Indexed OCR Text
Pages 1-20
تَفْسَيُ القُرَّرُ العَظِيمُ للإمام ابن كثير فَقِيَةُ المُفَسِّرِينَ وَمُفَتِّرُ المُحدِّثِينَ حقّقَهُ وضَّح أحاديثَهُ وَعَلّوْرَعَلِيهُ أبو إسحاق الحويني أُخْتَصَرَهُ أ.د. حكمت بن بشيربن يلسين أشْرَفَ عَلَىطَبْعِهِ سعدين فواز العميل الجُزْءُ الأَوَّل المقدمة - حتى الآية ١٤١ من سورة البقرة دارابن الجوزي جَميِّعْ لَ لحِقُوُق ◌َحْفَقَةٌ لِالر ابن الجوزىُ الطّبْعَة الأولىى ١٤٣١ هـ حقوق الطبع محفوظة ١٤٣١٥ هـ، لا يسمح بإعادة نشر هذا الكتاب أو أي جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي نظام ميكانيكي أو إلكتروني يمكن من استرجاع الكتاب أو ترجمته إلى أي لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبق من الناشر. ابن للنشر والتوزيع دارابن الجوزي للنّشر والتوزيع المملكة العربية السعودية: الدمام - طريق الملك فهد - ت: ٨٤٢٨١٤٦ - ٨٤٦٧٥٩٣، ص ب: ٢٩٨٢ - الرمز البريدي: ٣١٤٦١ - فاكس: ٨٤١٢١٠٠ - الرياض - تلفاكس: ٢١٠٧٢٢٨ - جوال: ٠٥٠٣٨٥٧٩٨٨ الإحساء - ت: ٥٨٨٣١٢٢ - جدة - ت: ٦٣٤١٩٧٣ - ٦٨١٣٧٠٦ - بيروت - هاتف: ٠٣/٨٦٩٦٠٠ - فاكس: ٠١/٦٤١٨٠١ - القاهرة - ج.م.ع - محمول: ٠١٠٦٨٢٣٧٨٣ - تلفاكس: ٠٢٤٤٣٤٤٩٧٠ البريد الإلكتروني: aljawzi@hotmail.com - www.aljawzi.com أ • مقدمة الناشر مقدمة الناشر الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليماً كثيراً. أما بعد؛ فإن كتاب ((تفسير القرآن العظيم)) للحافظ ابن كثير ◌َُّ من أحسن وأنفع كتب تفسير القرآن، وأوسعها وأكثرها تداولاً وانتشاراً، ولا يزال كتابه مقصد اهتمام للراغبين في معرفة تفسير كتاب الله تعالى بالمأثور عن السلف، من تفسير القرآن بالقرآن، وتفسيره بالسنة، وأقوال الصحابة والتابعين . كما أن كتابه هذا يعد من المراجع المهمة في هذا العلم، وفي غيره من العلوم الأخرى، ومنزلته العلمية عند أهل العلم أعلى وأرفع من أن ينوه بها، فقد وصفه السيوطي فقال: ((له في التفسير الذي لم يؤلف على نمطه)) وقال الشوكاني في وصفه: ((وهو من أحسن التفاسير إن لم يكن أحسنها)). وقال أحمد شاكر عنه: ((فإن تفسير الحافظ ابن كثير من أحسن التفاسير التي رأينا وأجودها وأدقها، بعد تفسير إمام المفسرين أبي جعفر الطبري ... )). ومما يزيد من القيمة العلمية للكتاب وأهميته منزلة مؤلفه كَُّهُ فهو من كبار العلماء وأحد الأئمة الحفاظ المبرِّزين. قال ابن قاضي شهبة عنه: ((إسماعيل بن عمر بن كثير الشيخ الإمام العالم العلامة الحافظ شيخ المفسرين، عمدة المحدثين والمؤرخين مفتي المسلمين ... )). وثناء العلماء على هذا الكتاب وعلى مؤلفه أمر مشهور ومعلوم، كله يدل على جلالة هذا التفسير العظيم وعظيم قدره عند الناس. ولذلك فقد رأت دار ابن الجوزي نشر هذا التفسير وطبعه طبعة علمية محققة ما وجدنا إلى ذلك سبيلاً، فكان أول من هيأ الله لنا لتحقيق هذا الكتاب فضيلة الشيخ أبا إسحاق الحويني - حفظه الله ورعاه - سنة ١٤١٢ هـ، فقمنا بإحضار النسخ الخطية للكتاب من مكة والقاهرة والكويت وإستنبول. ثم قام الشيخ - حفظه الله - بضبط النص وتخريج الأحاديث والآثار ودراستها والحكم عليها، وقد صدر منه جزءان، ونسأل الله تعالى أن يعينه على إتمام تحقيق الأجزاء المتبقية منه. ثم لما رأينا أن هذا العمل سوف يستغرق وقتاً طويلاً من الشيخ للمنهج الذي سلكه في التحقيق، ولانشغاله بأعمال الدعوة أشار علينا أن نكلف من نراه من أهل العلم بتحقيق الكتاب على أن يستمر هو بعمله. ب • مقدمة الناشر 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 فيسر الله لنا فضيلة الشيخ الدكتور حكمت بن بشير بن ياسين، واتفقنا معه على تحقيق الكتاب وطبعه طبعة علمية محققة، وفق المنهج الذي ذكره في مقدمته العلمية. هذا وقد استفدنا من عمل الشيخ أبي إسحاق الحويني - حفظه الله - مما طبعناه سابقاً وفي جزء ثالث سيصدر قريباً إن شاء الله، فقام فضيلة الشيخ الدكتور حكمت باختصار تخريجات الشيخ لهذه الأجزاء ثم عرضنا العمل على الشيخ أبي إسحاق فوافقنا عليه فجزاه الله خيراً. وهذه الطبعة كما ترى طبعة تتميز عن الطبعات الأخرى بالعناية اللائقة بها، من حيث الإخراج الفني والألوان وجودة الطباعة والتجليد، وهو عمل لا بد منه لهذا السفر العظيم. وأخيراً: ((فلا يكاد كتاب من كتب التراث يخرج إلى الوجود حتى تتناوله أقلام النقد في ترحيب ومبادرة لكي تشارك في تقويمه))(١). فلذلك نود من أهل العلم أن لا يبخلوا علينا بملاحظاتهم، لنتمكن من استدراكها في طبعات قادمة إن شاء الله. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعین. الناشر سعد بن فواز الصميل ١٤٣١/٢/١ هـ (١) انظر: ((قطوف أدبية)) دراسات نقدية في التراث العربي حول تحقيق التراث، لعبد السلام هارون (ص٦). • مقدمة المحقق 00000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 000 000 براسه الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه؛ أما بعد: ما يحتاجون من فقد سطع علم التفسير منذ نزول القرآن الكريم إذ بيّن النبي ◌َّ للصحابة بيان، ولما كان الصحابة من من أعرق القبائل العربية وحظوا بذلك البيان، فقد غدو من أعلم الناس بالتفسير ثم تلاهم تلاميذهم من التابعين الذين أخذوا هذا العلم عن الصحابة، وكتبوه عنهم فحازوا قصب السبق بكتابة التفسير فقد كان بعضهم يكتب التفسير مع عرض القرآن، إذ صحَّ عن مجاهد بن جبر المخزومي أنه عرض القرآن على ابن عباس ها ثلاث عرضات، ويسأله عن كل آية فيجيبه ابنذ عباس ﴿ه ويقول له: اكتب فيكتب (١)، فكانت هذه البداية المبكرة لكتابة التفسير عن ابن عباس ثم تلاه التابعي الجليل سعيد بن جبير الأسدي فقد أمره الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان أن يكتب التفسير، وكتب التفسير وأودعه في ديطوان الخليفة (٢)، واعتنى التابعون بإملاء التفسير على تلاميذهم فقد أملى مجاهد التفسير على بعض تلاميذه(٣) وكذلك الحسن البصري أملى التفسير على تلاميذه(٤) وقد انتشر علم التفسير مع انتشار الإسلام في