مالك أن الله أنزل فيهم قرآناً:
((بلغوا عنا قومنا أنا قد لقينا ربنا فرضي عنا ورضينا عنه))، ثم نسخت فرفعت بعد ما قرأناها زماناً،
وأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَأْ بَلْ أَحْيَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَفُونَ (9)﴾(٣) فقال:
أما أنا قد سألنا عن ذلك فقال: ((أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل تحت العرش)).
وقد قال مسلم في صحيحه: حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، حدثنا أبو معاوية، حدثنا
الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، قال: سألنا عبد الله عن هذه الآية ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ
قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَّا بَلْ أَحْيَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (19)﴾ فقال: أما إنا قد سألنا عن ذلك
رسول الله وَ ر، فقال: ((أرواحهم في جوف طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من
الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع إليهم ربهم اطلاعة، فقال: هل تشتهون
شيئاً؟ فقالوا: أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا؟ ففعل ذلك بهم ثلاث مرات،
فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا، قالوا: يا ربّ نريد أن تردّ أرواحنا في أجسادنا حتى
نقتل في سبيلك مرة أخرى، فلما رأى أن ليس لهم حاجة، تركوا))(٤). وقد روي نحوه من حديث
أنس وأبي سعيد(٥).
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا حماد، حدثنا ثابت، عن أنس أن
رسول الله ◌َو، قال: ((ما من نفس تموت لها عند الله خير يسرها أن ترجع إلى الدنيا إلا الشهيد،
فإنه يسره أن يرجع إلى الدنيا فيقتل مرة أخرى لما يرى من فضل الشهادة)) (٦). تفرد به مسلم من
طريق حماد.
(١) ما بين معقوفين سقط في الأصل وبقية النسخ، واستدرك من تفسير الطبري.
(٢) أي: ابن طلحة.
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه البخاري بنحوه من طريق قتادة عن أنس (الصحيح، المغازي، باب
غزوة الرجيع ورعل وذكوان وبئر معونة ح٤٠٩١).
(٤) صحيح مسلم، الإمارة، باب بيان أن أرواح الشهداء في الجنة (ح ١٨٨٧).
(٥) حديث أنس أخرجه مسلم (الصحيح، الإمارة، باب فضل الشهادة في سبيل الله (ح ١٨٧٧).
(٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٢٦/٣) وسنده صحيح، وأخرجه مسلم كما في الحاشية السابقة.

٤٦٥
سُورَة العَقْرَانَ (١٦٩، ١٧٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا علي بن عبد الله المديني، حدثنا سفيان، عن محمد بن
علي بن ربيعة السلمي، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر، قال: قال لي رسول الله وأكملت:
((أعلمت أن الله أحيا أباك؟ فقال له: تمن. فقال له: أردُّ إلى الدنيا فأقتل مرة أخرى. قال: إني
قضیت الحكم أنهم إليها لا يرجعون))(١). تفرد به أحمد من هذا الوجه.
وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما: أن أبا جابر وهو: عبد الله بن عمرو بن حرام
الأنصاري ﴿به، قتل يوم أُحد شهيداً. قال البخاري: وقال أبو الوليد عن شعبة، عن ابن
المنكدر: قال سمعت جابراً قال: لما قتل أبي: جعلت أبكي وأكشف الثوب عن وجهه، فجعل
أصحاب رسول الله * ينهوني والنبي وَ ◌ّ ر لم ينه، وقال النبي ميل ر: ((لا تبكه - أو ما تبكيه - [ما
زالت] (٢) الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفع))(٣). وقد أسنده(٤) هو ومسلم والنسائي من طريق آخر
عن شعبة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، قال: لما قتل أبي يوم أحد، جعلت أكشف الثوب
عن وجهه وأبكي، وذكر تمامه بنحوه(٥).
(حديث آخر) قال أبو بكر بن مردويه، حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا هارون بن سليمان،
أنبأنا علي بن عبد الله المديني، أنبأنا موسى بن إبراهيم بن كثير بن بشير بن الفاكه الأنصاري،
سمعت طلحة بن خراش بن عبد الرحمن بن خراش بن الصّمة الأنصاري، قال: سمعت جابر بن
عبد الله قال: نظر إليَّ رسول الله وَّ ذات يوم، فقال: ((يا جابر ما لي أراك مهتماً؟)) قال:
قلت: يا رسول الله، استشهد أبي وترك ديناً وعيالاً، قال: فقال: ((ألا أخبرك؟ ما كلم الله أحداً
قط إلا من وراء حجاب، وإنه كلم أباك كفاحاً، قال علي: الكفاح المواجهة، قال: سلني
أعطك. قال: أسألك أن أردّ إلى الدنيا فأقتل فيك ثانية، فقال الربُّ ◌َك: إنه قد سبق مني
القول: أنهم إليها لا يرجعون. قال: أي ربِّ فأبلغ من ورائي، فأنزل الله ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ
فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَأْ ... ) الآية))(٦). ثم رواه من طريق أخرى عن محمد بن سليمان بن سليط
الأنصاري، عن أبيه، عن جابر، به نحوه (٧)
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (١٦٣/٢٣ ح ١٤٨٨١) وحسنه محققوه بالمتابعات.
(٢) في الأصل: ((رايت)) والمثبت من صحيح البخاري و(عف) و(ح) و(حم) و(مح).
(٣) أخرجه تعليقاً (الصحيح، المغازي، باب من قتل من المسلمين يوم أحد ح ٤٠٨٠) ووصله في (الصحيح،
الجنائز، باب ٣٤ ح ١٢٩٣).
(٤) كما في الحاشية السابقة.
(٥) صحيح مسلم، فضائل الصحابة، باب من فضائل عبد الله بن عمرو بن حرام والد جابر طا (ح ٢٤٧١)،
وسنن النسائي، الجنائز، باب في البكاء على الميت ١٣/٤.
(٦) أخرجه الترمذي (السنن، التفسير، باب ومن سورة آل عمران ح٣٢١٠)، وابن ماجه (السنن، المقدمة، باب
ما جاء فيما أنكرت الجهمية ح ١٩٠) كلاهما من طريق موسى بن إبراهيم بن كثير به، وقال الترمذي: هذا
حديث حسن غريب من هذا الوجه. وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح٢٤٠٨)، وأخرجه الحاكم
من الطريق نفسه وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢٠٣/٢).
(٧) في سنده محمد بن سليمان بن سليط: وهو مجهول كما قال العقيلي في الضعفاء. وقد تابعه موسى بن
إبراهيم كما في الحاشية السابقة.

