Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
• سُورَةِ النَّفَقَة (٢١٧، ٢١٨)
ثمانية رهط من المهاجرين ليس فيهم من الأنصار أحد، وكتب له كتاباً وأمره أن لا ينظر فيه حتى
يسير يومين، ثم ينظر فيه فيمضي كما أمره به، ولا يستكره من أصحابه أحداً، وكان أصحاب
عبد الله بن جحش من المهاجرين، ثم من بني عبد شمس بن عبد مناف أبو حذيفة بن عتبة بن
ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف، ومن حلفائهم: عبد الله بن جحش، وهو أمير القوم،
وعكاشة بن محصن بن حرثان أحد بني أسد بن خزيمة حليف لهم، ومن بني نوفل بن عبد مناف
عتبة بن غزوان بن جابر حليف لهم ومن بني زهرة بن كلاب سعد بن أبي وقاص ومن بني
عدي بن كعب: عامر بن ربيعة، حليف لهم، من عنز بن وائل، وواقد بن عبد الله بن عبد
مناف بن عرين بن ثعلبة بن يربوع، أحد بني تميم حليف لهم، [وخالد بن البكير أحد بني سعد بن
ليث حليف لهم](١)، ومن بني الحارث بن فهر: سهيل بن بيضاء، فلما سار عبد الله بن جحش
يومين، فتح الكتاب فنظر فيه فإذا فيه: إذا نظرت في كتابي هذا، فامض حتى تنزل نخلة بين مكة
والطائف ترصد بها قريشاً وتعلم لنا من أخبارهم، فلما نظر عبد الله بن جحش الكتاب، قال:
سمعاً وطاعة، ثم قال لأصحابه: قد أمرني رسول الله عليه، أن أمضي إلى نخلة أرصد بها قريشاً
حتى آتيه منهم بخبر، وقد نهاني أن أستكره أحداً منكم، فمن كان منكم يريد الشهادة ويرغب فيها
فلينطلق، ومن كره ذلك فليرجع، فأما أنا فماض لأمر رسول الله بَّر، فمضى ومضى معه أصحابه
لم يتخلف عنه منهم أحد، فسلك على الحجاز حتى إذا كان بمعدن فوق الفرع يقال له: بحران،
أضلّ سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيراً لهما كانا يعتقبانه فتخلفا عليه في طلبه، ومضى
عبد الله بن جحش وبقية أصحابه حتى نزل بنخلة، فمرت به عير لقريش تحمل زبيباً وأدماً وتجارة
من تجارة قريش، فيها عمرو بن الحضرمي، واسم الحضرمي عبد الله بن عباد أحد الصدف
وعثمان بن عبد الله بن المغيرة وأخوه نوفل بن عبد الله المخزوميان والحكم بن كيسان مولى
هشام بن المغيرة، فلما رآهم القوم هابوهم، وقد نزلوا قريباً منهم، فأشرف لهم عكاشة بن
محصن، وكان قد حلق رأسه، فلما رأوه أمنوا وقالوا: عمار لا بأس عليكم منهم، وتشاور القوم
فيهم، وذلك في آخر يوم من رجب، فقال القوم: والله لئن تركتم القوم هذه الليلة ليدخلن
الحرم، فليمتنعن منكم، ولئن قتلتموهم لتقتلنهم في الشهر الحرام، فتردد القوم وهابوا الإقدام
عليهم، ثم شجعوا أنفسهم عليهم، وأجمعوا قتل من قدروا عليه منهم وأخذ ما معهم، فرمى
واقد بن عبد الله التميمي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله، واستأسر(٢) عثمان بن عبد الله
والحكم بن كيسان، وأفلت القوم نوفل بن عبد الله فأعجزهم، وأقبل عبد الله بن جحش وأصحابه
بالعير والأسيرين حتى قدموا على رسول الله صل ﴿ المدينة.
قال ابن إسحاق: وقد ذكر بعض آل عبد الله بن جحش أن عبد الله قال لأصحابه: إن
لرسول الله ﴿ مما غنمنا الخمس، وذلك قبل أن يفرض الله الخمس من المغانم، فعزل
لرسول الله سير خمس العير، وقسم سائرها بين أصحابه، قال ابن إسحاق: فلما قدموا على
(١) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(عش) و(ح).
(٢) في الأصل صُحف إلى ((واستأمر)).

١٤٢
سُورَةُ الْبَحَدَّة (٢١٧، ٢١٨)
·
رسول الله ◌َ، قال: ((ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام)) فوقف العير والأسيرين، وأبى أن يأخذ
من ذلك شيئاً، فلما قال ذلك رسول الله وَله، أسقط في أيدي القوم، وظنوا أنهم قد هلكوا،
وعنفهم إخوانهم من المسلمين فيما صنعوا، وقالت قريش: قد استحل محمد وأصحابه الشهر
الحرام، وسفكوا فيه الدم، وأخذوا فيه الأموال، وأسروا فيه الرجال فقال من يرد عليه من
المسلمين ممن كان بمكة؛ إنما أصابوا ما أصابوا في شعبان، وقالت يهود: تفاءلوا بذلك على
رسول الله ﴿ عمرو بن الحضرمي قتله واقد بن عبد الله، عمرو عمرت الحرب، والحضرمي
حضرت الحرب، وواقد بن عبد الله وقدت الحرب، فجعل الله عليهم ذلك لا لهم، فلما أكثر
الناس في ذلك أنزل الله على رسول الله وَله: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيَةِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ
كَبِيرٌ وَصَدُّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرَّ بِهِ، وَاَلْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ، مِنْهُ أَكْبُ عِندَ اللَّهِّ وَاُلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ
مِنَ الْقَتْلِ﴾ أي إن كنتم قتلتم في الشهر الحرام، فقد صدوكم عن سبيل الله مع الكفر به، وعن
المسجد الحرام وإخراجكم منه وأنتم أهله ﴿أَكْبُرُ عِندَ الَهَ﴾ من قتل من قتلتم منهم ﴿وَاُلْفِتْنَةُ
أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ أي قد كانوا يفتنون المسلم في دينه حتى يردّوه إلى الكفر بعد إيمانه، فذلك
أكبر عند الله من القتل ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَدِلُونَكُمْ حَّى يَرُدُكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ أُسْتَطَعُواْ﴾ أي: ثم هم
مقيمون على أخبث ذلك وأعظمه، غير تائبين ولا نازعين.
قال ابن إسحاق: فلما نزل القرآن بهذا من الأمر وفرَّج الله عن المسلمين ما كانوا فيه من
الشفق، قبض رسول الله وَ ﴿ العير والأسيرين، وبعثت (١) إليه قريش في فداء عثمان بن عبد الله
والحكم بن كيسان، فقال رسول الله وير: ((لا نفديكموهما حتى يقدم صاحبانا)) يعني سعد بن أبي
وقاص وعتبة بن غزوان، فإنا نخشاكم عليهما، فإن تقتلوهما نقتل صاحبيكم، فقدم سعد وعتبة،
ففداهما رسول الله ﴿ منهم، فأما الحكم بن كيسان فأسلم وحسن إسلامه، وأقام عند
رسول الله ﴿ حتى قتل يوم بئر معونة شهيداً، وأما عثمان بن عبد الله فلحق بمكة فمات بها
كافراً، قال ابن إسحاق: فلما تجلى عن عبد الله بن جحش وأصحابه ما كانوا فيه (حين)(٢) نزل
القرآن طمعوا في الأجر فقالوا: يا رسول الله، أنطمع أن تكون لنا غزوة نعطى فيها أجر
المجاهدين؟ فأنزل الله رَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَيْكَ يَرْجُونَ
رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللّهُ غَفُورُ زَحِيمٌ ﴾ فوضع الله من ذلك على أعظم الرجاء.
قال ابن إسحاق: والحديث في هذا عن الزهري ويزيد بن رومان، عن عروة، وقد روى
يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير قريباً من هذا
السياق(٣)، وروى موسى بن عقبة، عن الزهري نفسه نحو ذلك، وروى شعيب بن أبي حمزة عن
الزهري عن عروة بن الزبير نحواً من هذا أيضاً، وفيه فكان ابن الحضرمي أول قتيل قتل بين
(١) في الأصل: ((وبعث)) والتصويب من (عش) و(عف) و(ح).
(٢) قوله: ((حين)) سقط من الأصل، واستدرك من (عش) و(عف) و(ح).
(٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف ولبعضه شواهد وأخرج بعضه ابن أبي حاتم. وينظر: سيرة ابن هشام ١/ ٦٠١ -
٦٠٥، والروض الأنف ٢٢/٣ - ٢٣، ودلائل النبوة للبيهقي ١٨/٣ - ١٩، وهذه الرواية وردت بمراسيل
يقوي بعضها بعضاً .

