Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
• سُورَةُ الْبَقَةَ (١٤، ١٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وكتبه ورسله، والبعث بعد الموت، والجنة والنار، وغير ذلك مما أخبر (المؤمنون)(١) به وعنه؛
وأطيعوا الله ورسوله في امتثال الأوامر وترك الزواجر ﴿قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَآ ءَامَنَ الشُّفَهَاءُ﴾ يعنون
- لعنهم الله -: أصحاب رسول الله وَله ﴿ه؛ قاله أبو العالية(٢)، والسدي في ((تفسيره))(٣) بسنده
عن ابن عباس، وابن مسعود، وغير واحد من الصحابة؛ وبه يقول الربيع بن (٤) أنس،
وعبد الرحمن بن زيد(٥) بن أسلم، وغيرهم: يقولون: أنصير نحن وهؤلاء بمنزلة واحدة، وعلى
طريقة واحدة، وهم سفهاء؟
والسفهاء: جمع سفيه كما أن الحكماء جمع حكيم، (والحلماء جمع حليم) (٦). والسفيه: هو
الجاهل الضعيف الرأي، القليل المعرفة بمواضع المصالح والمضار؛ ولهذا سمى الله النساء
والصبيان سفهاء في قوله (تعالى)(٧): ﴿وَلَا تُؤْتُواْ أَلُّفَهَاءَ أَمْوَلَكُمُ الَّتِ جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَمًا﴾ [النساء: ٥]
قال عامة علماء (التفسير)(٨): هم النساء والصبيان.
وقد تولى الله (لا) (جوابهم)(٩) في هذه المواطن كلها؛ فقال: ﴿أَلَّ إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾ فأكد
وحصر السفاهة فيهم.
﴿وَلَكِن لَّا يَعْلَمُونَ﴾ يعني: ومن تمام جهلهم أنهم لا يعلمون بحالهم في الضلالة والجهل؛
وذلك أردى لهم، وأبلغ في العمى والبعد عن الهدى.
﴿وَإِذَا لَقُواْ أَلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوَاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْ إِلَى شَيَطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ
.
اَللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُّهُمْ فِى كُغْيَنِهِمْ يَعْمَهُونَ
١٤
يقول تعالى: وإذا لقي هؤلاء المنافقون المؤمنين قالوا: ﴿ءَامَنَا﴾ (أي)(١٠): أظهروا لهم
الإيمان والموالاة والمصافاة غروراً منهم للمؤمنين ونفاقاً، ومصانعةً وتقيةً، وليشركوهم فيما
أصابوا من خير ومغنم.
﴿وَإِذَا خَلَوْ إِلَى شَيَطِينِهِمْ﴾ يعني: وإذا انصرفوا وذهبوا (وخلصوا)(١١) إلى شياطينهم؛ فضمن
((خلوا)) معنى انصرفوا؛ لتعديته بـ((إلى))، ليدلَّ على الفعل المضمر، والفعل الملفوظ به.
ومنهم من قال: ((إلى)) هنا بمعنى ((مع)). والأول أحسن. وعليه يدور كلام ابن جرير (١٢).
وقال السدي(١٣)، عن أبي مالك: ﴿خَلَوْا﴾ يعني: مضوا. وشياطينهم: سادتهم وكبراؤهم
ورؤساؤهم من أحبار اليهود ورؤوس المشركين والمنافقين.
(١) كذا في (ج) و(ع) و(ك) و(هـ) و(ي) ووقع في (ز) و(ل) و(ن): ((المؤمنين)) على اعتبار أن الفعل مبني
للمعلوم.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (١٢٩). [وسنده جيد].
(٣) أخرجه ابن جرير (٣٤٤). [وسنده ضعيف ويتقوى بالآثار التي تليه].
(٤) أخرجه ابن جرير (٣٤٥، ٣٤٦). [وسنده جيد]. (٥) ساقط من (ز).
(٧) في (ز): ((السلف)).
(٦) من (ز) و(ن).
(٨) ليس في (ع) و(ل) و(هـ) و(ي) وسقط لفظ ((تعالى)) من (ز) و(ن).
(٩) في (ل): ((إخوانهم)).
(١١) في (ز): ((وأخلصوا)).
(١٣) أخرجه ابن أبي حاتم (١٤٠). [وسنده حسن].
(١٠) ساقط من (ن).
(١٢) في ((تفسيره)) (٢٩٨/١).

٢٨٢
• سُوَرَّةُ الْبَقَةِ (١٤، ١٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
قال السدي في ((تفسيره) (١)، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة
(الهمداني)(٢)، عن ابن مسعود؛ وعن ناس من أصحاب النبي ◌َّ: ﴿وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَطِينِهِمْ﴾
(٣) [يعني: هم رؤوسهم في الكفر](٣).