٤٦٦
• سُورَةُ العَقْرَانَ (١٦٩، ١٧٥)
وكذا رواه البيهقي في دلائل النبوة من طريق علي بن المديني به(١). وقد رواه البيهقي أيضاً
من حديث أبي عبادة الأنصاري وهو عيسى بن عبد الرحمن إن شاء الله عن الزهري، عن عروة،
عن عائشة، قالت: قال النبي وَ ل﴿ لجابر: ((يا جابر ألا أبشرك؟)) قال: بلى، بشرك الله بالخير،
قال: ((شعرت أن الله أحيا أباك، فقال: تمن عليّ عبدي ما شئت أعطكه، قال: يا رب ما عبدتك
حق عبادتك، أتمنى عليك أن تردّني إلى الدنيا فأقاتل مع نبيك وأقتل فيك مرة أخرى، قال: إنه
سلف مني أنه إليها لا يرجع))(٢).
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثنا
إسماعيل بن أمية بن عمرو بن سعيد، عن أبي الزبير المكي، عن ابن عباس، قال: قال
رسول الله وَلي: ((لما أُصيب إخوانكم بأُحد، جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر، ترد أنهار
الجنة، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش، فلما وجدوا طيب
مشربهم ومأكلهم، وحسن متقلبهم قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله لنا لئلا يزهدوا في
الجهاد، [ولا ينكلوا عن الحرب](٣)، فقال الله ريك: أنا أبلغهم عنكم، فأنزل الله رَك هذه
الآيات ﴿ وَلَا تَّحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَأْ بَلْ أَحْيَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (9)﴾ (٤) وما بعدها))
هكذا رواه أحمد، وكذا رواه ابن جرير عن يونس، عن ابن وهب، عن إسماعيل بن عياش، عن
محمد بن إسحاق به. ورواه أبو داود والحاكم في مستدركه من حديث عبد الله بن إدريس عن
محمد بن إسحاق، عن إسماعيل بن أمية، عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس
فذكره، وهذا أثبت(٥). وكذا رواه سفيان الثوري عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير، عن ابن
عباس.
وروى الحاكم في مستدركه من حديث أبي إسحاق الفزاري، عن سفيان، عن إسماعيل بن
أبي خالد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: نزلت هذه الآية في حمزة وأصحابه ﴿ وَلَا
تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَأْ بَلْ أَحْيَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (3)﴾ ثم قال: صحيح على شرط
الشيخين، ولم يخرجاه(٦)، وكذلك قال قتادة والربيع والضحاك: أنها نزلت في قتلى أُحد(٧).
(١) دلائل النبوة ٢٩٨/٣.
(٢) دلائل النبوة ٢٩٨/٣ وفي سنده ضعف بسبب فيض بن وثيق الراوي عن أبي عمارة الأنصاري، وفيض قد
كذبه ابن معين (لسان الميزان ٤٥٥/٤)، ويشهد لبعضه رواية ابن مردويه عن جابر.
(٣) في الأصل: ((ولا يتكلوا على الحرب)) وهو تصحيف والتصويب من (عف) و(ح) و(حم) و(حم) والمسند.
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح٢٣٨٨) وسنده حسن، وصححه أحمد شاكر في (المسند
ح٢٣٨٩)، وأخرجه أبو داود (السنن، الجهاد، باب فضل الشهادة ح ٢٥٢٠)، والحاكم (المستدرك ٨٨/٢)
كلاهما من طريق عبد الله بن إدريس عن ابن إسحاق به، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وحسنه الألباني
في صحيح سنن أبي داود (ح٢١٩٩).
(٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، ورواية أبي داود والحاكم تقدمت في الحاشية السابقة.
(٦) أخرجه الحاكم بسنده ومتنه وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣٨٧/٢).
(٧) قول قتادة أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وهو مرسل ويتقوى بما سبق،
وكذا قول الضحاك أخرجه من طريقين ضعيفين.

٤٦٧
سُورَةُ العَقْرَانَ (١٦٩، ١٧٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثنا
جًا، قال: قال رسول الله عليهم:
الحارث بن فضيل الأنصاري، عن محمود بن لبيد، عن ابن عباس
((الشهداء على بارق نهر بباب الجنة، في قبة خضراء يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة
وعشياً)) (١). تفرد به أحمد. وقد رواه ابن جرير عن أبي كريب: حدثنا عبد الرحمن بن سليمان
وعبيدة، عن محمد بن إسحاق به(٢)، وهو إسناد جيد.
وكأن الشهداء أقسام: منهم من تسرح أرواحهم في الجنة، ومنهم من يكون على هذا النهر
باب الجنة، وقد يحتمل أن يكون منتهى سيرهم إلى هذا النهر، فيجتمعون هنالك، ويُغدى عليهم
برزقهم هناك ويراح، والله أعلم.
وقد روينا في مسند الإمام أحمد حديثاً فيه البشارة لكل مؤمن بأن روحه تكون في الجنة تسرح
أيضاً فيها، وتأكل من ثمارها، وترى ما فيها من النضرة والسرور، وتشاهد ما أعده الله لها من
الكرامة، وهو بإسناد صحيح عزيز عظيم، اجتمع فيه [ثلاثة من الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب
المتبعة، فإن الإمام أحمد تَظُّهُ](٣)، رواه عن محمد بن إدريس الشافعي تَّتُهُ، عن مالك بن أنس
الأصبحي تَظْثُ، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه ﴿ أجمعين، قال:
قال رسول الله وَل: ((نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده يوم
يبعثه))(٤).
قوله: ((يعلق)) أي: يأكل، وفي هذا الحديث: ((إن روح المؤمن تكون على شكل طائر في
الجنة)) وأما أرواح الشهداء فكما تقدم في حواصل طير خضر، في الجنة كالراكب بالنسبة إلى
أرواح عموم المؤمنين، فإنها تطير بأنفسها، فنسأل الله الكريم المنان أن يميتنا على الإيمان.
وقوله تعالى: ﴿فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَنْهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، وَيَسْتَبْشِرُونَ بِلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفُ
عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ أي: الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله أحياء عند ربهم، وهم فرحون
بما هم فيه من النعمة والغبطة، ويستبشرون بإخوانهم الذين يقتلون بعدهم في سبيل الله أنهم
يقدمون عليهم، وأنهم لا يخافون مما أمامهم ولا يحزنون على ما تركوه وراءهم نسأل الله الجنة.
قال محمد بن إسحاق: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾ أي: ويسرون بلحوق من لحقهم من إخوانهم على ما
مضوا عليه من جهادهم، ليشركوهم فيما هم فيه من ثواب الله الذي أعطاهم(٥).
قال السدي: يُؤتى الشهيد بكتاب فيه: يقدم عليك فلان يوم كذا وكذا، ويقدم عليك فلان يوم
كذا وكذا فيسر بذلك كما يسر أهل الدنيا بقدوم غائبهم (١).
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٢٣٩٠) وسنده حسن، وصححه أحمد شاكر، وقال الهيثمي: ورجال
أحمد ثقات (المجمع ٢٩٨/٥) وأخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به، وجود إسناده الحافظ ابن كثير.
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وحكمه كسابقه.
(٣) ما بين معقوفين سقط في الأصل، واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥٨/٢٥ ح ١٥٧٧٨)، وصححه محققوه والحافظ ابن كثير.
(٥) سيرة ابن هشام ١١٩/٢، وأخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن عن ابن إسحاق.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عن السدي، وما يذكره من الغيب لا يؤخذ من التابعين.

٤٦٨
• سُورَةُ الَعَقْرَانَ (١٦٩، ١٧٥)
وقال سعيد بن جبير: لما دخلوا الجنة ورأوا ما فيها من الكرامة للشهداء، قالوا: يا ليت
إخواننا الذين في الدنيا يعلمون ما عرفناه من الكرامة، فإذا شهدوا القتال باشروها بأنفسهم حتى
يستشهدوا فيصيبوا ما أصبنا من الخير، فأخبر رسول الله وسلم بأمرهم وما هم فيه من الكرامة،
وأخبرهم، أي ربهم، أني قد أنزلت على نبيكم وأخبرته بأمركم وما أنتم فيه، فاستبشروا بذلك،
فذلك قوله: ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ ... ﴾(١) الآية.
وقد ثبت في الصحيحين عن أنس به في قصة أصحاب بئر معونة السبعين من الأنصار الذين
قتلوا في غداة واحدة، وقنت رسول الله وَ ◌ّر على الذين قتلوهم يدعو عليهم ويلعنهم، قال أنس:
ونزل فيهم قرآن قرأناه حتى رفع ((أن بلغوا عنا قومنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا))(٢).
ثم قال تعالى: ﴿﴿ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾ قال
محمد بن إسحاق: استبشروا وسروا لما عاينوا من وفاء الموعود وجزيل الثواب(٣).
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هذه الآية جمعت المؤمنين كلهم سواء الشهداء وغيرهم،
وقلما ذكر الله فضلاً [ذكر به] (٤) الأنبياء وثواباً أعطاهم، إلا ذكر الله ما أعطى المؤمنين من
بعدهم(٥) .
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ هذا كان يوم حمراء
الأسد(٦)، وذلك أن المشركين لما أصابوا ما أصابوا من المسلمين، كرّوا راجعين إلى بلادهم،
فلما استمروا في سيرهم تندموا لم لا تمموا على أهل المدينة وجعلوها الفيصلة، فلما بلغ ذلك
رسول الله ﴿ ندب المسلمين إلى الذهاب وراءهم ليرعبهم ويريهم أن بهم قوة وجلداً، ولم يأذن
لأحد سوى من حضر الوقعة يوم أحد سوى جابر بن عبد الله ، لما سنذكره، فانتدب
المسلمون على ما بهم من الجراح والإثخان طاعة لله ريك ولرسوله وَله.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد، حدثنا سفيان بن عيينة، عن [عمرو](٧)،
عن عكرمة، قال: لما رجع المشركون عن أحد، قالوا: لا محمداً قتلتم، ولا الكواعب أردفتم،
بئس ما صنعتم، ارجعوا، فسمع رسول الله وَل ير بذلك، فندب المسلمين، فانتدبوا حتى بلغوا
حمراء الأسد - أو بئر أبي عنبة (٨) - الشك من سفيان(٩) فقال المشركون: نرجع من قابل، فرجع
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عطاء بن دينار.
(٢) صحيح البخاري، الجهاد، باب فضل قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَاً ... ﴾ [آل
عمران: ١٦٩] (ح٢٨١٤)، وصحيح مسلم، المساجد ومواضع الصلاة، باب استحباب القنوت. (ح ٦٧٧).
(٣) سيرة ابن هشام ١١٩/٢.
(٤) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: ((ذكرته)) وهو تصحيف.
(٥) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.
(٦) حمراء الأسد تبعد عن المدينة (٢٠) كيلاً جنوباً.
(٧) في الأصل: ((عن عمر)) والصواب المثبت.
(٨) كذا في الأصل و(ح) وفي تفسير ابن أبي حاتم ورد بلفظ: بئر أبي عتبة، وكذا في نسخة (عف) و(مح)،
والصواب ما أثبته وهو بئر من آبار المدينة (ينظر: خلاصة الوفا بأخبار المصطفى ص٤٦١).
(٩) والصحيح أنهم بلغوا حمراء الأسد كما هو المشهور في كتب السير (ينظر: سيرة ابن هشام ٥٣/٣، =