·
سُورَةُ الْبَقَةِ (٢٢٠،٢١٩)
١٤٣
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
المسلمين والمشركين، فركب وفد من كفار قريش حتى قدموا على رسول الله صل بالمدينة،
فقالوا: أيحل القتال في الشهر الحرام؟ فأنزل الله: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ الآية(١).
وقد استقصى ذلك الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب دلائل النبوة(٢).
ثم قال ابن هشام، عن زياد، عن ابن إسحاق: وقد ذكر عن بعض آل عبد الله أن عبد الله
قسم الفيء بين أهله، فجعل أربعة أخماسه لمن أفاءه، وخمساً إلى الله ورسوله، فوقع على ما
كان عبد الله بن جحش صنع في تلك العير(٣).
قال ابن هشام: وهي أول غنيمة غنمها المسلمون، وعمرو بن الحضرمي أول من قتل
المسلمون، وعثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان أول من أسر المسلمون.
قال ابن إسحاق: فقال أبو بكر الصديق به في غزوة عبد الله بن جحش، ويقال: بل
عبد الله بن جحش قالها حين قالت قريش: قد أحل محمد وأصحابه الشهر الحرام فسفكوا فيه
الدم وأخذوا فيه المال وأسروا فيه الرجال.
قال ابن هشام: هي لعبد الله بن جحش :
وأعظم منه لو يرى الرشد راشد
تعدون قتلاً في الحرام عظيمة
وكفربه والله راء وشاهد
صدودكم عما يقول محمد
وإخراجكم من مسجد الله أهله
فإنا وإن عيَّرتمونا بقتله
سقينا من ابن الحضرمي في رماحنا
دماً وابن عبد الله عثمان بيننا
ليلاً يرى الله في البيت ساجد
وأرجف بالإسلام باغ وحاسد
بنخلة لما أوقد الحرب واقد
ينازعه غُلُّ من القدِّ عائد(٤)
يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِّ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ
(فيَا فِي
مِن نَّفْعِهِمَّا وَيَسْتَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوُّ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَتِ لَعَلَّكُمْ تَنَفَكَّرُونَ
اُلُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتَّىّ قُلْ إِصْلَاحٌ لَُّمْ خَيْرٌ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ
اُلْمُصْلِّ وَلَوْ شَآءَ اَللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (َا﴾.
قال الإمام أحمد: حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة،
عن عمر أنه قال: لما نزل تحريم الخمر، قال: اللَّهم بيّن لنا في الخمر بياناً شافياً، فنزلت هذه
الآية التي في البقرة: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ فدعي عمر، فقرئت
عليه فقال: اللهم بيّن لنا في الخمر بياناً شافياً، فنزلت الآية التي في النساء: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
لَا تَقْرَبُواْ الضَّلَوةَ وَأَنْتُمْ شُكَرَى﴾ [النساء: ٤٣] فكان منادي رسول الله وَّ إذا أقام الصلاة نادى:
أن لا يقربن الصلاة سكران، فدعي عمر، فقرئت عليه فقال: اللهم بيّن لنا في الخمر بياناً شافياً،
(١) هذه مراسيل يقوي بعضها بعضاً.
(٣) السيرة النبوية ٦٠٥/١.
(٢) دلائل النبوة ١٨/٣ - ١٩.
(٤) الروض الأنف ٢٥/٣، والسيرة النبوية ٦٠٥/١.
إلى هنا تنتهي القطعة من نسخة تشستربتي المرموز لها: (عش).

١٤٤
سُورَةُ الْبََّقَرّة (٢٢٠،٢١٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
فنزلت الآية التي في المائدة، فدعي عمر، فقرئت عليه فلما بلغ ﴿فَهَلْ أَنْتُم مُّنْنَهُونَ﴾؟ قال عمر:
انتهينا انتهينا(١) .
هكذا رواه أبو داود والترمذي والنسائي من طرق عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، وكذا رواه
ابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق الثوري عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة واسمه عمرو بن
شرحبيل الهمداني الكوفي، عن عمر وليس له عنه سواه، لكن قد قال أبو زرعة: لم يسمع منه،
والله أعلم. وقال علي بن المديني: هذا إسناد صالح، وصححه الترمذي، وزاد ابن أبي حاتم
بعد قوله: انتهينا: إنها تذهب المال وتذهب العقل(٢)، وسيأتي هذا الحديث أيضاً مع ما رواه
أحمد من طريق أبي هريرة أيضاً عند قوله في سورة المائدة: ﴿إِنَّ الْخَتُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَصَابُ وَالْأَزَُْ ◌ِجْسُ
مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَأَجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ الآيات [المائدة: ٩٠، ٩١]، فقوله: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ
وَالْمَيْسِرِ﴾ أما الخمر، فكما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب نظرته: إنه كل ما خامر العقل(٣)،
كما سيأتي بيانه في سورة المائدة، وكذا الميسر وهو القمار.
وقوله: ﴿قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ﴾ أما إثمهما فهو في الدين، وأما المنافع فدنيوية
من حيث إن فيها نفع البدن وتهضيم الطعام وإخراج الفضلات وتشحيذ بعض الأذهان ولذة الشدة
المطربة التي فيها، كما قال حسان بن ثابت في جاهليته:
ونشربها فتتركنا ملوكاً وأُسداً لا يُنَهنهُنا(٤) اللقاء(٥)
وكذا بيعها والانتفاع بثمنها، وما كان يقمشه بعضهم من الميسر فينفقه على نفسه أو عياله،
ولكن هذه المصالح لا توازي مضرته ومفسدته الراجحة، لتعلقها بالعقل والدين، ولهذا قال الله
تعالى: ﴿وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمًّا﴾، ولهذا كانت هذه الآية ممهدة لتحريم الخمر على البتات،
ولم تكن مصرحة بل معرضة، ولهذا قال عمر ظله لما قرئت عليه: اللهم بيّن لنا في الخمر بياناً
شافياً، حتى نزل التصريح [بتحريمها](٦) في سورة المائدة: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا الْخَتُ وَالْمَيْسِرُ
وَاْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسُ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَأَجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُغْلِحُونَ (٥ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ
وَالْبَغْضَآءَ فِى الْخَمْرِ وَالْمَيْسِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَوَّةِ فَهَلْ أَنُْم مَُّهُونَ ﴾﴾ [المائدة] وسيأتي الكلام
على ذلك في سورة المائدة - إن شاء الله تعالى وبه الثقة.
قال ابن عمر والشعبي ومجاهد وقتادة والربيع بن أنس وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هذه
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٣٧٨)، وصححه محققه أحمد شاكر وأخرجه الترمذي من طريق
محمد بن يوسف عن إسرائيل به، وصححه (السنن، التفسير سورة المائدة ح٣٠٤٩)، وصححه الألباني في
صحيح سنن الترمذي (ح٢٤٤٢)، وأخرجه أبو داود من طريق وكيع عن إسرائيل به. وقال: هذا أصح من
حديث محمد بن يوسف (السنن - الأشربة - باب تحريم الخمر ح ٣٦٧٠).
(٢) أخرجه ابن ابن أبي حاتم من طريق الثوري عن أبي إسحاق به. وقد نقله الحافظ ابن كثير ونقل عن ابن
المديني: أن إسناده صالح.
(٣) ثبت عن عمر كما تقدم في رواية ابن أبي حاتم السابقة.
(٤) أي: لا يزجرنا .
(٦) في الأصل: ((بها)) والتصويب من (عف) و(ح) و(حم).
(٥) دیوان حسان بن ثابت ص٢٧.

١٤٥
• سُورَةُ الْبَقَة (٢٢٠،٢١٩)
أول آية نزلت في الخمر: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾، ثم نزلت الآية
التي في سورة النساء، ثم نزلت الآية التي في المائدة فحرمت الخمر (١).
قوله: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوِّ﴾ قرئ بالنصب وبالرفع وكلاهما حسن متجه قريب(٢).
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبان، حدثنا يحيى، أنه
بلغه أن معاذ بن جبل وثعلبة أتيا رسول الله وَه، فقالا: يا رسول الله، إن لنا أرقاء وأهلين من
أموالنا فأنزل الله: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ﴾(٣).
وقال الحكم(٤)، عن مقسم عن ابن عباس: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوِّ﴾ قال: ما يفضل
عن أهلك(٥).
كذا روي عن ابن عمر ومجاهد وعطاء وعكرمة وسعيد بن جبير ومحمد بن كعب والحسن
وقتادة والقاسم وسالم وعطاء الخراساني والربيع بن أنس وغير واحد، أنهم قالوا في قوله: ﴿قُلِ
الْعَفْوُّ﴾: يعني الفضل(٦).
وعن طاوس: اليسير من كل شيءٍ(٧) .
وعن الربيع أيضاً: أفضل مالك وأطيبه (٨). والكل يرجع إلى الفضل.
وقال عبد بن حميد في تفسيره: حدثنا هوذة بن خليفة، عن عوف، عن الحسن، ﴿وَيَسْتَلُونَكَ
مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوُّ﴾ قال: ذلك ألا تجهد (٩) مالك ثم تقعد تسأل الناس(١٠).
ويدل على ذلك ما رواه ابن جرير: حدثنا علي بن مسلم، حدثنا أبو عاصم، عن ابن عجلان،
عن المقبري، عن أبي هريرة، قال: قال رجل: يا رسول الله، عندي دينار، قال: ((أنفقه على
نفسك)) قال: عندي آخر، قال: ((أنفقه على أهلك)) قال: عندي آخر: قال: ((أنفقه على ولدك))
قال: عندي آخر، قال: ((فأنت أبصر)) وقد رواه مسلم في صحيحه(١١)، وأخرجه مسلم أيضاً عن
(١) قول ابن عمر أخرجه ابن أبي حاتم والطبري بسند ضعيف من طريق محمد بن أبي حميد، عن أبي طعمه
المصري عنه، ومحمد وأبو طعمه فيهما مقال. ويتقوى بالمراسيل التي يقوي بعضها بعضاً فقد ثبت ذلك عن
مجاهد وقتادة وعن عبد الرحمن بن زيد فيما رواه الطبري عنهم.
(٢) كلتاهما قراءتان متواترتان.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وسنده منقطع بين يحيى ومعاذ.
(٤) في الأصل: ((الحاكم)) والتصويب من (عف) و(ح) و(حم) والتخريج.
(٥) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (ح٣٦٥) في التفسير وابن أبي حاتم والطبري بسند حسن من طريق ابن
أبي ليلى عن الحكم بن عتيبة به.
(٦) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وأقوال عطاء وقتادة والسدي وابن زيد والحسن أخرجها الطبري
بأسانيد ثابتة.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن أبي نجيح عن طاوس.
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أبي جعفر عن الربيع بن أنس.
(٩) في الأصل: ((تجهل)) والتصويب من (عف) و(ح) و(حم) والتخريج.
(١٠) سنده حسن، وعوف هو الأعرابي، والحسن هو البصري.
(١١) بل رواه أحمد في المسند ٢٥١/٢، والنسائي في سننه، الزكاة، باب تفسير ذلك ٦٢/٥، وأبو داود في
سننه، الزكاة، باب صلة الرحم (ح١٦٧٥)، وقال الألباني: حسن صحيح (صحيح سنن النسائي ح٢٣٧٥)، =

