Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
• سُورَّةُ الْبَقَةِ (١٧٧)
وروي عن الضحاك ومقاتل نحو ذلك(١).
وقال أبو العالية: كانت اليهود تقبل قبل المغرب، وكانت النصارى تقبل قبل المشرق، فقال الله
تعالى: ﴿لَّيْسَ الِبِّ أَنْ تُوَلُواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِدِ﴾ يقول: هذا كلام الإيمان [وحقيقة](٢)
العمل.
وروي عن الحسن والربيع بن أنس مثله(٣).
وقال مجاهد: ولكن البر ما ثبت في القلوب من طاعة الله ملك (٤).
وقال الضحاك: ولكن البر والتقوى أن تؤدوا الفرائض على وجوهها(٥).
وقال الثوري: ﴿وَلَكِنَّ الْبِّ مَنْ ءَامَنَ بِالَّهِ﴾ الآية، قال: هذه أنواع البر كلّها(٦).
وصدق تَخْذَلُهُ، فإن من اتصف بهذه الآية، فقد دخل في عرى الإسلام كلها، وأخذ بمجامع الخير
كله، وهو الإيمان بالله وأنه لا إله إلا هو، وصدق بوجود الملائكة الذين هم سفرة بين الله ورسله.
﴿وَالْكِنَبِ﴾ وهو اسم جنس يشمل الكتب المنزلة من السماء على الأنبياء، حتى ختمت
بأشرفها وهو القرآن المهيمن على ما قبله من الكتب الذي انتهى إليه كل خير، واشتمل على كل
سعادة في الدنيا والآخرة ونسخ به كل ما سواه من الكتب قبله، وآمن بأنبياء الله كلهم من أولهم
إلى خاتمهم محمد صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين.
وقوله: ﴿وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى حُّبِّهِ﴾ أي: أخرجه وهو محب له راغب فيه، نصَّ على ذلك ابن
مسعود وسعيد بن جبير وغيرهما من السلف والخلف، كما ثبت في الصحيحين من حديث أبي
هريرة مرفوعاً: ((أفضل الصدقة أن تصدق وأنت صحيح شحيح، تأمل الغنى وتخشى الفقر))(٧).
وقد روى الحاكم في مستدركه من حديث شعبة والثوري عن منصور، عن زبيد، عن مرة، عن
ابن مسعود قال: قال رسول الله وَله: ((﴿وَءَاتَ الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ أن تعطيه وأنت صحيح شحيح،
تأمل العيش وتخشى الفقر)) ثم قال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه(٨).
(قلت): وقد رواه وكيع عن الأعمش، وسفيان عن زبيد، عن مرة، عن ابن مسعود موقوفاً (٩)،
وهو أصح، والله أعلم.
(١) قول الضحاك ومقاتل هو ابن حيان ذكرهما ابن أبي حاتم وقول الضحاك، أخرجه الطبري بسند حسن من
طريق عبيد بن سليمان عنه.
(٢) في الأصل: ((وحقيقته)) والتصويب من (ح) ورواية ابن أبي حاتم فقد أخرجه بسند جيد من طريق الربيع بن
أنس عن أبي العالية.
(٣) وهو رواية الربيع عن أبي العالية كما تقدم.
(٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق رجل مبهم عن الضحاك وسنده ضعيف ويشهد له ما تقدم.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي عمر العدني عنه.
(٧) صحيح البخاري، الزكاة، باب فضل صدقة الشحيح (ح١٤١٩)، وصحيح مسلم، الزكاة، (٣١ ح ١٠٣٢).
(٨) المستدرك ٢٧٢/٢.
(٩) أخرجه ابن أبي حاتم عن عمرو بن عبد الله الأودي والأحمسي، عن وكيع به.

٤٢
• سُورَةُ الْبََّقَةُ (١٧٧)
000000000000000000000000 000 000000 000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0
وقال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ اُلّعَامَ عَلَى حُبِّهِ، مِسْكِيْنًا وَيَتِمًا وَأَسِيرًا ﴿ إِنَّا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اَللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُرْ جَآءُ
وَلَا شَكُورًا ﴾﴾ [الإنسان].
[وقال تعالى: ﴿لَنْ ثَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]](١)، وقوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى
أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ ◌ِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] نمط آخر أرفع من هذا، وهو أنهم آثروا بما هم
مضطرون إليه وهؤلاء أعطوا وأطعموا ما هم محبون له.
وقوله: ﴿ذَوِى الْقُرْبَ﴾ وهم قرابات الرجل وهم أولى من أعطي من الصدقة كما ثبت في
الحديث: ((الصدقة على المساكين صدقة، وعلى ذي الرحم اثنتان: صدقة وصلة، فهم أولى
الناس بك وببرك وإعطائك)»(٢)، وقد أمر الله تعالى بالإحسان إليهم في غير موضع من كتابه
العزيز.
﴿وَالْيَتَمَى﴾ هم الذين لا كاسب لهم، وقد مات آباؤهم وهم ضعفاء صغار دون البلوغ والقدرة
على التكسب.
وقد قال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن جويبر، عن الضحاك عن [النزال](٣) بن سبرة، عن
علي، عن رسول الله وَّر قال: ((لا يُتم بعد حلم)) (٤).
﴿وَالْمَسَكِينَ﴾ وهم الذين لا يجدون ما يكفيهم في قوتهم وكسوتهم وسكناهم، فيعطون ما تسد
به حاجتهم وخلتهم.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله وَ ليه، قال: ((ليس المسكين [بهذا الطواف الذي
ترده التمرة والتمرتان واللقمة واللقمتان، ولكن المسكين](6) الذي لا يجد غنى يغنيه ولا يفطن له
فیتصدق علیه))(٦) .
﴿وَأَبْنَ السَّبِيلِ﴾ وهو المسافر المجتاز الذي قد فرغت نفقته فيعطَى ما يوصله إلى بلده، وكذا
الذي يريد سفراً في طاعة فيعطى ما يكفيه في ذهابه وإيابه، ويدخل في ذلك الضيف، كما قال
علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أنه قال: ابن السبيل هو الضيف الذي ينزل بالمسلمين(٧)، وكذا
قال مجاهد وسعيد بن جبير وأبو جعفر الباقر والحسن وقتادة والضحاك والزهري والربيع بن أنس
(١) ما بين معقوفين زيادة من (ح) و(عف) و(حم).
(٢) أخرجه الترمذي من حديث سلمان بن عامر وحسن، والسنن، الزكاة (ح٦٥٨)، وابن حبان في الإحسان ٨/
١٣٢، (ح ٣٣٤٤)، وابن خزيمة في صحيحه ٢٧٨/٣ (ح ٢٠٦٧)، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي
(المستدرك ٤٠٧/١)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي.
(٣) في الأصل: ((المنهال)) والتصويب من (ح) و(حم) و(عف).
(٤) سنده ضعيف بسبب جويبر، أخرجه ابن أبي حاتم عن الحسن بن أبي الربيع، عن عبد الرزاق به، وأخرجه
أبو داود من طريق آخر (السنن، الوصايا، باب ما جاء متى ينقطع اليتم ١١٥/٣ ح ٢٨٧٣)، وصححه
الألباني بالشواهد والمتابعات في صحيح الجامع الصغير ٦١٣/٦، وإرواء الغليل ٧٩/٥ - ٨٣.
(٥) ما بين معقوفين سقط واستدرك من نسخة (ح) و(حم) و(عف) ورواية الصحيحين.
(٦) أخرجه البخاري، الصحيح، الزكاة، باب قوله تعالى: ﴿لَا يَسْلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣]
(ح١٤٧٦)، وصحيح مسلم، الزكاة، باب المسكين الذي لا يجد غنى (ح١٠٣٩).
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم وسنده ثابت.

٤٣
• سُورَةُ الْبَوَّةِ (١٧٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
ومقاتل بن حيان(١).
﴿وَالسَّآئِينَ﴾ وهم الذين يتعرضون للطلب فيعطون من الزكوات والصدقات، كما قال الإمام
أحمد: حدثنا وكيع وعبد الرحمن قالا: حدثنا سفيان عن مصعب بن محمد، عن يعلى بن أبي
يحيى، عن فاطمة بنت الحسين(٢)، عن أبيها - قال عبد الرحمن: حسين بن علي - قال: قال
رسول الله وَل: (للسائل حق وإن جاء على فرس))(٣) رواه أبو داود (٤).
﴿وَفِ الْرِقَابِ﴾ وهم المكاتبون الذين لا يجدون ما يؤدونه في كتابتهم، وسيأتي الكلام على
كثير من هذه الأصناف في آية الصدقات من براءة - إن شاء الله تعالى.
وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن عبد الحميد، حدثنا شريك، عن أبي
حمزة، عن الشعبي، حدثتني فاطمة بنت قيس، أنها سألت رسول الله ويثير: أفي المال حق سوى
الزكاة؟ قالت: فتلا عليّ: ﴿وَءَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ،﴾(٥)، ورواه ابن مردويه من حديث آدم بن أبي
إياس ويحيى بن عبد الحميد كلاهما عن شريك، عن أبي حمزة، عن الشعبي، عن فاطمة بنت
قيس، قالت: قال رسول الله وَّ: ((في المال حق سوى الزكاة)) ثم قرأ: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُواْ وُجُوهَكُمْ
قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ - إلى قوله : - ﴿وَفِ اٌلِقَابِ﴾ [وأخرجه ابن ماجه(٦) والترمذي(٧)، وضعف
أبا حمزة ميموناً الأعور، قال: وقد رواه بيان وإسماعيل بن سالم عن الشعبي](٨)، وقوله:
﴿وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ وَءَاتَى الزَّكَوَةَ﴾ أي: وأتمّ أفعال الصلاة في أوقاتها بركوعها وسجودها وطمأنينتها
وخشوعها على الوجه الشرعي المرضي.
وقوله: ﴿وَءَاتَ الزَّكَوَةَ﴾(٩) يحتمل أن يكون المراد به: زكاة النفس وتخليصها من الأخلاق
1)﴾ [الشمس]، وقول موسى
وَقَدْ خَابَ مَن دَسَنهَا
الدنيئة(١٠) الرذيلة كقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَگَنْهَا
لفرعون: ﴿فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَنْ تَرَّكَ ﴿ وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَيْكَ فَخْشَى (٣)﴾ [النازعات]، وقوله تعالى: ﴿وَوَيٌّ
لِلْمُشْرِكِينَ ﴾ الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ﴾ [فصلت].
ويحتمل أن يكون المراد زكاة المال(١١)، كما قاله سعيد بن جبير(١٢) ومقاتل بن حيان(١٣)،
ويكون المذكور من إعطاء هذه الجهات والأصناف المذكورين، إنما هو التطوع والبر والصلة،
(٢) في الأصل: ((حسين)).
(١) ذكرهم جميعهم ابن أبي حاتم.
(٣) أخرجه أحمد عن وكيع وعبد الرحمن به، (المسند ح٨١٧٢)، وصححه محققه أحمد شاكر، وقال العراقي:
إسناد جيد (انظر: القول المسدد ص٦٥).
(٤) السنن، الزكاة، باب حق السائل (ح ١٦٦٥).
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وفي إسناده أبو حمزة وهو ميمون الأعور: ضعيف (التقريب ص٥٥٦).
(٦) السنن، الزكاة، باب ما أدى زكاته فليس بكنز (ح١٧٨٩).
(٧) السنن، الزكاة، باب ما جاء أن في المال حقاً سوى الزكاة (ح٦٥٩).
(٨) ما بين معقوفين زيادة من (ح) و(حم).
(٩) في الأصل: ((وآتى المال الزكاة)).
(١٠) كذا في الأصل و(حم) وفي نسخة (ح): ((الذميمة)) وكلاهما صحيح.
(١١) كذا في الأصل و(عف) و(حم)، وفي نسخة (ح): ((الملك)).
(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عطاء بن دينار عنه.
(١٣) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره.