•
سُورَةُ العَقْرَانَ (١٦٩، ١٧٥)
٤٦٩
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000 000 000 000
رسول الله بَّه، فكانت تعد غزوة، فأنزل الله تعالى: ﴿الَّذِينَ أُسْتَجَابُواْ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَآ
أَصَابَهُمُ الْقَرْغُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَتَّقَوْ أَبْرٌ عَظِيمُ (®)﴾(١). ورواه ابن مردويه من حديث محمد بن
منصور، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس ... فذكره.
وقال محمد بن إسحاق: كان يوم أُحد يوم السبت للنصف من شوال، فلما كان الغد من يوم
الأحد لست عشرة ليلة مضت من شوال، أذّن مؤذن رسول الله وَّ في الناس بطلب العدو، وأذّن
مؤذنه أن لا يخرج معنا أحد إلا من حضر يومنا بالأمس، فكلمه جابر بن عبد الله بن عمرو بن
حرام، فقال: يا رسول الله، إن أبي كان خلفني على أخوات لي سبع، وقال: يا بني إنه لا ينبغي
لي ولا لك أن نترك هؤلاء النسوة، لا رجل فيهن، ولست بالذي أوثرك بالجهاد مع رسول الله وَلقوله
على نفسي فتخلف على [أخواتك](٢)، فتخلفت عليهنَّ، فأذن له رسول الله وَّ فخرج معه، وإنما
خرج رسول الله وَّر مرهباً للعدو، وليبلغهم أنه خرج في طلبهم ليظنوا به قوة، وأن الذي أصابهم
لم يوهنهم عن عدوهم(٣).
قال محمد بن إسحاق: حدثني عبد الله بن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبي السائب مولى
عائشة بنت عثمان: أن رجلاً من أصحاب رسول الله وَ ﴿ من بني عبد الأشهل، كان قد شهد أُحداً،
قال: شهدتُ أُحداً مع رسول الله و ﴿ أنا وأخ لي فرجعنا جريحين، فلما أذن مؤذن رسول الله وله
بالخروج في طلب العدو، قلت لأخي - أو قال لي -: أتفوتنا غزوة مع رسول الله وَليه؟ والله ما لنا
من دابة نركبها، وما منا إلا جريح ثقيل فخرجنا مع رسول الله، وكنت أيسر جراحاً منه، فكان إذا
غلب حملته عُقبة، ومشى عقبة حتى انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون(٤).
وقال البخاري: حدثنا محمد بن سلام، حدثنا أبو معاوية، عن هشام، عن أبيه، عن
١ ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوْ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْعُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَتَّقَوْاْ أَثْرٌ عَظِيمُ
عائشة ,
(٣) قالت لعروة: يا ابن [أختي](٥) كان أبواك منهم الزبير وأبو بكر﴿ه لما أصاب نبي الله وكلّ
ما أصاب يوم أُحد، وانصرف عنه المشركون، خاف أن يرجعوا، فقال: ((من يرجع في أثرهم))
والمغازي للواقدي ص٣٣٨، وطبقات ابن سعد ٤٩/٢، وتاريخ الطبري ٥٣٥/٢، والبداية والنهاية ٤٩/٤،
والاكتفاء في مغازي رسول الله ١١٤/٢)، وللمزيد ينظر: تفسير سورة آل عمران من تفسير ابن أبي حاتم
بتحقيقي.
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده مرسل، ووصله الطبراني (المعجم الكبير ٢٧٤/١١ ح ١١٦٣٢)،
وابن مردويه (كما ذكره الحافظ ابن كثير) كلاهما من طريق محمد بن منصور عن ابن عيينة، عن عمرو بن
دينار عن عكرمة عن ابن عباس بنحوه. وصححه السيوطي في لباب النقول ص٦١. وقال الحافظ ابن حجر:
ورواه ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس .. إلا أن المحفوظ إرساله عن عكرمة ليس
فیه ابن عباس (الفتح ٢٢٨/٨).
(٢) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: ((أخواتكم)) وهو تصحيف.
(٣) سيرة ابن هشام ١٠٦/٢ - ١٠٧، وأخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق عن حسين بن عبد الله عن عكرمة،
وسنده مرسل.
(٤) سيرة ابن هشام ٣/ ١٠٧ - ١٠٨، وأخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به. ولبعضه شواهد صحيحة كما
في الرواية التالية.
(٥) كذا في (عف) و(ح) و(حم) وصحيح البخاري، وفي الأصل: ((يا ابن أخي))، وفيه تصحيف.

٤٧٠
• سُورَةُ أَلِعُقْرَانَ (١٦٩، ١٧٥)
فانتدب منهم سبعون رجلاً فيهم أبو بكر والزبير ﴾(١). هكذا رواه البخاري منفرداً به بهذا
السياق، وهكذا رواه الحاكم في مستدركه عن الأصم، عن عباس الدوري، عن أبي النضر، عن
أبي سعيد المؤدب، عن هشام بن عروة به، ثم قال: صحيح، ولم يخرجاه، كذا قال(٢).
ورواه ابن ماجه عن هشام بن عمار، وهديّة بن عبد الوهاب، عن سفيان بن عيينة. عن
هشام بن عروة به(٣)، وهكذا رواه سعيد بن منصور وأبو بكر الحميدي في مسنده عن سفيان به.
وقد رواه الحاكم أيضاً من حديث إسماعيل بن أبي خالد، عن البهي، عن عروة، قال: قالت لي
عائشة: يا بنيّ إن أباك من الذين استجابوا الله والرسول من بعد ما أصابهم القرح، ثم قال:
صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه (٤).
وقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا عبد الله بن جعفر من أصل كتابه، أنبأنا سمويه، أنبأنا
عبد الله بن الزبير، أنبأنا سفيان، أنبأنا هشام، عن أبيه، عن عائشة ها، قال لي رسول الله وَله:
((إن كان أبواك لمن الذين استجابوا الله والرسول من بعد ما أصابهم القرح: أبو بكر والزبير .
ورفع هذا الحديث خطأ محض من جهة إسناده لمخالفته رواية الثقات من وقفه على عائشة رضي
كما قدمناه، ومن جهة معناه فإن الزبير ليس هو من آباء عائشة، وإنما قالت ذلك عائشة لعروة بن
الزبير، لأنه ابن أختها أسماء بنت أبي بكر الصديق
وقال ابن جرير: حدثني محمد بن سعد، حدثني أبي، حدثني عمي، حدثني أبي، عن أبيه، عن
ابن عباس، قال: إن الله قذف في قلب أبي سفيان الرعب يوم أُحد بعد ما كان منه ما كان، فرجع إلى
مكة، فقال النبي ◌َّ: ((إن أبا سفيان قد أصاب منكم طرفاً، وقد رجع وقذف الله في قلبه الرعب))
وكانت وقعة أُحد في شوال، وكان التجار يقدمون المدينة في ذي القعدة، فينزلون ببدر الصغرى في
كل سنة مرة، وإنهم قدموا بعد وقعة أُحد، وكان أصاب المؤمنين القرح، واشتكوا ذلك إلى النبي اَلر
واشتد عليهم الذي أصابهم، وإن رسول الله وَ ل# ندب الناس لينطلقوا معه ويتبعوا ما كانوا متبعين،
وقال: ((إنما يرتحلون الآن فيأتون الحج، ولا يقدرون على مثلها حتى عام مقبل)) فجاء الشيطان
[فخوّف](٥) أولياءه، فقال: إن الناس قد جمعوا لكم، فأبى عليه الناس أن يتبعوه، فقال: ((إني ذاهب
وإن لم يتبعني أحد لأحضض الناس)) فانتدب معه أبو بكر الصديق وعمر وعثمان وعلي والزبير وسعد
وطلحة وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن مسعود وحذيفة بن اليمان وأبو عبيدة بن الجراح في
سبعين رجلاً، فساروا في طلب أبي سفيان فطلبوه حتى بلغوا الصفراء (٦)، فأنزل الله تعالى: ﴿الَّذِينَ
(١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، المغازي، باب ﴿اَلَِّنَ اُسْتَجَابُوْ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [آل عمران: ١٧٢]
(ح ٤٠٧٧).
(٢) المستدرك ٢٩٨/٢ وصححه ووافقه الذهبي.
(٣) السنن، المقدمة، باب فضل الزبير (ح١٢٤)، وأخرجه مسلم من طريق هشام بن عروة به (الصحيح، فضائل
طلحة والزبير ح٢٤١٨).
(٤) أخرجه الحاكم بسنده ومتنه وصححه (المستدرك ٣٦٣/٣)، وسنده صحيح أخرجه مسلم من طريق
إسماعيل بن أبي خالد به (الصحيح، فضائل الصحابة، باب فضائل طلحة والزبير ها ح ٢٤١٨/ ٥٢).
(٥) كذا في (عف) و(ح) و(مح) وتفسير الطبري، وفي الأصل: ((يخوف)).
(٦) وهو وادٍ يبعد عن المدينة أكثر من ١٠٠ كيلاً جنوباً على طريق مكة القديم.