١٤٦
سُورَةُ الْبََّوَّةِ (٢٢٠،٢١٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
جابر، أن رسول الله وَ له قال الرجل: ((ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن
فضل شيء عن أهلك فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا))(١). وعنده
عن أبي هريرة ظُه. قال: قال رسول الله وَله: ((خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، واليد العليا
خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول))(٢).
وفي الحديث أيضاً: ((ابن آدم إنك إن تبذل الفضل خير لك، وإن تمسكه شر لك، ولا تلام
على كفاف))(٣).
ثم قد قيل: إنها منسوخة بآية الزكاة، كما رواه علي بن أبي طلحة والعوفي عن ابن عباس (٤)،
وقاله عطاء الخراساني والسدي(٥)، وقيل: مبينة بآية الزكاة، قاله مجاهد(٦) وغيره، وهو أوجه.
وقوله: ﴿ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَتِ لَعَلَّكُمْ تَنَفَكَُّونَ ﴿ فِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُّ﴾ أي: كما فصل
لكم هذه الأحكام وبينها وأوضحها كذلك يبين لكم سائر الآيات في أحكامه ووعده ووعيده،
لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: يعني في زوال الدنيا
وفنائها، وإقبال الآخرة وبقائها(٧) .
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا أبو أسامة، عن
الصعق التميمي، قال: شهدت الحسن وقرأ هذه الآية من البقرة ﴿لَعَلَّكُمْ تَنَفَكَّرُونَ (9) فِ الدُّنْيَا
وَالْآَخِرَةُ﴾ قال: هي والله لمن تفكر فيها ليعلم أن الدنيا دار بلاء ثم دار فناء، وليعلم أن الآخرة
دار جزاء ثم دار بقاء))(٨) .
وهكذا قال قتادة وابن جريج وغيرهما، وقال عبد الرزاق: عن معمر، عن قتادة: لتعلموا فضل
الآخرة على الدنيا(٩). وفي رواية عن قتادة: فآثروا الآخرة على الأولى.
وقوله: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْيَتَّ قُلْ إِصْلَاحٌ لَّمْ خَيْرٌ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمُّ وَاللّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ
الْمُصْلِحْ وَلَوْ شَآءَ اَللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾ الآية.
قال ابن جرير: حدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا جرير، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن
جبير، عن ابن عباس، قال: لما نزلت: ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ الْيَقِيمِ إِلَّا بِلَتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٣٤]
= وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤١٥/١).
(١) صحيح مسلم، الزكاة، باب الابتداء في النفقة بالنفس ثم أهله ٦٩٢/٢ (ح٩٩٧).
(٢) بل هو عنده من حديث حكيم بن حزام، صحيح مسلم، الزكاة، باب بيان أن اليد العليا خير من اليد
السفلى (ح١٠٣٤)، وأخرجه البخاري من حديث أبي هريرة، الصحيح، الزكاة، باب لا صدقة إلا عن ظهر
غنی (ح١٤٢٨).
(٣) أخرجه مسلم من حديث أبي أمامة مرفوعاً (الصحيح، الزكاة، الباب السابق ح١٠٣٦).
(٤) قول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عنه.
(٥) قول السدي أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق إسباط عنه، وقول عطاء الخراساني ذكره ابن أبي
حاتم بحذف السند.
(٦) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت عنه.
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن. (٩) أخرجه عبد الرزاق وسنده صحيح.

١٤٧
• سُورَةُ البَقَةَ (٢٢١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
و﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ اُلْيَتَعَى كُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَضْلَوْنَ سَعِيْرًا ﴾﴾ [النساء]
انطلق من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه، فجعل يفضل له الشيء من
طعامه فيحبس له حتى يأكله أو يفسد، فاشتد ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله وَ له فأنزل الله:
﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْيَتَّىّ قُلْ إِصْلَاحٌ لَُّمْ خَيْرٌ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ فخلطوا طعامهم بطعامهم وشرابهم
بشرابهم(١) .
وهكذا رواه أبو داود والنسائي وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم في مستدركه من طرق عن
عطاء بن السائب به (٢) .
وكذا رواه علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس(٣)، وكذا رواه السدي عن أبي مالك، وعن أبي
صالح، عن ابن عباس، وعن مُرَّة، عن ابن مسعود بمثله(٤)، وهكذا ذكر غير واحد في سبب
نزول هذه الآية كمجاهد وعطاء والشعبي وابن أبي ليلى وقتادة وغير واحد من السلف والخلف.
قال وكيع بن الجراح: حدثنا هشام صاحب الدستوائي، عن حماد، عن إبراهيم، قال: قالت
عائشة رضيها: إني لأكره أن يكون مال اليتيم عندي على حدة، حتى أخلط طعامه بطعامي، وشرابه
بشرابي(٥) .
فقوله: ﴿قُلْ إِصْلَاحٌ لَُّمْ خَيرٌ﴾ أي: على حدة، ﴿وَإِن تُّخَالِطُهُمْ فَإِخْوَتُكُمَّ﴾ أي: وإن خلطتم
طعامكم بطعامهم وشرابكم بشرابهم فلا بأس عليكم، لأنهم إخوانكم في الدين، ولهذا قال:
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحّ﴾ أي: يعلم من قصده ونيته الإفساد أو الإصلاح.
وقوله: ﴿وَلَوْ شَآءَ اَللَّهُ لَأَعْنَتَكُمَّ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أي: ولو شاء الله لضيق عليكم وأحرجكم،
ولكنه وسع عليكم، وخفف عنكم، وأباح لكم مخالطتهم بالتي هي أحسن، قال تعالى: ﴿وَلَا
نَقْرَبُواْ مَالَ الْيَنِيمِ إِلَّا بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢] بل قد جوّز الأكل منه للفقير بالمعروف، إما
بشرط ضمان البدل لمن أيسر، أو مجاناً كما سيأتي بيانه في سورة النساء، إن شاء الله وبه الثقة.
] ﴿وَلَا تَنكِعُواْ الْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنٌ وَلَأَمَّةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنكِحُواْ
اَلْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنُ خَيْرٌ مِّن مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُوّاْ إِلَى
الْجَنَّةِ وَاُلْمَغْفِرَةِ بِإِذْنُِ وَيُبَيِّنُ ءَايَتِهِ، لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَّكَُّونَ
هذا تحريم من الله وب على المؤمنين، أن يتزوجوا المشركات من عبدة الأوثان، ثم [إن](٦)
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده سفيان بن وكيع: ضعيف، وقد توبع فقد أخرجه الطبري وأحمد
(المسند ح٣٠٠٢)، وأبو داود (السنن، الوصايا، باب مخالطة اليتيم ح٢٨٧١)، والنسائي (السنن،
الوصايا، باب ما للموصي من مال ٢٥٦/٥)، وصححه أحمد شاكر في تحقيقه للمسند، وحسنه الألباني في
صحيح سنن النسائي (ح٣٤٣٠)، وأخرجه الحاكم في المستدرك ٢٧٨/٢، وصححه ووافقه الذهبي.
(٣) أخرجه الطبري بسند ثابت عنه.
(٢) تقدم تخريجه في سابقه.
(٤) سنده اختلط على السدي ويشهد له ما سبق والآثار اللاحقة.
(٥) أخرجه الطبري من طريق وكيع به، وفيه إبراهيم النخعي لم يسمع من عائشة.
(٦) قوله: ((إن)) سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم).

١٤٨
سُورَةُ الَقَة (٢٢١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
كان عمومها مراداً، وأنه يدخل فيها كل مشركة من كتابية ووثنية، فقد خص من ذلك نساء أهل
الكتاب بقوله: ﴿وَلْعُصَنَتُّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَفِحِينَ
وَلَا مُتَّخِذِىٌ أَخْدَانٍ﴾ [المائدة: ٥] قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَلَا تَنكِحُواْ
الْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنٌ﴾: استثنى الله من ذلك نساء أهل الكتاب(١).
وهكذا قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير ومكحول والحسن والضحاك وزيد بن أسلم
والربيع بن أنس وغيرهم(٢).
وقيل: بل المراد بذلك المشركون من عبدة الأوثان(٣)، ولم يرد أهل الكتاب بالكلية، والمعنى
قريب من الأول، والله أعلم.
فأما ما رواه ابن جرير: حدثني عبيد بن آدم بن أبي إياس العسقلاني، حدثنا أبي، حدثني
عبد الحميد بن بهرام الفزاري، حدثنا شهر بن حوشب، قال: سمعت عبد الله بن عباس يقول: نهى
رسول الله : ﴿ عن أصناف النساء، إلا ما كان من المؤمنات المهاجرات وحرم كل ذات دين غير
الإسلام. قال الله رَى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِلْإِيَمَنِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُمُ﴾ [المائدة: ٥]، وقد نكح طلحة بن عبيد الله
يهودية، ونكح حذيفة بن اليمان نصرانية، فغضب عمر بن الخطاب غضباً شديداً حتى همَّ أن يسطو
عليهما فقالا: نحن نطلق يا أمير المؤمنين ولا تغضب فقال: لئن حلَّ طلاقهنَّ لقد حلَّ نكاحهن،
ولكني أنتزعهنَّ منكم صغرة قمأة (٤). فهو حديث غريب جداً، وهذا الأثر عن عمر غريب أيضاً (٥).
قال أبو جعفر بن جرير كَّتُهُ بعد حكايته الإجماع على إباحة تزويج الكتابيات: وإنما كره عمر
ذلك لئلا يزهد الناس في المسلمات أو لغير ذلك من المعاني(٦). كما حدثنا أبو كريب، حدثنا
ابن إدريس، حدثنا الصلت بن بهرام، عن شقيق، قال: تزوج حذيفة يهودية، فكتب إليه عمر:
خلِّ سبيلها، فكتب إليه: أتزعم أنها حرام، فأخلي سبيلها؟ فقال: لا أزعم أنها حرام، ولكني
أخاف أن تعاطوا المومسات منهن (٧)، وهذا إسناد صحيح. وروى الخلال عن محمد بن
إسماعيل، عن وكيع، عن الصلت، نحوه.
وقال ابن جرير: حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي(٨)، حدثنا محمد بن بشر، حدثنا
(١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت عنه وزيادة: فقال: ((والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب ... )).
(٢) ذكرهم ابن أبي حاتم كلهم سوى مجاهد. وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي
نجیح عنه.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن عن سعيد بن جبير.
(٤) قمأة: أي أذلة.
(٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، ثم قال: وقد روي عن عمر بن الخطاب ظبه من القول خلاف ذلك بإسناد
هو أصح منه. ثم ذكر رواية موسى المسروقي بعد التالية.
(٦) نص الطبري: وإنما كره عمر لطلحة وحذيفة - رحمة الله عليهم - نكاح اليهودية والنصرانية حذراً من أن
يقتدى بهما الناس في ذلك فيزهدوا في المسلمات (التفسير ٧١٦/٣).
(٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وصحح إسناده الحافظ ابن كثير. وأخرجه عبد الرزاق من طريق الصلت به
(المصنف رقم ١٢٦٧٠).
(٨) في الأصل: ((المروي)) والتصويب من (عف) و(ح) و(حم).