٤٤
سُورَةُ الْبَقَّة (١٧٨، ١٧٩)
0000000000000000000000000000000000000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 000 000 000
ولهذا تقدم في الحديث عن فاطمة بنت قيس: إن في المال حقاً سوى الزكاة، والله أعلم.
وقوله: ﴿وَالْمُوقُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَهَدُواْ﴾، كقوله: ﴿الَّذِينَ يُفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنَقُضُونَ الْمِثَقَ
[الرعد]، وعكس هذه الصفة النفاق كما صح في الحديث: ((آية المنافق [ثلاث](١): إذا حدث
كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان))(٢). وفي الحديث الآخر: ((وإذا حدث كذب، وإذا
عاهد غدر، وإذا خاصم فجر))(٣) .
وقوله: ﴿وَالصَّبِينَ فِى الْبَأْسَآءِ وَالضَّرَّهِ وَحِينَ أَلْبَأْسِنُ﴾ أي: في حال الفقر وهو البأساء، وفي حال
المرض والأسقام: وهو الضراء.
﴿وَحِينَ الْبَأْسِرُ﴾ أي: في حال القتال والتقاء الأعداء، قاله ابن مسعود وابن عباس وأبو العالية
ومرة الهمداني ومجاهد وسعيد بن جبير والحسن وقتادة والربيع بن أنس والسدي ومقاتل بن حيان
وأبو مالك والضحاك(٤) وغيرهم، وإنما نصب ﴿اُلصَّبِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣] على المدح والحث على
الصبر في هذه الأحوال لشدته وصعوبته، والله أعلم، وهو المستعان وعليه التكلان.
وقوله: ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ﴾ أي: هؤلاء الذين اتصفوا بهذه الأوصاف(٥) هم الذين صدقوا
في إيمانهم، لأنهم حققوا الإيمان القلبي بالأقوال والأفعال، فهؤلاء هم الذين صدقوا ﴿ وَأُوْلَكَ
هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ لأنهم اتقوا المحارم وفعلوا الطاعات.
- ﴿بَّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِ الْقَبْلِّ الْحُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنَ بِآلْأُنَّ فَمَنْ
عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ فَانِبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءُ إِلَيْهِ بِإِحْسَنَّ ذَلِكَ تَّخْفِيفٌ مِّن رَّيِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ أَعْتَدَى بَعْدَ
ذَلِكَ فَلَمُ عَذَابٌ أَلِمٌ (﴿ وَلَكُمْ فِى الْقِصَاصِ حَيَوَةٌ يَأُوْلِ الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَنَّقُونَ (9)﴾.
يقول تعالى: كتب عليكم العدل في القصاص أيها المؤمنون، فاقتلوا حركم بحركم، وعبدكم
بعبدكم، وأنثاكم بأنثاكم، ولا تتجاوزوا وتعتدوا كما اعتدى من قبلكم وغيروا حكم الله فيهم،
وسبب ذلك قريظة والنضير، كانت بنو النضير قد غزت قريظة في الجاهلية وقهروهم، فكان إذا
قتل النضري(٦) القرظي لا يقتل به، بل يفادى بمائة وسق من التمر، وإذا قتل القرظي النضري(٧)
قتل، وإن فادوه فدوه بمائتي وسق من التمر ضعف دية قريظة، فأمر الله بالعدل في القصاص،
ولا يتبع سبيل [المفسدين المجرمين المخالفين](٨) لأحكام الله فيهم كفراً وبغياً(٩)، فقال تعالى:
(١) لفظ ثلاث سقط من الأصل.
(٢) متفق عليه. أخرجه البخاري في صحيحه، الإيمان، باب علامة المنافق (ح٣٣)، وأخرجه مسلم في
صحيحه، الإيمان (ح١٠٧).
(٣) أخرجه مسلم في الصحيح، الإيمان (ح١٠٦).
(٤) ذكرهم جميعاً ابن أبي حاتم وقول ابن مسعود، أخرجه بسند حسن.
(٥) كذا في الأصل: وفي نسخة (ح) و(عف) بلفظ: ((الصفات)).
(٦) كذا في الأصل: و(عف)، وفي نسخة (ح) و(حم): النضيري.
(٧) انظر: التعليق السابق.
(٨) في الأصل: ((المحرفين المخالفين)) والزيادة والتصويب من (ح) و(عف) و(حم).
(٩) كذا في الأصل و(عف) و(حم)، وفي نسخة (ح): ((لهواً ولعبا)).

٤٥
سُورَةُ الَقَّة (١٧٨، ١٧٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ اُلْقِصَاصُ فِ الْقَتْلِّ الُّْ بِالْحُرِ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَ بِآلْأُنَّ﴾ وذكر في [سبب](١) نزولها ما رواه
الإمام [أبو](٢) محمد بن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، حدثني
عبد الله بن لهيعة، حدثني عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير في قول الله تعالى: ﴿يَّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِ الْقَلْلِّ﴾، يعني: إذا كان عمداً الحر بالحر، وذلك أن حيين من العرب اقتتلوا
في الجاهلية قبل الإسلام بقليل، فكان بينهم قتل وجراحات [حتى](٣) قتلوا العبيد والنساء، فلم
يأخذ بعضهم من بعض حتى أسلموا، فكان أحد الحيين يتطاول على الآخر في العدة والأموال،
فحلفوا أن لا يرضوا حتى يقتل بالعبد منّا الحر منهم، والمرأة منّا الرجل منهم، فنزل فيهم: ﴿الخُرُّ
يَأْخُرِ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَى بِآلْأُنْىَ﴾ منها منسوخة نسختها ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾(٤) [المائدة: ٤٥].
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَالْأُنْثَى بِآلْأُنثَنَّ﴾ وذلك أنهم كانوا لا
يقتلون الرجل بالمرأة، ولكن يقتلون الرجل بالرجل والمرأة بالمرأة، فأنزل الله: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ
وَاَلْعَيْنَ بِاَلْعَيْنِ﴾ [المائدة: ٤٥]، فجعل الأحرار في القصاص والعبيد سواء فيما بينهم من العمد
رجالهم ونساؤهم في النفس وفيما دون النفس، وجعل العبيد مستويين فيما بينهم من العمد في
النفس وفيما دون النفس رجالهم ونساؤهم(٥).
وكذلك روي عن أبي مالك أنها منسوخة بقوله: النفس بالنفس (٦).
[مسألة: مذهب أبي حنيفة إلى أن الحر يقتل بالعبد لعموم آية المائدة، وإليه ذهب الثوري وابن
أبي ليلى وداود، وهو مروي عن علي وابن مسعود وسعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي وقتادة
والحكم، قال البخاري وعلي بن المديني وإبراهيم النخعي والثوري في رواية عنه: ويقتل السيد
بعبده، لعموم حديث الحسن عن سمرة: ((ومن قتل عبده قتلناه، ومن جدع عبده جدعناه، ومن
خصاه خصيناه)). وخالفهم الجمهور وقالوا: لا يقتل الحر بالعبد، لأن العبد سلعة لو قتل خطأ لم
يجب فيه دية، وإنما تجب فيه قيمته ولأنه لا يقاد بطرفه ففي النفس الأولى، وقد حكى أبو ثور
الإجماع على أنه لا يقاد الحر بطرف العبد، وقد خرق هذا الإجماع أبو داود الظاهري
لقوله عليّله: ((المسلمون تتكافأ دماؤهم)). وذهب الجمهور إلى أن المسلم لا يقتل بالكافر، كما
ثبت في البخاري عن علي، قال: قال رسول الله (وَليقول: (ولا يقتل مسلم بكافر)). ولا يصح حديث
ولا تأويل يخالف هذا، وأما أبو حنيفة فذهب إلى أنه يقتل به لعموم آية المائدة.
مسألة: قال الحسن وعطاء: لا يقتل الرجل بالمرأة لهذه الآية، وخالفهم الجمهور لآية المائدة
ولقوله علَّه: ((المسلمون تتكافأ دماؤهم)). وقال الليث: إذا قتل الرجل امرأته لا يُقتل بها خاصة.
مسألة: ومذهب الأئمة الأربعة والجمهور أن الجماعة يقتلون(٧) بالواحد، قال عمر في غلام
قتله سبعة فقتلهم، وقال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم ولا يعرف له في زمانه مخالف من
(١) لفظ: ((سبب)) سقط من الأصل.
(٢) لفظ: ((أبو)) سقط من الأصل.
(٣) في الأصل: قد والتصويب من (ح) و(عف) و(حم) ورواية ابن أبي حاتم.
(٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم وسنده مرسل.
(٥) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم وسنده ثابت.
(٦) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق السدي عنه. (٧) سقط من (ح).