٤٧١
• سُوْرَةُ العَقْرَانَ (١٦٩، ١٧٥)
اُسْتَجَابُوْ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَأَتَّقَوْ أَثْرٌ عَظِيمُ (﴾﴾(١).
ثم قال ابن إسحاق: فخرج رسول الله وَ﴿ حتى انتهى إلى حمراء الأسد، وهي من المدينة
على ثمانية أميال، قال ابن هشام: واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم، فأقام بها الاثنين
والثلاثاء والأربعاء، ثم رجع إلى المدينة، وقد مرَّ به - كما حدثني عبد الله بن أبي بكر - معبد بن
أبي معبد الخزاعي، وكانت خزاعة مسلمهم [ومشركهم](٢) عيبة نصح لرسول الله وصلقو بتهامة
صفقتهم معه لا يخفون عنه شيئاً كان بها، ومعبد يومئذٍ مشرك، فقال: يا محمد، أما والله لقد عزَّ
علينا ما أصابك في أصحابك، ولوددنا أن الله [عافاك](٣) فيهم، [ثم خرج](٤) ورسول الله وَله
بحمراء الأسد حتى لقي أبا سفيان بن حرب ومن معه بالروحاء، وقد أجمعوا الرجعة إلى
رسول الله وَ * وأصحابه، وقالوا: أصبنا حَدّ أصحابه وقادتهم وأشرافهم ثم نرجع قبل أن
نستأصلهم؟ لنكرّنّ على بقيتهم ثم فلنفرغنَّ منهم، فلما رأى أبو سفيان معبداً، قال: ما وراءك يا
معبد؟ قال: محمد وأصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثلهم، [يتحرقون](٥) عليكم تحرقاً، قد
اجتمع معه من كان تخلف عنه في يومكم وندموا على ما صنعوا، فيهم من الحنق عليكم شيء لم
أر مثله قط، قال: ويلك ما تقول؟ قال: والله ما أرى أن ترتحل حتى ترى نواصي الخيل. قال:
فوالله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصل بقيتهم، قال: فإني أنهاك عن ذلك، فوالله لقد حملني ما
رأيت على أن قلت فيهم أبياتاً من شعر، قال: وما قلت؟ قال: قلت:
إذ سالت الأرض بالجُرد الأبابيل(٦)
كادت تهد من الأصوات راحلتي
عند اللقاء ولا ميل معازيل(٨)
تتردي بأسد كرام [لا تنابلة] (٧)
لما سمعو برئيس غير مخذول
[فظلت] (٩) عدوا أظن الأرض مائلة
فقلت :
إذا تفطمطت (١٠) البطحاء بالجيل
ويل ابن حرب من لقائكم
إني نذير لأهل [البسل(١١) صاحية] (١٢)
لكل ذي إربة منهم ومعقول
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف.
(٢) في الأصل: (شركهم)) وما أثبت من (ح) و(حم) و(مح).
(٣) في الأصل: ((عاك)) وهو تصحيف والمثبت من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
(٤) سقط في الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
(٥) في الأصل: ((يتحزبون)) والمثبت من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
(٦) الجرد جمع أجرد: وهو القصير الشعر من الخيل وهو من علامات عتقها وكرمها، والأبابيل: الجماعات
المتفرقة، كما في حاشية تفسير الطبري (حاشية تفسير الطبري).
(٧) كذا في (عف) و(مح)، وسيرة ابن هشام، وفي الأصل: (تنايلة)).
(٨) المعازيل: جمع معزال وهو الذي لا سلاح معه.
(٩) كذا في (عف) و(مح)، وسيرة ابن هشام، وفي الأصل: ((وطلب عدداً مك)) وهو تصحيف.
(١٠) اهتزت وارتجت.
(١١) أهل البسل: أي قريش.
(١٢) كذا في (عف) و(مح)، وسيرة ابن هشام، وفي الأصل: ((البسر صاحبة)).

٤٧٢
• سُورَةُ العَقْرَانَ (١٦٩، ١٧٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000 000000 000 000000
وليس بوصف ما أنذرت بالقيل
من جيش أحمد لا وخش تنابلة
قال: فثنى ذلك أبا سفيان ومن معه، ومرّ به ركب من بني عبد القيس فقال: أين تريدون؟
قالوا: نريد المدينة. قال: ولم؟ قالوا: نريد الميرة. قال: فهل أنتم مبلغون عني محمداً رسالة
أرسلكم بها إليه وأحمل لكم هذه غداً زبيباً بعكاظ إذا وافيتمونا؟ قالوا: نعم. قال: فإذا وافيتموه
فأخبروه أنا قد أجمعنا المسير إليه وإلى أصحابه لنستأصل بقيتهم، فمرّ الركب برسول الله وَله
وهو بحمراء الأسد، فأخبروه بالذي قال أبو سفيان وأصحابه، فقالوا: حسبنا الله ونعم
الوكيل(١).
وذكر ابن هشام عن أبي عبيدة، قال: قال رسول الله وَل فر حين بلغه رجوعهم: ((والذي نفسي
بيده لقد سومت لهم حجارة لو أصبحوا بها لكانوا كأمس الذاهب)).
وقال الحسن البصري في قوله: ﴿ اَلَِّينَ أُسْتَجَابُوْ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرّحُ﴾: إن أبا
سفيان وأصحابه أصابوا من المسلمين ما أصابوا ورجعوا، فقال رسول الله وَله: إن أبا سفيان قد
رجع، وقد قذف الله في قلبه الرعب، فمن ينتدب في طلبه؟ فقام النبي بير وأبو بكر وعمر
وعثمان وعلي وناس من أصحاب رسول الله وَل قر، فاتبعوهم، فبلغ أبا سفيان أن النبي القر يطلبه،
فلقي عيراً من التجار، فقال: ردوا محمداً ولكم من الجعل كذا وكذا، وأخبروهم أني قد جمعت
لهم جموعاً وأني راجع إليهم، فجاء التجار فأخبروا رسول الله صل# بذلك، فقال النبي مطر:
((حسبنا الله ونعم الوكيل)). فأنزل الله هذه الآية(٢).
وهكذا قال عكرمة وقتادة وغير واحد: إن هذا السياق نزل في شأن حمراء الأسد (٣).
وقيل: نزلت في بدر الموعد(٤)، والصحيح الأول. وقوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ
النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَأَخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا ... ) الآية، أي الذين توعدهم الناس بالجموع خوّفهم
بكثرة الأعداء، فما اكترثوا لذلك بل توكلوا على الله واستعانوا به، ﴿وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ
اُلْوَكِيلُ﴾.
قال البخاري: حدثنا أحمد بن يونس، قال: أراه قال: حدثنا أبو بكر، عن أبي حصين، عن
أبي الضحى، عن ابن عباس ﴿حَسْبُنَا اُللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ قالها إبراهيم لعلّه حين ألقي في النار،
وقالها محمد وآل﴿ حين قال لهم الناس: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، فزادهم إيماناً،
وقالوا: ((حسبنا الله ونعم الوكيل)» (٥) .
(١) سيرة ابن هشام ٢/ ١٠٢ - ١٠٣، وأخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق مبارك بن فضالة عن الحسن لكنه مرسل ويتقوى بالمراسيل
التالية.
(٣) قول عكرمة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عمرو بن دينار عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند
حسن من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه.
(٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد نحوه.
(٥) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ .. ﴾
[آل عمران: ١٧٣] الآية ح ٤٥٦٣).