الأرض، وكان التابعون عند فتوحهم البلدان لدخول الناس في دين الله تعالى يرفعون نداء الحق لإقامة الصلاة وقراءة القرآن الكريم والبيان لفهمه والعمل به. إن هذا العلم والعمل أفرز جيلاً من العلماء المفسرين من أتباع التابعين إذ تسلموا قيادة التعليم والإرشاد في أرجاء الخلافة الإسلامية فكان في مكة المكرمة ابن أبي نجيح عبد الله بن يسار راوي التفسير عن مجاهد، وعبد الملك بن عبد العزيز بن جريج صاحب ((التفسير))، وسفيان بن عيينة صاحب ((التفسير)) . وكان في المدينة ثلة من المفسرين منهم: الإمام مالك بن أنس أول من صنف التفسير رواية بالإسناد. وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم صاحب ((التفسير))، ونافع بن أبي نعيم القارئ صاحب ((التفسير))، ومصنف كتاب ((الوقف والابتداء))، وكتاب ((عدد المدني)). وكان في القدس عطاء بن أبي مسلم الخراساني صاحب ((التفسير)). (١) أخرجه الطبري بسند صحيح ((التفسير)) رقم (١٠٧). (٢) أخرجه ابن أبي حاتم ((الجرح والتعديل)) (٣٣٢/٦). (٣) انظر: ((المعرفة والتاريخ)) للفسوي (١٥٤/٢). (٤) انظر: ((جامع العلم وفضله)) لابن عبد البر (٨٩/١). ٦ • مقدمة المحقق 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وفي حمص علي بن أبي طلحة صاحب الصحيفة الشهيرة في التفسير المروية عن ابن عباس ◌ًا، وكتاب ((الوجوه والنظائر))، وكتاب ((الناسخ والمنسوخ)). وفي دمشق عطاء بن دينار الهذلي صاحب ((التفسير والمغازي)) وأغلب تفسيره رواية عن سعيد بن جبير وجادة، وهارون بن موسى الأعور مصنف ((الوجوه والنظائر في القرآن))(١). وكان في اليمن معمر بن راشد صاحب التفسير والمغازي وأغلب تفسيره رواية عن قتادة بن دعامة السدوسي، ومن اليمن أيضاً وهب بن منبه وله تفسير القرآن(٢). وكان في البصرة سعيد بن أبي عروبة راوي التفسير عن قتادة، وعمرو بن عبيد بن باب مصنف التفسير، ومبارك بن فضالة راوي التفسير عن الحسن البصري، وواصل بن عطاء المعتزلي مصنف ((معاني القرآن))، ومحمد بن سيف الأزدي صاحب ((التفسير))، ومعمر بن المثنى مصنف ((مجاز القرآن))(٣). وفي الكوفة سفيان الثوري صاحب ((التفسير)) (٤)، وعاصم بن أبي النجود المقري صاحب ((التفسير))، وجويبر بن سعيد الأزدي صاحب ((التفسير)) وغالب تفسيره عن الضحاك، ومحمد بن السائب الكلبي مصنف ((أحكام القرآن))، و((تفسير الذي نزل في أقوام بعينهم)) و«ناسخ القرآن و منسوخه)) . وفي بغداد محمد بن إسحاق (ت١٥٠هـ) صاحب ((التفسير)) و((المغازي))(٥)، وشيبان بن عبد الرحمن النحوي وأغلب تفسيره عن قتادة. وفي واسط هشيم بن بشير السلمي صاحب ((التفسير)). وفي مصر عبد الله بن لهيعة صاحب ((التفسير)) وغالب تفسيره عن عطاء بن دينار الهذلي عن سعيد بن جبير. وفي القيروان يحيى بن سلام صاحب ((التفسير)) (٦) وكتاب ((التصاريف في القرآن))(٧). وفي مرو عبد الله بن المبارك صاحب ((التفسير)). وفي خراسان الضحاك بن مزاحم صاحب ((التفسير)) وكتاب ((نزول القرآن))، والربيع بن أنس البكري صاحب التفسير وغالب تفسيره يرويه عن أبي العالية. وفي بلخ مقاتل بن سليمان البلخي صاحب ((التفسير))، وتفسير ((خمسمائة آية في الحلال والحرام)) و(الأشباه والنظائر))(٨) وهذه التفاسير خالية مما نسب إليه من التجسيم والتشبيه، وفي بلخ أيضاً: مقاتل بن حيان صاحب ((التفسير). (١) منه نسخة خطية في مكتبة تشستربتي ((الفهرس الشامل)) (٢٠/١). (٢) منه نسخة خطية في الهند في مكتبة سالارجنك ((الفهرس الشامل)) (١٧/١)، وقد نسب ((تفسير غريب القرآن)) لزيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ولم تصح نسبته إليه. (٣) طبع بتحقیق أ.د. محمد فؤاد سزكين. (٤) طيع بتحقيق أ. امتياز عرشي. (٥) وكتاب ((المغازي)) له علائق بالتفسير وأسباب النزول، ومن أتباع التابعين الذين صنفوا في السير والمغازي أبو معشر نجيح السندي (ت ١٧٠ هـ، ويحيى بن سعيد الأموي ت١٩٤ هـ). (٦) منه نسخة فريدة في مراكش. (٨) هذه الكتب الثلاثة مطبوعة. (٧) طبع بتحقيق أ.د.هند شلبي. ٧ • مقدمة المحقق 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وهذا الإنتاج كان من أوائل المؤلفات في هذه العلوم في القرن الثاني الهجري، وقد ساعد على فهم القرآن وتيسير التفسير، إذ كانت التفاسير في هذه الفترة تتكون من قطع وأجزاء وصحف ونسخ تتفاوت أحجامها ما بين الصغير والوسط، إذ لم تبلغ الموسوعات والجوامع التي ظهرت في القرن الثالث الهجري. ومن خلال الاطلاع على الموجود من هذه التفاسير نجدها تنقسم إلى قسمين: · قسم يعتمد على النقل للأثر وأغلب التفاسير من هذا النوع. • والقسم الآخر يقتصر على اللغة العربية فقط وهو قليل كصنيع معمر بن المثنى في (مجاز القرآن) الذي اقتصر على البيان اللغوي معتمداً على دواوين الشعراء المتقدمين. وقد تعرض مسلك أبي عبيدة لكثير من النقد فأثار الفراء إذ قال: لو حُملَ إلى أبو عبيدة لضربته عشرين في كتاب ((المجاز))(١)، ولكن الثروة الشعرية وضروب البلاغة التي تضمنها هذا الكتاب، تعطيه قيمة علمية لغوية وبلاغية وخصوصاً أن أبا عبيدة هو أول من فتح أبواب البلاغة في التفسير على الإطلاق، فله قصب السبق، فقد ذكر أنواعاً من علم المعاني كالاستفهام، والتقرير، والتنبيه، والنهي، والتحذير، والإنكار، والتسوية، والتحقيق، والتوعد، والأمر، والتهديد، والتمني، والإشارة إلى القريب بلفظ البعيد، والتقديم والتأخير، والقلب والتغليب، والالتفات، والحذف، والزيادة، والتوکید. كما ذكر أنواعاً من علم البيان كالتشبيه، والتمثيل، والاستعارة التصريحية، والاستعارة في الحرف، والاستعارة المكنية، وإجراء لفظ من يعقل على الجماد وما لا يعقل، والمجاز، والمرسل، والكناية، كما ذكر من علم البديع: المشاكلة(٢). وكذلك كتاب ((معاني القرآن)»(٣) للأخفش (ت٢١٥هـ) صنّفه في فترة حياة الإمام الكسائي (ت١٨٩ هـ) وقد تناول جملةً من ضروب البلاغة، فمن علم المعاني ذكر الاستفهام والمعاني المجازية التي يخرج إليها ومن تلك المعاني: التقرير، والسؤال بمعنى الطلب، والخبر، والإنكار