٤٦
• سُوَدَّةُ الَّذَّة (١٧٨، ١٧٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
الصحابة، وذلك كالإجماع، وحكي عن الإمام أحمد رواية: أن الجماعة لا يقتلون بالواحد، ولا
تقتل بالنفس إلا نفس واحدة، وحكاه ابن المنذر عن معاذ وابن الزبير وعبد الملك بن مروان
والزهري ومحمد بن سيرين وحبيب بن أبي ثابت، ثم قال ابن المنذر: وهذا أصح، ولا حجة
لمن أباح قتل الجماعة بواحد، وقد ثبت عن ابن الزبير ما ذكرناه، وإذا اختلف الصحابة فسبيله
النظر](١).
وقوله: ﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِهِ شَىْءٌ فَانْبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءُ إِلَيْهِ بِإِحْسَنٍ﴾ فالعفو أن يقبل الدية في
العمد. قال مجاهد عن ابن عباس: ﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِهِ شَىْءٌ فَنِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَدَاءُ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾،
فالعفو أن يقبل الدية في العمد (٢)، وكذا روي عن أبي العالية وأبي الشعثاء ومجاهد وسعيد بن جبير
وعطاء والحسن وقتادة مقاتل بن حيان (٣). وقال الضحاك عن ابن عباس: ﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِهِ
شَىْءٌ﴾ يقول: فمن ترك له من أخيه [شيء] (٤) يعني: أخذ الدية بعد استحقاق الدم، وذلك العفو(٥).
﴿فَنِبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [يقول: فعلى الطالب اتباع بالمعروف] (٦) إذا قبل الدية.
﴿وَأَدَاءُ إِلَيْهِ بِإِحْسَنٍ﴾ يعني: من القاتل من غير ضرر ولا معك يعني المدافعة، وروى الحاكم
من حديث سفيان عن عمرو، عن مجاهد، عن ابن عباس: ويؤدي المطلوب بإحسان(٧). وكذا
قال سعيد بن جبير وأبو الشعثاء جابر بن زيد والحسن وقتادة وعطاء الخراساني والربيع بن أنس
والسدي ومقاتل بن حيان(٨).
مسألة: قال مالك تَخُّْ في رواية ابن القاسم عنه وهو المشهور، وأبو حنيفة وأصحابه،
والشافعي في أحد قوليه: ليس لولي الدم أن يعفو على الدية إلا برضا القاتل. وقال الباقون: له
أن يعفو عليها وإن لم يرض.
وذهب طائفة من السلف إلى أنه للنساء عفو، منهم: الحسن وقتادة والزهري وابن شبرمة
والليث والأوزاعي، وخالفهم الباقون](٩).
وقوله: ﴿ذَلِكَ تَّخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾. يقول تعالى: إنما شرع لكم أخذ الدية في العمد
تخفيفاً من الله عليكم ورحمة بكم مما كان محتوماً على الأمم قبلكم من القتل أو العفو، كما قال
سعيد بن منصور: حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، أخبرني مجاهد، عن ابن عباس قال: كتب
على بني إسرائيل القصاص في القتلى، ولم يكن فيهم العفو، فقال الله لهذه الأمة: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ
اَلْقِصَاصُ فِ الْقَتْلِى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَاَلْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِآلْأُنْقَّ فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِ شَىْءٌ﴾ فالعفو أن يقبل الدية
في العمد(١٠) ذلك تحقيق مما كتب على من كان قبلكم ﴿فَنِبَاعٌ بِلْمَعْرُوفِ وَأَدَاءُ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ وقد
(١) ما بين معقوفين زيادة من (ح) و(حم).
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح، من طريق عمرو بن دينار، عن مجاهد به.
(٤) الزيادة من (ح) و(حم).
(٣) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف السند.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم وإسناده منقطع لأن الضحاك لم يدرك ابن عباس ويشهد له ما تقدم من الآثار.
(٧) وسنده صحيح.
(٦) الزيادة من (ح) و(عف) و(حم).
(٨) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف السند.
(٩) ما بين معقوفين زيادة من (ح) و(حم).
(١٠) أخرجه أبي حاتم عن يونس بن عبد الأعلى، عن سفيان بن به، وسنده صحيح.

٤٧
سُورَةُ الَقَة (١٧٨، ١٧٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
رواه غير واحد عن عمرو، وأخرجه ابن حبان في صحيحه عن عمرو بن دينار به (١). [وقد رواه
البخاري والنسائي عن ابن عباس](٢) ورواه جماعة عن مجاهد، عن ابن عباس بنحوه.
وقال قتادة: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ رحم الله هذه الأُمة وأطعمهم الدية ولم تحل لأحد قبلهم
فكان أهل التوراة إنما هو القصاص وعفو ليس بينهم أرش وكان أهل الإنجيل إنما هو عفو أمروا
به، وجعل لهذه الأمة القصاص والعفو والأرش(٣).
وهكذا روي عن سعيد بن جبير ومقاتل بن حيان والربيع بن أنس نحو هذا(٤).
وقوله: ﴿فَمَنِ أَعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. يقول تعالى: فمن قَتلَ بعد أخذ الدية أو
قبولها، فله عذاب من الله أليم موجع شديد، وهكذا روي عن ابن عباس ومجاهد وعطاء وعكرمة
والحسن وقتادة والربيع بن أنس والسدي ومقاتل بن حيان أنه هو الذي يَقتِل بعد أخذ الدية(٥).
كما قال محمد بن إسحاق عن الحارث بن فضيل، عن سفيان بن أبي العوجاء، عن أبي شريح
الخزاعي، أن النبي وَ لّ قال: ((من أُصيب بقتل أو خبل فإنه يختار إحدى ثلاث: إما أن يقتص،
وإما أن يعفو، وإما أن يأخذ الدية، فإن أراد الرابعة، فخذوا على يديه، ومن اعتدى بعد ذلك فله
نار جهنم خالداً فيها)) رواه أحمد(٦). وقال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن
سمرة قال: قال رسول الله وسلم: ((لا أعافي رجلاً قتل بعد أخذ الدية))(٧) يعني: لا أقبل منه
الدية، بل أقتله.
وقوله: ﴿وَلَكُمْ فِى الْقِصَاصِ [حَيَوَةٌ] (٨)﴾. يقول تعالى: وفي شرع القصاص لكم، وهو قتل القاتل
حكمة عظيمة لكم وهي بقاء المهج وصونها، لأنه إذا علم القاتل أنه يقتل انكف عن صنيعه،
فكان في ذلك حياة للنفوس، وفي الكتب المتقدمة: القتل أنفى للقتل فجاءت هذه العبارة في
القرآن أفصح وأبلغ وأوجز ﴿وَلَكُمْ فِى الْقِصَاصِ حَيَوَةٌ﴾ .
قال أبو العالية: جعل الله القصاص حياة، كم من رجل يريد أن يقاتل فتمنعه مخافة أن يقتل(٩).
(١) الإحسان في تقريب، صحيح ابن حبان ٧/ ٦٠١.
(٢) ما بين معقوفين زيادة من (ح) وهو كما قال فقد أخرجه البخاري عن الحميدي، عن سفيان، عن عمرو بن
دينار به، (الصحيح، تفسير سورة البقرة ح٤٤٩٨).
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه.
(٤) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف السند.
(٥) وردت عنهم أسانيد ثابتة في تفسيري الطبري وابن أبي حاتم، إلا قول مقاتل بن حيان ذكره ابن أبي حاتم
بدون سند.
(٦) أخرجه الإمام أحمد من طريق ابن إسحاق به (المسند ٣١/٤ ح ١٦٤٢٧)، وأخرجه أبو داود (السنن،
الدباب، باب الإمام يأمر بالعفو في الدم ح٤٤٩٦)، وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق ابن إسحاق به، وفيه
علتان: ابن إسحاق لم يصرح بالسماع وسفيان بن أبي العوجاء، ضعيف كما في التقريب.
(٧) أخرجه البيهقي عن الحسن مرسلاً (السنن الكبرى ٥٤/٨)، وأما المرفوع ففيه الحسن لم يسمع من سمرة،
(المراسيل لابن إبي حاتم ص٣٣).
(٨) الزيادة من (ح).
(٩) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد، من طريق الربيع بن أنس عنه.