٤٧٣
• سُورَةُ العَقْرَانَ (١٦٩، ١٧٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقد رواه النسائي عن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم وهارون بن عبد الله، كلاهما عن يحيى بن
أبي بكير، عن أبي بكر وهو ابن عياش به(١)، والعجب أن الحاكم أبا عبد الله رواه من حديث
أحمد بن يونس به، ثم قال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه (٢). ثم رواه البخاري عن
أبي غسان مالك بن إسماعيل، عن إسرائيل، عن أبي حصين، عن أبي الضحى، عن ابن عباس،
قال: كان آخر قول إبراهيم عليّه حين ألقي في النار: ﴿حَسْبُنَا اَللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾(٣).
وقال عبد الرزاق: قال ابن عيينة: وأخبرني زكريا، عن الشعبي، عن عبد الله بن عمرو، قال:
هي كلمة إبراهيم عليّلا حين ألقي في البنيان(٤) رواه ابن جرير(٥).
وقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن معمر، حدثنا إبراهيم بن موسى الثوري، حدثنا
عبد الرحيم بن محمد بن زياد السكري، أنبأنا أبو بكر بن عياش، عن حميد الطويل، عن أنس بن
مالك، عن النبي ◌ّيقول أنه قيل له يوم أحد: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، فأنزل الله هذه
الآية (٦).
وروى أيضاً بسنده عن محمد بن عُبيد الله الرافعي، عن أبيه، عن جده أبي رافع: أن
النبي وَل﴿، وجَّه علياً في نفر معه في طلب أبي سفيان، فلقيهم أعرابي من خزاعة، فقال: إن
القوم قد جمعوا لكم، فقالوا: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ فنزلت فيهم هذه الآية(٧).
ثم قال ابن مردويه: حدثنا دعلج بن أحمد، حدثنا الحسن بن سفيان، أنبأنا أبو خيثمة
مصعب بن سعيد، أنبأنا موسى بن أعين، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال:
قال رسول الله وَّل﴿: ((إذا وقعتم في الأمر العظيم، فقولوا: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ اُلْوَكِيلُ﴾))(٨) هذا
حديث غريب من هذا الوجه.
وقد قال الإمام أحمد: حدثنا حيوة بن شريح وإبراهيم بن أبي العباس، قالا: حدثنا بقية،
حدثنا بحير بن سَعْد، عن خالد بن معدان، عن سيف، عن عوف بن مالك أنه حدثهم أن
النبي ◌َّ، قضى بين رجلين، فقال المقضي عليه لما أدبر: حسبي الله ونعم الوكيل، فقال
النبي ◌َّل: ((ردّوا علي الرجل)) فقال: ((ما قلت؟)) قال: قلت: حسبي الله ونعم الوكيل. فقال
النبي ◌َّل: ((إن الله يلوم على العجز، ولكن عليك بالكيس، فإذا غلبك أمر، فقل: حسبي الله
(١) السنن الكبرى، التفسير (ح ١١٠٨١).
(٢) المستدرك ٢٩٨/٢.
(٣) الصحيح، التفسير، باب ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ ... ﴾ [آل عمران: ١٧٣] (ح ٤٥٦٤).
(٤) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه وزيادة بيان بلفظ: في البنيان؛ يعني النار. ورجاله ثقات لكن الشعبي لم
يسمع ابن عبد الله بن عمرو، وشهد له ما سبق في صحيح البخاري.
(٥) أخرجه الطبري من طريق عبد الرزاق بلفظ: ((حين ألقي في النار)).
(٦) يشهد له ما سبق عن ابن عباس في صحيح البخاري.
(٧) في سنده: محمد بن عبيد الله الرافعي قال البخاري: منكر الحديث، وقال أبو حاتم: منكر الحديث جداً
ذاهب (ميزان الاعتدال ٦٣٤/٣ - ٦٣٥).
(٨) في سنده: مصعب بن سعيد قال ابن عدي: يحدث عن الثقات بالمناكير ويصحف عليهم، والضعف على
حديثه بيّن (الكامل في الضعفاء ٦/ ٢٣٦٢).

٤٧٤
• سُورَةُ أَلِ عَنْرَانَ (١٦٩، ١٧٥)
ونعم الوكيل)) وكذا رواه أبو داود والنسائي من حديث بقية عن بحير عن خالد، عن سيف وهو
الشامي، ولم ينسب عن عوف بن مالك، عن النبي ◌َّر بنحوه(١).
وقال الإمام أحمد: حدثنا أسباط، حدثنا مطرف، عن عطية، عن ابن عباس في قوله: ﴿فَإِذَا
نُقِرَ فِ النَّقُورِ ﴾﴾ [المدثر]، قال: قال رسول الله وَّه: (كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن
وحنى جبهته يسمع متى يؤمر فينفخ؟)»، فقال أصحاب رسول الله وَ لته، فما نقول؟ قال: «قولوا:
حسبنا الله ونعم الوكيل على الله توكلنا)»(٢) وقد روي هذا من غير وجه، وهو حديث جید.
وروينا عن أُم المؤمنين زينب بنت جحش وعائشة ﴿، أنهما تفاخرتا، فقالت [زينب] (٣)
زوجني الله وزوجكن [أهلوكن](٤) وقالت عائشة: نزلت براءتي من السماء في القرآن، فسلمت لها
زينب، ثم قالت: كيف قلت حين ركبت راحلة صفوان بن المعطل؟ فقالت: قلت: حسبي الله
ونعم الوكيل. قالت زينب: قلت كلمة المؤمنين(٥).
ولهذا قال تعالى: ﴿فَنْقَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسّهُمْ سُوّءٌ﴾ أي: لما توكلوا على الله
كفاهم ما أهمهم وردّ عنهم بأس من أراد كيدهم فرجعوا إلى بلدهم ﴿يِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ
يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ مما أضمر لهم عدوهم ﴿وَأَشَّبَعُواْ رِضْوَنَ اَللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ .
وقال البيهقي: حدثنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو بكر بن داود الزاهد، حدثنا محمد بن
نعيم، حدثنا [بشر](٦) بن الحكم، حدثنا مبشر بن عبد الله بن رزين، حدثنا سفيان بن حسين، عن
يعلى بن مسلم، عن عكرمة، عن ابن عباس في قول الله تعالى: ﴿فَنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾
قال: النعمة أنهم سلموا، والفضل أن عيراً مرت وكان في أيام الموسم فاشتراها رسول الله وَله.
فربح فيها مالاً فقسمه بين أصحابه(٧) .
وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ
جَمَعُواْ لَكُمْ فَأَخْشَوْهُمْ﴾ قال: هذا أبو سفيان، قال لمحمد ◌َّ، موعدكم بدر حيث قتلتم
أصحابنا. فقال محمد رَّله: ((عسى))، فانطلق رسول الله وَلّ لموعده حتى نزل بدراً،
فوافقوا السوق فيها، فابتاعوا، فذلك قول الله رَّ: ﴿فَانْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٤/٦، ٢٥)، وأخرجه أبو داود من طريق بقية به (السنن،
الأقضية، باب الرجل يحلف على حقه ح ٣٦٢٧) وفي سنده: بحير: وهو مجهول (التقريب ٩٣/١).
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٢٣٩٠) وضعفه أحمد شاكر، وقال الحافظ ابن كثير: حديث
جید.
(٣) سقط في الأصل واستدرك من (عف) و(مح) وتفسير الطبري.
(٤) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: ((أهلك)).
(٥) أخرجه الطبري من طريق المعلى بن عرفان عن محمد بن عبد الله بن جحش بنحوه (التفسير ١٩٤/٦ -
١٩٥) وفي سنده المعلى بن عرفان قال البخاري: منكر الحديث، وقال النسائي: متروك الحديث (لسان
الميزان ٦٤/٦). وسنده ضعيف.
(٦) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح) والتقريب، ودلائل النبوة، وفي الأصل: ((بشير))، وهو تصحيف.
(٧) دلائل النبوة ٣١٨/٣، وسنده صحيح.