١٤٩
سُورَةُ الْبَقَة (٢٢١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
سفيان بن سعيد، عن يزيد بن أبي زياد، عن زيد بن وهب، قال: قال عمر بن الخطاب: المسلم
يتزوج النصرانية، ولا يتزوج النصراني المسلمة(١). قال: وهذا أصح إسناداً من الأول، ثم قال:
وقد حدثنا تميم بن المنتصر، أخبرنا إسحاق الأزرق عن شريك، عن أشعث بن سوار، عن
الحسن، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله وَله: ((نتزوج نساء أهل الكتاب ولا يتزوجون
نساءنا)) ثم قال: وهذا الخبر وإن كان في إسناده ما فيه، فالقول به لإجماع الجميع من الأمة
عليه، كذا قال ابن جرير تَخْدَتُهُ(٢).
وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، حدثنا وكيع، عن جعفر بن
برقان، عن ميمون بن مهران، عن ابن عمر، أنه كره نكاح أهل الكتاب، وتأول ﴿وَلَا تَنكِحُواْ
الْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنٌ﴾(٣).
وقال البخاري: وقال ابن عمر: لا أعلم شركاً أعظم من أن تقول: ربها عيسى (٤).
وقال أبو بكر الخلال الحنبلي: حدثنا محمد بن هارون، حدثنا إسحاق بن إبراهيم وأخبرني
محمد بن علي، حدثنا صالح بن أحمد، أنهما سألا أبا عبد الله أحمد بن حنبل عن قول الله:
﴿وَلَا تَنْكِعُواْ الْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ قال: مشركات العرب الذين يعبدون الأصنام(٥).
وقوله: ﴿وَلَأَمَّةٌ مُؤْمِنَةُ خَيْرٌ مِّن مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ قال السدي: نزلت في عبد الله بن
رواحة، كانت له أمة سوداء فغضب عليها فلطمها، ثم فزع فأتى رسول الله ◌َالر فأخبره خبرها،
فقال له: ((ما هي؟)) قال: تصوم وتصلي، وتحسن الوضوء، وتشهد أن لا إلا الله، وأنك
رسول الله، فقال: ((يا عبد الله هذه مؤمنة)). فقال: والذي بعثك بالحق لأعتقنها ولأتزوجنها،
ففعل، فطعن عليه ناس من المسلمين وقالوا: نكح أمته وكانوا يريدون أن ينكحوا إلى المشركين،
وينكحوهم رغبة في أحسابهم، فأنزل الله: ﴿وَلَأَمَّةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنُ
خَيْرٌ مِّنِ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾(٦) .
وقال عبد بن حميد: حدثنا جعفر بن عوف، حدثنا عبد الرحمن بن زياد الأفريقي عن
[عبد الله بن يزيد، عن](٧) عبد الله بن عمرو، عن النبي وَلفاز، قال: ((لا تنكحوا النساء لحسنهن
فعسى حسنهن أن يرديهن، ولا تنكحوهن على أموالهن فعسى أموالهن أن تطغيهن، وأنكوهن على
الدين، فلأمة سوداء جرداء ذات دين أفضل)»(٨) والأفريقي ضعيف.
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه عبد الرزاق من طريق سفيان به (المصنف رقم ١٠٠٥٨).
(٢) ذكره الطبري وزاد: أولى من خبر عبد الحميد بن بهرام عن شهر بن حوشب (التفسير ٧١٦/٣).
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٤) أخرجه البخاري بلفظه وأطول (الصحيح، الطلاق، باب قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَنكِعُواْ الْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنٌ ... ﴾
[البقرة: ٢٢١] ح ٥٢٨٥).
(٥) في الأصل: ((الأوثان)).
(٦) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عنه.
(٧) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) والتخريج.
(٨) أخرجه عبد بن حميد في مسنده بسنده ومتنه (المنتخب ح٣٢٨)، وفي سنده عبد الرحمن الإفريقي ضعيف
كما قال الحافظ ابن كثير.

١٥٠
• سُورَةُ الَرَة (٢٢٢، ٢٢٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ويتعليه، قال: ((تنكح المرأة لأربع: لمالها
ولحسبها ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين، تربت يداك))(١). ولمسلم عن جابر مثله(٢)، وله
عن ابن عمرو أن رسول الله وَّر قال: ((الدينا متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة))(٣).
وقوله: ﴿وَلَا تُنكِحُواْ الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ﴾ أي: لا تزوجوا الرجال المشركين النساء المؤمنات،
كما قال تعالى: ﴿لَ هُنَّ ◌ِلٌّ لَمْ وَلَ هُمْ يِلُونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] ثم قال تعالى: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنُ خَيْرٌ
مِّنِ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ أي ولرجل مؤمن - ولو كان عبداً حبشياً - خير من مشرك، وإن كان رئيساً
سرياً ﴿أُوْلَكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ أي: معاشرتهم ومخالطتهم، تبعث على حبِّ الدنيا واقتنائها
وإيثارها على الدار الآخرة، وعاقبة ذلك وخيمة ﴿وَاَللَّهُ يَدْعُواْ إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهٌِ﴾ أي:
بشرعه وما أمر به وما نهى عنه، ﴿وَيُبَيِنُ ءَايَتِهِ، لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذََُّّونَ﴾ .
] ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذَّى فَأَعْتَزِلُواْ النِسَآءَ فِى الْمَحِيضِ وَلَا نَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَّ فَإِذَا
تَطَهَّرْنَ فَأَتُوهُرَ مِنْ حَيْثُ أَمَرِكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّبِينَ وَيُحِبُّ الُْطَهِرِينَ ﴿َ نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ
حَرْتَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُواْ لِأَنْفُسِكُمْ وَأَنَّقُواْ اللَّهَ وَأَعْلَمُوْ أَنَّكُمْ مُلَقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ
قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن
أنس، أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة منهم لم يؤاكلوها ولم يجامعوها في البيوت، فسأل
أصحاب النبي وَ﴿، فأنزل الله وَمَّ: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذَّى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَآءَ فِى الْمَحِيضِ
وَلَا نَفْرَبُوهُنَّ حََّ يَظْهُرْنَّ﴾ حتى فرغ من الآية، فقال رسول الله وَّ: ((اصنعوا كل شيء إلا النكاح))
فبلغ ذلك اليهود فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئاً، إلا خالفنا فيه، فجاء أُسيد بن
حضير وعباد بن بشر، فقالا: يا رسول الله، إن اليهود قالت: كذا وكذا، أفلا نجامعهنَّ؟ فتغير
وجه رسول الله ﴿ حتى ظننا أن قد وجد عليهما، فخرجا فاستقبلهما هدية من لبن إلى
رسول الله ◌َ﴿، فأرسل في آثارهما فسقاهما فعرفا أن لم يجد عليهما (٤). رواه مسلم من حديث
حماد بن سلمة به(٥).
فقوله: ﴿فَأَعْتَزِلُواْ النِّسَآءَ فِىِ الْمَحِيضِ﴾ يعني الفرج، لقوله: ((اصنعوا كل شيء إلا النكاح)) ولهذا
ذهب كثير من العلماء أو أكثرهم، إلى أنه يجوز مباشرة الحائض فيما عدا الفرج، قال أبو داود:
حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد عن أيوب، عن عكرمة، عن بعض أزواج النبي ◌َّر، كان
إذا أراد من الحائض شيئاً يلقي على فرجها ثوباً (٦).
(١) صحيح البخاري، النكاح، باب الأكفاء في الدين (ح ٥٠٩٠)، وصحيح مسلم، الرضاع، باب استحباب
نكاح ذات الدين (ح١٤٦٦).
(٢) صحيح مسلم، كتاب الرضاع، باب استحباب نكاح ذات الدين (ح٥٤ بعد ١٤٦٦).
(٣) صحيح مسلم، كتاب الرضاع، باب خير متاع الدنيا المرأة الصالحة (ح ١٤٦٧).
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند، الطهارة، باب في الرجل يصيب منها ما دون الجماع (ح ٢٧٢)،
وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح٢٤٢).
(٥) أخرجه مسلم من حماد بن سلمة به (الصحيح، الحيض، باب جواز غسل الحائض رأس زوجها ح ٣٠٢).
(٦) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الطهارة، باب في الرجل يصيب منها ما دون الجماع ح ٢٧٢)، =