والتوبيخ، والتعظيم والتهويل، ومن علم المعاني أيضاً: التقديم والتأخير، والقلب، والالتفات، والإظهار في مقام الإضمار، والفصل والوصل، وإيجاز الحذف، والإطناب. وتناول ضروباً من علم البيان كالتشبيه والمثل والاستعارة التصريحية والمجاز المرسل والكناية. كما تناول ضرباً في علم البديع وهو المشاكلة(٤). (١) ((معجم الأدباء)) (٧/ ١١٧). (٢) وقد استخرج جميع هذه الأنواع فضيلة الدكتور أحمد عبد الواحد في كتابه القيم ((الدراسات البيانية في المصنفات الأُول في معاني القرآن)) (ص٣٢ - ١٢٦). (٣) مطبوع. (٤) ينظر: ((الدراسات البيانية في المصنفات الأولى في معاني القرآن)) (ص١٣٥ - ٣٠٥). ٨ • مقدمة المحقق 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وهذا الإنتاج التفسيري انتشر في البلدان وازدانت به المراكز العلمية ففتح آفاقاً عظيمة في القرنين: الثاني والثالث الهجري فظهرت تفاسير نفيسة أفادت ممن تقدم ذكرهم كتفسير ابن أبي شيبة وسُنيد ومحمد بن يوسف الفريابي والإمام أحمد بن حنبل وأبي جعفر الرازي وآدم بن أبي إياس العسقلاني وعبد الرزاق بن همام الصنعاني. ثم ظهرت كتب في أحكام القرآن منها ما هو مسند الإمام الجهضمي وعنوانه ((أحكام القرآن))(١)، وفي علوم القرآن كتاب ((فهم القرآن))(٢) للمحاسبي وهو أول كتاب ((صنف في علوم القرآن))، تلا ذلك تفسير عبد بن حميد(٣) ثم تفسير الطبري. وظهرت كتب مسندة مساعدة لعلم التفسير مثل كتاب ((أسباب النزول)) لعلي بن المديني، و((الناسخ والمنسوخ)) القاسم بن سلام(٤)، وأحمد بن حنبل وأبي داود(٥). وفي بداية هذا القرن الثالث الهجري كان الفراء يملي كتاب ((معاني القرآن)) من حفظه كما صرح الراوي لهذا الكتاب واسمه أبو عبد الله محمد بن الجهم بن هارون السَّمري إذ قال: هذا الكتاب فيه معاني القرآن، أملاه علينا أبو زكريا يحيى بن زياد الفراء يرحمه الله عن حفظه من غير نسخة، في مجالسه أول النهار من أيام الثلاثاوات وبالجُمع من شهر رمضان، وما بعده من سنة اثنتين، وفي شهور سنة ثلاث، وشهور من سنة أربع ومائتين(٦) . ودخل التفسير في هذا القرن في طور جديد من حيث الموسوعية فإن الإمام الطبري لم يدع كلمة إلا وبينها، وقد نافت عدد رواياته على الستين ألف، وأما تفسير الإمام أحمد فبلغت رواياته مائة وعشرين ألف (٧)، وتفسير بقي بن مخلد (ت٢٧٦هـ) الذي يقع في سبعين جزء(٨)، وبلغت عدد مرويات عبد بن حميد في تفسيره أكثر من ثلاثة آلاف في ((الدر المنثور)) فقط، وقد جعلت تفسير الطبري في هذا القرن مع أن وفاته كانت سنة (٣١٠هـ) لأنه أملى تفسيره في سنة (٢٨٣هـ) إلى سنة (٢٩٠هـ)؛ أي: مكث سبع سنوات في إملاء التفسير، وكان ذلك في بغداد كما نقل المؤرخون، ومنهم ياقوت الحموي الذي حبر ترجمة حافلة شاملة وافية للإمام الطبري. إضافة إلى هذه التفاسير النفيسة فقد ظهرت كتب الحديث الشريف التي تبوب كتاب ((التفسير)) مثل: الصحيحين وسنن الترمذي والسنن الكبرى للنسائي وسنن سعيد بن منصور ومصنف ابن أبي شيبة(٩) . كما ظهر في هذا القرن أول مصنف يعتني ببيان مشكل القرآن إذا صنف ابن قتيبة (ت٢٧٦هـ)، (١) عندي منه قطعة مخطوطة مصورة من مكتبة جامع الزيتونة وقد أعطيتها لفضيلة أ.د.عامر حسن صبري لتحقيقها وقام بذلك على أحسن وجه، جزاه الله خيراً. (٢) مطبوع. (٤) مطبوع. (٣) توجد قطعة منه في حاشية تفسير ابن أبي حاتم وقد حققت وطبعت. (٥) وكلا الكتابين مفقود (٦) ((معاني القرآن الكريم)) (ص١). (٧) ينظر تفصيل ذلك في ((مقدمة مرويات الإمام أحمد بن حنبل في التفسير)). (٨) ((جذوة المقتبس)) (ص٣٥١). (٩) كلها مطبوعة. ٩ • مقدمة المحقق 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 كتاب ((تأويل مشكل القرآن)). وقد صنف أيضاً كتاب ((تفسير غريب القرآن))(١) ونقد فيه بعض التفاسير ومنها معاني القرآن للفراء والأخفش، ومجاز القرن لمعمر بن المثنى(٢). وبهذا نستنتج أن ظاهرة النقد للتفاسير برزت جلية في القرن الثالث الهجري. لقد بلغ تطور التفسير في القرآن الثالث مرحلة راقية من الشمول والجمع بين مدرستي الأثر والرأي، وأرى أن كتب المحدثين من الصحاح والجوامع التي جمعت حديث النبي ◌َّر وأقوال ـه، ساعدت على إثراء التفسير بروايات غزيرة دونت في كتب ((التفسير))، ونقلت الصحابة التفسير المأثور إلى طور الشمول والكمال؛ لأن في هذا القرن تضمنت كتب ((التفسير: الأحاديث النبوية المفسرة وأقوال الصحابة التفسيرية)) وكذا أقوال التابعين. والعجيب أن بعض مؤلفات القرن الثالث في التفسير لم نجد لها نسخة بل لم نجد نقلاً أو اقتباساً عنها! فهل هذه الكتب منسوبة؟ أم هي مندثرة؟ ولا شك أن البحث العلمي هو الذي يأتي بالجواب، فقد عثرنا على بعض النقولات من تفسير ابن ماجه، ومن تفسير الإمام أحمد بن حنبل، والتفسير الكبير للطبراني وتفسير الفريابي، وتفسير عبد بن حميد وغيرها من التفاسير التي ذكرتها وبينت طرق جمع نصوصها في كتابي الموسوم ((القواعد المنهجية في التنقيب عن المفقود من الأجزاء والكتب التراثية)). وفي القرن الرابع تطور التصنيف في التفسير فظهرت بعض التفاسير الفقهية مثل: كتب ((أحكام القرآن)) التي تتسم بالميل للمذهب الفقهي كالإمام الجصاص في كتابه ((أحكام القرآن))(٣)، فقد مال للمذهب الحنفي بل نال من الإمام الشافعي، بينما نجد الإمام الطحاوي الحنفي صنف في ((أحكام القرآن)) (٤) على طريقة المحدثين يرويه بأسانيده إلى الصحابة والتابعين دون النيل من أي أحد من العلماء. وفي القرن نفسه ظهرت بعض التفاسير اتسمت بتحري الحق وعدم التأثر بأحد المذاهب الفقهية، بل سلكت مسلكاً صحيحاً في تتبع الدليل والراوية الصحيحة كتفسير ابن أبي حاتم الرازي(٥). واعتمد في تفسيره على الرواية فقط، وكذا تفسير ابن المنذر(٦) وتفسير القاضي البستي (ت٣٠٧ هـ) (٧) . وقد تضخمت كتب ((الناسخ والمنسوخ)) المروية بالإسناد مما أثرت علم التفسير مثل كتاب ((الناسخ والمنسوخ)) للنحاس فإنه أضعاف كتاب أبي عبيد(٨). (١) كلاهما مطبوع. (٢) وللمزيد ينظر مقدمة: ((تفسير غريب القرآن)) (ص٤ - ٥)، و((تأويل مختلف الحديث)) (٢٣٠، ٢٣٦، ٢٤٥، ٤٣٩، ٤٤٠، ٤٤١). (٣) مطبوع. (٤) مطبوع. (٥) يوجد نصفه مخطوطاً وقد حقق وتقوم بنشره دار ابن الجوزي. (٦) توجد قطعة منه وقد قام بتحقيقها فضيلة د.