٤٧٥
• سُوْرَةُ العَزَانَ (١٦٩، ١٧٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
سُوٌّ ... ﴾ الآية، قال: وهي غزوة بدر الصغرى، رواه ابن جرير(١)، وروى أيضاً عن
القاسم، عن الحسين، عن حجاج، عن ابن جريج، قال: لما عهد رسول الله وَ 18 الموعد أبي
سفيان فجعلوا يلقون المشركين فيسألونهم عن قريش، فيقولون: قد جمعوا لكم، يكيدونهم
بذلك، يريدون أن يرعبوهم، فيقول المؤمنون: حسبنا الله ونعم الوكيل، حتى قدموا بدراً،
فوجدوا أسواقها عافية لا ينازعهم فيها أحد، قال فقدم رجل من المشركين فأخبر أهل مكة
بخيل محمد، وقال في ذلك:
نفرت قلوصي من خيول محمد وعجوة منثورة كالعُنجد(٢)
واتخذت ماء قديد(٣) موعدي
قال ابن جرير: هكذا أنشدنا القاسم وهو خطأ، وإنما هو:
وعجوة(٤) من يثرب كالعُنجد
قد نفرت من رفقتي محمد
قد جعلت ماء قديد موعدي
تهوي على دين أبيها [الأتلد] (٥)
وماء ضَجنان(٦) لها ضحى الغد(٧)
ثم قال تعالى: ﴿إِنََّا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُحَوِّفُ أَوْلِيَآءٌَّ﴾ أي: يخوفكم أولياءه، ويوهمكم أنهم ذوو
بأس وذوو شدة(٨)، قال الله تعالى: ﴿فَلَ تَّخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنُم ◌ُؤْمِنِينَ﴾ أي: إذا سول لكم
وأوهمكم فتوكلوا علي والجأوا إِلي، فإِنِي (٩) كافيكم وناصركم عليهم، كما قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ
اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَةٌ وَيُخَوُّونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ،﴾ إلى قوله: ﴿قُلْ حَسْىَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكُونَ﴾
[الزمر: ٣٦ - ٣٨] وقال تعالى: ﴿فَقَائِلُواْ أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَنَّ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَنِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٧٦] وقال
تعالى: ﴿أُوْلَكَ حِزْبُ الشَّيْطِنِ أَلَّ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ مُ الْبِرُونَ﴾ [المجادلة: ١٩] وقال تعالى: ﴿كَتَبَ
﴾ [المجادلة] وقال: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ﴾ [الحج:
اللَّهُ لَأَغْلِيَنَ أَنَا وَّرُسُلِّ إِنَّ اللّهَ قَوِىُّ عَزِيزٌ
٤٠] وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن نَنْصُرُواْ اللَّهَ يَنَصُرَّكُمْ وَيُثَبَتْ أَقْدَامَكُمْ ﴾﴾﴾ [محمد]، وقال تعالى:
﴿إِنَّا لَنَنَصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَدُ ﴿﴿ يَوْمَ لَا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ
(نَّة) ﴾ [غافر].
مَعْذِرَتُهُمَّ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوَّهُ الدَّارِ
(١) أخرجه الطبري من طريق ابن أبي نجيح به، وسنده صحيح لكنه مرسل يتقوى بسابقه.
(٢) العنجد: هو الزبيب الأسود.
(٣) قرية تبعد عن مكة ١٠٠ كيلاً شمالاً.
(٤) العجوة: أحد التمور المشهورة في المدينة.
(٥) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح) وتفسير الطبري، وفي الأصل: ((الأتيدي)) وهو تصحيف.
(٦) ضَجنان: بفتح الضاد وسكون الجیم جبل قريب من قدید.
(٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وتعليقه، وفي سنده سنيد وهو ضعيف وابن جريج أرسله، ولأوله شاهد تقدم
عن ابن عباس.
(٨) في الأصل: ((ذو بأس وذو شدة)) والمثبت من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
(٩) كذا في (عف) و(مح)، وفي الأصل و(ح) و(حم): (فأَنا)).

٤٧٦
سُورَةُ العَقْرَانَ (١٧٦، ١٨٠)
﴿وَلَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَرِعُونَ فِى الْكُفْرِّ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُوا اللَّهَ شَيْئً يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَقًَّا
فِىِ الْآَخِرَةِ وَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٨) إِنَّ الَّذِينَ أَشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَنِ لَنْ يَضُرُواْ اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوَاْ أَنَّمَا نُعْلِى لَمْ خَيْرٌ لِأَنفُسِهِمَّ إِنَّمَا نُعْلِى لَمُمْ لِيَدَادُواْ إِثْمَّا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ
AVA
مَّا كَانَ اَللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَّى يَمِيزَ الْخَيْثَ مِنَ اُلَّيِّبٍ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُظْلِمَكُمْ عَلَى
الْغَيْبٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَخْتَبِى مِن زُسُلِهِ، مَن كَشَاءُ فَاِنُواْ بِلَّهِ وَرُسُلِهِ، وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمْ أَبْرُ عَظِيمٌ
وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ ءَاتَلُهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، هُوَ خَيَّا لَهُمَّ بَلْ هُوَ شَرِّ لَهُمَّ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ،
يَوْمَ الْقِيَمَةُ وَلِلَّهِ مِيَثُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ
يقول تعالى لنبيه وَله: ﴿وَلَا يَحْزُنِكَ الَّذِينَ يُسَرِعُونَ فِى الْكُفْرِّ﴾ وذلك من شدة حرصه على الناس،
كان يحزنه مبادرة الكفار إلى المخالفة والعناد والشقاق، فقال تعالى: لا يحزنك ذلك ﴿إِنَّهُمْ لَن
يَضُواْ اللَّهَ شَيْئاً يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَقًّا فِ الْآَخِرَةِ﴾ أي: حكمته فيهم أنه يريد بمشيئته وقدره
أن [لا](١) يجعل لهم نصيباً في الآخرة ﴿وَلَمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ .
ثم قال تعالى مخبراً عن ذلك إِخباراً مقرراً: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُشْتَرَواْ الْكُفْرَ بِلْإِيمَنِ﴾ أي: استبدلوا
هذا بهذا ﴿لَنْ يَضُرُواْ اللَّهَ شَيْئًا﴾ أي: ولكن يضرون أنفسهم ﴿وَمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ .
ثم قال تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوَاْ أَنََّا نُعْلِى لَمْ خَيْرٌ لِّأَنْفُسِهِمَّ إِنَّمَ نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَّأْ وَهُمْ
عَذَابٌ مُّهِينٌ (٣٨)﴾ كقوله: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ، مِن ◌َالٍ وَبَنِنَّ (® شَُّارِعُ لَهْ فِى الْخَيْرَنَّ بَلَ لَّا يَشْعُرُونَ
(٥)﴾ [المؤمنون] وكقوله: ﴿فَذَرْنِ وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِّ سَنَتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (ج)﴾ [القلم]
وكقوله: ﴿فَلَ تُعْجِبْكَ أَمَّوَلُهُمْ وَلَّ أَوْلَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ
وَهُمْ كَفِرُونَ (
[التوبة].
ثم قال تعالى: ﴿َّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَيْثَ مِنَ اُلَّيِّبٍ﴾ أي: لا بدّ أن
يعقد سبباً من المحنة، يظهر فيه وليه ويفضح به عدوه، يعرف به المؤمن الصابر، والمنافق الفاجر، يعني
بذلك: يوم أُحد الذي امتحن الله به المؤمنين، فظهر به إيمانهم وصبرهم وجلدهم وثباتهم وطاعتهم لله
ولرسوله وَير، وهتك به ستر المنافقين. فظهر مخالفتهم ونكولهم عن الجهاد وخيانتهم لله ولرسوله وَلقتله
ولهذا قال تعالى: ﴿مَّا كَانَ اَللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَيْثَ مِنَ الَّيِّبِّ﴾ .
قال مجاهد: ميز بينهم يوم أُحد(٢).
وقال قتادة: ميز بينهم بالجهاد والهجرة(٣).
وقال السدي: قالوا: إن كان محمد صادقاً فليخبرنا بمن يؤمن به منا ومن يكفر، فأنزل الله
تعالى: ﴿مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَيْثَ مِنَ اُلَّيِّبِ﴾، حتى يخرج
المؤمن من الكافر (٤). روی ذلك کله ابن جرير.
(١) سقط في الأصل، واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
(٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٣) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.

