Indexed OCR Text
Pages 281-300
· سُورَةُ الْبَقَة (٢٧٥) ٢٨١ 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال الثوري، عن عاصم، عن الشعبي، عن ابن عباس، قال: آخر ما نزل على رسول الله وَله، آية الربا، رواه البخاري عن قبيصة عنه(١). وقال أحمد: عن يحيى، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، أن عمر قال: من آخر ما نزل آية الربا، وإن رسول الله وَلل قبض قبل أن يفسرها لنا، فدعوا الربا والريبة(٢)، رواه ابن ماجه(٣) وابن مردويه. وروى ابن مردويه من طريق هياج بن بسطام، عن داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، قال: خطبنا عمر بن الخطاب فقال: إني لعلّي أنهاكم عن أشياء تصلح لكم، وآمركم بأشياء لا تصلح لكم، وإن من آخر القرآن نزولاً آية الربا، وإنه قد مات رسول الله و لر ولم يبيّنه لنا، فدعوا ما يريبكم، إلى ما لا يريبكم(٤). وقد قال ابن ماجه: حدثنا عمرو بن علي الصيرفي، حدثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن زبيد، عن إبراهيم، عن مسروق، عن عبد الله، هو ابن مسعود، عن النبي ◌َّ قال: ((الربا ثلاثة وسبعون باباً))(٥). ورواه الحاكم في مستدركه: من حديث عمرو بن علي الفلاس بإسناده مثله، وزاد: ((أيسرها أن ينكح الرجل أمه، وإن أربى الربا عرض الرجل المسلم)) وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه(٦). وقال ابن ماجه: حدثنا عبد الله بن سعيد، حدثنا عبد الله بن إدريس، عن أبي (٧) معشر، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَلاير: ((الربا سبعون حوباً، أيسرها أن ينكح الرجل أُمه))(٨). وقال الإمام أحمد: حدثنا هشيم، عن عباد بن راشد، عن سعيد بن أبي خيرة، حدثنا الحسن منذ نحو أربعين أو خمسين سنة، عن أبي هريرة أن رسول الله وَ ل* قال: ((يأتي على الناس زمان يأكلون فيه الربا))، قال: قيل له: الناس كلهم؟ قال: ((من لم يأكله منهم ناله من غباره))(٩). وكذا = حاك في صدرك وإن أفتاك الناس (المسند ٥٢٣/٢٩ ح١٧٩٩٩)، ويشهد لبعض حديثه النواس بن سمعان: ((البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس)) (المسند ح ١٧٦٣١)، وسنده صحیح. (١) صحيح البخاري، تفسير سورة البقرة، باب ﴿وَأَتَّقُواْ يَوْمًا تُجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١] (ح ٤٥٤٤). (٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٦١/١ ح٢٤٦)، وحسنه محققوه. لكن سعيد بن المسيب لم يسمع من عمر (المراسيل لابن أبي حاتم ص٧١، ٧٢). (٣) أخرجه من طريق ابن أبي عروبة به (السنن، التجارات، باب التغليظ في الربا ح ٢٢٦٧)، وصحح إسناده البوصيري (مصباح الزجاجة ١٩٨/٢). (٤) في سنده: هياج بن بسطام وهو ضعيف جداً (ميزان الاعتدال ٣١٨/٤). (٥) السنن، التجارات، باب التغليظ في الربا (ح٢٢٧٥)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ١٨٤٧). (٦) المستدرك ٣٧/٢. (٧) في الأصل: ((بن)) وهو تصحيف. (٨) السنن، التجارات، باب التغليظ في الربا (ح٢٢٧٤)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ١٨٤٤). (٩) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٩٤/٢)، وفي سنده سعيد بن أبي خيرة: وهو مقبول، وعباد بن راشد: وهو صدوق له أوهام (التقريب ٢٩٤/١، ٣٩١)، والحسن البصري لم يسمع من أبي هريرة. ٢٨٢ • سُؤَدَّةُ الْبَقَةِ (٢٧٦، ٢٧٧) 00000000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه، من غير وجه، عن سعيد بن أبي خيرة، عن الحسن به (١)، ومن هذا القبيل تحريم الوسائل المفضية إلى المحرمات، الحديث الذي رواه الإمام أحمد، حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش، عن مسلم بن صبيح، عن مسروق، عن عائشة، قالت: لما نزلت الآيات من آخر سروة البقرة في الربا خرج رسول الله وقلي إلى المسجد فقرأهن، فحرم التجارة في الخمر (٢). وقد أخرجه الجماعة، سوى الترمذي، من طرق عن الأعمش به، وهكذا لفظ رواية البخاري عند تفسير هذه الآية، فحرم التجارة، وفي لفظ له عن عائشة، قالت: لما نزلت الآيات من آخر سورة البقرة في الربا، قرأها رسول الله ويسير على الناس، ثم حرَّم التجارة في الخمر(٣). قال بعض من تكلم على هذا الحديث من الأئمة: لما حرم الربا ووسائله حرم الخمر وما يفضي إليه من تجارة ونحو ذلك، كما قال ظلّ في الحديث المتفق عليه: ((لعن الله اليهود حُرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها وأكلوا أثمانها))(٤) . وقد تقدم في حديث علي وابن مسعود وغيرهما، عند لعن المحلّل في تفسير قوله: ﴿حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] قوله ◌َّ: ((لعن الله آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه))(٥)، قالوا: وما يشهد عليه ويكتب إلا إذا أظهر في صورة عقد شرعي، ويكون داخله فاسداً، فالاعتبار بمعناه لا بصورته، لأن الأعمال بالنيات، وفي الصحيح: ((إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم، وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم)) (٦). وقد صنف الإمام العلامة أبو العباس بن تيمية كتاباً في إبطال التحليل، تضمن النهي عن تعاطي الوسائل المفضية إلى كل باطل، وقد كفى في ذلك، وشفى، فرحمه الله، ورضي عنه. ] ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الْرَّواْ وَيُرْبِىِ الضَدَقَتِّ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَنِيمِ ﴿َ إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الضَّالِحَتِ وَأَقَامُواْ الضَّلَوةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَ هُمْ يَحْزَنُنَ يخبر الله تعالى أنه يمحق الربا، أي يذهبه إما بأن يذهبه بالكلية من يد صاحبه، أو يحرمه بركة ماله فلا ينتفع به، بل يعتدمه به في الدنيا ويعاقبه عليه يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿قُل لَّا يَسْتَوِى الْخَبِيثُ وَاَلَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ [المائدة: ١٠٠] وقال تعالى: ﴿وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَ (٧) بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِ جَهَنَّمْ﴾ [الأنفال: ٣٧] وقال: ﴿وَمَآ ءَاتَيْتُم مِّن رِّبًا (١) سنن أبي داود، البيوع، باب في اجتناب الشبهات (ح٣٣٣١)، وسنن النسائي، البيوع، باب في اجتناب الشبهات في الكسب ٢٤٣/٧، وسنن ابن ماجه، التجارات، باب التغليظ في الربا (ح٢٢٧٨)، وحكمه كسابقه. (٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٦/٦)، وسنده صحيح. (٣) صحيح البخاري، تفسير سورة البقرة، باب ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَّمَ الرّيَّواْ﴾ (ح ٤٥٤٠)، وصحيح مسلم المساقاة، باب تحريم بيع الخمر ١٥٨. (٤) صحيح البخاري، البيوع، باب لا يذاب شحم الميتة (ح٢٢٢٣)، وصحيح مسلم، كتاب المساقاة، باب لعن أكل الربا (ح) ١٥٨٢. (٥) أخرجه مسلم في صحيحه من حديث جابر، كتاب المساقاة، باب لعن أكل الربا وموكله (ح١٥٩٨). (٦) أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة، الصحيح، كتاب البر والصلة (ح ٢٥٦٤). (٧) في الأصل: ((فوق)) وهو سبق متأثراً بالمعنى. ٢٨٣ • سُورَةُ الْبََّدَّة (٢٧٧،٢٧٦) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 ◌ِيَرَّبُوَا فِىِّ أَمْوَلِ النَّاسِ فَلَ يَرْيُواْ عِندَ اللَّهِ﴾ الآية [الروم: ٣٩]، وقال ابن جرير في قوله: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرَّوا﴾: وهذا نظير الخبر الذي روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: الربا وإن كَثُر فإن عاقبته تصير إلى قلّ(١). وهذا الحديث قد رواه الإمام أحمد في مسنده، فقال: حدثنا حجاج. حدثنا شريك، عن الركين بن الربيع، عن أبيه، عن ابن مسعود، عن النبي ◌َّ، قال: ((إن الربا وإن كَثُر فإن عاقبته تصير(٢) إلى قلّ))(٣)، وقد رواه ابن ماجه: عن العباس بن جعفر، عن عمرو بن عون، عن يحيى بن زائدة، عن إسرائيل، عن الركين بن الربيع بن عميلة الفزاري، عن أبيه، عن ابن مسعود، عن النبي وَلّ، أنه قال: ((ما أحد أكثر من الربا إلا كان عاقبة أمره إلى قل)) (٤). وهذا من باب المعاملة، بنقيض المقصود، كما قال الإمام أحمد: حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا الهيثم بن نافه الظاهري، حدثني أبو يحيى رجل من أهل مكة، عن فروخ مولى عثمان، أن عمر وهو يومئذٍ أمير المؤمنين، خرج من المسجد فرأى طعاماً منثوراً، فقال: ما هذا الطعام؟ فقالوا: طعام جلب إلينا، قال: بارك الله فيه وفيمن جلبه، قيل: يا أمير المؤمنين إنه قد احتكر، قال: من احتكره؟ قالوا: فروخ مولى عثمان وفلان مولى عمر، فأرسل إليهما، فقال: ما حملكما على احتكار طعام المسلمين؟ قالا: يا أمير المؤمنين نشتري بأموالنا ونبيع، فقال عمر: سمعت رسول الله وسلم يقول: ((من احتكر على المسلمين طعامهم ضربه الله بالإفلاس أو بجُذام)»، فقال فروخ عند ذلك: أعاهد الله وأعاهدك أن لا أعود في طعام أبداً، وأما مولى عمر فقال: إنما نشتري بأموالنا ونبيع، قال أبو يحيى: فلقد رأيت مولى عمر مجذوماً(٥)، ورواه ابن ماجه من حديث الهيثم بن رافع به، ولفظه: ((من احتكر على المسلمين طعامهم ضربه الله بالإفلاس والجذام)»(٦). وقوله: ﴿وَيُرْبِ الضَدَقَتِ﴾ قُرِئ بضم الياء والتخفيف، من ربا الشيء يربو وأرباه يربيه، أي كثره ونماه ينميه، وقُرِئ: ((يُربِّي)) بالضم والتشديد من التربية(٧). كما قال البخاري: حدثنا عبد الله بن المنير (٨)، سمع أبا النضر، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن أبيه، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَلقوله: (من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، فإن الله يتقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يُربي أحدكم فلوه، حتى يكون مثل الجبل)) كذا رواه في كتاب الزكاة (٩)، وقال في (١) أخرجه بحذف الإسناد ٤٥/٥، وهو حديث صحيح. (٢) في الأصل: ((وإن كثر فإلى قل))، والتصويب من التخريج. (٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٣٧٥٤)، وصححه أحمد شاكر. (٤) السنن، التجارات، باب التغليظ في الربا (ح٢٢٧٩)، وصحح إسناده البوصيري (مصباح الزجاجة ٢/ ١٩٩)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح١٨٤٨). (٥) أخرجه الإمام أحمد سنده ومتنه (المسند ح١٣٥)، وصححه أحمد شاكر. (٦) السنن، التجارات، باب الحكرة والجلب (ح٢١٥٥)، وصحح إسناده البوصيري (مصباح الزجاجة ١٦٤/٢). (٧) القراءة الأولى متواترة والثانية بالتشديد شاذة تفسيرية. (٨) في الأصل: ((بن كثير)) والتصويب من (عف) و(حم) و(م) والتخريج. (٩) صحيح البخاري، الزكاة، باب الصدقة من كسب طيب (ح١٤١٠). ٢٨٤ • سُورَةُ الْبََّقَرَّة (٢٧٦، ٢٧٧) 000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0000 0000 كتاب التوحيد: وقال خالد بن مخلد بن سليمان بن بلال، عن عبد الله بن دينار ... فذكره بإسناده نحوه (١)، وقد رواه مسلم في الزكاة، عن أحمد بن عثمان بن حكيم، عن خالد بن مخلد، فذكره (٢)، قال البخاري ورواه مسلم بن أبي مريم، وزيد بن أسلم، وسهيل، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ◌َّد. قلت: أما رواية مسلم بن أبي مريم، فقد تفرد البخاري بذكرها، وأما طريق زيد بن أسلم، فرواها مسلم في صحيحه، عن أبي الطاهر بن السرح، عن أبي وهب، عن هشام بن سعيد، عن زيد بن أسلم به، وأما حديث سهيل، فرواه مسلم، عن قتيبة، عن يعقوب بن عبد الرحمن، عن سُهيل به، والله أعلم(٣)، قال البخاري: وقال ورقاء، عن ابن دينار، عن سعيد بن يسار، عن أبي مَلاه (٤) . هريرة، عن النبي وقد أسند هذا الحديث من هذا الوجه الحافظ أبو بكر البيهقي، عن الحاكم وغيره، عن الأصم، عن العباس المروزي، عن أبي النضر، هاشم بن القاسم، عن ورقاء وهو: ابن عمر اليشكري، عن عبد الله بن دينار، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ويليه: ((من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يصعد إلى الله إلا الطيب، فإن الله يقبلها بيمينه فيربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فّوه، حتى يكون مثل أُحد)»(٥) وهكذا روى هذا الحديث مسلم والترمذي والنسائي جميعاً، عن قتيبة، عن الليث بن سعد، عن سعد المقبري، وأخرجه النسائي من رواية مالك، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، ومن طريق يحيى القطان، عن محمد بن عجلان، ثلاثتهم عن سعيد بن يسار أبي الحباب المدني، عن أبي هريرة، عن النبي وَّ، فذكره(٦) . وقد روي عن أبي هريرة من وجه آخر، فقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمرو بن عبد الله الأودي(٧)، حدثنا وكيع، عن عباد بن منصور، حدثنا القاسم بن محمد قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله وَّه: ((إن الله ◌َ يقبل الصدقة، ويأخذها بيمينه فيريبها لأحدكم كما يربي أحدكم مهره أو فلوه، حتى إن اللقمة لتصير مثل أُحْد)) وتصديق ذلك في كتاب الله: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبُواْ وَيُرْبِىِ الضَّدَقَتِ﴾(٨) وكذا رواه أحمد، عن وكيع، وهو في تفسير وكيع(٩)، ورواه الترمذي، عن أبي كريب عن وكيع به، وقال: حسن صحيح(١٠)، وكذا رواه الثوري عن عباد بن منصور به، ورواه أحمد أيضاً عن خلف بن الوليد، عن ابن المبارك، عن عبد الواحد بن ضمرة وعباد بن (١) صحيح البخاري، التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَتْبِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤] (ح ٧٤٣٠). (٢) صحيح مسلم، الزكاة، باب قبول الصدقة (ح ١٠١٤). (٣) المصدر السابق بعد الحديث المذكور. (٤) ذكره البخاري في الكتابين السابقين: الزكاة والتوحيد. (٥) السنن الكبرى ١٧٦/٤ ويشهد له ما سبق. (٦) صحيح مسلم في الباب السابق. (٧) في الأصل: ((الأزدي)) وهو تصحيف، والتصويب من (عف) و(م) و(حم) والتخريج. (٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن. (٩) المسند ٢/ ٤٧١ ويشهد له ما سبق. (١٠) السنن، الزكاة، باب ما جاء في فضل الصدقة (ح ٦٦٢). ٢٨٥ • سُورَةُ النََة (٢٧٨، ٢٨١) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 منصور، كلاهما عن القاسم(١) به(٢)، وقد رواه ابن جرير، عن محمد بن عبد الملك بن إسحاق، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن القاسم بن محمد، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَله: ((إن العبد إذا تصدق من طيب يقبلها الله منه، فيأخذها بيمينه ويربيها كما يربي أحدكم مهره أو فصيله، وإن الرجل ليتصدق باللقمة فتربو في يد الله - أو قال: في كفِّ الله - حتى تكون مثل أُحد، فتصدقوا))(٣). وهكذا رواه أحمد: عن عبد الرزاق(٤)، وهذا طريق غريب صحيح الإسناد، ولكن لفظه عجيب، والمحفوظ ما تقدم، وروي عن عائشة أم المؤمنين، فقال الإمام أحمد، حدثنا عبد الصمد، حدثنا حماد عن ثابت، عن القاسم بن محمد، عن عائشة، أن رسول الله ◌َو قال: ((إن الله ليربي لأحدكم التمرة واللقمة كما يربي أحدكم فلوَّه أو فصيله حتى یکون مثل أُحد»(٥) تفرد به أحمد من هذا الوجه. وقال البزار: حدثنا يحيى بن المعلى بن منصور، حدثنا إسماعيل، حدثني أبي، عن يحيى بن سعيد، عن عَمرة، عن عائشة، عن النبي وّ وعن الضحاك بن عثمان، عن أبي هريرة، عن النبي وَّ قال: ((إن الرجل ليتصدق بالصدقة من الكسب الطيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، فيتلقاها الرحمن بيده، فيربيها كما يربي أحدكم فلوَّه أو وصيفه)) أو قال: ((فصيله))، ثم قال: لا نعلم أحداً رواه عن يحيى بن سعيد عن عمرة إلا أبا أويس(٦). وقوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَئِيمٍ﴾ أي: لا يحب كفور القلب أثيم القول والفعل، ولا بد من مناسبة في ختم هذه الآية بهذه الصفة، وهي أن المرابي لا يرضى بما قسم الله له من الحلال، ولا يكتفي بما شرع له من الكسب المباح، فهو يسعى في أكل أموال الناس بالباطل، بأنواع المكاسب الخبيثة، فهو جحود لما عليه من النعمة، ظلوم آثم بأكل أموال الناس بالباطل - ثم قال تعالى مادحاً للمؤمنين بربهم، المطيعين أمره المؤدين شكره، المحسنين إلى خلقه في إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، مخبراً عما أعد لهم من الكرامة، وأنهم يوم القيامة من التبعات آمنون فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الضَكَلِحَتِ وَأَقَامُواْ الضَلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَيِّهِمْ وَلَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَ هُمْ يَحْزَنُنَ فَإِنِ لَّمْ تَفْعَلُواْ ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ الرِّبَوَاْ إِن كُنْتُم ◌ُؤْمِنِينَ (4) فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اَللَّهِ وَرَسُولٌِّ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُهُوسُ أَمْوَلِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ ﴿َ) وَإِن كَانَ وَأَتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةُ إِلَى مَيْسَرَؤْمِ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَكُوٌّ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٣) ٠. فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَلَّى كُلُّ نَفْسِ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (َ). يقول تعالى آمراً عباده المؤمنين بتقواه، ناهياً لهم عما يقربهم إلى سخطه ويبعدهم عن رضاه، (١) في الأصل: ((عن أبي نضرة)) والتصويب من (عف) و(م) و(ح) والتخريج من المسند. (٢) المسند ٢/ ٤٠٤. (٤) المسند ٢٦٨/٢. (٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٥١/٦)، ويشهد له ما سبق. (٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح. (٦) في سنده أبو أويس: عبد الله بن عبد الله بن أويس الأصبحي: وهو صدوق يهم (التقريب ص٣٠٩)، وقد توبع في الروايات السابقة. ٢٨٦ 00000000000000000000000000000000000000000000000000 0 • سُورَةُ الْبَقَةُ (٢٧٨، ٢٨١) 0000000000000000000000000000 فقال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهُ﴾ أي: خافوه وراقبوه فيما تفعلون ﴿وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ الرَِّواْ﴾ أي: اتركوا ما لكم على الناس من الزيادة على رؤوس الأموال، بعد هذا الإنذار ﴿إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ﴾ أي: بما شرع الله لكم من تحليل البيع وتحريم الربا وغير ذلك، وقد ذكر زيد بن أسلم، وابن جريج(١) ومقاتل بن حيان والسدي، أن هذا السياق نزل في بني عمرو بن عمير من ثقيف، وبني المغيرة من بني مخزوم، كان بينهم ربا في الجاهلية، فلما جاء الإسلام ودخلوا فيه، طلبت ثقيف أن تأخذه منهم، فتشاورا وقالت بني المغيرة: لا نؤدي الربا في الإسلام بكسب الإسلام، فكتب في ذلك عتاب بن أُسيد، نائب مكة إلى رسول الله - 18 فنزلت هذه الآية، فكتب بها رسول الله وَلَه إليه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ الْرَِّوْاْ إِن كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (9َ فَإِن لَّْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِّ﴾، فقالوا: نتوب إلى الله، ونذر ما بقي من الربا، فتركوه (٢) كلهم(٢) . وهذا تهديد ووعيد أكيد، لمن استمر على تعاطى الربا بعد الإنذار قال ابن جريج: قال ابن عباس: ﴿وَذَنُواْ بِحَرْبٍ﴾ أي: استيقنوا بحرب من الله ورسوله(٣)، وتقدم من رواية ربيعة بن كلثوم، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: يقال يوم القيامة لآكل الربا: خذ سلاحك للحرب، ثم قرأ ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَ رَسُولِّ﴾(٤). وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولٌِّ﴾ فمن كان مقيماً على الربا لا ينزع عنه، كان حقاً على إمام المسلمين أن يستتيبه، فإن نزع وإلا ضرب عنقه(٥). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن بشار(٦)، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا هشام بن حسان، عن الحسن وابن سيرين، أنهما قالا: والله إن هؤلاء الصيارفة لأكلة الربا، وإنهم قد أذنوا بحرب من الله ورسوله، ولو كان على الناس إمام عادل لاستتابهم، فإن تابوا وإلا وضع فيه السلاح(٧) . وقال قتادة: أوعدهم الله بالقتل كما يسمعون، وجعلهم بهرجاً أين ما أتوا، فإياكم ومخالطة هذه البيوع من الربا، فإن الله قد أوسع الحلال وأطابه، فلا يلجئنكم إلى معصيته فاقة. رواه ابن (٨) أبي حاتم(٨). (١) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن ابن جريج، وأخرجه بسند حسن عن السدي بنحوه وهو مرسل ويتقوى برواية مقاتل بن حيان التالية. (٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق بكير بن معروف عن مقاتل لكنه مرسل، وهذا القول مع قول السدي يقوي أحدهما الآخر. (٣) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق ابن جريج به، وابن جريج لم يلق ابن عباس ويشهد له قول قتادة والربيع والحسن وابن سيرين كما سيأتي. (٤) تقدم في تفسير الآية ٢٧٥ وتبين أنه ضعيف الإسناد. (٥) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق على بن أبي طلحة به. (٦) في الأصل: ((ابن يسار)) وهو تصحيف والتصويب من التخريج. (٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح. (٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح. ٢٨٧ • سُوَرَّةُ البَقَة (٢٧٨، ٢٨١) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال الربيع بن أنس: أوعد الله آكل الربا بالقتل. رواه ابن جرير(١). وقال السهيلي: ولهذا قالت عائشة لأم محبة مولاة زيد بن أرقم في مسألة العينة: أخبريه أن جهاده مع النبي ◌َ ﴿ قد بطل إلا أن يتوب، فخصَّت الجهاد لأنه ضد قوله: ﴿فَأَذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ قال: وهذا المعنى ذكره ابن بطال(٢)، قال: ولكن هذا إسناده إلى عائشة ضعيف. ثم قال تعالى: ﴿وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَلِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ﴾ أي: بأخذ الزيادة ﴿وَلَا تَظْلِمُونَ﴾ أي: بوضع رؤوس الأموال أيضاً، بل لكم ما بذلتم من غير زيادة عليه ولا نقص منه. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن الحسين بن أشكاب، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن شيبان، عن شبيب بن غرقدة البارقي، عن سليمان بن عمرو بن الأحوص، عن أبيه، قال: خطب رسول الله ◌َ في حجة الوداع، فقال: ((ألا إن كل رباً كان في الجاهلية موضوع عنكم كله، لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون، وأول ربا موضوع ربا العباس بن عبد المطلب، موضوع كله)) وكذا وجدته: سليمان بن الأحوص(٣). وقال ابن مردويه: حدثنا الشافعي، حدثنا معاذ بن المثنى، أخبرنا مسدد، أخبرنا أبو الأحوص، حدثنا شبيب بن غرقدة، عن سليمان بن عمرو، عن أبيه، قال: سمعت رسول الله وَلتر يقول: ((ألا إن كلّ ربا من ربا الجاهلية موضوع، فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تُظلمون)) وكذا رواه من حديث حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي حرة الرقاشي، عن عمر وهو: ابن خارجة ... فذكره(٤). وقوله: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةُ إِلَى مَيْسَرَوَّ وَأَنْ تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَكُرِّ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ يأمر تعالى بالصبر على المعسر الذي لا يجد وفاء، فقال: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةُ إِلَى مَيْسَرَةِ﴾ لا كما كان أهل الجاهلية يقول أحدهم لمدينه إذا حلَّ عليه الدين: إما أن تقضي وإما أن تربي، ثم يندب إلى الوضع عنه، ويعد على ذلك الخير والثواب الجزيل، فقال: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: وأن تتركوا رأس المال بالكلية وتضعوه عن المدين، وقد وردت الأحاديث من طرق متعددة عن النبي ◌َّ بذلك. (فالحديث الأول) عن أبي أمامة أسعد بن زرارة. قال الطبراني(٥): حدثنا عبد الله بن محمد بن شعيب الرجاني، حدثنا يحيى بن حكيم المقوم، حدثنا محمد بن بكر البرساني، حدثنا عبد الله بن (١) أخرجه الطبري من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع. (٢) في الأصل: ((كثير)) والتصويب من (ح) و(م). (٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفيه سليمان بن عمرو بن الأحوص: مقبول كما في التقريب، ولبعضه شاهد في صحيح مسلم من حديث جابر: في كتاب الحج، باب حجة النبي ◌َّ (ح١٢١٨). (٤) الطريق الأول أخرجه أبو داود (السنن، البيوع، باب في وضع الربا ح٣٣٣٤)، والترمذي (السنن، التفسير، سورة التوبة ح٣٥٨٧)، وقال: حسن صحيح، وصححه ابن عبد البر (الاستيعاب في حاشية الإصابة ٢/ ٥١٦)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح٢٨٥٢)، أما الطريق الثاني ففيه علي بن زيد بن جدعان: ضعيف كما في التقريب. (٥) في الأصل: ((الطبري)) وهو تصحيف والتصويب من التخريج. ٢٨٨ • سُوَّرَّةُ الََّقَرّة (٢٧٨، ٢٨١) أبي زياد، حدثني عاصم بن عبيد الله، عن أبي أمامة أسعد بن زرارة، قال: قال رسول الله وَله: ((من سَّره أن يظله الله يوم لا ظل إلا ظله، فلييسر على معسر أو ليضع عنه))(١) . (حديث آخر) عن بريدة. قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا عبد الوارث، حدثنا محمد بن جحادة، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، قال: سمعت النبي وَله يقول: ((من أنظر معسراً فله بكل يوم مثله صدقة)) قال: ثم سمعته يقول: ((من أنظر معسراً فله بكل يوم مثلاه صدقة)) قلت: سمعتك يا رسول الله تقول: ((من أنظر معسراً فله بكل يوم مثله صدقة)). ثم سمعتك تقول: ((من أنظر معسراً فله بكل يوم مثلاه صدقة))، قال: ((له لكل يوم مثله صدقة قبل أن يحلّ الدين، فإذا حلَّ الدين فأنظره، فله بكل يوم مثلاه صدقة))(٢). (حديث آخر) عن أبي قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري، قال أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا أبو جعفر الخطمي، عن محمد بن كعب القرظي، أن أبا قتادة كان له دين على رجل، وكان يأتيه يتقاضاه فيختبى منه، فجاء ذات يوم فخرج صبي، فسأله عنه، فقال: نعم هو في البيت يأكل خزيرة(٣)، فناداه، فقال: يا فلان، اخرج فقد أخبرت أنك هاهنا، فخرج إليه، فقال: ما يغيبك عني؟ فقال: إني معسر وليس عندي شيء، قال: الله أنك معسر؟ قال: نعم، فبكى أبو قتادة، ثم قال: سمعت رسول الله وَل يقول: ((من نفّس عن غريمه، أو محا عنه، كان في ظل العرش يوم القيامة))(٤)، ورواه مسلم في صحيحه(٥). (حديث آخر) عن حذيفة بن اليمان، قال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا الأخنس أحمد بن عمران، حدثنا محمد بن فضيل، حدثنا أبو مالك الأشجعي، عن ربعي بن خراش، عن حذيفة، قال: قال رسول الله : ((أتى الله بعبد من عبيده يوم القيامة قال: ماذا عملت في الدنيا؟ فقال: ما عملت لك يا رب مثقال ذرة في الدنيا أرجوك بها - قالها ثلاث مرات - قال العبد عند آخرها : يا رب إنك كنت أعطيتني فضل مال، وكنت رجلاً أبايع الناس، وكان من خلقي الجواز، فكنت أيسر على الموسر وأنظر المعسر، قال: فيقول الله دمك: أنا أحق من ييسر، ادخل الجنة)). وقد أخرجه البخاري ومسلم وابن ماجه من طرق عن ربعي بن حراش، عن حذيفة. زاد مسلم وعقبة بن عامر وأبي مسعود البدري عن النبي ◌َّر ... بنحوه(٦)، ولفظ البخاري(٧). (١) المعجم الكبير ٣٠٤/١، وفي سنده عاصم بن عبيد الله بن عاصم العدوي: وهو ضعيف (التقريب ص٢٨٥). (٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٦٠/٥)، وأخرجه الترمذي من حديث ابن مسعود وأبي هريرة وصححهما (السنن، البيوع، باب ما جاء في إنظار المعسر ح ١٣٠٦، ١٣٠٧)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢٩/٢)، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير ٢٦١/٥. (٣) الخزيرة: طعام من لحم يقطع صغاراً ويُصب عليه ماء كثير فإذا نضج ذرَّ عليه الدقيق (النهاية ٢٨/٢). (٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٠٨/٥)، وأخرجه الدارمي من طريق عفان به (السنن، الاستئذان، باب فيمن أنظر: معسراً ٢٦١/٢)، ورجاله ثقات إلا أبا جعفر الخطمي وهو عمير بن يزيد بن عمير وهو صدوق، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير ٣٦٤/٥. (٥) صحيح مسلم، المساقاة، باب فضل إنظار المعسر (ح ١٥٦٣). (٦) صحيح البخاري، أحاديث الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل (ح ٣٤٥١)، وصحيح مسلم، المساقاة، باب فضل إنظار المعسر (ح ١٥٦١). (٧) كذا في النسخ الخطية ولم يذكره البخاري بلفظه. ٢٨٩ • سُورَةُ الْبََّوَّة (٢٧٨، ٢٨١) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 (حديث آخر) عن سهل بن حنيف، قال الحاكم في مستدركه: حدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، حدثنا يحيى بن محمد بن يحيى، حدثنا أبو الوليد هشام بن عبد الملك، حدثنا عمرو بن ثابت، حدثنا عبد الله بن محمد بن عقيل، عن عبد الله بن سهل بن حنيف، أن سهلاً حدثه: أن رسول الله ◌َ﴿، قال: ((من أعان مجاهداً في سبيل الله أو غازياً أو غارماً في عسرته أو مكاتباً في رقبته أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله)) ثم قال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه(١). (حديث آخر) عن عبد الله بن عمر، قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن عبيد، عن يوسف بن صهيب، عن زيد العمي، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله وَله: ((من أراد أن تستجاب دعوته وأن تكشف كربته، فليفرج عن معسر))(٢). انفرد به أحمد. (حديث آخر) عن أبي مسعود عقبة بن عمرو. قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا أبو مالك، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة أن رجلاً أتى به الله ريَّ، فقال: ماذا عملت في الدنيا؟ فقال له الرجل: ما عملت مثقال ذرة من خير، فقال ثلاثاً، وقال في الثالثة: إني كنت أعطيتني فضلاً من المال في الدنيا، فكنت أبايع الناس، فكنت أيسر على الموسر، وأنظر المعسر. فقال تبارك وتعالى: نحن أولى بذلك منك، تجاوزا عن عبدي، فغفر له. قال أبو مسعود: هكذا سمعت من النبي وَ﴾(٣)، وهكذا رواه مسلم من حديث أبي مالك سعد بن طارق به(٤). (حديث آخر) عن عمران بن حصين. قال الإمام أحمد: حدثنا أسود بن عامر، أخبرنا أبو بكر، عن الأعمش، عن أبي داود، عن عمران بن حصين قال، قال: رسول الله وَله: ((من كان له على رجل حق فأخره، كان له بكل يوم صدقة)»(٥)، غريب من هذا الوجه، وقد تقدم عن بريدة ... نحوه. (حديث آخر) عن أبي اليسر كعب بن عمرو. قال الإمام أحمد: حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا زائدة، عن عبد الملك بن عمير، عن ربعي، قال: حدثنا أبو اليسر، أن رسول الله وَله، قال: ((من أنظر معسراً أو وضع عنه، أظله الله ومك في ظله يوم لا ظل إلا ظله))(٦). وقد أخرجه مسلم في صحيحه ومن وجه آخر من حديث عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، قال: خرجت أنا وأبي نطلب العلم في هذا الحي من الأنصار قبل أن يهلكوا، فكان أول من لقينا أبا اليسر صاحب رسول الله وَطير، ومعه غلام له معه ضمامة من صحف، وعلى أبي (١) المستدرك ٢١٧/٢، وتعقبه الذهبي بقوله: قلت: بل عمرو رافضي متروك. (٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٤٧٤٩)، وقال أحمد شاكر: في إسناده نظر وأرجح أن يكون منقطعاً، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع الصغير ١٥٩/٥، وقال الهيثمي: رجاله ثقات (مجمع الزوائد ٤/ ١٣٣). (٣) أخرجه الإمام أحمد سنده ومتنه (المسند ١١٨/٤)، وسنده صحيح. (٤) صحيح مسلم، المساقاة، باب فضل أنظار المعسر (ح ١٥٦٠). (٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٤٢/٤)، وفي سنده أبو داود، واسمه نفيع بن الحارث: وهو متروك، كما في التقريب، وقال الهيثمي: كذاب (مجمع الزوائد ١٣٥/٤). (٦) المسند ٤٢٧/٣، ويشهد له ما سبق. ٢٩٠ • سُورَةُ الََّقَة (٢٧٨، ٢٨١) اليسر بُردة ومعافري(١)، وعلى غلامة بُردة ومعافري، فقال له أبي: يا عمِّ، إني أرى في وجهك سفعة (٢) من غضب، قال: أجل كان لي على فلان بن فلان - الحرامي - مال، فأتيت أهله، فسلمت فقلت: أثم هو؟ قالوا: لا، فخرج عليّ ابن له جفر (٣)، فقلت: أين أبوك؟ فقال: سمع صوتك فدخل أريكة أُمي، فقلت: اخرج إليَّ، فقد علمت أين أنت، فخرج، فقلت: ما حملك على أن اختبأت مني؟ قال: أنا والله أحدثك ثم لا أكذبك، خشيت والله أن أحدثك فأكذبك أو أعدك فأخلفك، وكنت صاحب رسول الله، وكنت والله معسراً. قال: قلت: آلله؟ قال: الله، ثم قال: فأتى بصحيفته فمحاها بيده، ثم قال: فإن وجدت قضاء فاقضني وإلا فأنت في حلِّ، فأشهد بصر عيناي هاتان - ووضع أصبعيه على عينيه - وسمع أذناي هاتان، ووعاه قلبي - وأشار إلى نياط قلبه -، رسول الله وَال﴾ وهو يقول: ((من أنظر معسراً أو وضع عنه، أظله الله في ظله ... )). وذكر تمام الحديث(٤). (حديث آخر) عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان، قال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثني أبو يحيى البزاز محمد بن عبد الرحمن، حدثنا الحسن بن أسد بن سالم الكوفي، حدثنا العباس بن الفضل الأنصاري، عن هشام بن زياد القرشي، عن أبيه، عن محجن مولى عثمان، عن عثمان، قال: سمعت رسول الله وَ ل﴿ يقول: ((أظل الله عيناً في ظله يوم لا ظل إلا ظله، من أنظر معسراً، أو ترك لغارم)) (٥). (حديث آخر) عن ابن عباس، قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن يزيد، حدثنا نوح بن جعونة السلمي الخراساني، عن مقاتل بن حيان، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: خرج رسول الله ﴿ إلى المسجد وهو يقول بيده هكذا، وأومأ عبد الرحمن بيده إلى الأرض: ((من أنظر معسراً أو وضع عنه، وقاه الله من فيح جهنم ألا إن عمل الجنة حزن بربوة - ثلاثاً - ألا إن عمل النار سهل بسهوة، والسعيد من وقي الفتن، وما من جرعة أحب إلى الله من جرعة غيظ يكظمها عبد، ما كظمها عبد الله إلا ملأ الله جوفه إيماناً)) (٦) تفرد به أحمد. (طريق آخر) قال الطبراني: حدثنا أحمد بن محمد البوراني قاضي الحديبية من ديار ربيعة، حدثنا الحسن بن علي الصدائي، حدثنا الحكم بن الجارود، حدثنا ابن أبي المتئد خال ابن عيينة، عن أبيه، عن عطاء، عن ابن عباس قال رسول الله ويتلقى: ((من أنظر معسراً إلى ميسرته أنظره الله بذنبه إلى توبته))(٧) . ثم قال تعالى يعظ عباده، ويذكرهم زوال الدنيا، وفناء ما فيها من الأموال وغيرها، وإتيان الآخرة، والرجوع إليه تعالى، ومحاسبته تعالى خلقه على ما عملوا، ومجازاته إياهم بما كسبوا من خير وشر، ويحذرهم عقوبته، فقال: ﴿وَأَتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ (٢) السفعة: العلامة. (١) البردة: كسا مخطط، ومعافري نوع من الثياب. (٣) الجفر: هو الذي قارب البلوغ كما في حاشية صحيح مسلم. (٤) وهو حديث طويل (صحيح مسلم، الزهد والرقائق، باب حديث جابر الطويل ح٣٠٠٦). (٥) أخرجه عبد الله ابن الإمام أحمد في المسند بلفظه ومتنه، وذكر المحققون أن إسناده ضعيف جداً بسبب العباس بن الفضل الأنصاري الواقفي (المسند ٥٤٨/١ ح٥٣٢). (٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وضعفه أحمد شاكر بسبب نوح بن جعونة (المسند ح ٣٠١٧). (٧) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ١٥١/١١)، وفي سنده الحكم بن الجارود ضعفه الأزدي، وقال أبو حاتم: مجهول (لسان الميزان ٣٣٢/٢). ٢٩١ • سُوَدَّةُ الَقَة (٢٨٢) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (®)﴾، وقد روي أن هذه الآية آخر آية نزلت من القرآن العظيم، فقال ابن لهيعة: حدثني عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير قال: آخر ما نزل من القرآن كله ﴿وَأَثَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَلَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾﴾، وعاش النبي ◌َّ بعد نزول هذه الآية تسع ليال، ثم مات يوم الإثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول، رواه ابن أبي حاتم(١). وقد رواه ابن مردويه من حديث المسعودي عن حبيب ابن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: آخر آية نزلت ﴿وَأَثَّقُواْ يَوْمًا تُجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ وقد رواه النسائي من حديث يزيد النحوي، عن عكرمة، عن عبد الله بن عباس، قال: آخر شيء نزل من القرآن ﴿وَأَتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٣)﴾(٢)، وكذا رواه الضحاك والعوفي عن ابن عباس(٣). وروى الثوري عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: آخر آية نزلت: ﴿وَأَتَّقُواْ يَوْمًا تُجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ فكان بين نزولها وموت النبي وَّهِ واحد وثلاثون يوماً (٤). وقال ابن جريج: قال ابن عباس: آخر آية نزلت: ﴿وَأَتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ الآية(٥). وقال ابن جريج: يقولون: إن النبي ◌ّ ر عاش بعدها تسع ليال وبدء يوم السبت ومات يوم الاثنين، رواه ابن جرير(٦) ورواه عطية عن أبي سعيد، قال آخر آية نزلت ﴿وَأَتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ (٧) إِلَى اللَِّ ثُمَّ تُوَلَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (َ﴾(٧). ﴿ ﴿بَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِذَا تَدَايَنْتُ بِدَيْنٍ إِلَّ أَجَلٍ مُسَنَّى فَأَكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَيْنَكُمْ كَائِبُ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَتِبُ أَنْ يَكْنُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئً فَإِن كَانَ الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهَا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِّ وَأَسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَأَمْرَأَتَانِ مِمَن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَثُهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَهُمَا الْأُخْبِىُّ وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوْ وَلَا تَدْئَمُوْ أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ ڪَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَفْسَطُ عِنْدَ الَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَدَةِ وَأَدْفَ أَلَّا تَرْتَابُوَاْ إِلَّ أَنْ تَكُونَ تِجَرَةً حَاضِرَةً تُدِيُرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُنْ جُنَاعُ أَلَّا تَكْتُبُوهَأُ وَأَشْهِدُوَاْ إِذَا تَبَايَعْتُمَّ وَلَا يُضَارَّ كَاِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُوقًا بِكُمُّ وَأَنَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ الَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ . هذه الآية الكريمة أطول آية في القرآن العظيم، وقد قال الإمام أبو جعفر بن جرير: حدثنا (١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وهو مرسل. (٢) في سنده المسعودي وهو عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة: وهو صدوق اختلط (التقريب ص٣٤٤)، وأخرجه الطبراني من طريق المسعودي (المعجم الكبير ٢٣/١٢ ح١٢٣٥٧)، وقال الهيثمي: رواه الطبراني بإسنادين رجال أحدهما ثقات (مجمع الزوائد ٣٢٧/٦)، وقد توبع كما سيأتي في رواية النسائي. (٣) السنن الكبرى، التفسير (ح ٧٧). (٤) في سنده الكلبي وهو محمد بن السائب، قد صرح بأن كل ما رواه عن أبي صالح عن ابن عباس، فهو كذب، كما في ترجمته في تهذيب التهذيب. (٥) سنده منقطع، لأن ابن جريج لم يسمع من ابن عباس. (٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده معضل. (٧) في سنده عطية وهو العوفي: وهو ضعيف، كما في التقريب. ٢٩٢ • سُورَةُ الْبَقَة (٢٨٢) يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونس عن ابن شهاب، قال: حدثني سعيد بن المسيب أنه بلغه أن أحدث القرآن بالعرش آية الدين(١). وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس أنه قال لما نزلت آية الدين: قال رسول الله وَله: ((إن أول من جحد آدم علَّا، إن الله لما خلق آدم مسح ظهره، فأخرج منه ما هو ذار إلى يوم القيامة، فجعل يعرض ذريته عليه فرأى فيهم رجلاً يزهر، فقال: أي ربِّ من هذا؟ قال: هو ابنك داود، قال: أي ربِّ، كم عمره، قال: ستون عاماً، قال: ربِّ زد في عمره، قال: لا إلّا أن أزيده من عمرك، وكان عمر آدم ألف سنة، فزاده أربعين عاماً، فكتب عليه بذلك كتاباً وأشهد عليه الملائكة، فلما احتضر آدم وأتته الملائكة، قال: إنه بقي من عمري أربعون عاماً، فقيل له: إنك وهبتها لابنك داود، قال: ما فعلت، فأبرز الله عليه الكتاب وأشهد عليه الملائكة)). وحدثنا أسود بن عامر، عن حماد بن سلمة ... فذكره وزاد فيه: ((فأتمها الله لداود مائة وأتمها لآدم ألف سنة))(٢). وكذا رواه ابن أبي حاتم عن يونس(٣) بن حبيب، عن أبي داود الطيالسي، عن حماد بن سلمة(٤). هذا حديث غريب جداً، وعلي بن زيد بن جدعان في أحاديثه نكارة، وقد رواه الحاكم في مستدركه بنحوه من حديث الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذباب(٥)، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، ومن رواية أبي داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن أبي هريرة، ومن طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، ومن حديث تمام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي بَله ... فذكره بنحوه(٦). فقوله: ﴿يَكَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا تَدَايَنْتُمُ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَنَّى فَاكْتُبُوهُ﴾ هذا إرشاد منه تعالى لعباده المؤمنين إذا تعاملوا بمعاملات مؤجلة أن يكتبوها، ليكون ذلك أحفظ لمقدارها وميقاتها وأضبط للشاهد فيها، وقد نبه على هذا في آخر الآية حيث قال: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطْ عِندَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَدَةِ وَأَدْنَ أَلَّ تَرْتَابُواْ﴾ . وقال سفيان الثوري، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَمَنُوْ إِذَا تَدَايَنْتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَنَّى فَأَكْتُبُوهُ﴾ قال: أنزلت في السلم إلى أجل غير معلوم. وقال قتادة: عن أبي حسان الأعرج، عن ابن عباس، قال: أشهد السلف المضمون إلى أجل مسمى أن الله أحلَّه وأذن فيه، ثم قرأ ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَنَّى﴾، رواه البخاري(٧). (١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده مرسل. (٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٥١/١، ٢٥٢)، وفيه علي بن زيد بن جدعان: ضعيف، كما في التقريب. (٣) في الأصل: (يوسف)) وهو تصحيف والتصويب من (عف) و(ح) و(م) والتخريج. (٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وحكم الحافظ عليه. (٥) في الأصل: ((وثاب)) وهو تصحيف والتصويب من (عف) و(حم) والتخريج. (٦) المستدرك ٦٤/١، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. (٧) هذه الرواية لم أجدها في صحيح البخاري، وسنده حسن. ٢٩٣ • سُورَةُ النََّقَةَ (٢٨٢) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وثبت في الصحيحين من رواية سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن عبد الله بن كثير، عن أبي المنهال، عن ابن عباس، قال: قدم النبي ◌ّليّ المدينة وهم يسلفون في الثمار السنتين والثلاث، فقال رسول الله والقر: ((من أسلف فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم)(١). وقوله: ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾ أمر منه تعالى بالكتابة لتوثقة والحفظ، فإن قيل: فقد ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله وَله: ((إنا أُمة أُمية لا نكتب ولا نحسب))(٢) فما الجمع بينه وبين الأمر بالكتابة؟ فالجواب: أن الدين من حيث هو غير مفتقر إلى كتابة أصلاً، لأن كتاب الله قد سهل الله ويسر حفظه على الناس، والسنن أيضاً محفوظة عن رسول الله صل﴾، والذي أمر الله بكتابته إنما هو أشياء جزئية تقع بين الناس، فأمروا أمر إرشاد لا أمر إيجاب كما ذهب إليه بعضهم. قال ابن جريج: من أدان فليكتب، ومن ابتاع فليشهد(٣). وقال قتادة: ذُكر لنا أن أبا سليمان المرعشي كان رجلاً صحب كعباً، فقال ذات يوم لأصحابه: هل تعلمون(٤) مظلوماً دعا ربه فلم يستجب له؟ فقالوا: وكيف يكون ذلك؟ قال: رجل باع بيعاً إلى أجل فلم يشهد ولم يكتب فلما حلّ ماله جحده صاحبه، فدعا ربه فلم يستجب له، لأنه قد عصی ربه(٥) . وقال أبو سعيد والشعبي والربيع بن أنس والحسن وابن جريج وابن زيد وغيرهم: كان ذلك واجباً، ثم نسخ بقوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِى أَوْتُمِنَ أَمَنَتَهُ﴾ (٦) [البقرة: ٢٨٣]. والدليل على ذلك أيضاً الحديث الذي حكي عن شرع من قبلنا مقرراً في شرعنا ولم ينكر عدم الكتابة والإشهاد. قال الإمام أحمد: حدثنا يونس بن محمد، حدثنا ليث، عن جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن هرمز، عن أبي هريرة، عن رسول الله وَله، أنه ذكر أن رجلاً من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار، فقال: ائتني بشهداء أشهدهم. قال: كفى بالله شهيداً، قال: ائتني بكفيل قال: كفى بالله كفيلاً. قال: صدقت، فدفعها إلى أجل مسمى فخرج في البحر فقضى حاجته ثم التمس مركباً يقدم عليه للأجل الذي أجله فلم يجد مركباً فأخذ خشبة فنقرها، فأدخل فيها ألف دينار وصحيفة معها إلى صاحبها، ثم زجَّج موضعها، ثم أتى بها البحر، ثم قال: اللَّهم إنك قد علمت أني استسلفت فلاناً ألف دينار، فسألني كفيلاً، فقلت: (١) صحيح البخاري، السلم، باب السلم في كيل معلوم ح ٢٢٤٠)، وصحيح مسلم، المساقاة (ح ١٦٠٤). (٢) صحيح البخاري، الصوم، باب قول النبي ويلشير: ((لا نكتب ولا نحسب)) (ح١٩١٣)، وصحيح مسلم، الصيام، باب وجوب صوم رمضان (ح١٥). (٣) أخرجه الطبري من طريق الحسين بن داود وهو: سنيد عن حجاج عنه، وسنيد ضعيف. (٤) في الأصل: ((لغلمون)) وهو تصحيف. (٥) أخرجه الطبري من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، ولم يصرح قتادة باسم شيخه. (٦) قول الشعبي أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عنه، وقول الحسن أخرجه الطبري بسند حسن عنه، وقول عبد الرحمن بن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح عنه. ٢٩٤ • سُورَةُ الْبَقَةِ (٢٨٢) كفى بالله كفيلاً، فرضي بذلك وسألني شهيداً، فقلت: كفى بالله شهيداً، فرضي بذلك وإني قد جهدت أن أجد مركباً أبعث بها إليه بالذي أعطاني فلم أجد مركباً وإني استودعتكها، فرمى بها في البحر حتى ولجت فيه، ثم انصرف وهو في ذلك يطلب مركباً إلى بلده، فخرج الرجل الذي كان أسلفه ينظر لعلَّ مركباً يجيئه بماله، فإذا بالخشبة التي فيها المال، فأخذها لأهله حطباً، فلما كسرها وجد المال والصحيفة، ثم قدم الرجل الذي كان تسلف منه، فأتاه بألف دينار وقال: والله ما زلت جاهداً في طلب مركب لآتيك بمالك فما وجدت مركباً قبل الذي أتيت فيه، قال: هل كنت بعثت إليّ بشيء؟ قال: ألم أخبرك أني لم أجد مركباً قبل الذي جئت فيه؟ قال: فإن الله قد أدّى عنك الذي بعثت به في الخشبة، فانصرف بألفك راشداً (١). وهذا إسناد صحيح وقد رواه البخاري في سبعة مواضع من صحيحه معلقاً بصيغة الجزم، فقال: وقال الليث بن سعد ... فذكره(٢)، ويقال: إنه في بعضها عن عبد الله بن صالح كاتب الليث عنه. وقوله: ﴿وَلْيَكْتُبِ بَّيْنَكُمْ كَاتِبُ بِلْعَدْلِ﴾ أي: بالقسط والحق ولا يجر في كتابته على أحد، ولا يكتب إلا ما اتفقوا عليه من غير زيادة ولا نقصان. وقوله: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبُ أَنْ يَكْثُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ﴾ أي: ولا يمتنع من يعرف الكتابة إذا سئل أن يكتب للناس ولا ضرورة عليه في ذلك، فكما علمه الله ما لم يكن يعلم، فليتصدق على غيره ممن لا يحسن الكتابة وليكتب، كما جاء في الحديث: ((إن من الصدقة أن تعين ضائعاً أو تصنع لأخرق))(٣) وفي الحديث الآخر: ((من كتم علماً يعلمه أُلجم يوم القيامة بلجام من نار))(٤). قال مجاهد وعطاء: واجب على الكاتب أن يكتب(٥). وقوله: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ أي: وليملل المدين على الكاتب ما في ذمته من الدين وليتق الله في ذلك ﴿وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ أي: صغيراً، أو مجنوناً ﴿أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَ هُوَ﴾ محجوراً عليه بتبذير ونحوه: ﴿أَوْ ضَعِيفًا﴾ أي: صغيراً، أو مجنوناً ﴿أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَ هُوَ﴾ إما لعي أو جهل بموضع صواب ذلك من خطئه ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِّ﴾. وقوله: ﴿وَأَسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِن رِجَالِكُمْ﴾ أمر بالإشهاد مع الكتابة لزيادة التوثقة ﴿فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَأَمْرَأَتَانٍ﴾ وهذا إنما يكون في الأموال، وما يقصد به المال، وإنما أقيمت المرأتان مقام الرجل لنقصان عقل المرأة، كما قال مسلم في صحيحه: حدثنا قتيبة، حدثنا إسماعيل بن (١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٤٨/٢ - ٣٤٩)، وصحح إسناده الحافظ ابن كثير. (٢) صحيح البخاري، الكفالة، باب الكفالة في القرض ٢٢٩١. (٣) أخرجه البخاري من حديث أبي ذر، العتق، باب أي الرقاب أفضل؟ (ح٢٥١٨)، ومسلم في صحيحه، الإيمان، بيان كون الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال (ح٨٤) بلفظ: ((تعين صانعاً))، وقد رجحه الدار قطني (ينظر: فتح الباري ١٤٩/٥). (٤) أخرجه الإمام أحمد من حديث أبي هريرة بلفظ: ((من سئل عن علم فكتمه أُلجم بلجام من نار يوم القيامة)) وصححه محققوه (المسند ١٨/١٣ ح٧٥٧١). (٥) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وقول عطاء أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن ابن جريج. ٢٩٥ • سُورَةُ الْبَقَة (٢٨٢) جعفر، عن عمرو بن أبي عمرو، عن المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي ◌َّر، أنه قال: ((يا معشر النساء تصدقن وأكثرن الاستغفار، فإني رأيتكنَّ أكثر أهل النار))، فقالت امرأة منهن جزلة: وما لنا يا رسول الله أكثر أهل النار؟ قال: «تكثرن اللعن، وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لبّ منكن)) قالت: يا رسول الله ما نقصان العقل والدين؟ قال: ((أما نقصان عقلها، فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل، فهذا نقصان العقل، وتمكث الليالي لا تصلي وتفطر في رمضان فهذا نقصان الدین)»(١). وقوله: ﴿مِمَن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ﴾ فيه دلالة على اشتراط العدالة في الشهود، وهذا مقيد حكم به الشافعي عل كل مطلق في القرآن من الأمر بالإشهاد من غير اشتراط وقد استدل من ردًّ المستور بهذه الآية الدالّة على أن يكون الشاهد عدلاً مرضياً. وقوله: ﴿أَن تَضِلَّ إِحْدَهُمَا﴾ يعني: المرأتين إذا نسيت الشهادة ﴿فَتُذَكِّرَ إِحْدَهُمَا الْأُخْرَى﴾ أي: يحصل لها ذكر بما وقع به من الإشهاد، وبهذا قرأ آخرون فتذكر بالتشديد من التذكار، ومن قال: إن شهادتها معها تجعلها كشهادة ذكر، فقد أبعد. والصحيح الأول، والله أعلم. وقوله: ﴿وَلَا يَأْبَ الثُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُواْ﴾ قيل: معناه إذا دعوا للتحمل فعليهم الإجابة، وهو قول قتادة والربيع بن أنس(٢). وهذا كقوله: ﴿وَلَا يَأْبَ كَتِبُ أَنْ يَكْثُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللّهُ فَلْيَكْتُبْ﴾ ومن ههنا استفيد أن تحمل اشهادة فرض كفاية، وقيل مذهب الجمهور، والمراد بقوله: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُواْ﴾ للأداء، لحقيقة قوله الشهداء، والشاهد حقيقة فيمن تحمل، فإذا دعي لأدائها فعليه الإجابة إذا تعينت وإلا فهو فرض كفاية، والله أعلم. وقال مجاهد وأبو مِجلز وغير واحد: إذا دعيت لتشهد فأنت بالخيار، وإذا شهدت فدعيت فأجب(٣). وقد ثبت في صحيح مسلم والسنن من طريق مالك، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه عبد الله بن عمرو بن عثمان، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة عن زيد بن خالد، أن رسول الله وَ ﴿، قال: ((ألا أخبركم بخير الشهداء؟ الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها))(٤)، فأما الحديث الآخر في الصحيحين: «ألا أخبركم بشر الشهداء؟ الذين يشهدون قبل أن يستشهدوا)) وكذا قوله: ((ثم يأتي قوم تسبق أيمانهم شهادتهم، وتسبق شهادتهم أيمانهم))(٥) وفي رواية: ((ثم يأتي قوم يشهدون ولا يستشهدون))(٦) وهؤلاء شهود الزور، وقد روي عن ابن عباس والحسن البصري أنها تعمُّ الحالين التحمل، والأداء. وقوله: ﴿وَلَا تَقَمُوْ أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِّهِ﴾ هذا من تمام الإرشاد وهو الأمر (١) صحيح مسلم، الإيمان، باب بيان نقصان الإيمان بنقص الطاعات (ح٧٩). (٢) قول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه بنحوه، وقول الربيع بن أنس أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن بلفظ: ((فكان هذا واجباً)). (٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق جابر الجعفي عن مجاهد والشعبي بنحوه. (٤) صحيح مسلم، الأقضية (ح١٧١٩). (٥) صحيح مسلم، فضائل الصحابة، فضل الصحابة ثم الذين يلونهم (ح ٢٥٣٣). (٦) صحيح البخاري، الرقاق، باب ما يحذر من زهرة الدنيا (ح٦٤٢٨)، وصحيح مسلم، الباب السابق (ح ٣٥٣٥). ٢٩٦ سُورَةُ النََّّة (٢٨٢) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 بكتابة الحق صغيراً كان أو كبيراً، فقال: ولا تسأموا أي لا تملّوا أن تكتبوا الحق على أي حال كان من القلة والكثرة إلى أجله، وقوله: ﴿ذَلِكُمْ أَفْسَطْ عِندَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَدَةِ وَأَدْنَ أَلَّا تَرْتَابُواْ﴾ أي: هذا الذي أمرناكم به من الكتابة للحق إذا كان مؤجلاً هو أقسط عند الله، أي أعدل وأقوم للشهادة، أي أثبت للشاهد إذا وضع خطه ثم رآه تذكر به الشهادة، لاحتمال أنه لو لم يكتبه أن ينساه، كما هو الواقع غالباً ﴿وَأَدْنَ أَلَّا تَرْتَابُواْ﴾ وأقرب إلى عدم الريبة بل ترجعون عند التنازع إلى الكتاب الذي کتبتموه فيفصل بینکم بلا ريبة. وقوله: ﴿إِلَّ أَنْ تَكُونَ تِجَرَةَّ حَاضِرَةٌ تُدِيُرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحُ أَلَّا تَكْثُبُوهَا﴾ أي: إذا كان البيع بالحاضر يداً بيد، فلا بأس بعدم الكتابة لانتفاء المحذور في تركها. فأما الإشهاد على البيع، فقد قال تعالى: ﴿ وَأَشْهِدُوَأْ إِذَا تَبَايَعْتُنَّ﴾ . قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثني يحيى بن عبد الله بن بكر، حدثني ابن لهيعة، حدثني عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير، في قوله تعالى: ﴿ وَأَشْهِدُوَأَ إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ يعني: أشهدوا على حقكم إذا كان في أجل أو لم يكن فيه أجل، فأشِهدوا على حقكم على كلِّ حال(١). قال: وروي عن جابر بن زيد ومجاهد وعطاء والضحاك نحو ذلك(٢). وقال الشعبي والحسن: هذا الأمر منسوخ بقوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضَا فَلْيُؤَّ الَّذِى أَوْتُمِنَ أَمَنَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]. وهذا الأمر محمول عند الجمهور على الإرشاد والندب لا على الوجوب، والدليل على ذلك حديث خزيمة بن ثابت الأنصاري، وقد رواه الإمام أحمد: حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب، عن الزهري، حدثني عمارة بن خزيمة الأنصاري، أن عمه حدثه وهو من أصحاب النبي وَّ. أن النبي ◌َ﴾، ابتاع فرساً من أعرابي، فاستتبعه النبي وَ له ليقضيه ثمن فرسه، فأسرع النبي وَّ وأبطأ الأعرابي، فطفق رجال يعترضون الأعرابي فيساومونه بالفرس، ولا يشعرون أن النبي ◌َّ ابتاعه حتى زاد بعضهم الأعرابي في السوم على ثمن الفرس الذي ابتاعه النبي ◌ّر، فنادى الأعرابي النبي ◌َّل، فقال: إن كنت مبتاعاً هذا الفرس فابتعه وإلا بعته، فقال النبي رَّر حين سمع نداء الأعرابي، قال: أوليس قد ابتعته منك؟ قال الأعرابي: لا والله ما بعتك، فقال النبي ◌َّر: ((بل قد ابتعته منك))(٣) فطفق الناس يلوذون بالنبي ◌َّلة، والأعرابي، وهما يتراجعان فطفق الأعرابي يقول: هلم شهيداً يشهد أني بايعتك، فمن جاء من المسلمين قال الأعرابي: ويلك إن النبي (وَل لم يكن يقول إلا حقاً حتى جاء خزيمة فاستمع لمراجعة النبي وَّه ومراجعة الأعرابي يقول: هلمَّ شهيداً يشهد أني بايعتك، قال خزيمة: أنا أشهد أنك قد بايعته، فأقبل النبي ◌َّر على خزيمة، فقال: ((بمَ تشهد)»؟ فقال: بتصديقك يا رسول الله وَله، فجعل رسول الله وَلهو شهادة خزيمة بشهادة رجلين (٤). وهكذا رواه أبو داود من حديث شعيب والنسائي من رواية محمد بن الوليد الزبيدي، (١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده مختصراً، وسنده حسن. (٢) ذكرهم ابن أبي حاتم كلهم بحذف السند. (٣) قول الحسن أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح، وقول الشعبي ذكره ابن أبي حاتم بحذف السند. (٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢١٥/٥ - ٢١٦)، وسنده ثابت. ٢٩٧ • سُورَةُ الَفَّة (٢٨٣) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وكلاهما عن الزهري به نحوه (١)، ولكن الاحتياط هو الإرشاد لما رواه الإمامان الحافظ أبو بكر بن مردويه، والحاكم في مستدركه من رواية معاذ بن معاذ العنبري، عن شعبة، عن فراس، عن الشعبي، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي وَّرَ، قال: ((ثلاثة يدعون الله فلا يستجاب لهم: رجل له امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها، ورجل دفع مال يتيم قبل أن يبلغ، ورجل أقرض رجلاً مالاً فلم يُشِهد)) ثم قال الحاكم: صحيح الإسناد على شرط الشيخين، قال: ولم يخرجاه لتوقيف أصحاب شعبة هذا الحديث على أبي موسى، وإنما أجمعوا على سند حديث شعبة بهذا الإسناد ((ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين))(٢). وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُضَآرَّ كَاِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ قيل: معناه لا يضارّ الكاتب ولا الشاهد، فيكتب هذا خلاف ما يُملي، ويشهد هذا بخلاف ما سمع أو يكتمها بالكلية، وهو قول الحسن وقتادة وغيرهما(٣). وقيل: معناه لا يضربهما . قال ابن أبي حاتم: حدثنا أُسيد بن عاصم، حدثنا الحسين يعني ابن حفص، حدثنا سفيان، عن يزيد بن أبي زياد، عن مِقسم، عن ابن عباس، في هذه الآية: ﴿وَلَا يُضَآرَّ كَتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ قال: يأتي الرجل فيدعوهما إلى الكتاب والشهادة، فيقولان: إنا على حاجة، فيقول: إنكما قد أمرتما أن تجيبا، فليس له أن يضارَّهما(٤). قال: ورُوي عن عكرمة ومجاهد وطاوس وسعيد بن جبير والضحاك وعطية ومقاتل بن حيان والربيع بن أنس والسدي نحو ذلك(٥). وقوله: ﴿وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقًا بِكُمْ﴾ أي: إن خالفتم ما أمرتم به أو فعلتم ما نهيتم عنه، فإنه فسق كائن بكم، أي لازم لكم لا تحيدون عنه ولا تنفكون عنه، وقوله: ﴿وَأَتَّقُواْ اللَّهَ﴾ أي: خافوه وراقبوه واتبعوا أمره واتركوا زجره ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الَّهُ﴾ كقوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن تَنَّقُواْ اَللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: ٢٩] وكقوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ آَتَّقُواْ اللَّهَ وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ، وَنَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ [الحديد: ٢٨]. وقوله: ﴿وَاَللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي: هو عالم بحقائق الأمور ومصالحها وعواقبها فلا يخفى عليه شيء من الأشياء بل علمه محيط بجميع الكائنات. ﴿ ﴿﴿ وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَتِبًا فَرِهَانُ مَّقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِى أُؤْتُمِنَ أَمَنَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُواْ الشَّهَدَةً وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ ءَائِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ يقول تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ﴾ أي: مسافرين وتداينتم إلى أجل مسمى ﴿وَلَمْ تَجِدُواْ كَاِبًا﴾ (١) أخرجه أبو داود من طريق أبي اليمان الحكم بن نافع به (السنن، الأقضية، باب إذا علم الحاكم صدق الشاهد الواحد ح ٣٦٠٧)، والنسائي، السنن، البيوع، باب التسهيل في ترك الإشهاد على البيع ٧/ ٣٠١، ٣٠٢، وحسنه الأرناؤوط (جامع الأصول ١٩٦/١٠)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٠٧٣). (٢) المستدرك ٣٠٢/٢. (٣) قول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه، وقول الحسن أخرجه الطبري بسند صحيح. (٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفيه يزيد بن أبي زياد: وهو ضعيف كما في التقريب. ويشهد له أقوال التابعين التالية. (٥) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم، بحذف السند، وقول عكرمة أخرجه الطبري بسند صحيح. ٢٩٨ سُورَةُ الََّدَّةِ (٢٨٣) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 يكتب لكم، قال ابن عباس: أو وجدوه ولم يجدوا قرطاساً أو دواة أو قلماً (١). ﴿فَرِهَاٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ أي: فليكن بدل الكتابة رهان مقبوضة؛ أي في يد صاحب الحق، وقد استدل بقوله: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ على أن الرهن لا يلزم إلا بالقبض كما هو مذهب الشافعي والجمهور، واستدلَّ بها آخرون على أنه لا بد أن يكون الرهن مقبوضاً في يد المرتهن، وهو رواية عن الإمام أحمد، وذهب إليه طائفة، واستدلَّ آخرون من السلف بهذه الآية، على أنه لا يكون الرهن مشروعاً إلا في السفر، قاله مجاهد وغيره، وقد ثبت في الصحيحين عن أنس أن رسول الله وَطيور، توفي ودرعه مرهونة عند يهودي على ثلاثين وسقاً من شعير رهنها قوتاً لأهله(٢). وفي رواية: من يهود المدينة. وفي رواية الشافعي: عند(٣) أبي الشحم اليهودي، وتقرير هذه المسائل في كتاب ((الأحكام الكبير))، ولله الحمد والمنة، وبه المستعان. وقوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضَا فَلْيُؤَّ الَّذِى أَوْتُمِنَ أَمَنَتَّهُ﴾ روى ابن أبي حاتم بإسناد جيد عن أبي سعيد الخدري أنه قال: هذه نسخت ما قبلها(٤). وقال الشعبي: إذا ائتمن بعضكم بعضاً فلا بأس أن لا تكتبوا أو لا تشهدوا(٥). وقوله: ﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ يعني: المؤتمن كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأهل السنن من رواية قتادة، عن الحسن عن سمرة أن رسول الله وَ لقول، قال: ((على اليد ما أخذت حتى تؤدیە»(٦). قوله: ﴿وَلَا تَكْتُمُواْ الشَّهَدَةُ﴾ أي: لا تخفوها وتغلوها، ولا تظهروها. قال ابن عباس وغيره: شهادة الزور من أكبر الكبائر وكتمانها كذلك، ولهذا قال: ﴿وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ: عَائِمٌ قَلْبُهُ﴾(٧). قال السدي: يعني فاجر قلبه(٨)، وهذه كقوله تعالى: ﴿وَلَا نَكْتُ شَهَدَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذَا لَّمِنَ اُلْأَثِمِينَ﴾ [المائدة: ١٠٦] وقال تعالى: ﴿﴿ يَّأَيُهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُونُوا قَوَمِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلٍَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَلِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِنُّ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيْرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَّا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٣)﴾ [النساء] وهكذا قال لههنا: ﴿وَلَا تَكْتُمُواْ الشَّهَدَةُ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ ءَائِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ . (١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عكرمة عنه. (٢) صحيح البخاري، الرهن، باب الرهن في الحضر (ح٢٥٠٨)، وأخرجه مسلم من حديث عائشة (الصحيح، المساقاة، باب الرهن وجوازه في الحضر ح ١٦٠٣). (٣) في الأصل: ((عن)) وهو