سعد السعد. (٧) يوجد نصفه وقد حققه فضيلة د. عوض العمري وفضيلة د. عثمان وقد نالا درجة الدكتوراه من كلية القرآن الكريم في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة. (٨) كلاهما مطبوع. ١٠ • مقدمة المحقق 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وظهرت كتب بعنوان ((معانى القرآن)) معتمدة على الأثر مثل كتاب النحاس، كما صُنفت مؤلفات في إعراب القرآن منها كتاب ((إعراب القرآن))(١) للنحاس، وكان التأليف في الإعراب في هذا القرن مختصراً على قدر البيان لا يعربون كل كلمة وكل حرف كما في عهدنا الحاضر، وكتب الإعراب تساعد المفسرين في تصنيف تفاسيرهم، وللنحاس أيضاً كتاب ((القطع والائتناف))(٢) وقد أفاد كثيراً من كتاب ((التمام في علم الوقف والابتداء)» لنافع بن أبي نعيم القاري المدني، وأفاد أيضاً من كتاب ((الوقف)) ليعقوب بن إسحاق الحضرمي وكلاهما مفقود. وفي هذا القرن بدأ منهج الاختصار للتفاسير يظهر بوضوح، ومن الذين سلكوا هذا المنهج محمد بن عبد الله بن عيسى المعروف بابن أبي زمنين (ت٣٩٩هـ) في اختصاره لتفسير يحيى بن سلام ت٢٠٠هـ، وهود بن محكم المتوفى في أواخر القرن الرابع الذي اختصر تفسير يحيى بن سلام أيضاً (٣) . وفي هذا القرن كثرت وتوافرت التفاسير المسندة ونافت على المائة والعشرين تفسيراً فهذا أبو بكر محمد بن القاسم المعروف بابن الأنباري (ت٣٢٨هـ) كان يحفظ مائة وعشرين تفسير من تفاسير القرآن بأسانيدها (٤)، وهذه الكثرة فيها الغث والسمين ولهذا انبرى الإمام الناقد ابن أبي حاتم إلى تصنيف تفسير بأصح الأسانيد وهذه الظاهرة لم يسبق إليها وقد أفصح عن سبب تأليفه ((الجرح والتعديل)) لبيان معاني كلام الله تعالى وسنن المصطفى وير كما صرح في مقدمة الكتاب. وفي هذا القرن انبرى بعض المفسرين للرد على المعتزلة والقدرية والجهمية كالإمام محمد بن علي بن محمد أبي أحمد الكَرَجي(٥) المعروف بالقصاب (ت٣٦٠هـ) تقريباً في كتابه القيم ((نكت القرآن الدالة على البيان في أنواع العلوم والأحكام)) ويكاد أن لا يترك تفسير آية إلا ويرد فيها على المعتزلة والقدرية والجهمية والمرجئة، وهو من العلماء الذين برعوا في الردِّ بالأدلة النقلية العقلية . وفي هذا القرن ظهرت بعض التفاسير الضعيفة بسبب ضعف مؤلفيها كتفسير ((شفاء الصدور)) لأبي بكر النقاش (ت٣٥١هـ)(٦). وقد قلَّ الاهتمام بإيراد الأسانيد وفي بعض التفاسير ظهر فيها قلة إيراد الأسانيد في بعض التفاسير مثل كتاب ((بحر العلوم)) للسمرقندي، وكتاب ((نكت القرآن)) للكَرَجي، ((ومعاني القرآن)» للنحاس، وكان بعضهم يختصر الإسناد فيقتصر على ذكر الطريق وهذا الاختصار غير مخل إذا يعرف من خلال ذكر الطريق درجته من الصحة أو الضعف. وظهر في هذا القرن بعض كتب ((الاستدراك أو الردود)) وقد انبرى علي بن حمزة البصري (ت٣٧٥هـ) في كتابه ((التنبيهات على أغاليط الرواة)) لنقد أبي عبيدة في كتابه ((مجاز القرآن))(٧). (١) مطبوع. (٢) مطبوع. (٤) الرسالة المستطرفة (ص٧٩). (٣) وكلا المختصرين مطبوع. (٥) بفتح الكاف والراء وقد حقق كتابه في عدة رسائل في كلية القرآن في الجامعة الإسلامية بتحقيق أصحاب الفضيلة: د.علي بن غازي التويجري ود. إبراهيم بن منصور الجنيدل وأ.د. شايع بن عبده الأسمري. (٦) يحقق في جامعة الإمارات المتحدة. (٧) مقدمة المجاز (ص١٧). ١١ • مقدمة المحقق 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وفي هذا القرن تطور علم غريب القرآن على يد المفسر أبي بكر محمد بن عُزيز السجستاني (ت٣٣٠هـ) (١) فقد قام بتصنيف كتابه ((غريب القرآن)) على طراز جديد في الترتيب إذ رتبه على حروف المعجم ألفبائياً ويعتبر ابن عُزيز أول من فعل ذلك في كتاب ((غريب القرآن))؛ لأن من سبقه رتَّه على سور وآيات القرآن. وفي آخر هذا القرن ضمّن بعض المحدثين في رواياتهم كتاب ((التفسير)) كصنيع الحاكم في المستدرك فقد تضمن كتاب ((التفسير)) قرابة ٣٠٠ صفحة من طبعة الهند. ثم دخل القرن الخامس وفيه ازدادت ظاهرة حذف الإسناد بسبب طول الإسناد واختلط الصحيح بالسقيم في كثير من التفاسير كتفسير ((العيون والنكت)) للماوردي، وتفسير السمعاني(٢)، و(تفسير ضياء القلوب)) لسليم بن أيوب الرازي (ت٤٤٧هـ)(٣)، وتفسير مكي بن أبي طالب (ت٤٣٧هـ) ((الهداية إلى بلوغ النهاية)) (٤)، وبعض التفاسير تارة يسوق الراوية بإسناده وغالباً يحذف الإسناد كتفسير الكفاية للحيري (ت٣٤٠ هـ)(٥)، وبعض التفاسير حافظت على إيراد الإسناد كصنيع الثعلبي في كتابه ((الكشف والبيان))، ومن أهم مزايا هذا التفسير أنه ذكر مصادره في مقدمة تفسير، وهذه المصادر من الكتب العتيقة القديمة في علم القراءات وعلوم القرآن والتفسير وغريب القرآن والناسخ والمنسوخ وإعراب القرآن والوقف والابتداء وغيرها من الكتب النفيسة التي صنفت في القرن الثاني والثالث والرابع وساقها كلها بأسانيده. وأغلبها من قبيل المفقود مما يضفي قيمة علمية، أما ما ورد في هذا الكتاب من الحكايات العجيبة والروايات الغريبة والأحاديث الموضوعة والضعيفة فإنه قد اشتهر عنه ذلك لكن لم يشتهر عنه ذكر المصادر العتيقة القديمة والأسانيد القويمة، من أجل ذلك اقترحت تحقيق فحقق والحمد لله(٦). وفي هذا القرن برزت ظاهرة جديدة وهي: تعدد التفاسير للمصنف الواحد كما صنع الواحدي في ((الوجيز)) و((الأوسط)) و((المبسوط))(٧) فصنف ثلاثة تفاسير أحدها مختصر والآخر متوسط والثالث كبير إضافة إلى تصنيف كتاب ((أسباب النزول))(٨) وهذا التصنيف فيه تخيير حسب همة ورغبة طالب العلم وفيه تسهيل للمبتدئين وتذكير للمتبصرين. كما ظهرت بعض التفاسير اللغوية الجامعة مثل كتاب ((المفردات))(٩) للأصفهاني فإنه من التفاسير اللغوية المعتبرة، ولا يخلو من بعض التأويل بسبب نقله عن بعض الفلاسفة، ولكن تبقى (٢) كلاهما مطبوع. (١) مطبوع. (٣) مخطوط حقق في كلية القرآن الكريم في الجامعة الإسلامية ونال به فضيلة أ.