٤٨
• سُوَرَّةُ الْبَقَرَّة (١٨٠، ١٨٢)
وكذا روي عن مجاهد وسعيد بن جبير وأبي مالك والحسن وقتادة والربيع بن أنس ومقاتل بن
حيان(١) .
[مسألة: ذهب مالك وأبو حنيفة والأوزاعي والليث وحماد بن أبي سليمان إلى أنه إذا قتل
الرجل أو المرأة، وله أولاد كبار وصغار أن للكبار أن يقتلوا القاتل ولا يُنتظر بلوغ الصغار، لأن
الحسن بن علي قتل عبد الرحمن بن ملجم ولم ينتظر بلوغ أولاد علي الصغار، وقال الشافعي
وأحمد في المشهور عنه، وطائفة من العلماء: بل ينتظر بلوغ الصغار لأن لهم حقاً وربما عفى
بعضهم، وقد قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ ... ﴾ الآية.
مسألة: إذا عفي ولي الدم عن القصاص والدية أطلق القاتل في مذهب الشافعي وأحمد
والجمهور. وقال مالك والليث والأوزاعي: بل يضرب مائة ويحبس سنة. وقال أبو ثور: إن كان
مشهوراً بالشر أدبه الإمام بحبسه، وقد استحسن قول أبي ثور القرطبي في تفسيره(٢).
﴿يَأُوْلِ الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ يقول: يا أولي العقول والأفهام والنهى، لعلكم تنزجرون (٣)
وتتركون محارم الله ومآثمه، والتقوى اسم جامع لفعل الطاعات وترك المنكرات.
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًّا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِّ
حَقًّا عَلَى الْمُنَّقِينَ ﴿٨ فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَآَ إِثْمُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ؟ إِنَّ الَّهَ سَمِيعُ عَلِيمٌ ﴿ فَمَنْ خَافَ
مِن ◌ُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمَا فَأَصْلَحَ بَيْهُمْ فَلَّ إِثْمَ عَلَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (َ﴾.
اشتملت هذه الآية الكريمة على الأمر بالوصية للوالدين والأقربين، وقد كان ذلك واجباً على
أصح القولين قبل نزول آية المواريث، فلما نزلت آية الفرائض(٤) نسخت هذه، وصارت المواريث
المقدرة فريضة من الله يأخذها أهلوها حتماً من غير وصية ولا تحمل منة الموصي، ولهذا جاء
في الحديث الذي في السنن وغيرها عن عمرو بن خارجة قال: سمعت رسول الله وَلا يخطب
وهو يقول: ((إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث))(٥).
وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن علية، عن يونس بن عبيد، عن محمد بن
سيرين، قال: جلس ابن عباس فقرأ سورة البقرة حتى أتى هذه الآية: ﴿إِن تَرَكَ خَيْرًّا الْوَصِيَّةُ
لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ فقال: نسخت هذه الآية (٦). وكذا رواه سعيد بن منصور، عن هشيم، عن
(١) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم، وقول مجاهد، أخرجه الطبري بسند صحيح.
(٢) ما بين معقوفين زيادة من (ح) و(حم).
(٣) في الأصل: ((تبرحون)) والتصويب من (عف) و(ح) و(حم).
(٤) كذا في الأصل و(حم) وفي (عف) و(ح): ((الميراث)) وكلاهما صحيح.
(٥) أخرجه الإمام أحمد (المسند ٦٢٣/٢٩ ح١٨٠٨٣)، وقال محققوه: صحيح لغيره، وأخرجه الترمذي
(السنن، الوصايا، باب ما جاء لا وصية لوارث ح٢٢١٩)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي
(ح ١٧٢٢).
(٦) لم أجده في المسند، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢٧٣/٢)، ويشهد له ما سيأتي
من الروايات.

٤٩
• سُؤَدَّةُ الْبََّقَة (١٨٠، ١٨٢)
يونس به، ورواه الحاكم في مستدركه، وقال: صحيح على شرطهما .
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿ اَلْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَاَلْأَقْرَبِينَ﴾ قال: كان لا
يرث مع الوالدين غيرهما إلا وصية للأقربين، فأنزل الله آية الميراث(١)، فبيّن ميراث الوالدين
وأقرّ وصية الأقربين في ثلث مال الميت(٢).
وقال ابن أبي حاتم(٣): حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا حجاج بن محمد، أخبرنا
ابن جريج وعثمان بن عطاء عن عطاء، عن ابن عباس في قوله: ﴿اَلْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَاَلْأَقْرَبِينَ﴾:
نسختها هذه الآية: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَا تَكَ أْوَلِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنَّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَا تَرَكَ الْوَلِدَانِ وَالْأَقْبُنْ
مِنَا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَّ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا ﴾﴾ [النساء] ثم قال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن عمر وأبي
موسى وسعيد بن [المسيب] (٤) والحسن ومجاهد وعطاء وسعيد بن جبير ومحمد بن سيرين
وعكرمة وزيد بن أسلم والربيع بن أنس وقتادة والسدي ومقاتل بن حيان وطاوس وإبراهيم النخعي
وشريح والضحاك والزهري: أن هذه الآية منسوخة، نسختها آية الميراث(٥).
والعجب من أبي عبد الله محمد بن عمر بن الرازي تَخْتُ، كيف حكى في تفسيره الكبير عن
أبي مسلم الأصفهاني(٦) أن هذه الآية غير منسوخة وإنما هي مفسرة بآية المواريث، ومعناه: كتب
عليكم ما أوصى الله به من توريث الوالدين والأقربين من قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِيَّ أَوْلَدِكُمْ﴾
[النساء: ١١] قال: وهو أكثر المفسرين والمعتبرين من الفقهاء، قال: ومنهم من قال: إنها منسوخة
فيمن يرث ثابتة فيمن لا يرث، وهو مذهب ابن عباس والحسن ومسروق وطاوس والضحاك
ومسلم بن يسار والعلاء بن زياد(٧) .
(قلت): وبه قال أيضاً سعيد بن جبير والربيع بن أنس وقتادة ومقاتل بن حيان، ولكن على
قول هؤلاء لا يسمى هذا نسخاً في اصطلاحنا المتأخر، لأن آية الميراث إنما رفعت حكم بعض
أفراد ما دلّ عليه عموم آية الوصاية، لأن الأقربين أعم ممن يرث ولا يرث، فرفع حكم من يرث
بما عيّن له، وبقي الآخر على ما دلّت عليه الآية الأولى، وهذا إنما يتأتى على قول بعضهم: إن
الوصاية في ابتداء الإسلام إنما كانت ندباً حتى نسخت، فأما من يقول: إنها كانت واجبة وهو
الظاهر من سياق الآية، فيتعين أن تكون منسوخة بآية الميراث كما قاله أكثر المفسرين والمعتبرين
من الفقهاء، فإن وجوب الوصية للوالدين والأقربين [الوارثين](٨) منسوخ بالإجماع، بل منهي عنه
: (١) صرح الطبري بالآية في قوله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا أَلْسُّدُسُ مِمَّا نَزَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَّ فَإِن لَ يَكُن لَّهُ
وَلٌَّ وَوَرِئَهُ: أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثَّلُثُ﴾. [النساء: ١١].
(٢) أخرجه الطبري بسند ثابت عنه.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ولفظه، ويشهد له ما تقدم وما تأخر من أقوال الصحابة والتابعين.
(٤) في الأصل: سعيد بن أطيب.
(٥) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم في تفسيره دون إسناد، وذكر الطبري بعض رواياتهم مسنده بأسانيد ثابتة.
(٦) أبو مسلم الأصفهاني من كبار المعتزلة الذين ينكرون النسخ.
(٧) أخرجه الطبري وابن الجوزي (نواسخ القرآن ص١٦٤ - ١٦٥) بأسانيد ثابتة عن ابن عباس وقتادة والحسن البصري.
(٨) سقط من الأصل وأثبت من (ح) و(عف) و(حم).

٥٠
• سُورَةُ الََّقَةِ (١٨٠، ١٨٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
للحديث المتقدم: ((إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث))(١)، فآية الميراث حكم
مستقل ووجوب من عند الله لأهل الفروض والعصبات، رفع بها حكم هذه بالكلية.
بقي الأقارب الذين لا ميراث لهم يستحب له أن يوصي لهم من الثلث استئناساً بآية الوصية
وشمولها، ولما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر، قال: قال رسول الله وَ له: ((ما حق امرئ
مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده)). قال ابن عمر: ما مرت عليَّ ليلة
منذ سمعت رسول الله وَ﴿ يقول ذلك إلا وعندي وصيتي(٢).
والآيات والأحاديث بالأمر ببرّ الأقارب والإحسان إليهم كثيرة جداً .
وقال عبد بن حُميد في مسنده: أخبرنا عبيد الله، عن مُبارك بن حسان، عن نافع قال: قال
عبد الله: قال رسول الله وَلقوله: ((يقول الله تعالى: يابن آدم ثنتان لم يكن لك واحدة منهما: جعلت
لك نصيباً في مالك حين أخذت بكظمك لأُطهرك به وأزكّيك، وصلاة عبادي عليك بعد انقضاء
أجلك)»(٣).
وقوله: ﴿إِن تَرَكَ خَيْرًا﴾ أي: مالاً، قاله ابن عباس(٤) ومجاهد وعطاء وسعيد بن جبير وأبو
العالية وعطية العوفي والضحاك والسدي والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان وقتادة(٥) وغيرهم.
ثم منهم من قال: الوصية مشروعة سواء قلّ المال أو كَثُر كالوراثة (٦).
ومنهم من قال: إنما يوصي إذا ترك مالاً جزيلاً، ثم اختلفوا في مقداره، فقال ابن أبي حاتم:
حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري، أخبرنا سفيان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال:
قيل لعلي به: إن رجلاً من قريش قد مات وترك ثلثمائة دينار أو أربعمائة ولم يوص؟ قال:
ليس بشيء إنما قال الله: ﴿إِن تَرَكَ خَيْرًا﴾(٧). وقال [أيضاً](٨): وحدثنا هارون بن إسحاق
الهمداني، حدثنا عبده، يعني: ابن سليمان، عن هشام بن عروة عن أبيه: إن علياً دخل على
رجل من قومه يعوده، فقال له: أوصٍ؟ فقال له علي: إنما قال الله: ﴿إِن تَرَكَ خَيْرًّا الْوَصِيَّةُ﴾ إنما
ترك شيئاً يسيراً فاتركه لولدك(٩).
وقال [الحكم بن أبان](١٠): حدثني عن عكرمة عن ابن عباس ﴿إِن تَرَكَ خَيْرًا﴾ قال ابن عباس:
(١) تقدم تخريجه في الحديث السابق.
(٢) صحيح البخاري، الوصايا، باب الوصايا وقول النبي ◌َّله: ((وصية الرجل مكتوبة عنده)) (ح٢٧٢٨)،
وصحيح مسلم، الوصية (ح ١٦٢٧).
(٣) في مسنده مبارك بن حسان، لين الحديث (التقريب ص٥١٨).
(٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت، من طريق علي بن أبي طلحة عنه.
(٥) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم دون سند، وأخرج الطبري بعض رواياتهم بأسانيد ثابتة كرواية مجاهد وقتادة والسدي.
(٦) أخرجه الطبري بسند صحيح عن الزهري.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم سنداً ومتناً، وسنده صحيح.
(٨) الزيادة من (عف).
(٩) أخرجه ابن أبي حاتم، سنداً ومتناً، وسنده صحيح.
(١٠) في الأصل و(ح) والتصويب من (عف) و(حم)، وترجمته، فهو من تلاميذ عكرمة، والتصويب أيضاً من
تفسير ابن أبي حاتم.