تصحيف. (٤) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق المنذر بن مالك عن أبي سعيد الخدري. وجود إسناده الحافظ ابن كثير. (٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق عبد الله بن شبرمة عن الشعبي. (٦) المسند ٢٧٦/٣٣ (ح٢٠٠٨٦) وقال محققوه: حسن لغيره، وسنن الترمذي، البيوع، باب ما جاء في العارية مؤداة (ح١٢٦٦)، وقال: حسن صحيح، وسنن أبي داود، البيوع، باب في تضمين العارية (ح ٣٥٦١). (٧) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. (٨) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عنه. ٢٩٩ • سُورَةُ الَُّقَرّة (٢٨٤) ﴿ ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضُِّ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِىّ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآَةُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيُر يخبر تعالى أن له ملك السموات والأرض وما فيهن وما بينهن، وأنه المطلع على ما فيهن، لا تخفى عليه الظواهر ولا السرائر والضمائر وإن دقت وخفيت، وأخبر أنه سيحاسب عباده على ما فعلوه وما أخفوه في صدورهم، كما قال: ﴿قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِ صُدُورِكُمْ أَوْ تُبُّدُوهُ يَعْلَمْهُ اللهُ وَيَعْلَمُ مَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِ اُلْأَرْضِّ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ (٣)﴾ [آل عمران] وقال: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧] والآيات في ذلك كثيرة جداً، وقد أخبر في هذه بمزيد على العلم وهو المحاسبة على ذلك، ولهذا لما نزلت هذه الآية اشتد ذلك على الصحابة ه، وخافوا منها، ومن محاسبة لله لهم على جليل الأعمال وحقيرها، وهذا من شدة إيمانهم وإيقانهم. قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم، حدثني أبو عبد الرحمن يعني: العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: لما نزلت على رسول الله وَّهِ ﴿لِلّهِ مَا فِي السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِّ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِىّ أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَآءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيُر (3)﴾ اشتد ذلك على أصحاب رسول الله وَّه فأتوا رسول الله وَله، ثم جثوا على الركب وقالوا: يا رسول الله كلفنا من الأعمال ما نطيق، الصلاة والصيام والجهاد والصدقة وقد أنزلت عليك هذه الآية، ولا نطيقها. فقال رسول الله وَ له: ((أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا وإليك المصير)) فلما أقرّ بها القوم وذلت بها ألسنتهم، أنزل الله في أثرها ﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن زَّهِ، وَاَلْمُؤْمِنُونَّ كُلُّ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَمَلَبِكَئِهِ، وَكُهِ، وَرُسُلِهِ، لَا تُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُسُلِهِ، وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَاً [البقرة] فلما فعلوا ذلك نسخها الله فأنزل الله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَاْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيَّهَا مَا أَكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآَ أَوْ أَخْطَأَنَاً ... ﴾ [البقرة: ٢٨٦] إلى آخرها(١). ورواه مسلم منفرداً به من حديث يزيد بن زريع، عن روح بن القاسم، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكر مثله ولفظه، فلما فعلوا ذلك نسخها الله، فأنزل الله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَاْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا أَكْتَسَبَتَّ رَبََّا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال: نعم، ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًّا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾ قال: نعم، ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِءٌ﴾ قال: نعم ﴿وَأَعْفُ عَنَّا وَأَغْفِرْ لَنَا وَأَرْحَمْنَاْ أَنْتَ مَوْلَنَا فَأَنصُرْنَا عَلَى أَلْقَوْمِ الْكَفِينَ﴾ قال: نعم(٢). (حديث ابن عباس في ذلك) قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن آدم بن سليمان، سمعت سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لما نزلت هذه الآية ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِىّ أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمُ بِ اللَّهُ﴾ قال: دخل قلوبهم منها شيء لم يدخل قلوبهم من شيء، قال: فقال رسول الله وسلم: ((قولوا: سمعنا وأطعنا وسلمنا)) فألقى الله الإيمان في قلوبهم، (١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح٩٣٣٣)، وسنده صحيح. (٢) صحيح مسلم، الإيمان، باب بيان أنه سبحانه وتعالى لا يكلف إلا ما يطاق (ح ١٩٧). ٣٠٠ سُورَةُ الْبَقَة (٢٨٤) فأنزل الله: ﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ، وَالْمُؤْمِنُونُّ كُلُّ ءَامَنَ بِلَّهِ وَمَئِكَتِهِ، وَكُهِ، وَرُسُلِهِ، لَا (٨٥) ﴾، ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُسُلِهِ، وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَاً غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَاْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيَّهَا مَا أَكْتَسَبَتْ﴾ إلى قوله: ﴿فَأَنْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِرِينَ﴾(١). وهكذا رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وأبي كريب وإسحاق بن إبراهيم، ثلاثتهم عن وكيع به، وزاد: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن تَسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال: قد فعلت ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآَ إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾ قال: قد فعلت ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بٍِ﴾ قال: قد فعلت ﴿وَأَعْفُ عَنَّا وَأَغْفِرْ لَنَا وَأَرْحَمْنَاْ أَنْتَ مَوْلَئِنَا فَأَنصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِرِينَ﴾ قال: قد فعلت(٢) . (طريق أخرى) عن ابن عباس. قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن حُميد الأعرج، عن مجاهد، قال: دخلت على ابن عباس، فقلت: يا أبا عباس، كنت عند ابن عمر فقرأ هذه الآية فبكى، قال: أية آية؟ قلت: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيَّ أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ قال ابن عباس: إن هذه الآية حين(٣) أنزلت، غمت أصحاب رسول الله وَليرغماً شديداً وغاظتهم غيظاً شديداً، وقالوا: يا رسول الله هلكنا إن كنا نؤاخذ بما تكلمنا وبما نعمل، فأما قلوبنا فليست بأيدينا، فقال لهم رسول الله وَلي: ((قولوا: سمعنا وأطعنا)) فقالوا: سمعنا وأطعنا، قال: فنسختها هذه الآية ﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ، وَالْمُؤْمِنُونُّ كُلُّ ءَامَنَ بِلَهِ﴾ إلى ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَاْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا أَكْتَسَبَتْ﴾ فتجوز لهم عن حديث النفس وأخذوا بالأعمال(٤). (طريق أخرى) عنه. قال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن سعيد بن مرجانة، سمعه يحدث: أنه بينما هو جالس مع عبد الله بن عمر تلا هذه الآية ﴿لِلِّ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضُِّ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِىّ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُّوهُ يُحَاسِبْكُم بِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ ... ﴾ الآية، فقال: والله لئن وأخذنا الله بهذا لنهلكن، ثم بكى ابن عمر حتى سمع نشيجه، قال ابن مرجانة: فقمت حتى أتيت ابن عباس، فذكرت له ما قال ابن عمر وما فعل حين تلاها، فقال ابن عباس: يغفر الله لأبي عبد الرحمن، لعمري لقد وجد المسلمون منها حين أنزلت مثل ما وجد عبد الله بن عمر، فأنزل الله بعدها ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَاً ... ﴾ إلى آخر السورة. قال ابن عباس: فكانت هذه الوسوسة مما لا طاقة للمسلمين بها، وصار الأمر إلى أن قضى الله رَت أن للنفس ما كسبت وعليها ما اكتسبت في القول والفعل(٥) . (طريق أخرى) قال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا إسحاق، حدثنا يزيد بن هارون، عن (١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٢٠٧٠)، وسنده صحيح. (٢) صحيح مسلم، الإيمان، باب بيان أنه سبحانه لم يكلف إلا ما يطاق (ح ٢٠٠). (٣) لفظ: ((حين)) سقط، واستدرك من (عف) و(حم) و(م) والتخريج. (٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٣٢/١)، وأخرجه البخاري من حديث ابن عمر بمعناه (الصحيح، التفسير آخر سورة البقرة ح٤٥٤٦). (٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وأخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق الزهري به. وذكر بعد هذا الأثر أنها طرق صحيحة عن ابن عباس، وأنه ثبت عنه.