د. ملفي بن ناعم الصاعدي درجة الماجستير. (٤) مطبوع. (٥) مخطوط حقق في كلية القرآن الكريم، وقد حقق منه جزءاً فضيلة الدكتور علي بن غازي التويجري. (٦) مطبوع وحقق في جامعة أم القرى وهو في طريقه إلى الطبع. (٧) هذه الكتب الثلاثة مطبوعة. (٩) مطبوع. (٨) مطبوع. ١٢ • مقدمة المحقق 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 فوائده تُميزه على الكتب السابقة، فهو من أحسنها وأفضلها وقد رتبه كترتيب ابن عُزيز على حروف المعجم ألفبائياً. وفي القرن الخامس ازدادت تفاسير المعتزلة وكثر انتشارها ومن أهمها: ((التهذيب في التفسير)) للحاكم الجشمي (ت٤٩٤هـ) أحد أساطين الاعتزال، والكتاب مخطوط وقد قدم له دراسة د. عدنان زرزور، وله أيضاً ((متشابه القرآن)) انتصر فيه لمذهبه. وهو شيخ الزمخشري، وحجم تفسير الحاكم أكبر من ضعف تفسير الزمخشري(١)، وقد حشد في تفسيره تفاسير رؤساء المعتزلة كالقاضي أبي علي الجبائي، والقاضي عبد الجبار، وأبي مسلم الأصفهاني، وأبي القاسم البلخي، وغيرهم. وفي مطلع هذا القرن ظهر اختصار لتفسير الإمام الطبري للتُجيبي (ت٤١٩هـ) وقد اختصره اختصاراً شديداً، وقد طبع في مجلد لطيف، في حاشية المصحف. وفي هذا القرن ظهرت بعض التفاسير الضعيفة مثل كتاب ((حقائق التفسير)) وهو من التفاسير المنحرفة لأبي عبد الرحمن محمد بن الحسين السلمي (ت٤١٢هـ) قال الذهبي: إنه تحريف وقرمطة(٢). كما ظهرت كتب الاستدراك في علم الوجوه والنظائر مثل كتاب ((وجوه القرآن)) للدامغاني لأبي عبد الله الحسين بن محمد الحنفي (ت٤٧٨هـ)، فقد استدرك ما فات مقاتل بن سليمان في كتابه (الوجوه والنظائر))(٣). كما ظهرت في هذا القرن بعض تفاسير المتكلمين كتفسير ابن فورك محمد بن الحسن الأصبهاني (ت٤٠٦هـ) (٤). وظهر أيضاً التفسير الإشاري أوسع مما في القرن الثالث وذلك في كتاب ((لطائف الإشارات)) لأبي القاسم القشيري (ت٤٦٥هـ)(٥)، وله التيسير في علم التفسير ومنه عدة نسخ خطية عديدة. وفي هذا القرن ظهرت بعض التفاسير ترد على التعصب المذهبي بتعصب مذهبي أيضاً كما في أحكام القرآن للكياالهراسي فقد ردَّ على الجصاص في ((أحكام القرآن))(٦) في انتقاده للشافعي ومدرسته، وتعصب في الوقت نفسه للمدرسة الشافعية، والعجيب أن الكياالهراسي نقل جلَّ الكتاب عن الجصاص بنصه وفصه، ولم يتعقبه في كثير من المسائل المهمة التي لا تتعلق في الخلاف بين الحنفية والشافعية، ومن تلك المسائل المهمة: إنكار السحر، والنيل من معاوية بن أبي سفيان څته. وفي هذا القرن برزت ظاهرة جمع النصوص التفسيرية كما قام الإمام البيهقي بجمع نصوص (١) الحاكم الجشمي (ص ٤٨٠). (٢) ينظر: ((مقدمة شيخ الإسلام)) (ص٩٢، ٩٣) تحقيق د.عدنان زرزور، والكتاب مطبوع. (٣) كلاهما مطبوع. (٤) حقق في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. (٥) طبع بتحقيق د. إبراهيم بسيوني في ستة مجلدات. (٦) كلاهما مطبوع. ١٣ • مقدمة المحقق 1000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 تفسيرية في أحكام القرآن عن الإمام الشافعي (١)، وهذه النصوص كلها آثار يرويها بسنده إلى الشافعي، ويرويها الشافعي عن السلف. كما ظهر في هذا القرن مؤلفات تفسيرية أُفردت لتفسير جزء أو سورة كصنيع أبي القاسم هبة الله بن عبد الوارث الشيرازي (ت٤٨٦هـ) إذ فسر سورة التكوير، وتوجد منه نسخ في جامعة إسلامبول، وبعضهم يفرد تفسيراً لجزء كصنيع أبي يوسف عبد السلام بن محمد بن يوسف بن بندار (ت٤٨٣هـ) فقد صنف ((حدائق التفسير لجزء عمّ))، وهذه التفاسير ورد ذكر نسخها الخطية في الفهرس الشامل للتراث. ثم دخل القرن السادس وظهر فيه منهج مبتكر في التفسير كصنيع الزمخشري فقد سلك منهجاً جديداً في عرض التفسير جذب فيه ألباب العلماء والمتعلمين والمثقفين قديماً وحديثاً إذ استخدم ضروب البلاغة من البديع والبيان والمعاني، واستفاد من مدرستي الرأي والأثر، وصاغ ما أفاده بأسلوب جزل وقول فصل، وباختصار دون تطويل في إيراد خلاف المفسرين، وهذا الذي ذكرته فيما لا يصطدم مع الاعتزال الذي رفع رايته، أما إذا تعارض التفسير مع مذهبه الاعتزالي فإنه يلوي التفسير ويثور على مخالفيه ويشكك بالأثر بل ينكر بعض الأحاديث الصحيحة الثابتة التي تنسف تأويلات المعتزلة من جذورها، وبهذا فقد رسخ الزمخشري آراء المعتزلة في هذا القرن. وفي هذا القرن ظهر ابتكار في نظم المتشابه اللفظي فصنف علي بن محمد بن عبد الصمد السخاوي (٥٥٨ - ٦٤٣ هـ) كتاباً منظوماً بعنوان (هداية المرتاب وغاية الحفاظ والطلاب)) وقد طبع مع شرحه بعنوان: ((التسهيل في ما يشتبه على القارئ من أي تنزيل)). وفي هذا القرن برزت بعض التفاسير التي تعتمد على تصفية واختصار وتنقية تفسير سابق كصنيع الإمام البغوي فقد اختصره من كتاب ((الكشاف والبيان)) للثعلبي، وحاول أن ينقّيه من الحكايات العجيبة والأحاديث الموضوعة، وحذف الكثير من الروايات الإسرائيلية ولكن بقي فيه مئات الإسرائيليات مما يدل على غزارة الإسرائيليات في تفسير الثعلبي. وفي آخر هذا القرن بدأ الفخر الرازي بتصنيف تفسيره المبتكر، فقد صرح في آخر تفسير سورة البقرة أنه تمَّ يوم الخميس في المعسكر المتاخم للقرية المسماة بأرصف سنة أربع وتسعين وخمسمائة، وفي آخر تفسير سورة آل عمران ورد أنه تمَّ يوم الخميس أول ربيع الآخر سنة خمس وتسعين وخمسمائة، ثم فسر بعض السور في مطلع القرن السابع في يوم الثلاثاء السابع عشر من صفر سنة اثنتين وستمائة في بلد غزنين - أي: بلد غزنة كما صرح ياقوت الحموي (٢) -. ولم يتمه واختلف في الذي أتمه وذهب يحيى المعلمي بأن تلميذه قاضي القضاة أحمد بن خليل الخوبي (ت٦٣٧ هـ) هو الذي أتمه، وقد سبقه في ذلك ابن أبي أُصيبعة في عيون الأنباء(٣) وقد عاصر الشيخ والتلميذ وقيل: إن الذي أتمه أحمد بن محمد القمولي كما في طبقات السبكي (٤) وسواء أتمه الخوبي أو القمولي فإن ظاهرة إكمال التفسير بدأت في هذا القرن السابع(6). (١) مطبوع. (٣) (٢٩/٢). (٢) (معجم البلدان)) (٤/ ٢٠١). (٤) (الطبقات