٥١
• سُوَرَّةُ الَقَّة (١٨٠، ١٨٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
من لم يترك ستين ديناراً لم يترك خيراً. قال [الحكم](١): قال طاوس: لم يترك خيراً من لم يترك
ثمانين ديناراً(٢). وقال قتادة: كان يقال: ألفاً فما [فوقه](٣) وقوله: ﴿بِلْمَعْرُوفِّ﴾ أي: بالرفق
والإحسان، كما قال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن أحمد، حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن
[بشار](٤)، حدثني سرور بن المغيرة عن عباد بن منصور، عن الحسن قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا
حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ فقال: نعم الوصية حق على كل مسلم أن يوصي إذا حضره الموت
بالمعروف غير المنكر(٥).
والمراد بالمعروف أن يوصي لأقربيه وصية لا تجحف بورثته من غير إسراف ولا تقتير، كما
ثبت في الصحيحين أن سعداً قال: يا رسول الله، إن لي مالاً ولا يرثني إلا ابنة لي، أفأوصي
بثلثي مالي؟ قال: ((لا)) قال: فبالشطر؟ قال: ((لا)) قال: فالثلث؟ قال: ((الثلث والثلث كثير، إنك
إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس))(٦).
وفي صحيح البخاري أن ابن عباس قال: لو أن الناس غضّوا من الثلث إلى الربع، فإن
(٧)
رسول الله وسلم قال: ((الثلث والثلث كثير))"
وروى الإمام أحمد عن أبي سعيد مولى [بني] (٨) هاشم عن ذيال بن عتبة بن حنظلة: سمعت
حنظلة بن جذيم بن حنيفة: أن جده حنيفة أوصى ليتيم في حجره بمائة من الإبل، فشق ذلك على
بنيه فارتفعوا إلى رسول الله وقدره فقال حنيفة: إني أوصيت ليتيم لي بمائة من الإبل [كنا نسميها](٩)
المطيبة، فقال النبي وَله: ((لا لا لا، الصدقة خمس، وإلا فعشر، وإلا فخمس عشرة، وإلا
فعشرون، وإلا فخمس وعشرون، وإلا فثلاثون، وإلا فخمس وثلاثون، فإن كثرت فأربعون ... ))
وذكر الحديث بطوله.
وقوله: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ يقول تعالى: فمن بدّل الوصية
وحرفها، فغيّر حكمها وزاد فيها أو نقص، ويدخل في ذلك الكتمان لها بطريق الأولى.
﴿فَإِنََّآَ إِثْمُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ؟﴾ قال ابن عباس وغير واحد: وقد وقع أجر الميت على الله،
وتعلق الإثم بالذين بدّلوا ذلك(١٠).
(١) كسابقه.
(٢) وفي سند الروايتين الحكم بن أبان ضعيف، والرواية الأولى أخرجها ابن أبي حاتم من طريق الحكم به.
(٣) في الأصل: ((فوقها)) والتصويب من رواية ابن أبي حاتم فقد أخرجه عن قتادة بسند حسن.
(٤) في الأصل: ((بن يسار)) وفي (ح): ((ابن دينار)) والتصويب من (عف) و(حم) ومن رواية ابن أبي حاتم.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم سنداً ومتناً وسنده حسن.
(٦) أخرجه البخاري، الصحيح الجنائز، باب رثاء ابني سعد بن سعد بن خولد (ح١٣٩٦)، ومسلم في
صحيحه، الوصية (ح١٦٢٨).
(٧) أخرجه البخاري، الصحيح، الوصايا، باب الوصية بالثلث (ح ٢٧٤٣).
(٨) في الأصل: ((أبي)) والتصويب من رواية الإمام أحمد وبقية النسخ.
(٩) الزيادة من (ح) و(عف) ورواية الإمام أحمد في المسند فقد أخرجه سنداً ومتناً (المسند ٢٦٢/٣٤
ح ٢٠٦٦٥)، وصححه محققوه.
(١٠) أخرجه الطبري بسند، ثابت من طريق ابن أبي طلحة، عن ابن عباس.

٥٢
• سُورَةُ الْبَقَة (١٨٠، ١٨٢)
﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعُ عَلِيمٌ﴾ أي: قد اطلع على ما أوصى به الميت وهو عليم بذلك وبما بدّله الموصى
إليهم.
وقوله: ﴿فَمَنْ خَافَ مِن قُوصٍ جَنَفَا أَوَ إِثْمًا﴾ قال ابن عباس وأبو العالية ومجاهد والضحاك
والربيع بن أنس والسدي: الجنف: الخطأ(١).
وهذا يشمل أنواع الخطأ كلها بأن زادوا وارثاً بواسطة أو وسيلة، كما إذا أوصى ببيعة الشيء
الفلاني محاباة أو أوصى لابن ابنته ليزيدها أو نحو ذلك من الوسائل، إما مخطئاً غير عامد بل
بطبعه وقوة شفقته من غير تبصر، أو متعمداً آئماً في ذلك، فللوصي والحالة هذه، أن يصلح
القضية ويعدل في الوصية على الوجه الشرعي، ويعدل عن الذي أوصى به الميت إلى ما هو
أقرب الأشياء إليه وأشبه الأموربه جمعاً بين مقصود الموصي والطريق الشرعي، وهذا الإصلاح
والتوفيق، ليس من التبديل في شيء، ولهذا عطف هذا فبينه على النهي [عن ذلك](٢) ليعلم أن
هذا ليس من ذلك بسبيل، والله أعلم.
وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا العباس بن الوليد بن مزيد قراءة، أخبرني أبي، عن الأوزاعي،
قال الزهري: حدثني عن عروة(٣)، عن عائشة، عن النبي ◌َّ أنه قال: ((يرد من صدقة الجانف
في حياته ما يرد من وصية (٤) المجنف عند موته))، وهكذا رواه أبو بكر بن مردويه من حديث
العباس بن الوليد. قال ابن أبي حاتم: وقد أخطأ فيه الوليد بن مزيد، وهذا الكلام إنما هو عن
عروة فقط، وقد رواه الوليد بن مسلم عن الأوزاعي فلم يجاوز به عروة(٥).
وقال ابن مردويه أيضاً: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا إبراهيم بن يوسف، حدثنا
هشام بن عمار، حدثنا عمر بن المغيرة، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن
النبي وَ ل﴿ قال: ((الجنف في الوصية من الكبائر)) وهذا في رفعه أيضاً نظر(٦).
وأحسن ما ورد في هذا ما قال عبد الرزاق: حدثنا معمر، عن أشعث بن عبد الله، عن شهر بن
حوشب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَله: ((إن الرجل ليعمل بعمل أهل الخير سبعين
سنة، فإذا أوصى حاف في وصيته، فيختم له بشر عمله فيدخل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل
الشر سبعين سنة، فيعدل في وصيته، فيختم له بخير عمله، فيدخل الجنة)). قال أبو هريرة:
اقرؤوا إن شئتم ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ الآية [البقرة: ٢٢٩](٧).
(١) أخرج الطبري أقوالهم بأسانيد ثابتة إلا إسناد الضحاك فمن طريق جويبر، وسنده ضعيف وتشهد له تلك الأقوال.
(٢) في الأصل: ((لذلك)) والتصويب من (ح) و(عف).
(٣) كذا في الأصل: ((حدثني عن عروة)) وكذا في تفسير ابن أبي حاتم وفي نسخة (عف) وفي (ح) و(حم):
((عن عروة)).
(٤) كذا في الأصل وفي رواية ابن أبي حاتم و(حم) و(عف)، وفي نسخة (ح): ((من صدقة)).
(٥) ذكره ابن أبي حاتم بعد ذكره للرواية سنداً ومتناً وقد حكم بالضعف على الرواية المرفوعة.
(٦) وأخرجه البيهقي من طريق داود بن أبي هند بن موقوفاً، ثم قال: هذا هو الصحيح موقوف (السنن الكبرى
٢٧١/٦).
(٧) أخرجه الترمذي من طريق شهر بن حوشب به، وقال: حسن صحيح غريب (السنن، الوصايا، باب الضرار
في الوصية ح٢١١٧)، وفي سنده شهر بن حوشب كثير الإرسال والأوهام (التقريب ص٢٦٩).