١٥١
سُورَةُ الََّوَّة (٢٢٣،٢٢٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال أبو داود: حدثنا القعنبي، حدثنا عبد الله - يعني: ابن عمر بن غانم(١) -، عن
عبد الرحمن - يعني: ابن زياد -، عن عمارة بن غراب، أن عمة له(٢) حدثته أنها سألت عائشة
قال: إحدانا تحيض وليس لها ولزوجها فراش إلا فراش واحد، قالت: أخبرك بما صنع
رسول الله وَّلّ، دخل فمضى إلى مسجده، قال أبو داود: تعني مسجد بيتها فما انصرف حتى
غلبتني عيني فأوجعه البرد فقال: ((ادني مني)) فقلت: إني حائض، فقال: ((اكشفي عن فخذيك))
فكشفتُ فخذي، فوضع خده وصدره على فخذي وحنيت عليه [حتى دفئ](٣) ونام(٤) وَله.
وقال أبو جعفر بن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا أيوب، عن كتاب أبي
قلابة، أن مسروقاً ركب إلى عائشة فقال: السلام على النبي وعلى أهله، فقالت عائشة: مرحباً مرحباً،
فأذنوا له فدخل فقال: إني أريد أن أسألك عن شيء وأنا أستحي، فقالت: إنما أنا أمك وأنت ابني،
فقال: ما للرجل من امرأته وهي حائض؟ فقالت له: كل شيء إلا فرجها(٥). ورواه أيضاً عن حميد بن
مسعدة، عن يزيد بن زريع، عن عيينة بن عبد الرحمن بن جوشن، عن مروان الأصفر، عن مسروق
قال: قلت لعائشة: ما يحل للرجل من امرأته إذا كانت حائضاً؟ قالت: كل شيء إلا الجماع(٦).
وهذا قول ابن عباس ومجاهد والحسن وعكرمة(٧)، وروى ابن جرير أيضاً عن أبي كريب عن
ابن أبي زائدة، عن الحجاج، عن ميمون بن مهران، عن عائشة، قالت: له ما فوق الأزار (٨).
قلت(٩): ويحلُّ مضاجعتها ومواكلتها بلا خلاف.
قالت عائشة: كان رسول الله وَ ﴾، يأمرني فأغسل رأسه وأنا حائض، وكان يتكئ في حجري
وأنا حائض فيقرأ القرآن (١٠).
وفي الصحيح عنها، قالت: كنت أتعرق العرق وأنا حائض فأعطيه النبي ◌َّ، فيضع فمه في الموضع
الذي وضعت فمي فيه، وأشرب الشراب فأناوله فيضع فمه في الموضع الذي كنت أشرب (١١)
.
= وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح٢٤٢).
(١) لفظ: ((غانم)) بياض في الأصل، واستدرك من (عف) و(ح) و(مح) و(حم) والتخريج.
(٢) لفظ: ((عمة له)) بياض في الأصل، واستدرك من (عف) و(ح) و(مح) و(حم) والتخريج.
(٣) في الأصل: ((بردتي)) والتصويب من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
(٤) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الطهارة، باب في الرجل يصيب منها ما دون الجماع ح٢٧٠). وفي
سنده عبد الرحمن بن زياد الإفريقي: ضعيف، وعمارة: مجهول.
(٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وله طرق أخرى لاحقة، وأخرجه عبد الرزاق من طريق معمر عن أيوب به
(المصنف رقم ١٢٦٠)، وسنده صحيح.
(٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفيه زيادة طرق لما تقدم.
(٧) قول ابن عباس أخرجه الطبري من طرق يقوي بعضها بعضاً، وقول الحسن أخرجه الطبري بسند صحيح
عنه، وكذا قول عكرمة.
(٨) أخرجه الطبري بسنده ومتنه ويشهد له ما سبق.
(٩) قوله: ((قلت)) سقط من الأصل، واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
(١٠) أخرجه البخاري، الصحيح، الحيض (ح ٢٩٧).
(١١) أخرجه مسلم، الصحيح، الحيض، باب جواز غسل الحائض رأس زوجها (ح ٣٠٠).

١٥٢
• سُورَةُ الْبَّقُرَةَ (٢٢٢، ٢٢٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال أبو داود: حدثنا مسدد، حدثنا يحيى، عن جابر بن صبح، سمعت خلاساً الهجري قال:
سمعت عائشة تقول: كنت أنا ورسول الله وَ ل﴿ نبيت في الشعار الواحد وأنا حائض طامث، فإن
أصابه مني شيء غسل مكانه لم يعده وإن أصابه - يعني ثوبه - شيء غسل مكانه لم يعده ثم صلى
فيه(١)، فأما ما رواه أبو داود حدثنا سعيد بن عبد الجبار، حدثنا عبد العزيز - يعني ابن محمد،
عن أبي اليمان، ثم أم ذرة، عن عائشة أنها قالت: كنت إذا حضت نزلت عن المثال(٢) على
الحصير، فلم نقرب رسول الله # ولم ندن منه حتى نطهر (٣). فهو محمول على التنزه
والاحتياط. وقال آخرون: إنما تحل له مباشرتها فيما عدا ما تحت الإزار، كما ثبت في
الصحيحين عن ميمونة بنت الحارث الهلالية قالت: كان النبي و ﴿ إذا أراد أن يباشر امرأة من
نسائه أمرها فاتزرت وهي حائض(٤). وهذا لفظ البخاري، ولهما عن عائشة نحوه(٥).
وروى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث العلاء بن الحارث، عن
حزام بن حكيم، عن عمه عبد الله بن سعد الأنصاري أنه سأل رسول الله وَله: ما يحلّ لي من
امرأتي وهي حائض؟ قال: لك ما فوق الإزار(٦). ولأبي داود أيضاً عن معاذ بن جبل، قال:
سألت رسول الله وَ﴿ عما يحلُّ لي من امرأتي وهي حائض؟ قال: ما فوق الإزار والتعفف عن
ذلك أفضل)) (٧)، وهو رواية عن عائشة كما تقدم وابن عباس وسعيد بن المسيب وشريح.
فهذه الأحاديث وما شابهها حجة من ذهب إلى أنه يحلُّ ما فوق الإزار منها، وهو أحد القولين
في مذهب الشافعي تَّثهُ، الذي رجحه كثير من العراقيين وغيرهم، ومأخذهم أنه حريم الفرج فهو
حرام لئلا يتوصل إلى تعاطي ما حرم الله ربك الذي أجمع العلماء على تحريمه وهو المباشرة في
الفرج، ثم من فعل ذلك فقد أثم، فيستغفر الله ويتوب إليه، وهل يلزمه مع ذلك كفارة أم لا؟ فيه
قولان :
أحدهما: نعم، لما رواه الإمام أحمد وأهل السنن عن ابن عباس عن النبي ◌َّيقر في الذي يأتي
امرأته وهي حائض، يتصدق بدينار أو نصف دينار(٨)، وفي لفظ للترمذي: ((إذا كان دماً أحمر
(١) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الطهارة، باب في الرجل يصيب منها ما دون الجماع ح٢٦٩)،
وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح٢٤١).
(٢) قوله: ((المثال)) بياض في الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح) والتخريج.
(٣) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (المصدر السابق ح٢٧١)، وفي سنده أم ذرة مقبولة (التقريب ص٧٥٦).
(٤) صحيح البخاري، الحيض، باب مباشرة الحائض (ح٣٠٣)، وصحيح مسلم، الحيض، باب مباشرة الحائض
فوق الإزار (ح٢٩٤).
(٥) صحيح البخاري، الحيض، باب مباشرة الحائض (ح ٣٠٠)، وصحيح مسلم، الحيض، باب مباشرة الحائض
فوق الإزار (ح ٢٩٣).
(٦) أخرجه الإمام أحمد في المسند ٣٤٢/٤، وأبو داود في السنن، الطهارة، باب في المذي ح ٢١٢)،
والترمذي في السنن، الطهارة (ح١٣٣)، وابن ماجه (ح٦٥١)، كلهم من طريق العلاء به، وصححه الألباني
في صحيح سنن أبي داود (ح ١٩٧).
(٧) أخرجه أبو داود، السنن، الطهارة، باب في المذي (ح٢١٣)، وقال أبو داود: وليس هو - يعني الحديث -
بالقوي، ولا شك أن فيه بقية بن الوليد وقد رواه عنعنة.
(٨) أخرجه الإمام أحمد مرفوعاً وموقوفاً (المسند ح ٢٠٣٢ و٢١٢١ و٢٤٥٨ و٢٥٩٥ و٢٧٨٩ و٧٤٧٣)، وكذا =

١٥٣
سُورَةُ الَقَة (٢٢٢، ٢٢٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
فدينار، وإن كان دماً أصفر فنصف دينار))(١). وللإمام أحمد أيضاً عنه أن رسول الله وَليل، جعل
في الحائض تصاب ديناراً، فإن أصابها وقد أدبر الدم(٢) عنها ولم تغتسل، فنصف دينار.
والقول الثاني: وهو الصحيح الجديد من مذهب الشافعي وقول الجمهور أنه لا شيء في
ذلك، بل يستغفر الله ومك لأن لم يصح عندهم رفع هذا الحديث، فإنه قد روي مرفوعاً كما
تقدم، وموقوفاً وهو الصحيح عند كثير من أئمة الحديث.
فقوله تعالى: ﴿وَلَا نَقْرَبُوهُنَّ حَّى يَظْهُرْنَّ﴾ تفسير قوله: ﴿فَأَعْتَزِلُواْ النِّسَآءَ فِ الْمَحِيضِ﴾ وهي عن
قربانهن بالجماع ما دام الحيض موجوداً، ومفهومه حله إذا انقطع. [وقد قال به طائفة من السلف.
قال القرطبي: وقال مجاهد وعكرمة وطاوس: انقطاع الدم يحلها لزوجها ولكن بأن تتوضأ](٣).
[قال الإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل فيما أملاه في الطاعة: وقوله: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ
عَنِ اَلْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذَّى فَأَعْتَزِلُواْ النِسَآءَ فِى الْمَحِيضِّ وَلَا نَقْرَبُوهُنَّ حَّى يَطْهُرْنٌ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأَتُوهُنَ﴾ فالطهر
يدل على أن يقربها، فلما قالت ميمونة وعائشة: كانت إحدانا إذا حاضت اتَّزرت ودخلت مع
رسول الله وَ﴿ في شعاره(٤)، دلَّ ذلك على أنه إنما أراد الجماع](6).
وقوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأَتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَّكُمُ اللَّهُ﴾ فيه ندب وإرشاد إلى غشيانهن بعد الاغتسال،
وذهب ابن حزم إلى وجوب الجماع بعد كل حيضة لقوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأَتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَّكُمْ
اللَّهُ﴾ وليس له في ذلك مستند، لأن هذا أمر بعد الحظر. وفيه أقوال العلماء الأصول منهم من
يقول: إنه على الوجوب كالمطلق، هؤلاء يحتاجون إلى جواب ابن حزم.
ومنهم من يقول: إنه للإباحة، ويجعلون تقدم النهي عليه قرينة صارفة له عن الوجوب، وفيه
نظر، والذي ينهض عليه الدليل أنه يرد عليه الحكم إلى ما كان عليه الأمر قبل النهي، فإن كان
واجباً، فواجب كقوله: ﴿فَإِذَا أَنْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَأَقْئُلُواْ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] أو مباحاً فمباح
كقوله: ﴿وَإِذَا حَلْتُ فَأَصْطَادُواْ﴾ [المائدة: ٢]، ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوَةُ فَأَنْتَشِرُواْ فِ اَلْأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠]
وعلى هذا القول تجتمع الأدلة، وقد حكاه الغزالي وغيره، فاختاره بعض أئمة المتأخرين وهو
الصحيح، وقد اتفق العلماء على أن المرأة إذا انقطع حيضها لا تحل حتى تغتسل بالماء أو تتيمم
إن تعذر ذلك عليها بشرطه، إلا أن أبا حنيفة ◌َُّهُ يقول: فيما إذا انقطع دمها لأكثر الحيض وهو
عشرة أيام عنده: أنها تحل بمجرد الانقطاع ولا تفتقر إلى غسل، والله أعلم.
وقال ابن عباس: ﴿حَّ يَظْهُرْنٌ﴾ أي: من الدم ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ أي: بالماء(٦)، وكذا قال مجاهد
أخرجه أبو داود في سننه، الطهارة، باب إتيان الحائض (ح٢٦٤ - ٢٦٦)، وأخرجه الترمذي وصححه
=
محققه أحمد شاكر بعد أن ساق له خمسين طريقاً (السنن الطهارة، باب ما جاء في الكفارة ٢٤٤/١ -
٢٥٤)، وصحح وقفه الحافظ ابن كثير عن كثير من النقاد، وله حكم الرفع.
(١) ينظر التحريج السابق.
(٢) لفظ: ((الدم)) سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(حم) و(مح) و(ح) والتخريج.
(٣) ما بين معقوفين زيادة من (ح).
(٤) قول ميمونة وعائشة تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.
(٥) ما بين معقوفين زيادة من (عف) و(مح).
(٦) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عنه.