٤٧٧
• سُوَرَّةُ الِّعَقْرَانَ (١٧٦، ١٨٠)
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ أي: أنتم لا تعلمون غيب الله في خلقه حتى
يميز لكم المؤمن من المنافق لولا ما يعقده من الأسباب الكاشفة عن ذلك.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِى مِن رُسُلِهِ، مَنْ لَمْ﴾ كقوله تعالى: ﴿عَلِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى
غَيْبِهِ: أَحَدًا ﴿ إِلَّا مَنِ أَرْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، رَصَدًا () الآية [الجن]،
ثم قال تعالى: ﴿فَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي: أطيعوا الله ورسوله واتبعوه فيما شرع لكم ﴿وَإِن تُؤْمِنُواْ
وَتَتَّقُواْ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ ءَاتَلُهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، هُوَ خَيْا لَهُمَّ بَلْ هُوَ شَرٌ﴾ أي:
لا يحسبن البخيل أن جمعه المال ينفعه بل هو مضرة عليه في دينه، وربما كان في دنياه. ثم أخبر
بمآل [أمر ماله](١) يوم القيامة، فقال: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ، يَوْمَ اُلْقِيَامَةُ﴾ .
قال البخاري: حدثنا عبد الله بن منير، سمع أبا النضر، حدثنا عبد الرحمن هو ابن عبد الله بن
دينار، عن أبيه، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَله: ((من آتاه الله مالاً فلم
يؤد زكاته مثل له شجاعاً أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة، يأخذ بلهزمتيه - يعني: بشقيه - يقول:
أنا مالك، أنا كنزك)) ثم تلا هذه الآية ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ ءَاتَنُهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾
الآية (٢)، تفرد به البخاري دون مسلم من هذا الوجه، وقد رواه ابن حبان في صحيحه من طريق
الليث بن سعد، عن محمد بن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح به(٣).
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا [حُجين] (٤) بن المثنى، حدثنا عبد العزيز بن عبد الله بن
أبي سلمة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن النبي وَّ، قال: ((إِن الذي لا يؤدي زكاة ماله
يمثل الله له ماله يوم القيامة شجاعاً (٥) أقرع له زبيبتان، ثم يلزمه يطوقه يقول: أنا كنزك أنا كنزك))(٦)
وهكذا رواه النسائي عن الفضل بن سهل، عن أبي النضر هاشم بن القاسم، عن عبد العزيز بن
عبد الله بن أبي سلمة به (٧). ثم قال النسائي: ورواية عبد العزيز عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر
أثبت من رواية عبد الرحمن، عن أبيه عبد الله بن دينار، عن أبي صالح، عن أبي هريرة.
(قلت): ولا منافة بين الروايتين، فقد يكون عند عبد الله بن دينار من الوجهين، والله أعلم.
وقد ساقه الحافظ أبو بكر بن مردويه من غير وجه عن أبي صالح، عن أبي هريرة. ومن
حديث محمد بن أبي حميد عن زياد الخطمي، عن أبي هريرة به(٨).
(١) كذا في (عف) و(مح)، وفي الأصل: ((أمرنا له))، وفي (حم): ((أمره إليه)).
(٢) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ .. ﴾ [آل عمران: ١٨٠]
ح٤٥٦٥).
(٣) الإحسان بترتیب صحيح ابن حبان (ح٣٢٥٨).
(٤) كذا في (عف) و(مح)، وفي (حم): ((حجر))، وفي الأصل: ((حجاج)) والصواب ما أثبت كما في المسند
وترجمته في التقريب.
(٥) الشجاع: الحية.
(٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٢/١٠ ح٥٧٢٩) وصححه محققوه.
(٧) سنن النسائي، الزكاة، باب مانع زكاة ماله ٣٨/٥، وصحح إسناده المنذري (الترغيب والترهيب ٥٤٠/١).
(٨) يشهد له ما تقدم في صحيح البخاري.

٤٧٨
• سُورَةُ الَّعَثْرَانَ (١٧٦، ١٨٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
(حديث آخر) قال الإِمام أحمد: حدثنا سفيان، عن جامع، عن أبي وائل، عن عبد الله، عن
النبي ◌ُ ◌ّ قال: ((ما من عبد لا يؤدي زكاة ماله إلا جعل له شجاع أقرع يتبعه، يفر منه وهو يتبعه،
فيقول: أنا كنزك)) ثم قرأ عبد الله مصداقه من كتاب الله ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ، يَوْمَ اُلْقِيَمَةُ﴾(١)،
وهكذا رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث سفيان بن عيينة، عن جامع بن أبي راشد،
زاد الترمذي: وعبد الملك بن أعين، كلاهما عن أبي وائل شقيق بن سلمة، عن عبد الله بن
مسعود به، وقال الترمذي: حسن صحيح(٢). وقد رواه الحاكم في مستدركه من حديث أبي
بكر بن عياش وسفيان الثوري، كلاهما عن أبي إسحاق السبيعي، عن أبي وائل، عن ابن مسعود
به (٣)، ورواه ابن جرير من غير وجه عن ابن مسعود موقوفاً (٤).
(حديث آخر) قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا أمية بن بسطام، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا
سعيد، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة، عن ثوبان، عن النبي وَّل
قال: ((من ترك بعده كنزاً مثل له شجاعاً أقرع يوم القيامة له زبيبتان يتبعه، ويقول: من أنت؟
ويلك، فيقول: أنا كنزك الذي خلفت بعدك، فلا يزال يتبعه حتى يلقمه يده فيقضمها(٥)، ثم يتبع
سائر جسده»(٦) إِسناد جيد قوي، ولم يخرجوه. وقد رواه الطبراني عن جرير بن عبد الله
البجلي(٧)، ورواه ابن جرير وابن مردويه من حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، عن
النبي وَ ﴾، قال: ((لا يأتي الرجل مولاه فيسأله من فضل ماله عنده فيمنعه إياه إِلا دُعي له يوم
القيامة شجاع يتلمظ(٨) فضله الذي منع)) (٩) لفظ ابن جرير.
وقال ابن جرير: حدثنا ابن المثنى، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا داود، عن أبي قزعة، عن رجل،
عن النبي مَّر، قال: ((ما من ذي رحم يأتي ذا رحمه فيسأله من فضل جعله الله عنده، فيبخل به عليه،
إِلا أخرج له من جهنم شجاع يتلمظ حتى يطوقه)) ثم رواه من طريق أخرى عن أبي قزعة واسمه:
حجر بن بيان(١٠)، عن أبي مالك العبدي موقوفاً، ورواه من وجه آخر عن أبي قزعة مرسلاً(١١).
وقال العوفي، عن ابن عباس: نزلت في أهل الكتاب الذين بخلوا بما في أيديهم من الكتب
المنزلة أن يبينوها، رواه ابن جرير(١٢)، والصحيح الأول وإِن دخل هذا في معناه، وقد يقال: إن
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٣٥٧٧) وصححه أحمد شاكر.
(٢) سنن الترمذي، التفسير، سورة آل عمران (ح٣٠١٢)، وسنن النسائي، الزكاة، باب التغليظ في حبس الزكاة ١١/٥.
(٤) أخرجه الطبري موقوفاً بأسانيد صحيحة.
(٣) المستدرك ٢٩٨/٢.
(٥) القضم: الأكل بأطراف الأسنان (النهاية ٤/ ٧٧).
(٦) أخرجه البزار من طريق يزيد بن زريع به (مسند البزار ح ٨٨٢)، وحسنه الهيثمي (مجمع الزوائد ٦٧/٣).
(٨) يتلمظ: يدير لسانه ويحركه (النهاية ٢٧١/٤).
(٧) المعجم الكبير (ح ٢٣٤٣).
(٩) أخرجه الطبري من طريق بهز بن حكيم به وصححه أحمد شاكر في تحقيقه لتفسير الطبري.
(١٠) ((حجر بن بيان) كذا في كل النسخ وفي رواية الطبري: ((حجير بن بيان)) كما في النسخة المحققة على عدة
نسخ خطية بإشراف معالي د. عبد الله بن عبد المحسن التركي، وهكذا أخرجه ابن أبي شيبة عن أبي معاوية
عن داود بن أبي هند عن أبي قزعة عن حجير بن بيان (مسند ابن أبي شيبة ٩٤/٢) وسنده صحيح.
(١١) أخرجه الطبري بسنده مرسلاً ومتصلاً.
(١٢) أخرجه الطبري من طريق عطية العوفي به، وسنده ضعيف.