٥٣
سُورَةُ الَقَرّة (١٨٣، ١٨٤)
] ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْضِيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَنَّقُونَ
أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنَكُمْ فَرِضَا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ
فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُّ وَأَنْ تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمٌّ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ
يقول تعالى مخاطباً للمؤمنين من هذه الآية، وآمراً لهم بالصيام وهو الإمساك عن الطعام
والشراب والوقاع، بنية خالصة لله رب لما فيه من زكاة النفوس وطهارتها وتنقيتها من الأخلاط
الرديئة والأخلاق الرذيلة، وذكر أنه كما أوجبه عليهم فقد أوجبه على من كان قبلهم فلهم فيه
أسوة، وليجتهد هؤلاء في أداء هذا الفرض أكمل مما فعله أولئك، كما قال تعالى: ﴿لِكُلِّ جَعَلْنَا
مِنَكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجَأَ وَلَوْ شَآءَ اَللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَحِدَةً وَلَكِن لِيَبْلُوَّكُمْ فِىِ مَآ ءَاتَنَكُمْ فَأَسْتَبِقُواْ الْخَيْرَتِّ﴾
الآية [المائدة: ٤٨]، ولهذا قال لهُهنا: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى
الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَنَّقُونَ (٣)﴾ لأن الصوم فيه تزكية للبدن وتضييق لمسالك الشيطان،
ولهذا ثبت(١) في الصحيحين(٢): ((يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ومن لم
يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء)).
ثم بيّن مقدار الصوم وأنه ليس في كل يوم، لئلا يشق على النفوس فتضعف عن حمله وأدائه
بل في أيام معدودات. وقد كان هذا في ابتداء الإسلام، يصومون من كل شهر ثلاثة أيام، ثم
نسخ بصوم شهر رمضان كما سيأتي بيانه. وقد روي أن الصيام أولاً(٣) كما كان عليه الأمم قبلنا
من كل شهر ثلاثة أيام عن معاذ(٤) وابن مسعود(٥) وابن عباس(٦) وعطاء(٧) وقتادة(٨) والضحاك بن
مزاحم وزاد: لم يزل هذا مشروعاً من زمان نوح إلى أن نسخ الله ذلك بصيام شهر رمضان (٩).
وقال عباد بن منصور، عن الحسن البصري: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ
أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ فقال: نعم، والله لقد كتب الصيام على
عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَنَّقُونَ
كل أُمة قد خلت، كما كتب علينا شهراً كاملاً وأياماً معدودات عدداً معلوماً(١٠). وروي عن
السدي نحوه (١١) .
(١) كذا في (ح) و(عف) و(حم)، وفي الأصل: ((جاء)).
(٢) صحيح البخاري، الصوم، باب الصوم لمن خاف على نفسه (ح١٩٠٥)، وصحيح مسلم، النكاح،
(ح ١٤٠٠).
(٣) في (ح): ((كان أولاً)).
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عبد الرحمن المسعودي، عن عبد الرحمن بن أبي ليلي، عن معاذ، وأخرجه
الحاكم من طريق المسعودي به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢٧٤/٢).
(٥) ذكره ابن أبي حاتم بدون سند.
(٦) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق العوفي، عن ابن عباس وتشهد له بقية الآثار.
(٧) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق ابن أبي نجيح عنه.
(٨) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عنه.
(٩) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق نصر بن مشارس عنه.
(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم وسنده حسن.
(١١) ذكره ابن أبي حاتم من دون سند.

٥٤
• سُوَرَّةُ الْبَقَة (١٨٣، ١٨٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وروى ابن أبي حاتم من حديث أبي عبد الرحمن المقري، حدثني سعيد بن أبي أيوب، حدثني
عبد الله بن الوليد، عن أبي الربيع رجل من أهل المدينة، عن عبد الله بن عمر، قال: قال
رسول الله وسلم: ((صيام رمضان كتبه الله على الأمم قبلكم ... )) في حديث طويل اختصر منه ذلك(١).
وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس عمن حدثه، عن ابن عمر قال: أنزلت ﴿كُلِبَ
عَلَيْكُمُ الْضِيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ كتب عليهم إذا صلى [أحدهم](٢) العتمة ونام،
حرم عليه الطعام والشراب والنساء إلى مثلها(٣).
قال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن عباس وأبي العالية وعبد الرحمن بن أبي ليلى ومجاهد
وسعيد بن جبير ومقاتل بن حيان والربيع بن أنس وعطاء الخراساني نحو ذلك (٤). وقال عطاء
الخراساني عن ابن عباس: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ يعني بذلك: أهل الكتاب(٥).
وروي عن الشعبي والسدي وعطاء الخراساني مثله(٦).
ثم بيّن حكم الصيام على ما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام فقال: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ فَرِيضًا
أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِذَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾ أي: المريض والمسافر لا يصومان في حال المرض والسفر،
لما في ذلك من المشقة عليهما بل يفطران ويقضيان بعد ذلك من أيام أخر. وأما الصحيح المقيم
الذي يطيق الصيام فقد كان مخيراً بين الصيام وبين الإطعام، إن شاء صام وإن شاء أفطر وأطعم
عن كل يوم مسكيناً، فإن أطعم أكثر من مسكين عن كل يوم فهو خير، وإن صام فهو أفضل من
الإطعام، قاله ابن مسعود وابن عباس ومجاهد(٧) [وطاوس ومقاتل بن حيان](٨) وغيرهم من
السلف(٩)، ولهذا قال تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِذْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ
وَأَنْ تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمَّ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ .
وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو النضر، حدثنا المسعودي، حدثنا عمرو بن مرة، عن
عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل ظُبه، قال: أحيلت الصلاة ثلاثة أحوال، وأحيل
الصيام ثلاثة أحوال، فأما أحوال الصلاة فإن النبي وَلّ قدم المدينة وهو يصلي سبعة عشر شهراً
إلى بيت المقدس، ثم إن الله رَك أنزل عليه: ﴿قَدْ نَرَى تَقَّلُّبَ وَجْهِكَ فِ السَّمَاءِ فَنُوَلِيَنَّكَ قِبْلَةً
تَرْضَهَا﴾ [البقرة: ١٤٤] الآية، فوجهه الله إلى مكة هذا حول، قال: وكانوا يجتمعون للصلاة
ويُؤذِنُ بها بعضهم بعضاً، حتى نقسوا أو كادوا ينقسون(١٠)، ثم إن رجلاً من الأنصار يقال له:
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ولفظه، وفي سنده رجل مجهول.
(٢) الزيادة من (ح) و(عف) ورواية ابن أبي حاتم.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ولفظه، وفي سنده شيخ الربيع مبهم.
(٤) ذکرهم کلھم ابن أبي حاتم بدون سند.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف لأن عطاء الخراساني لم يسمع من ابن عباس.
(٦) ذكرهم ابن أبي حاتم من غير سند.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق مجاهد عن ابن عباس.
(٨) الزيادة من (ح) و(عف) و(حم).
(٩) ذكرهم ابن أبي حاتم وسمى غيرهم من السلف وهم: عطاء والحسن والسدي بدون سند.
(١٠) أي كادوا أن يستعملوا الناقوس ولم يفعلوا.

٥٥
• سُورَةُ الَفَة (١٨٣، ١٨٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
عبد الله بن زيد أتى رسول الله صل﴿ فقال: يا رسول الله، إني رأيت فيما يرى النائم، ولو قلت:
إني لم أكن نائماً لصدقت، إني بينا أنا بين النائم واليقظان إذ رأيت شخصاً عليه ثوبان أخضران
فاستقبل القبلة، فقال: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله - مثنى مثنى(١) - حتى فرغ من
الأذان، ثم أمهل ساعة ثم قال مثل الذي قال، غير أنه يزيد في ذلك قد قامت الصلاة، قد قامت
الصلاة، قال رسول الله وَالر: ((علّمها بلالاً فليؤذن بها)) فكان بلال أول من أذن بها، قال: وجاء
عمر بن الخطاب ربه فقال: يا رسول الله، إنه قد طاف بي مثل الذي طاف به، غير أنه سبقني
فهذان حالان، قال: وكانوا يأتون الصلاة قد سبقهم النبي ◌َّ ببعضها، فكان الرجل يشير إلى
رجل إذن كم صلى؟ فيقول: واحدة أو اثنتين فيصليهما، ثم يدخل مع القوم في صلاتهم، قال:
فجاء معاذ فقال: لا أجده على حال أبداً إلا كنت عليها، ثم قضيت ما سبقني، قال: فجاء وقد
سبقه النبي ◌ّ ببعضها، قال: فثبت معه فلما قضى رسول الله وَ له قام فقضى، فقال رسول الله وَليقول:
((إنه قد سنّ لكم معاذ فهكذا فاصنعوه)) فهذه ثلاثة أحوال.
وأما أحوال الصيام فإن رسول الله وَّلي قدم المدينة فجعل يصوم من كل شهر ثلاثة أيام وصام
عاشوراء، ثم إن الله فرض عليه الصيام، وأنزل الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا
كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِذْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ فكان من شاء صام
ومن شاء أطعم مسكيناً، فأجزأ ذلك عنه، ثم إن الله رَت أنزل الآية الأخرى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِىّ أُنزِلَ
فِيهِ الْقُرْءَانُ﴾ إلى قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمَّةٌ﴾ [البقرة: ١٨٥] فأثبت الله صيامه على المقيم
الصحيح، ورخص فيه للمريض والمسافر، وثبت الإطعام للكبير الذي لا يستطيع الصيام، فهذان
حولان، قال: وكانوا يأكلون ويشربون ويأتون النساء ما لم يناموا، فإذا ناموا امتنعوا، ثم إن رجلاً من
الأنصار يقال له: صرمة، كان يعمل صائماً حتى أمسى فجاء إلى أهله فصلى العشاء ثم نام، فلم يأكل
ولم يشرب حتى أصبح فأصبح صائماً، فرآه رسول الله وقد جهد جهداً شديداً، فقال: ((ما لي أراك قد
جهدت جهداً شديداً؟)) قال: يا رسول الله، إني عملت أمس فجئت حين جئت، فألقيت نفسي فنمت،
فأصبحت حين أصبحت صائماً، قال: وكان عمر قد أصاب من النساء بعدما نام فأتى النبي ◌َّ فذكر له
ذلك، فأنزل الله رَ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الْصِيَاءِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآَبِكُمْ﴾ - إلى قوله : - ﴿ثُمَّ أَنِقُواْ الْصِيَامَ إِلَىَ
اَلَيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. وأخرجه أبو داود في سننه، والحاكم في مستدركه من حديث المسعودي(٢) به.
وقد أخرج البخاري ومسلم من حديث الزهري عن عروة، عن عائشة أنها قالت: كان عاشوراء
يصام، فلما نزل رمضان، كان من شاء صام ومن شاء أفطر(٣)، وروى البخاري عن ابن عمر
(١) في الأصل: ((مثنى)). مرة واحدة، والزيادة من رواية الإمام أحمد.
(٢) أخرجه الإمام أحمد عن أبي النضر به، (المسند ٤٣٦/٣٦ ح٢٢١٢٤)، وأخرجه ابن خزيمة في الصحيح
٩٧/١ -١٩٩ (ح ٣٨١).
وأخرجه أبو داود، السنن، الصلاة، باب كيف الأذان (ح ٥٠٧) وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود
(ح٤٧٩).
وأخرجه الحاكم من طريق المسعودي به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٢٧٤).
(٣) صحيح البخاري، التفسير، سورة البقرة (ح ٤٤٠٤) وصحيح مسلم، الصيام (ح ١١٢٥).