١٥٤
• سُورَةُ الَقَة (٢٢٣،٢٢٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وعكرمة والحسن ومقاتل بن حيان والليث بن سعد وغيرهم(١).
وقوله: ﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَّكُمُ اللَّهُ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: يعني الفرج.
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿فَأَتُوهُنَ مِنْ حَيْثُ أَمَرَّكُمُ اللَّهُ﴾ يقول: في الفرج ولا
تعدوه(٢) إلى غيره، فمن فعل شيئاً من ذلك فقد اعتدى(٣). وقال ابن عباس ومجاهد وعكرمة:
﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ أي: تعتزلوهن(٤). وفيه دلالة حينئذٍ على تحريم الوطء في الدبر، كما
سيأتي تقريره قريباً. وقال أبو رزين وعكرمة والضحاك وغير واحد: ﴿فَأَتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَّكُمُ اللَّهُ﴾
يعني: طاهرات غير حيّض(٥).
ولهذا قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّبِينَ﴾ أي من الذنب وإن تكرر غشيانه ﴿وَيُحِبُّ الُْطَهِرِينَ﴾ أي
المتنزهين عن الأقذار والأذى، وهو ما نهوا عنه من إتيان الحائض أو في غير المأتى.
وقوله: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ﴾ قال ابن عباس: الحرث موضع الولد (٦).
﴿فَأَنُواْ حَرْفَكُمْ أَنَّ ◌ِشِئْتُمْ﴾ أي: كيف شئتم مقبلة ومدبرة في صمام واحد كما ثبتت بذلك
الأحاديث قال البخاري: حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن ابن المنكدر قال: سمعت جابراً
قال: كانت اليهود تقول: إذا جامعها من ورائها جاء الولد أحول، فنزلت: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ
حَرَّقَّكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ ورواه مسلم(٧) وأبو داود من حديث سفيان الثوري به(٨).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني مالك بن أنس
وابن جريج وسفيان بن سعيد الثوري: أن محمد بن المنكدر حدثهم: أن جابر بن عبد الله أخبره
أن اليهود قالوا للمسلمين: من أتى امرأة وهي مدبرة جاء الولد أحول، فأنزل الله: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ
لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْتَكُمْ أَنَّى شِئْتُمٌ﴾ قال ابن جريج في الحديث: فقال رسول الله وَّر: ((مقبلة ومدبرة إذا
كان ذلك في الفرج))(٩).
وفي حديث بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري، عن أبيه، عن جده، أنه قال: يا
رسول الله، نساؤنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: ((حرثك ائت حرثك أنى شئت، غير أن لا تضرب
الوجه، ولا تقبح ولا تهجر إلا في البيت)) الحديث، رواه أحمد وأهل السنن(١٠).
(١) ذكرهم ابن أبي حاتم كلهم بحذف السند، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح.
(٢) في الأصل: ((ولا يعده) والتصويب من التخريج و(عف) و(ح) و(حم).
(٣) أخرجه الطبري بسند ثابت عنه.
(٤) أخرجه الطبري بأسانيد صحيحة عنهم.
(٥) قول أبي رزين أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق الأعمش عنه، وقول عكرمة والضحاك
أسندهما الطبري. ويشهد لهما ما تقدم.
(٦) أخرجه الطبري من طريق عكرمة عن ابن عباس، وسنده صحيح.
(٧) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ .
النكاح، باب جواز جماعه امرأته في قبلها (ح ١٤٣٥).
(٨) لفظ: ((به)) سقط من الأصل.
﴾ [البقرة: ٢٢٣] (ح٤٥٢٨)، وصحيح مسلم،
(٩) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وهو متفق عليه كما تقدم.
(١٠) أخرجه أحمد في المسند ٣/٥ وأبو داود في سننه، النكاح، باب حق المرأة على زوجها (ح٢١٤٣)،
والترمذي في سننه، الأدب، باب ما جاء في حفظ العورة (ح٢٧٦٩)، وحسنه الترمذي، وقال الألباني : =

١٥٥
• سُورَةُ الَّاقَة (٢٢٣،٢٢٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
(حديث آخر) قال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني ابن لهيعة، عن
يزيد بن أبي حبيب، عن عامر بن يحيى، عن حنش بن عبد الله، عن عبد الله بن عباس، قال:
أتى ناس من حمير إلى رسول الله ◌َ، فسألوه عن أشياء، فقال له رجل: إني أجبّ (١) النساء
فكيف ترى في؟ فأنزل الله: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأَنُواْ حَرْتَكُمْ أَنَ شِئْتُمْ﴾ (٢) [ورواه الإمام أحمد،
حدثنا يحيى بن غيلان، حدثنا رشدين، حدثني الحسن بن ثوبان، عن عامر بن يحيى المعافري،
عن حنش، عن ابن عباس، قال: أنزلت هذه الآية ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْتُ لَّكُمْ﴾ في أناس من الأنصار أتوا
النبي ◌َّ﴿ فسألوه، فقال النبي ◌َّ: ((ائتها على كل حال إذا كان في الفرج))] (٣)(٤).
(حديث آخر) قال أبو جعفر الطحاوي في كتابه مشكل الحديث: حدثنا أحمد بن داود بن
موسى، حدثنا يعقوب بن كاسب، حدثنا عبد الله بن نافع، عن هشام بن سعد، عن زيد بن
أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، أن رجلاً أصاب امرأة في دبرها، فأنكر
الناس عليه ذلك، فأنزل الله: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ﴾ الآية(٥).
ورواه ابن جرير [عن يونس] (٦) عن يعقوب، [ورواه الحافظ أبو يعلى الموصلي عن الحارث بن
شريح، عن عبد الله بن نافع به](٧)(٨).
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا وهيب، حدثنا عبيد الله بن عثمان بن
خثيم، عن عبد الرحمن بن سابط، قال: دخلت على حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر،
فقلت: إني لسائلك عن أمر وأنا أستحي أن أسألك، قالت: فلا تستحي يا ابن أخي، قال: عن
إتيان النساء في أدبارهن؟ قالت: حدثتني أُم سلمة أن الأنصار كانوا يجبّون النساء وكانت اليهود
تقول: إنه من جبّا امرأته، كان ولده أحول، فلما قدم المهاجرون المدينة نكحوا في نساء الأنصار
فجبّوهن، فأبت امرأة أن تطيع زوجها وقالت: لن تفعل ذلك حتى أتي رسول الله وَله، فدخلت
على أُم سلمة فذكرت لها ذلك، فقالت: اجلسي حتى يأتي رسول الله وَلير، فلما جاء
رسول الله ◌َ﴿، استحت الأنصارية أن تسأله، فخرجت فحدّت أُم سلمة، فقال: ادعي
= حسن صحيح. صحيح سنن أبي داود (ح ١٨٧٧).
(١) أي: يأتي امرأته من فرجها وهي منكبَّة على وجهها.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح٢٤١٤)، وفي سنده رشدين: ضعيف، ويشهد له ما تقدم وما
تأخر.
(٤) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(مح) والتخريج.
(٥) أخرجه الطحاوي بسنده ومتنه في شرح معاني الآثار ٣/ ٤٠، وفي مشكل الآثار (ح٦١١٨)، قال الحافظ
ابن حجر: وهذا السبب في نزول الآية مشهور (فتح الباري ١٩١/٨)، وحسنه السيوطي في (الدر المنثور
٦٣٧/١).
(٦) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(مح) والتخريج.
(٧) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(مح) والتخريج.
(٨) مسند أبي يعلى ٣٥٤/٢ (ح ١١٠٣) وفي سنده شيخ أبي يعلى: الحارث بن سريج متهم بسرقة الحديث
(الكامل ٦١٥/٢، وميزان الاعتدال ٤٣٣/١) وقال الهيثمي: ضعيف كذاب (مجمع الزوائد ٣١٩/٦).