الكبرى)) (٣٥/٥). (٥) مجموع فيه عدة كتب ليحيى المعلمي ومنها بحث حول تفسير الرازي (ص١٠٥ - ١١٠). ١٤ · مقدمة المحقق 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 ولقد اتسم تفسير الرازي بمنهج جديد في التفسير وهو الاعتناء بإيراد تناسب الآيات والسور والتركيز على الآيات الكونية بالاستفادة من علم الفلك والطب والهندسة والفلسفة، والاعتماد على علم أصول الفقه، ويعتبر من رواد علم التناسب بين السور وبين الآيات، وأن اهتمامه بتفسير الآيات الكونية يشكل عرضاً مبتكراً لتوحيد الربوبية. وفي هذا القرن ظهرت بعض التفاسير المقتصرة على تفسير آية كالبسملة وآية الكرسي وغيرها، أو تفسير سورة كسورة الفاتحة وغيرها، أو تفسير جزء من القرآن كتفسير جزء عمّ أو جزء تبارك، وهي تفاسير أغلبها خطيّة مذكورة في الفهرس الشامل. وفي القرن السابع ظهر نقد يؤكد على أهمية التفسير الأثري وتقديمه على التفسير اللغوي إذ حُذر من التسارع إلى اللغة العربية قبل النظر إلى الأثر، ومن هؤلاء الإمام القرطبي في مقدمة تفسيره، وابن الأثير في جامع الأصول في الجزء الثاني في مطلع قسم التفسير، وشيخ الإسلام ابن تيمية(١)، وفي كتابه مقدمة في أصول التفسير نقد بعض التفاسير كالزمخشري والثعلبي. وتكررت ظاهرة الاختصار فقد اختصر العز بن عبد السلام (ت ٦٦٠ هـ) تفسير النكت والعيون للماوردي. كما ظهرت كثرة المختصرات فقد اختصر الملك الصالح أبو الفتح محمد بن محمد بن قراسلان الأرتقي (ت٦١٩هـ) كتاب ((أسباب النزول)) للواحدي في كتابه ((أسباب نزول الآي)) منه نسخة فريدة في إمبروز يانا تقع في ١٥٤ ورقة كتبت ٧٨٢هـ(٢). وكذلك قام أحمد بن محمود النعماني الذي كان حياً في سنة (٦٢٦هـ) باختصار كتاب ((الموجز في التفسير)) لأسعد بن محمود أبي الفضائل العجلي الأصبهاني (ت٦هـ) فقد اختصره في كتاب ((الموجز من موجز التفسير))(٣). وفي هذا القرن ظهر تفسير الكواشي الموصلي الموسوم بتبصرة المتذكرة وتذكرة المتبصر، وقد اهتم اهتماماً بالغاً في علم الوقف والابتداء في كتابه هذا (٤)، وصنع كالواحدي في تفاسيره الثلاثة، فألف ثلاثة تفاسير المختصر والمتوسط والمطول كالوجيز والوسيط والمبسوط. وفي هذا القرن برزت ظاهرة الجمع من تفسيرين أو أكثر كما صنع ابن الأثير في كتابه ((الإنصاف في الجمع بين الكشف والكشاف)) جمع فيه بين تفسير الثعلبي والزمخشري(٥). وكذا صنع البيضاوي في تفسيره ((أنوار التنزيل وأسرار التأويل)) فقد جمع أغلب تفسيره من (١) ((مجموع الفتاوى)) (٣٥٥/١، ٣٥٦). (٢) ينظر: ((الفهرس الشامل)) (ص٢١٤ - ٢٤٢ - ٢٤٣). (٣) وتوجد منه نسخة فريدة في تشستربتي في ١٧٧ ورقة بخط يده، أما الأصل فمنه نسخة يتيمة في مكتبة الوزيري بطهران في (٢٢٠) ورقة. ينظر: ((الفهرس الشامل)) (ص٢١٤ - ٢٤٢ - ٢٤٣). (٤) وقد حققه فضيلة الدكتور عبد الله بن نافع العمري ونال به درجة الماجستير من كلية القرآن الكريم بالجامعة الإسلامية. (٥) ((معجم المفسرين)) (ص٤٦٢). ١٥ • مقدمة المحقق 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 الكشاف ثم من كتاب مفاتح الغيب للفخر الرازي ومن تفسير الراغب الأصفهاني. وأضاف عليها بعض الآثار واللطائف والنكات والاستنباطات، وأغلبها من الكتب المذكورة بعد الكشاف. وكذا صنع النسفي (ت٧٠١هـ) في تفسيره ((مدارك التنزيل وحقائق التأويل)) حيث جمع بين الكشاف وتفسير البيضاوي وحذف الاعتزاليات والتفاسير الموضوعة. كما ظهرت تفسير آية أو سورة أو تفسير جزء كما سبق في القرن السادس. وفي هذا القرن اعتنى بعض المفسرين ببيان المشكل كالعز بن عبد السلام (ت ٦٦٠هـ) فصنف كتاب ((فوائد في مشكل القرآن)) أجاب فيه على إشكالات قد ترد على بعض الآيات. وجلُّ هذه الإشكالات لغوية أو نحوية أو بلاغية(١). وفي هذا القرن صنف أبو شامة شهاب الدين عبد الرحمن بن إسماعيل الدمشقي (ت٦٦٥هـ) كتاب ((تتمة البيان لما أشكل من متشابه القرآن))(٢)، وله أيضاً تفسير آية الإسراء وهو مطبوع. وقد ظهر في هذا القرن بعض التفاسير المنحرفة كتفسير محيي الدين بن عربي (ت٦٣٨هـ) إذ شحن تفسيره بالمجازفات والخرافات. وفي مطلع القرن الثامن ولد الحافظ ابن كثير وحظي بنشأة علمية راقية، أهلته أن يكون أحد مشاهير علماء ذلك القرن، كما سيأتي في قسم الدراسة. وقبل الدخول في قسم الدراسة أذكر الخطة ومنهج التحقيق، أما الخطة فقد جعلتها في مقدمة وقسمين وفهارس، أما المقدمة فقد توجتها بنبذة عن بداية نشأة تصنيف التفسير، وعن تطوره إلى زمن الحافظ ابن كثير، وذكرت فيها الخطة، ومنهج التحقيق، وأسباب تحقيق الكتاب، أما القسم الأول فيتضمن دراسة عن الحافظ ابن كثير ومنهجه والقيمة العلمية للكتاب، وأما القسم الثاني فيشمل تحقيق النص. • وأما منهج التحقيق فهو كما يلي: ١ - الاعتماد على نسخة آيا صوفيا وسيأتي أسباب ذلك في وصف النسخ الخطية. ٢ - ضبط النص بالمقابلة بين الأصل والنسخ المساعدة وهي نسخة شستربتي ونسخة الحرم المكي والحميدية والمحمودية، وقد أعتمد على غير هذه النسخ عند الحاجة، ولا أُكثر من ذكر الفروق إلا ما له أهمية ولعدم إثقال الحواشي، فلم أذكر الاختلاف بين النسخ في عبارات الثناء . وقد على الله تعالى كلفظ ربَ، ثُعَلَ، والصلاة على الرسول، والترضي على الصحابة رمزت لهذه النسخ الرموز الآتية: أ - نسخة آيا صوفيا الكاملة: الأصل. ب - نسخة تشستربتي العتيقة: عش. ت - نسخة الحرم المكي العتيقة: عم. (١) وفي دار الكتب في القاهرة نسخة بعنوان ((كشف الإشكالات عن بعض الآيات))، ((الفهرس الشامل)) (١/ ٢٥٦). (٢) ومنه نسخة في الظاهرية كتبت في عهد المؤلف، ((الفهرس الشامل)) (١ /٢٥٧). ١٦ • مقدمة المحقق 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 ث - نسخة آيا صوفيا العتيقة الناقصة: عف. ج - نسخة الحرم المكي: ح. ح - نسخة المحمودية: مح. خ - نسخة الحميدية: حم (١). ٣ - لم أذكر أرقام اللوحات لأن الأصل وقع فيه خطأ في الترقيم. ٤ - كتابة الآيات القرآنية بالرسم العثماني مع عزوها إلى سورها وبيان رقم الآية. ٥ - تخريج الأحاديث: بما أن الهدف