٥٦
• سُورَةُ البَفَقَة (١٨٣، ١٨٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0
وابن مسعود مثله(١).
وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِذْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ كما قال معاذ رَبه: كان في ابتداء
الأمر من شاء صام، ومن شاء أفطر وأطعم عن كل يوم مسكيناً، وهكذا روى البخاري عن
سلمة بن الأكوع أنه قال لما نزلت: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِذْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾: كان من أراد
أن يفطر يفتدي حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها(٢). وروي أيضاً من حديث عبيد الله عن
[نافع عن](٣) ابن عمر قال: هي منسوخة (٤).
وقال السدي، عن مُرة، عن عبد الله، قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِذْيَةٌ
طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قال: يقول: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ أي: يتجشمونه. قال عبد الله: فكان من شاء
صام، ومن شاء أفطر وأطعم مسكيناً، ﴿فَمَن تَطَوَّعَ﴾ قال: يقول: أطعم مسكيناً آخر ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُّ وَأَن
تَصُومُوا (٥) خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فكانوا كذلك حتى نسختها ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾(٦) [البقرة: ١٨٥].
وقال البخاري أيضاً: أخبرنا إسحاق، حدثنا روح، حدثنا زكريا بن إسحاق، حدثنا عمرو بن
دينار، عن عطاء: سمع ابن عباس يقرأ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ﴾ [يطوّقونه](٧) ﴿فِذْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾.
قال ابن عباس: ليست منسوخة، هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فيطعمان
مكان كل يوم مسكيناً. وهكذا روى غير واحد عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس نحوه(٨).
وقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن أشعث بن سوار، عن عكرمة،
عن ابن عباس، قال: نزلت هذه الآية: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِذْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ في الشيخ
الكبير الذي لا يطيق الصوم، ثم ضعف فرخص له أن يطعم مكان كل يوم مسكيناً(٩).
وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد، حدثنا الحسن بن محمد بن بهرام
المخرمي، حدثنا وهب بن بقية، حدثنا خالد بن عبد الله، عن ابن أبي ليلى، قال: دخلت على
عطاء في رمضان وهو يأكل، فقال: قال ابن عباس: نزلت هذه الآية: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ
فِذْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ فكان من شاء صام ومن شاء أفطر وأطعم مسكيناً ثم نسخت الأولى إلى
الكبير الفاني إن شاء أطعم عن كل يوم مسكيناً وأفطر (١٠).
فحاصل الأمر أن النسخ ثابت في حق الصحيح المقيم بإيجاب الصيام عليه بقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ
(١) صحيح البخاري، التفسير (ح ٤٥٠١ و٤٥٠٣).
(٢) الصحيح، التفسير (ح ٤٥٠٧).
(٣) سقط من الأصل وأثبت من (ح) و(عف).
(٤) صحيح البخاري، التفسير، سورة البقرة (ح ٤٥٠٦).
(٥) في الأصل: ((تصدقوا)).
(٦) سنده حسن إلى عبد الله بن مسعود ويشهد له ما يليه.
(٧) في الأصل: ((يطيقونه)) والتصويب من (عف) ورواية الصحيح فقد. أخرجه البخاري بسنده ومتنه (التصحيح،
التفسير، سورة البقرة ح٤٥٠٥).
(٨) أخرجه الطبري من طريق عزرة عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ويشهد له ما سبق.
(٩) في سنده أشعث بن سوار: ضعيف كما في التقريب ويشهد له ما سبق.
(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره وابن الجوزي كلاهما من طريق ابن جريج عن عطاء به، (نواسخ القرآن
ص١٧٢).

٥٧
• سُوَّةُ الََّّة (١٨٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمّةٌ﴾ [البقرة: ١٨٥]. وأما الشيخ الفاني الهرم الذي لا يستطيع الصيام، فله أن يفطر
ولا قضاء عليه، لأنه ليست له حال يصير إليها يتمكن فيها من القضاء، ولكن هل يجب عليه [إذا
أفطر](١) أن يطعم عن كل يوم مسكيناً إذا كان ذا جدة؟ فيه قولان للعلماء: أحدهما لا يجب عليه
إطعام لأنه ضعيف عنه لسنه، فلم يجب عليه فدية كالصبي، لأن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها
وهو أحد قولي الشافعي والثاني، وهو الصحيح وعليه أكثر العلماء: أنه يجب عليه فدية عن كل
يوم، كما فسّره ابن عباس وغيره من السلف على قراءة من قرأ: (وعلى الذين [يطوَّقونه](٢٢) أى:
يتجشمونه، كما قاله ابن مسعود وغيره(٣)، هو اختيار البخاري فإنه قال: وأما الشيخ الكبير إذا لم
يطق الصيام، فقد أطعم أنس بعدما كبر عاماً أو عامين كل يوم، مسكيناً، خبزاً ولحماً وأفطر(٤).
وهذا الذي علّقه البخاري قد أسنده الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده فقال: حدثنا
عبيد الله بن معاذ، حدثنا أبي، حدثنا عمران، عن أيوب بن أبي تميمة، قال: ضعف أنس عن
الصوم، فصنع جفنة من ثريد، فدعا ثلاثين مسكيناً فأطعمهم(٥).
ورواه عبد بن حميد عن روح بن عبادة، عن عمران وهو ابن حُدير، عن أيوب به. ورواه عبد
أيضاً من حديث ستة من أصحاب أنس [عن أنس] (٦) بمعناه، ومما يلتحق بهذا المعنى الحامل
والمرضع إذا خافتا على أنفسهما أو ولديهما، ففيهما خلاف كثير [بين](٧) العلماء، فمنهم من
قال: يفطران ويفديان ويقضيان، وقيل: يفديان فقط ولا قضاء، وقيل: يجب القضاء بلا فدية،
وقيل: يفطران ولا فدية ولا قضاء، وقد بسطنا هذه المسألة مستقصاة من كتاب الصيام الذي
أفردناه، ولله الحمد والمنّة.
] ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِىّ أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ هُدِّى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ اُلْهُدَى وَاَلْفُرْقَانِ فَمَنْ
شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهَرَ فَلْيَصُمَّةٌ وَمَن كَانَ مَرِيضَّا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَنَّاءٍ أُخَرُّ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ
وَلَا يُرِدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْمِدَّةَ وَلِتُكَبِرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَنَكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
(١٨٥)
يمدح تعالى شهر الصيام من بين سائر الشهور بأن اختاره من بينهن لإنزال القرآن العظيم،
وكما اختصه بذلك قد ورد الحديث بأنه الشهر الذي كانت الكتب الإلهية تنزل فيه على الأنبياء.
(١) الزيادة من (ح) و(عف).
(٢) في الأصل: يطيقونه والتصويب من (عف) ورواية البخاري المتقدمة عن ابن عباس.
(٣) ذكر ابن حجر أن مسعود كان يقرأ يطوّقونه (فتح الباري ١٨٠/٨).
(٤) ذكر البخاري تعليقاً في صحيحه، التفسير، باب ﴿أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]، قبل حديث رقم ٤٥٠٥.
(٥) مسند أبي يعلى ٢٠٤/٧ (ح ٤١٩٤)، وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح ولكنه منقطع (مجمع الزوائد ٣/
١٦٤) والانقطاع هو بين أيوب وأنس، فقد ذكر ابن حبان أنه لا يصح أيوب من أنس (المقصد العلي ح٥١٤).
ولا يضر هذا الانقطاع لأن الحافظ بن كثير أشار إلى رواية عبد بن حميد، من حديث ستة من أصحاب أن
وفي ذلك متابعة، والإسناد صحيح إذا توبع أيوب بواسطة النضر بن أنس وحُميد الطويل وثابت البناني ذكر
ذلك ابن حجر بروايات مسندة (انظر: تغليق التعليق ١٧٧/٤ - ١٧٨).
(٦) الزيادة من (عف) و(ح) و(حم).
(٧) في الأصل: ((من)) والتصويب من (ح) و(عف) و(حم).