١٥٦
00000000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 000 000000000000000
سُورَةُ النَّارَة (٢٢٣،٢٢٢)
·
00000000000000000 000 000
(الأنصارية)) فدعيت، فتلا عليها هذه الآية: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأَنُواْ حَرْتَكُمْ أَ شِئٌْ﴾ ((صماماً
واحداً)) ورواه الترمذي عن بندار، عن ابن مهدي، عن سفيان، عن أبي خثيم به، وقال: حسن(١).
(قلت): وقد روي من طريق حماد بن أبي حنيفة عن أبيه، عن ابن خثيم، عن يوسف بن
ماهك، عن حفصة أم المؤمنين أن امرأة أتتها، فقالت: إن زوجي يأتيني مجبية ومستقبلة فكرهته،
فبلغ ذلك رسول الله وَ لي، فقال: ((لا بأس إذا كان في صمام واحد))(٢).
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا يعقوب - يعني القمي -، عن جعفر، عن
سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: جاء عمر بن الخطاب إلى رسول الله وصل﴿، فقال: يا
رسول الله هلكت، قال: ((ما الذي أهلكك؟)) قال: حولت رحلي البارحة، قال: فلم يردّ عليه
شيئاً. قال: فأوحى الله إلى رسول الله وَّر هذه الآية: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأَنُوا حَرْتَكُمْ أَنََّ شِئْتُمْ﴾
((أقبل وأدبر واتق الدبر والحيضة)). ورواه الترمذي عن عبد بن حميد، عن حسن بن موسى
الأشيب به، وقال: حسن غريب(٣) (٤).
وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن غيلان حدثنا رشدين حدثني الحسن عن ثوبان عن عامر بن
يحيى المعافري عن حنش عن ابن عباس قال: أنزل الله هذه الآية: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ﴾ في أناس من
الأنصار أتوا النبي ◌َّ فسألوه، فقال النبي ◌َّ: (ائتهما على كل حال إذا كان في الفرج).
وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا الحارث بن سريح، حدثنا عبد الله بن نافع، حدثنا هشام بن سعد
عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد، قال: أثفر رجل امرأته على عهد
رسول الله ﴿ فقالوا: أثفر فلان امرأته، فأنزل الله رَمَت: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأَنُواْ حَرْتَكُمْ أَ شِئْتُمْ﴾(٥) .
قال أبو داود: حدثنا عبد العزيز بن يحيى أبو الأصبغ، قال: حدثني محمد - يعني ابن سلمة -،
عن محمد بن إسحاق، عن أبان بن صالح، عن مجاهد عن ابن عباس، قال: إن ابن عمر - والله
يغفر له - أوهم وإنما كان الحي من الأنصار، وهم أهل وثن مع هذا الحي من يهود، وهم أهل
كتاب، وكانوا يرون لهم فضلاً عليهم في العلم، فكانوا يقتدون بكثير من فعلهم، وكان من أمر
أهل الكتاب لا يأتون النساء إلا على حرف وذلك أستر ما تكون المرأة، فكان هذا الحي من
الأنصار قد أخذوا بذلك من فعلهم، وكان هذا الحي من قريش يشرحون النساء شرحاً منكراً،
ويتلذذون بهنَّ مقبلات ومدبرات ومستلقيات، فلما قدم المهاجرون المدينة، تزوج رجل منهم امرأة
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٠٥/٦)، وأخرجه الترمذي من طريق سفيان به، وحسنه (السنن،
تفسير سورة البقرة ٢٩٧٩)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٣٨٠).
(٢) أخرجه الإمام أبو حنيفة بسنده ومتنه (المسند ح ١٠٢)، ويشهد له ما تقدم.
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح٢٧٠٣)، وصححه محققه أحمد شاكر، وأخرجه الترمذي من
طريق عبد بن حميد عن حسن به (السنن، التفسير سورة البقرة ح٢٩٧٩، ٢٩٨٠)، وقال: حسن غريب،
وصححه الحافظ ابن حجر (الفتح ١٩١/٨)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٣٨١).
(٤) في الأصل ورد حديث الإمام أحمد عن يحيى بن غيلان المتقدم في الصفحة السابقة وأثبت حسب ترتيب
نسخة (عف) و(مح).
(٥) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (المسند ٣٥٤/٢، ح١١٠٣)، وفي سنده: الحارث بن سريج فيه مقال قادح
تقدم في الصفحة السابقة.

١٥٧
• سُورَةُ البَّفَقَة (٢٢٣،٢٢٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
من الأنصار، فذهب يصنع بها ذلك، فأنكرته عليه، وقالت: إنما كنا نؤتى على حرف، فأصنع
ذلك، وإلا فاجتنبني، فسرى أمرهما فبلغ رسول الله وَله، فأنزل الله: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأَتُواْ حَرْتَكُمْ
أَنَّى شِئْهٌ﴾ أي: مقبلات ومدبرات ومستلقيات يعني بذلك موضوع الولد(١). تفرد به أبو داود،
ويشهد له بالصحة ما تقدم من الأحاديث ولا سيما رواية أُم سلمة، فإنها مشابهة لهذا السياق.
وقد روى هذا الحديث الحافظ أبو القاسم الطبراني من طريق محمد بن إسحاق، عن أبان بن
صالح، عن مجاهد، قال: عرضت المصحف على ابن عباس من فاتحته إلى خاتمته، أوقفه عند
كل آية منه، وأسأله عنها، حتى انتهيت إلى هذه الآية ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْتَكُمْ أَ شِئْتُمْ﴾
فقال ابن عباس: إن هذا الحي من قريش كانوا يشرحون النساء بمكة ويتلذذون بهن، فذكر القصة
بتمام سياقها(٢)، وقول ابن عباس إن ابن عمر - والله يغفر له - أوهم، كأنه يشير إلى ما رواه
البخاري: حدثنا إسحاق حدثنا النضر بن شميل، أخبرنا ابن عون، عن نافع، قال: كان ابن عمر
إذا قرأ القرآن لم يتكلم حتى يفرغ منه، فأخذت عنه يوماً فقرأ سورة البقرة حتى انتهى إلى مكان
قال: أتدري فيم أنزلت؟ قلت: لا. قال: أنزلت في كذا وكذا، ثم مضى(٣).
وعن عبد الصمد قال: حدثني أبي، حدثنا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر ﴿فَأْتُواْ حَرْفَكُمْ أَنَّى
شِئٌْ﴾ قال: أن يأتيها في [](٤) هكذا رواه البخاري، وقد تفرد به من هذا الوجه(٥). وقال ابن
جرير: حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية، حدثنا ابن عون، عن نافع، قال: قرأت ذات يوم
﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأَتُواْ حَرْتَكُمْ أَ شِئْتُمٌ﴾ فقال ابن عمر: أتدري فيم نزلت؟ قلت: لا. قال: نزلت
في إتيان النساء في أدبارهن وحدثني أبو قلابة. حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، حدثني أبي،
عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر ﴿فَتُواْ حَرْفَكُمْ أَنَّ شِئْتُمْ﴾ قال: في الدبر(٦). وروي من حيث
مالك عن نافع، عن ابن عمر ولا يصح. وروى النسائي عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم،
(١) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن - النكاح - باب في جامع النكاح ح٢١٦٤)، وأخرجه الحاكم وصححه
ووافقه الذهبي (المستدرك ١٩٠/٢)، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح١٨٩٦)، وذكر له
الحافظ ابن كثير شواهد.
(٢) المعجم الكبير ٧٧/١١، وقوله: عرضت المصحف على ابن عباس ... أخرجه الحاكم من طريق ابن
إسحاق به، مصرحاً بالسماع عن أبان (المستدرك ٢٧٩/٢) وسنده حسن.
(٣) صحيح البخاري، تفسير سورة البقرة، باب ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ (ح٤٥٢٦).
(٤) ذكر الحافظ ابن حجر (فتح الباري ١٣٠/٨)، والعيني (عمدة القاري ١١٧/١٨) أن هذا البياض وقع في
جميع نسخ البخاري وإنه وقع في كتاب الجمع بين الصحيحين للحميدي: يأتيها في [الفرج]. وقد اطلعت
على ما قاله الحميدي عن ابن عمر قال: ﴿فَأَتُواْ حَرَكُمْ أَنَّى شِئْتُمٌ﴾ يأتيها فيه؛ يعني في الفرج (الجمع بين
الصحيحين ٢٨٠/٢)، وقالوا: هو من عنده حسب ما فهمه. ولكن ذكر العيني توجيهاً سديداً فذكر أن صنيع
الحميدي نظراً إلى حال البخاري أنه لا يرى خلافه، ولو كان الحميدي علم من حال البخاري أنه يبيح
الإتيان في أدبار النساء لم يقدر هذا بل كان يقدر: يأتيها في أي موضع شاء كما صرح في رواية ابن جرير
في نفس حديث عبد الصمد: يأتيها في دبرها (العمدة ١١٧/١٨).
(٥) صحيح البخاري، تفسير سورة البقرة، باب ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] (ح ٤٥٢٧).
(٦) أخرجه الطبري بسنديهما ومتنهما، وإيراد الحافظ هذه الرواية بعد رواية البخاري. لتأييد ما ذهب إليه
الحميدي والعيني وأن الرواية المخالفة المسنوبة إلى ابن عمر لا تصح كما سيأتي (وانظر للمزيد: فتح
الباري ١٩٠/٨ - ١٩١).

١٥٨
سُورَةُ الََّقَرّة (٢٢٢، ٢٢٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
عن أبي بكر بن أبي أويس، عن سليمان بن بلال، عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر، أن رجلاً
أتى امرأته في دبرها فوجد في نفسه من ذلك وجداً شديداً، فأنزل الله: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأَتُوا
حَتَّكُمْ أَ شِئْمٌ﴾(١) .
قال أبو حاتم الرازي: لو كان هذا عند زيد بن أسلم، عن ابن عمر، لما أولع الناس
بنافع(٢)، وهذا تعليل منه لهذا الحديث. وقد رواه عبد الله بن نافع، عن داود بن قيس، عن
زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عمر ... فذكره(٣).
وهذا الحديث محمول على ما تقدم وهو أنه يأتيها في قبلها من دبرها، لما رواه النسائي عن
علي بن عثمان النفيلي، عن سعيد بن عيسى، عن الفضل بن فضالة، عن عبد الله بن سليمان
الطويل، عن كعب بن علقمة، عن أبي النضر، أنه أخبره أنه قال لنافع مولى ابن عمر: أنه قد
أكثر عليك القول، أنك تقول عن ابن عمر أنه أفتى أن تؤتى النساء في أدبارهن، قال: كذبوا
عليّ، ولكن سأحدثك كيف كان الأمر، إن ابن عمر عرض المصحف يوماً وأنا عنده حتى بلغ
﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأَتُواْ حَرْتَكُمْ أَ شِئْتُمْ﴾ فقال: يا نافع، هل تعلم من أمر هذه الآية؟ قلت: لا،
قال: إنا كنا معشر قريش نجبي النساء، فلما دخلنا المدينة ونكحنا نساء الأنصار أردن منها مثل
ما كنا نريد، فإذا هُنَّ قد كرهن ذلك وأعظمنه، وكانت نساء الأنصار قد أخذن بحال اليهود إنما
يؤتين على جنوبهن، فأنزل الله: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأَنُواْ حَرْفَكُمْ أَ شِئْتُمْ﴾ (٤)، وهذا إسناد صحيح،
وقد رواه ابن مردويه عن الطبراني، عن الحسين بن إسحاق، عن زكريا بن يحيى كاتب العمري،
عن مفضل بن فضالة، عن عبد الله بن عياش، عن كعب بن علقمة ... فذكره، وقد روينا عن ابن
عمر خلاف ذلك صريحاً، وأنه لا يباح ولا يحل كما سيأتي، وإن كان قد نسب هذا القول إلى
طائفة من فقهاء المدينة وغيرهم، وعزاه بعضهم إلى الإمام مالك في كتاب ((السر))، وأكثر الناس
ينكر أن يصحَّ ذلك عن الإمام مالك نَّتُهُ. وقد وردت الأحاديث المروية من طرق متعددة بالزجر
عن فعله وتعاطيه، فقال الحسن بن عرفة: حدثنا إسماعيل بن عياش، عن سهيل بن أبي صالح،
عن محمد بن المنكدر، عن جابر، قال: قال رسول الله وَل9: ((استحيوا إن الله لا يستحي من
الحق، لا يحل أن تأتوا النساء في حشوشهن)) (٥).
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن عبد الله بن شداد، عن خزيمة بن
ثابت، أن رسول الله وَّ نهى أن يأتي الرجل امرأته في دبرها (٦).
طريق أخرى: قال أحمد: حدثنا يعقوب، سمعت أبي يحدث عن يزيد بن عبد الله بن أُسامة بن
(١) أخرجه النسائي بسنده ومتنه ثم قال: خالفه هشام بن سعد فرواه عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار (السنن
الكبرى، عشرة النساء ح ٨٩٣٢).
(٢)(٣) أخرجه ابن أبي حاتم وحكم على الحديث من هذا الطريق بأنه منكر (العلل ٤٠٩/١).
(٤) أخرجه النسائي بسنده ومتنه (السنن الكبرى، عشرة النساء ح٨٩٢٩)، وصحح إسناده الحافظ ابن كثير.
(٥) أخرجه الدارقطني من طريق ابن عرفة به (السنن ٢٨٨/٣ ح ١٦٠)، وفي سنده: سُهيل بن أبي صالح في
حفظه مقال وله شواهد لاحقة.
(٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢١٣/٥)، وله طرق أخرى يصح بها سنده كما سيأتي.