من التخريج في تحقيق تفسير ابن كثير هو الوصول إلى درجة الحديث فقد كان الضابط للتخريج هو معرفة صحة الحديث أو ضعفه(٢). وراعيت في التخريج ذكر السند والمتن غالباً، فإذا وقفت على السند والمتن فإني أنصُّ على ذلك بقولي على سبيل المثال: أخرجه البخاري بسنده ومتنه، وفي هذا التخريج زيادة توثيق وتحقیق. وبالنسبة للتخريج من مسند الإمام أحمد فقد كان من عدة طبعات فإذا ذكرت الجزء الأول والصفحة فقط فهو من الطبعة القديمة الميمنية، وإذا ذكرت رقم الحديث فقط فهو من طبعة الأستاذ أحمد شاكر، وإذا ذكرت الجزء والصفحة والرقم فهو من طبعة الرسالة بإشراف معالي الأستاذ الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي حفظه الله. وقد ذكرت الحكم على الحديث بالاعتماد على أقوال النقاد المعتبرين من المتقدمين، والمتأخرين، والمعاصرين. ٦ - تخريج الآثار تخريجاً يوصل إلى درجة الحكم، وقد اعتنيت بذلك عناية خاصة لأهمية الحكم على الآثار، وقد استفدت من مقدمتي للتفسير الصحيح وأضفت الأحكام في الأسانيد التي لم ترد في التفسير الصحيح، وأعتبر هذا التخريج من المميزات التي تفردت بها هذه الطبعة عن جميع الطبعات السابقة. (١) وأما رموز النسخ التي اعتمدها فضيلة الشيخ أبي إسحاق الحويني الأثري في الجزء الأول فهي كما يلي: النسخة الأولى: ورمزت لها بحرف ((أ))، النسخة الثّانية: ورمزت لها بحرف (ب))، النسخة الثالثة: ورمزت لها بحرف ((جـ))، النسخة الرَّابعة: ورمزتُ لها بحرف ((د))، النسخة الخامسة: ورمزت لها بحرف ((ز))، النسخة السادسة: رمزت لها برمز ((ر))، النسخة السابعة: ورمزت لها بالرمز ((س))، النسخة الثامنة: ورمزت لها بالرمز (ش)). النسخة التاسعة: ورمزت لها بالرمز ((ص))، النسخة العاشرة: ورمزت لها بالرمز ((ط))، النسخة الحادية عشرة: ورمزت لها بالرمز ((ع))، النسخة الثانية عَشْرَةً: ورمزت لها بالرمز ((ف))، النسخة الثالثة عَشْرة: ورمزت لها بالرمز ((ق))، النسخة الرَّابعة عشرة: ورمزت لها بالرمز ((ك))، النسخة الخامسة عشرة: ورمزت لها بالرمز ((ل))، النسخة السادسة عشرة: ورمزت لها بالرمز ((م))، النسخة السابعة عشرة، ورمزت لها بالرمز ((ن))، النسخة الثامنة عشرة: ورمزتُ لها بالرمز ((هـ))، النسخة التاسعة عشرة: ورمزت لها بالرمز ((و))، والنسخة العشرون: ورمزت لها بالرمز ((ى)). (٢) وعلى هذا المنهج اختصرت الجزء الأول من تفسير القرآن الكريم الذي قام بتحقيقه فضيلة الشيخ أبي إسحاق الحويني الأثري. فقد اختصرت التخريج وجعلت الهدف هو الحكم على الحديث، وقد حكمتُ على الأسانيد التي لم يذكر لها حكماً وجعلتها بين معقوفين للتمييز. ١٧ • مقدمة المحقق 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 ٧ - الاستفادة من مصادر المؤلف لتحرير النص. ٨ - الاختصار في العزو إلى المصادر: إذا كان المصدر من كتب التفسير التي تكرر كثيراً ومرتبة على سور المصحف فإني لا أذكر الصفحة والجزء كما في تفسير عبد الرزاق والطبري وابن أبي حاتم وغيره، وكذلك في النقل من تقريب التقريب لأنه مرتب على حروف المعجم، وأحياناً أذكر الجزء والصفحة والطبعة لبيان الفوائد في التحقيق ولأُبرهن أن الحافظ ابن كثير ينقل من تفسير الطبري بالمعنى، فيكون ما كتبه من حفظه أو قد يكون اعتمد على نسخة غير النسخ الخطية التي اعتمدها معالي أ.د. التركي والأستاذ أحمد شاكر، وهذا الأمر بعيد الاحتمال. ٩ - عزو الشعر إلى الدواوين. ١٠ - بيان القراءات المتواترة والشاذة. ١١ - التعليق على بعض الروايات، وإذا كانت الرواية من الإسرائيليات نبّهت على ذلك غالباً. ١٢ - بيان الغريب، وإذا لم أذكر المصدر في بيان الغريب فهو غالباً من كتاب ((النهاية)) لابن الأثير أو ((حاشية السندي على مسند الإمام أحمد)) نقلاً من المسند المطبوع بإشراف معالي الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي. ١٣ - ضبط ما يحتاج إلى ضبطه من الأسماء والكنى والألقاب والبلدان ونحو ذلك، مع ضبط ما یشکل من كلمات في الروايات وغيرها . ١٤ - عزو أقوال المفسرين إلى مصادرها. ١٥ - عمل الفهارس الفنية التي تساعد القارئ في البحث، وهي كما يلي: فهرس الآيات المستشهد بها . فهرس الأحاديث. فهرس الآثار. فهرس الأعلام. فهرس مصادر الحافظ ابن كثير. فهرس الشعر. فهرس الأمثال. فهرس البلدان. فهرس المصادر والمراجع. فهرس الموضوعات. وهذه الفهارس ستكون في الطبعة الثانية إن شاء الله تعالى. ١٨ • أسباب تحقيق الكتاب 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 Woo 20177 00000 ـ000 00000 أسباب تحقيق الكتاب لقد درَّست تفسير ابن كثير مدة عشرين سنة، وفي هذه الفترة كان كثير من الزملاء الأساتذة وكثير من الطلاب الذين درّستهم في الدراسات العليا وفي كلية القرآن الكريم وكلية الحديث الشريف، يقترحون عليَّ تحقيق الكتاب والحكم على أحاديثه وآثاره، ثم ازداد هذا الاقتراح حينما نشرت كتابي ((التفسير الصحيح))، كما طلب مني الشيخ الفاضل سعد الصميل مدير عام دار ابن الجوزي سنة (١٤١٥ هـ) أن أقوم بتحقيق الكتاب ولكني اعتذرت لانشغالي ببعض المهام العلمية، وفي سنة (١٤٢٦ هـ) أعاد عليَّ الاقتراح أن أُحقق التفسير بالاعتماد على نسخ خطية قديمة قيّمة حصل عليها، وأن يطبع الكتاب بطراز متميز. ولما انتهيت من تلك المهام العلمية رأيت أن أقوم بهذه المهمة مستعيناً بالله تعالى واستجبت لذلك الطلب، وجمعت ما كتبته من التعليقات والتخريجات والدراسات حول تفسير ابن كثير، وكان من أسباب تحقيق هذا الكتاب أن الآثار الواردة فيه تبلغ ألوف الروايات لم يحكم عليها المحققون. ومن الأسباب المهمة التي تشجع على إعادة تحقيق الكتاب وقوع بعض الأخطاء في جميع الطبعات بسبب التأثر بالطبعات السابقة، فيتكرر الخطأ في الطبعات اللاحقة بالاعتماد على الطبعات السابقة، وهذه بعض النماذج التي وقفت عليها : ١ - في تفسير سورة النساء آية [٩٥] عند قوله تعالى: ﴿غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ﴾ فقد سقط تفسير ابن عباس ظًا وهو قوله: ((أهل العذر)). ٢ - وكذا في تفسير قوله تعالى: ﴿كَانُواْ لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن ◌ُمنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ ﴾ [المائدة] فقد ذكر الحافظ رواية عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً بلفظ: ((أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر)) ثم ذكر رواية أصح بلفظ: ((أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر)) وفي جميع الطبعات وردت الروايتان بلفظ: ((كلمة حق)) وهو خطأ في الرواية الأولى وصحيح في الثانية. ٣ - وفي تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ ءَابَآؤُّكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَتُكُمْ﴾ [التوبة: ٢٤] نقل الحافظ ابن كثير عن الإمام أحمد رواية من حديث عبد الله بن عمر ◌ًا وقد صُحفت في جميع الطبعات إلى: عبد الله بن عمرو. ٤ - وفي تفسير سورة التوبة آية [٣٢، ٣٣] وقع تصحيف في كل الطبعات في اسم رجل ورد باسم: ابن حذيفة فصُحف إلى: أبي حذيفة كما في (ص٤٠) في الحاشية رقم (٤)، والرواية في المسند وردت بدون تصحيف (المسند ٣٦/٣٩ - ح ٢٣٨١٤). ١٩ • أسباب تحقيق الكتاب 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 ٥ - وفي تفسير قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَىَ الدِّينِ [التوبة] نقل الحافظ ابن كثير رواية الإمام مسلم عن عائشة كُلِّهِ، وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ قالت: سمعت رسول الله وَل﴿ يقول: ((لا يذهب الليل والنهار حتى تُعبد اللّات والعزّى)) فقلت: يا رسول الله إن كنت لا أظن حين أنزل الله ◌َت: ﴿هُوَ الَّذِى أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، وَلَوْ كَرِهَ اُلْمُشْرِكُونَ ﴾ أن ذلك تام. كذا في جميع الطبعات، والصحيح: تامّاً، كما في صحيح مسلم. ٦ - وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَا تَنْفِرُواْ فِ الْحُّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرَّأَ لَّوْ كَانُواْ يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة: ٨١]، ورد شعر ثم ذكر بعده لفظ: (كما قال الآخر) كذا في النسخ الخطية وجميع الطبعات وهو خطأ، والصواب أن يقال: كما قال الشاعر أو الراجز، والسبب في ذكر الآخر أنه التبس مع ما يليه لأنه قال: (قال الآخر) ثم ذكر له شعراً. (٨)﴾ [يوسف]، ذكر ٧ - وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِالَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ الحافظ ابن كثير رواية من طريق حماد بن سلمة عن عاصم الأحول عن عزرة، وقد حُرفت في النسخ الخطية وجميع الطبعات إلى: عاصم بن أبي النجود عن عروة. ٨ - وفي تفسير قوله تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِبَتٌ مِّنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ [الرعد: ١١] وردت رواية الطبري من طريق العوفي عن ابن عباس قال يعني: ((ولي السلطان يكون عليه الحرس)) فقد ورد في جميع الطبعات بلفظ: ((الشيطان)) إلا في طبعة الحلبي. ٩ - وكذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ وَحَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْنِىَ ◌ِهَايَةٍ إِلَّ ◌ِذْنِ اَللَّهِ لِكُلِّ أَجَلِ كِتَابُ ﴿ يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُتْبِتٌ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَبِ (٣)﴾ [الرعد] فقد أخرج الإمام أحمد حديثاً بسنده عن أبي أيوب رضيبه مرفوعاً: (أربع من سنن المرسلين: التعطر والنكاح والسواك والختان) فورد في النسخ الخطية وجميع الطبعات بلفظ: (الحناء) بدل: (الختان)، وهو تصحيف. ١٠ - وفي تفسير قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيِّرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَتُّ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ الْوَحِدِ الْقَهَّارِ [إبراهيم]، ذكر الحافظ ابن كثير رواية من طريق الربيع بن أنس عن كعب، كذا في النسخ الخطية وجميع الطبعات، والصواب: من طريق الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب، وهو طريق مشهور يتكرر كثيراً جداً في كتب التفسير بالمأثور. ١١ - في تفسير قوله تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا﴾ [الحجر: ٢]، نقل الحافظ رواية عن الطبري من طريق ابن أبي جروة العبدي عن ابن عباس وأنس بن مالك، وقد صُحفت في النسخ الخطية وجميع الطبعات إلى ((ابن أبي فروة)). ١٢ - وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِحُ بِّدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] وردت رواية الطبري بسند من طريق حُديد أبي الخطاب، وقد صحف إلى جرير أبي الخطاب في كل الطبعات والتصويب من النسخة الأم ومن طبعة تفسير الطبري المحققة. وهذه من مزايا هذه النسخة المعتمدة في التحقيق لتفسير ابن كثير. ٢٠ • أسباب تحقيق الكتاب 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 • ومن الأسباب أيضاً أن النسخة المعتمدة تفرّدت ببعض المزايا كما في تفسير قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ اَلْسِّجْنَ فَيَانٍ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنّ ◌َرَنِيّ أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآَخَرُ إِّ أَرَبِيّ أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِى خُبْزَا تَأْكُلُ اَلَّيْرُ مِنْهُ نِئْنَا بِتَأْوِيلِ: إِنَّا نَرَئِكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾﴾ [يوسف] فقد ورد في تفسير ابن مسعود ربه بلفظ: ((ما رأى صاحبا يوسف شيئاً، إنما كان تحالما ليجربا علمه)) فقد ورد في كثير من النسخ الخطية وتبعتها جميع الطبعات بلفظ: ((ليجربا عليه)) والصواب ما أثبت كما في التخريج من المصادر الأصلية القديمة، وينظر أيضاً في سورة الرعد آية [٣٨، ٣٩] رواية الإمام أحمد عن أبي أيوب ﴿به، وسورة التوبة آية [٣٣] في آخرها رواية الإمام مسلم.