٥٨
• سُورَةُ الْبَفَرَةِ (١٨٥)
9000000000000000000000000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 000 000
قال الإمام أحمد بن حنبل تَخّْتُهُ: حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا عمران أبو العوام، عن
قتادة، عن أبي المليح، عن واثلة - يعني: ابن الأسقع -: أن رسول الله وَّ﴾ قال: ((أنزلت صحف
إبراهيم في أول ليلة من رمضان، [وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان، والإنجيل لثلاث
عشرة خلت من رمضان](١) وأنزل الله القرآن: لأربع وعشرين خلت من رمضان))(٢).
وقد روي من حديث جابر بن عبد الله وفيه: أن الزبور نزل لاثنتي عشرة خلت من رمضان،
والإنجيل لثماني عشرة، والباقي كما تقدم، رواه ابن مردويه(٣) .
وأما الصحف والتوراة والزبور والإنجيل، فنزل كل منها على النبي الذي أنزل عليه جملة
واحدة، وأما القرآن فإنما نزل جملة واحدة إلى بيت العزة من السماء الدنيا، وكان ذلك في شهر
رمضان في ليلة القدر منه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِى لَيْلَةِ الْقَدْرِ ﴾﴾ [القدر] وقال: ﴿إِنَّآ
أَنْزَلَْهُ فِى لَيْلَةٍ مُّبَرَكَةٍ﴾ [الدخان: ٣] ثم نزل بعد مفرقاً بحسب الوقائع على رسول الله بَّر، هكذا
روي من غير وجه عن ابن عباس، كما قال إسرائيل عن السدي، عن محمد بن أبي المجالد،
عن مقسم، عن ابن عباس: أنه سأل عطية بن الأسود فقال: وقع في قلبي الشك، قول الله
تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِىّ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ﴾، وقوله: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِ لَيْلَةٍ مُبَرَّكَةٍ﴾، وقوله:
﴿إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِى لَيْلَةِ الْقَدْرِ ﴾﴾ وقد أنزل في شوال، وفي ذي القعدة، وفي ذي الحجة، وفي
المحرم، وصفر، وشهر ربيع، فقال ابن عباس: إنه أنزل في رمضان في ليلة القدر وفي ليلة
مباركة جملة واحدة، ثم أنزل على مواقع النجوم ترتيلاً في الشهور والأيام، رواه ابن أبي حاتم
وابن مردويه وهذا لفظه(٤).
وفي رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: أنزل القرآن في النصف من شهر رمضان إلى
سماء الدنيا، فجعل في بيت العزة، ثم أنزل على رسول الله وَّر في عشرين سنة لجواب كلام
الناس(٥). وفي رواية عكرمة عن ابن عباس، قال: نزل القرآن في شهر رمضان في ليلة القدر،
إلى هذه السماء الدنيا جملة واحدة، وكان الله يحدث لنبيه ما شاء ولا يجيء المشركون بمثل
يخاصِمون به إلا جاءهم الله بجوابه، وذلك قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلَا نُزِلَ عَلَيْهِ الْقُرْءَانُ جُمْلَةً
وَحِدَةٌ كَذَلِكَ لِنُقَبْتَ بِهِ، فُؤَادٌَ وَرَتَّلْنَهُ تَرْبِيلًا ﴾ وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّ ◌ِثْتَكَ بِأَلْحَقِّ وَأَحْسَنَ
﴾ [الفرقان](٦).
تَفْسِيرًا (مَنَا﴾
(١) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) ورواية المسند.
(٢) المسند ١٠٧/٤، وحسنه السيوطي (فيض القدير شرح الجامع الصغير ٥٧/٣)، والألباني في السلسلة
الصحيحة (ح ١٥٧٥).
(٣) أخرجه أبو يعلى الموصل عن سفيان بن وكيع، عن أبيه، عن عبيد الله، عن أبي مليح، عن جابر به (المسند
١٣٥/٤ ح ٢١٩٠)، وفي سنده سفيان بن وكيع فيه مقال، وعبيد الله هو ابن أبي حميد متروك فالإسناد
ضعيف جداً.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عبيد الله بن موسى عن إسرائيل به، وسنده حسن.
(٥) أخرجه الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضاً عن سعيد بن جبير به.
(٦) سورة الفرقان آية ٣٢، ٣٣، والأثر أخرجه الطبري من طريق داود، عن عكرمة به مختصراً، وداود إن كان
بن الحصين فالسند ضعيف، وإن كان ابن أبي هند فالسند حسن.

٥٩
• سُوَّةُ الْبَقَة (١٨٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000 000000 000 000 000 000 000 000 000000000
وقوله: ﴿هُدِّى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ هذا مدح للقرآن الذي أنزله الله هدى
لقلوب العباد ممن آمن به وصدقه واتبعه ﴿وَبَيِّنَاتٍ﴾ أي: دلائل وحجج بينة واضحة جلية لمن
فهمها وتدبرها دالة على صحة ما جاء به من الهدى المنافي للضلال، والرشد المخالف للعمي،
ومفرقاً بين الحق والباطل والحلال والحرام.
وقد روي عن بعض السلف: أنه كره أن يقال: إلا شهر رمضان، ولا يقال: رمضان. قال ابن
أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن بكار بن الريان، حدثنا أبو معشر، عن محمد بن كعب
القرظي وسعيد - هو المقبري - عن أبي هريرة قال: لا تقولوا: رمضان، فإن رمضان اسم من
أسماء الله تعالى ولكن قولوا: شهر رمضان(١).
قال ابن أبي حاتم: وقد روي عن مجاهد ومحمد بن کعب نحو ذلك، ورخص فیه ابن عباس
وزيد بن ثابت(٢).
(قلت): أبو معشر هو نجيح بن عبد الرحمن المدني إمام المغازي والسير، ولكن فيه ضعف،
وقد رواه ابنه محمد عنه فجعله مرفوعاً عن أبي هريرة، وقد أنكره عليه الحافظ ابن [عدي](٣)
وهو جدير بالإنكار، فإنه متروك، وقد وهم في رفع هذا الحديث، وقد انتصر البخاري تَُّ في
كتابه لهذا فقال: باب يقال: رمضان. وساق أحاديث [في ذلك] (٤) منها: ((من صام رمضان إيماناً
واحتساباً، غفر له ما تقدم من ذنبه))(٥)، ونحو ذلك.
وقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمَّةٌ﴾ هذا إيجاب حتم على من شهد استهلال الشهر، أي:
كان مقيماً في البلد حتى دخل شهر رمضان، وهو صحيح في بدنه أن يصوم لا محالة، ونسخت
هذه الآية الإباحة المتقدمة لمن كان صحيحاً مقيماً أن يفطر ويفدي بإطعام مسكين عن كل يوم
كما تقدم بيانه.
ولما حتّم الصيام أعاد ذكر الرخصة للمريض وللمسافر أن يفطر بشرط القضاء، فقال: ﴿وَمَن
كَانَ مَرِيضًّا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾ معناه: ومن كان به مرض في بدنه يشق عليه
الصيام معه أو يؤذيه، أو كان على سفر؛ أي في حالة السفر، فله أن يفطر، فإذا أفطر فعليه عدة
ما أفطره في السفر من الأيام، ولهذا قال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْمُسْرَ﴾ أي:
إنما رخص لكم في الفطر في حال المرض والسفر مع تحتمه في حق المقيم الصحيح تيسيراً
عليكم ورحمة بكم.
وههنا مسائل تتعلق بهذه الآية :
(إحداها): أنه قد ذهب طائفة من السلف إلى أن من كان مقيماً في أول الشهر ثم سافر في
(١) أخرجه ابن أبي حاتم سنداً ومتناً وفي سنده أبو معشر وهو نجيح بن عبد الرحمن ضعيف مختلط (التقريب
٢٩٨/٢).
(٢) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم من غير إسناد ورواية مجاهد أخرجها الطبري بسند صحيح من طريق سفيان عن
مجاهد.
(٣) في الأصل بياض ومثبت من (عف) و(ح).
(٤) الزيادة من (عف) و(ح).
(٥) صحيح البخاري، الإيمان، باب صوم رمضان احتساباً (ح٣٨).

٦٠
سُورَةُ الْبَقَرّة (١٨٥)
أثنائه، فليس له الإفطار بعذر السفر والحالة هذه لقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْةٌ﴾ وإنما
يباح الإفطار لمسافر استهلّ الشهر وهو مسافر، وهذا القول غريب، نقله أبو محمد بن حزم في
كتابه المحلى عن جماعة من الصحابة والتابعين(١)، وفيما حكاه عنهم نظر، والله أعلم، فإنه قد
ثبتت السنّة عن رسول الله ويّلو أنه خرج في شهر رمضان لغزوة الفتح، فسار حتى بلغ ((الكديد)) ثم
أفطر، وأمر الناس بالفطر. أخرجه صاحبا الصحيح (٢).
(الثانية): ذهب آخرون من الصحابة والتابعين إلى وجوب الإفطار في السفر لقوله: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ
أَنَّامٍ أُخَرُّ﴾.
والصحيح قول الجمهور: أن الأمر في ذلك على التخيير وليس بحتم، لأنهم كانوا يخرجون
مع رسول الله وَ﴿ في شهر رمضان، قال: فمنّا الصائم ومنّا المفطر، فلم يعب الصائم على
المفطر، ولا المفطر على الصائم، فلو كان الإفطار هو الواجب لأنكر عليهم الصيام، بل الذي
ثبت من فعل رسول الله ولو أنه كان في مثل هذه الحالة صائماً لما ثبت في الصحيحين عن أبي
الدرداء، قال: خرجنا مع رسول الله وَل﴾ [في شهر رمضان](٣) في حر شديد حتى إن كان أحدنا
ليضع يده على رأسه من شدة الحر وما فينا صائم إلا رسول الله صل﴿ وعبد الله بن رواحة(٤).
(الثالثة): قالت طائفة - منهم الشافعي : - الصيام في السفر أفضل من الإفطار لفعل النبي وَليقول
كما تقدم.
وقالت طائفة: بل الإفطار أفضل أخذاً بالرخصة ولما ثبت عن رسول الله وَ و أنه سئل عن
الصوم في السفر، فقال: ((من أفطر فحسن، ومن صام فلا جناح عليه))(٥). وقال في حديث آخر:
((عليكم برخصة الله التي رخص لكم))(٦).
وقالت طائفة: هما سواء لحديث عائشة أن حمزة بن عمرو الأسلمي قال: يا رسول الله، إني
كثير الصيام أفأصوم في السفر؟ فقال: ((إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر)) وهو في الصحيحين(٧).
وقيل: إن شق الصيام فالإفطار أفضل، لحديث جابر: أن رسول الله وَل جر رأى رجلاً قد ظلل
عليه فقال: ((ما هذا؟)) قالوا: صائم، فقال: ((ليس من البر الصيام في السفر)) أخرجاه(٨).
(١) ينظر: المحلى ٢٥٩/٦.
(٢) أخرجه البخاري، الصحيح، الصوم، باب لم يعب أصحاب النبي ◌َّر بعضهم بعضاً في الصوم (ح ١٩٤٧)
ومسلم في الصحيح، الصيام باب أجر المفطر في السفر (ح١١١٩).
(٣) سقط في الأصل واستدرك من (عف) و(ح) والصحيحين.
(٤) صحيح البخاري، الصوم، باب ٣٥ (ح١٩٤٥) وصحيح مسلم، الصيام، (ح ١١٢٢).
(٥) أخرجه مسلم من حديث حمزة بن عمرو الإسلمي، الصحيح، الصيام، باب التخيير في الصوم، والفطر في
السفر (ح ١١٢١م).
(٦) أخرجه مسلم من حديث جابر، الصحيح، الصيام، باب الصوم والفطر في شهر رمضان بعد حديث
(١١١٥) بحدیثین.
(٧) أخرجه البخاري، الصحيح، الصوم، باب الصوم في السفر (ح١٩٤٣) وصحيح مسلم الصيام، باب التخيير
في الصوم والفطر (ح١١٢١).
(٨) صحيح البخاري، الصوم، باب ليس من البر الصوم في السفر (ح١٩٤٦)، وصحيح مسلم، الصيام (ح١١١٥).