١٥٩
• سُوَرَّةُ الْبَقَة (٢٢٣،٢٢٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
الهاد، أن عبيد الله بن الحصين الوالبي حدثه أن هرمي بن عبد الله الواقفي، حدثه أن خزيمة بن
ثابت الخطمي، حدثه أن رسول الله وَلايقر، قال: ((لا يستحي الله من الحق، لا يستحي من الحق
- ثلاثاً - لا تأتوا النساء في أعجازهن)) (١) رواه النسائي وابن ماجه من طرق عن خزيمة بن ثابت
وفي إسناده اختلاف كثير(٢).
(حديث آخر) قال أبو عيسى الترمذي والنسائي: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد
الأحمر، عن الضحاك بن عثمان، عن مخرمة بن سليمان، عن كريب، عن ابن عباس، قال: قال
رسول الله وَله: ((لا ينظر الله إلى رجل أتى رجلاً أو امرأة في الدبر)) ثم قال الترمذي: هذا
حديث حسن غريب(٣)، وهكذا أخرجه ابن حبان في صحيحه(٤)، وصححه ابن حزم أيضاً(٥)،
ولكن رواه النسائي أيضاً عن هناد، عن وكيع، عن الضحاك به موقوفاً (٦).
وقال عبد(٧): أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن ابن طاوس، عن أبيه، أن رجلاً سأل ابن
عباس عن إتيان المرأة في دبرها، قال: تسألني عن الكفر. إسناده صحيح(٨)، وكذا رواه النسائي من
طريق ابن المبارك عن معمر به نحوه (٩)، [وقال عبد أيضاً في تفسيره: حدثنا إبراهيم بن الحكم، عن
أبيه، عن عكرمة، قال: جاء رجل إلى ابن عباس وقال: كنت آتي أهلي في دبرها، وسمعت
قول الله: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأَتُواْ حَرْتَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ فظننت أن ذلك لي حلال، فقال: يا لكع إنما قوله:
﴿فَأَنُواْ حَرْتَكُمْ أَى شِئْتُمْ﴾ قائمة وقاعدة ومقبلة ومدبرة في أقبالهن لا تعدوا ذلك إلى غيره](١٠) (١١).
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا قتادة، عن عمرو بن شعيب، عن
أبيه، عن جده، أن النبي وَّر، قال: ((الذي يأتي امرأته في دبرها هي اللوطية الصغرى)) (١٢)،
وقال عبد الله بن أحمد: حدثني هدية، حدثنا همام، قال: سُئل قتادة عن الذي يأتي امرأته في
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥١٥/٥)، وأخرجه ابن ماجه من طريق عبد الله بن هرمي به
(السنن، النكاح، باب النهي عن إتيان النساء في أدبارهن ح١٩٢٤)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن
ماجه (ح١٥٦١). وقال الهثيمي: رواه أبو يعلى والطبراني في الكبير والبزار ورجال أبي يعلى رجال
الصحيح خلا يعلى بن يمان (مجمع الزوائد ٢٩٩/٤).
(٢) السنن الكبرى للنسائي ١٩١/٨ ح٨٩٣٣ - ٨٩٣٩، وسنن ابن ماجه في الحديث المذكور سابقاً ومن
الاختلاف في الإسناد قلب اسم هرمي بن عبد الله فسماه حجاج بن أرطأة: عبد الله بن هرمي وهو خطأ
(انظر: السنن الكبرى للبيهقي ١٩٧/٧).
(٣) سنن الترمذي، النكاح (ح١١٦٥)، والسنن الكبرى للنسائي ١٩٧/٨ ح ٨٩٥٢.
(٥) المحلى ٧٠/١٠.
(٤) موارد الظمآن في زوائد ابن حبان (ح ١٣٠٢).
(٦) السنن الكبرى للنسائي ١٩٧/٨ (ح ٨٩٥٣).
(٧) هو ابن حميد صاحب التفسير وما رواه عن عبد الرزاق هو في مصنف عبد الرزاق برقم ٢٠٩٥٣.
(٨) قوله: ((إسناد صحيح)) سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
(٩) السنن الكبرى ١٩٧/٨ (ح٨٩٥٥).
(١٠) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
(١١) يشهد له ما سبق وما لحق.
(١٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٦٩٦٧)، وذكره الهيثمي ونسبه إلى أحمد والبزار والطبراني في
المعجم الأوسط وقال: ورجال أحمد رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٢٩٨/٤).

١٦٠
سُورَةُ البَرَة (٢٢٣،٢٢٢)
دبرها، فقال قتادة: أخبرنا عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي وَّر، قال: ((هي
اللوطية الصغرى))(١).
قال قتادة: وحدثني عقبة بن وساج عن أبي الدرداء قال: وهل يفعل ذلك إلا كافر(٢)؟ وقد
روي هذا الحديث عن يحيى بن سعيد القطان، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي
أيوب، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قوله، وهذا أصح، والله أعلم. وكذلك رواه عبد بن
حميد، عن يزيد بن هارون، عن حميد الأعرج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن
عمرو موقوفاً من قوله(٣).
(طريق أخرى): قال جعفر الفريابي: عن قُتيبة، حدثنا ابن لهيعة، عن عبد الرحمن بن زياد بن
أنعم، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله وَّه: ((سبعة لا
ينظر الله إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ويقول: ادخلوا النار مع الداخلين: الفاعل والمفعول
به، والناكح يده، وناكح البهيمة، وناكح المرأة في دبرها، وجامع بين المرأة وابنتها، والزاني
بحليلة جاره، ومؤذي جاره حتى يلعنه)) ابن لهيعة وشيخه ضعيفان (٤).
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا سفيان، عن عاصم، عن عيسى بن
حطان، عن مسلم بن سلام، عن علي بن طلق، قال: نهى رسول الله وسل ◌ّ أن تؤتى النساء في
أدبارهن، فإن الله لا يستحي من الحق(٥). وأخرجه أحمد أيضاً عن أبي معاوية (٦)؛ وأبو عيسى
الترمذي من طريق أبي معاوية أيضاً، عن عاصم الأحول به، وفيه زيادة، وقال: هو حديث
حسن (٧)، ومن الناس من يورد هذا الحديث في مسند علي بن أبي طالب كما وقع في مسند
الإمام أحمد بن حنبل(٨)، والصحيح أنه علي بن طلق.
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن سهيل بن أبي صالح،
عن الحارث بن مخلد، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَس﴿، قال: ((إن الذي يأتي امرأته في
دبرها لا ينظر الله إليه))(٩). و[قال أحمد أيضاً](١٠): حدثنا عفان، حدثنا وهيب، حدثنا سهيل عن
الحارث بن مخلد، عن أبي هريرة يرفع، قال: ((لا ينظر الله إلى رجل جامع امرأته في
(١) المسند (ح٢٧٠٦)، وأخرجه النسائي من طريق همام به (السنن الكبرى ح٨٩٤٨).
(٢) أخرجه معمر عن قتادة به (الجامع رقم ٢٠٩٥٧)، وقتادة لم يدرك أبا الدرداء.
(٣) ينظر طرقه في: السنن الكبرى (١٩٥/٨ ح ٨٩٤٧ - ٨٩٥١).
(٤) العلة في عبد الرحمن بن زياد وليست في ابن لهيعة لأن رواية قتيبة عنه مستقيمة.
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٦٨/٣٩ ح ٣٤/٠٠٠)، وقال محققوه: صحيح لغيره. وهو كما
قالوا: لأن مسلم بن سلام فيه مقال ويتقوى بالشواهد السابقة واللاحقة.
(٧) سنن الترمذي (ح ١١٦٤).
(٦) المسند (٤٧٠/٣٩ ح ٣٣/٠٠٠).
(٨) ينظر: المسند (ح ٦٥٥)، في مسند علي بن أبي طالب.
(٩) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٢٧٢)، وأخرجه النسائي من طريق عبد الرزاق به (السنن
الكبرى ٢٠١/٨ ح٨٩٦٥)، وأخرجه أبو داود من طريق سفيان عن سهيل به (السنن، النكاح، باب في
جامع النكاح ح٢١٦٢)، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح١٨٩٥).
(١٠) سقط في الأصل، أو لم يُذكر اختصاراً.