٤٧٩
سُورَةُ العَقْرَانَ (١٨١، ١٨٤)
هذا أولى بالدخول، والله وَلَ أعلم، وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مِيَرَثُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ أي: ﴿ وَأَنفِقُواْ
مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: ٧] فإن الأمور كلها مرجعها إلى الله رَك. فقدموا من أموالكم
ما ينفعكم يوم معادكم ﴿ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي: بنياتكم وضمائركم.
- ﴿لَّقَدْ سَمِعَ اَللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ فَقِيْرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتْلَهُمُ
﴿ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيَكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَامٍ
اُلْأَنْبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ
لِّلْعَبِيدِ ﴿٨َ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا تُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَقَّ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُ النَّارُ قُلْ
فَإِن كَذَّبُوكَ
قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِ بِلْبَيِّنَتِ وَبِالَّذِى قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنْتُمْ صَدِّقِينَ
(ME)
فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ جَءُو بِالْبَيْنَتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَبِ الْمُنِيرِ
قال سعيد بن جبير، عن ابن عباس: لما نزل قوله تعالى: ﴿مَّن ذَا الَّذِى يُفْرِضُ اَللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا
فَيُقَدِهِفَهُمْ لَهُو أَضْعَافًا كَثِيرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٤٥] قالت اليهود: يا محمد، افتقر ربك، فسأل عباده
القرض؟ فأنزل الله ﴿لَّقَدْ سَمِعَ اَللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ ... ﴾ الآية، رواه ابن
مردويه وابن أبي حاتم(١).
وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أنه حدثه، عن ابن
عباس ظه، قال: دخل أبو بكر الصديق ◌ُه بيت المدراس فوجد من يهود أناساً كثيراً قد
اجتمعوا إلى رجل منهم يقال له: فنحاص، وكان من علمائهم وأحبارهم، ومعه حبر يقال له:
أشيع، فقال له أبو بكر: ويحك يا فنحاص اتقِ الله وأسلم، فوالله إنك لتعلم أن محمداً رسول
من عند الله قد جاءكم بالحق من عنده، تجدونه مكتوباً عندكم في التوراة والإنجيل. فقال
فنحاص: والله يا أبا بكر ما بنا إلى الله من حاجة من فقر، وإنه إلينا لفقير، ما نتضرع إليه كما
يتضرع إلينا، وإنا عنه لأغنياء، ولو كان عنا غنياً ما استقرض منا كما يزعم صاحبكم، ينهاكم عن
الربا ويعطينا، ولو كان غنياً ما أعطانا الربا، فغضب أبو بكر ﴿به فضرب وجه فنحاص ضرباً
شديداً، وقال: والذي نفسي بيده لولا الذي بيننا وبينك من العهد لضربت عنقك يا عدو الله،
فأكذبونا ما استطعتم إن كنتم صادقين. فذهب فنحاص إِلى رسول الله وَّ*، فقال: يا محمد أبصر
ما صنع بي صاحبك، فقال رسول الله وَل قر لأبي بكر: ((ما حملك على ما صنعت؟» فقال: يا
رسول الله، إن عدو الله قد قال قولاً عظيماً، زعم أن الله فقير وأنهم عنه أغنياء، فلما قال ذلك،
غضبت لله مما قال: فضربت وجهه، فجحد فنحاص ذلك، وقال: ما قلت ذلك، فأنزل الله فيما
قال فنحاص ردّاً عليه وتصديقاً لأبي بكر: ﴿لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ فَقِيْرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَمُ﴾.
الآية، رواه ابن أبي حاتم(٢).
وقوله: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ﴾ تهديد ووعيد، ولهذا قرنه تعالى بقوله: ﴿وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَةَ بِغَيْرِ
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد به.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن إسحاق به، وحسنه الحافظ ابن حجر (فتح الباري ٨/ ٠
٢٣١) .

٤٨٠
• سُوْرَةُ أَلِّعَنْرَانَ (١٨٥، ١٨٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
حَقٍ﴾ أي: هذا قولهم في الله وهذه معاملتهم لرسل الله وسيجزيهم الله على ذلك شر الجزاء،
ذَلِكَ بِمَا قَّدَّمَتْ أَيْدِيَكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ
ولهذا قال تعالى: ﴿وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ
لِلْعَبِيدِ (٣)﴾ أي: يقال لهم ذلك تقريعاً وتوبيخاً وتحقيراً وتصغيراً، وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوَأْ
إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَآ أَلَّا تُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ﴾ يقول تعالى تكذيباً لهؤلاء
الذين زعموا أن الله عهد إليهم في كتبهم، أن لا يؤمنوا لرسول حتى يكون من معجزاته أن من
تصدق بصدقة من أمته، فتقبلت منه، أن تنزل نار من السماء تأكلها، قاله ابن عباس والحسن(١)
وغيرهما .
قال الله رَّ: ﴿قُلّ قَدْ جَءَكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِى بِاَلْبَيِّنَتِ﴾ أي: بالحجج والبراهين، ﴿وَيَالَّذِى
قُلْتُمْ﴾ أي: وبنار تأكل القرابين المتقبلة، ﴿فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ﴾ أي: فلم قابلتموهم بالتكذيب
والمخالفة والمعاندة وقتلتموهم ﴿إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾ أنكم تتبعون الحق وتنقادون للرسل. ثم قال
تعالى مسلياً لنبيه محمد رَّله: ﴿فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ جَءُو بِلْبِنَتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَبِ
الْمُنِيرِ ﴾ أي: لا [يهيدنك](٢) تكذيب هؤلاء لك، فلك أسوة بمن قبلك من الرسل الذين
كذبوا مع ما جاءوا به من البينات وهي الحجج والبراهين القاطعة، ﴿وَالزُّبُرِ﴾ وهي الكتب
المتلقاة من السماء كالصحف المنزلة على المرسلين، ﴿وَالْكِتَبِ الْمُنِيرِ﴾ أي: البين الواضح
الجلي.
] ﴿كُّ نَفْسِ ذَآئِقَةُ الْوَتَّ وَإِنَّمَا تُوَنَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِجَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ
﴿ لَتُبْلَوُنَ فِى أَمْوَلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ
١٨٥)
اُلْجَنَةَ فَقَدْ فَازَّ وَمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَعُ الْغُرُورِ
وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذَى كَثِيرَاً وَإِن تَصْبِرُواْ
وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾﴾.
يخبر تعالى إخباراً عاماً يعم جميع الخليقة بأن كل نفس ذائقة الموت، كقوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ
W﴾ [الرحمن] فهو تعالى وحده هو الحي الذي لا
عَلَيْهَا فَانٍ ﴿ وَيَبْقَى وَجْهُ رَيِّكَ ذُو الْجَلِ وَالْإِكْرَامِ
يموت، والجن والإنس يموتون، وكذلك الملائكة وحملة العرش، وينفرد الواحد الأحد القهار
بالديمومة والبقاء، فيكون آخراً كما كان أولاً، وهذه الآية فيها تعزية لجميع الناس، فإنه لا يبقى
أحد على وجه الأرض حتى يموت، فإذا انقضت المدة وفرغت النطفة التي قدر الله وجودها في
صلب آدم وانتهت البرية، أقام الله القيامة وجازى الخلائق بأعمالها جليلها وحقيرها، كثيرها(٣)
وقليلها، فلا يظلم أحداً مثقال ذرة، ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِنَّمَا تُوَنَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ﴾ ..
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد العزيز الأويسي، حدثنا علي بن أبي علي
(١) قول ابن عباس أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عن ابن عباس، وقول
الحسن أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عباد بن منصور مختصراً.
(٢) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: ((لا يهمنك))، وجاء في (عف) بيان المعنى: لا
يزعجنك.
(٣) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: ((كبيرها)).