(٤) [وقال الضحاك(٥)، عن ابن عباس: وإذا خلوا إلى أصحابهم وهم شياطينهم] (٤).
وقال محمد بن(٦) إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن
عباس: ﴿وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَطِينِهِمْ﴾ من يهود الذين يأمرونهم بالتكذيب، وخلاف ما جاء به
الرسول الآخر.
وقال مجاهد(٧): ﴿وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَطِينِهِمْ﴾ إلى أصحابهم من المنافقين والمشركين.
وقال قتادة (٨): ﴿وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَطِينِهِمْ﴾ قال: إلى رؤوسهم وقادتهم في الشرك والشر.
وبنحو ذلك فسره أبو مالك، وأبو العالية، والسدي، والربيع بن أنس.
قال ابن جرير: وشياطين كل شيء مردته، ويكون الشيطان من الإنس والجن؛ كما قال تعالى:
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَطِيْنَ اَلْإِنِسِ وَالْجِنِّ يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضِ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً﴾
[الأنعام: ١١٢].
وفي ((المسند))(٩)، عن أبي ذرِّ؛ قال: قال رسول الله وَله: «تعوَّذ بالله من شياطين الإنس
والجن)). فقلت: يا رسول الله، أو للإنس شياطين؟ قال: ((نعم)).
وقوله تعالى: ﴿قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ﴾ قال محمد بن إسحاق(١٠)، عن محمد بن أبي محمد، عن
عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ أي: إنا على مثل ما أنتم عليه ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ﴾
أي: إنما نحن نستهزئ بالقوم ونلعب بهم.
وقال الضحاك (١١)، عن ابن عباس؛ قالوا: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ﴾ ساخرون بأصحاب
محمد ﴾﴾.
(١) ومن طريقه ابن جرير (٣٥١). [وسنده ضعيف، ويشهد له سابقه].
(٢) من (ن).
(٣) ساقط من (ك).
(٤) ساقط من (ك).
(٥) أخرجه ابن جرير (٣٤٩)؛ وابن أبي حاتم (١٣٦) وسنده ضعيف.
(٦) أخرجه ابن جرير (٣٥٠)؛ وابن أبي حاتم (١٣٧). [وسنده حسن].
(٧) أخرجه ابن جرير (٣٥٥)؛ وابن أبي حاتم (١٣٩)؛ وعبد بن حميد، كما في ((الفتح)) (١٦١/٨)، من
طريقين عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد وسنده صحيح.
(٨) أخرجه ابن جرير (٣٥٢)؛ وابن أبي حاتم (١٣٨) من طريق عبد الوهاب بن عطاء ويزيد بن زريع، عن
سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة. وهذا سند صحيح، وعبد الوهاب ويزيد من قدماء أصحاب سعيد.
(٩) للإمام أحمد (١٧٨/٥، ١٧٩) وتقدم تخريجه في ((سورة الفاتحة)) عند الكلام على الاستعاذة.
(١٠) أخرجه ابن جرير (٣٥٠)؛ وابن أبي حاتم (١٤١). [وسنده حسن].
(١١) أخرجه ابن جرير (٣٥٩)؛ وابن أبي حاتم (١٤٢) وسنده ضعيف [ويشهد له ما يليه].

٢٨٣
• سُورَةُ الْبَقَةَ (١٤، ١٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وكذلك قال الربيع(١) بن أنس، وقتادة.
.
وقوله تعالى جواباً لهم ومقابلةً على صنيعهم: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُّهُمْ فِي ◌ُغْيَتِهِمْ يَعْمَهُونَ
وقال ابن جرير (٢): أخبر تعالى أنه فاعل بهم ذلك يوم القيامة في قوله (تعالى)(٣): ﴿يَوْمَ يَقُولُ
الْمُنَّفِقُونَ وَالْمُتَفِقَلْتُ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْظُرُونَا نَقْتَيِسْ مِن نُّوِكُمْ قِلَ أَرْجِعُواْ وَرَّكُمْ فَالْتَمِسُواْ نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابُ
بَِنُ فِهِ الرَّحْمَةُ وَظَهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ ﴾ الآية [الحديد] وقوله (تعالى)(٣): ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ
كَفَرُواْ أَنََّا نُعْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنْفُسِهِمَّ إِنََّا نُعْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًّا﴾ الآية [آل عمران: ١٧٨].
قال(٤): فهذا وما أشبهه من استهزاء الله تعالى ذكره، وسخريته ومكره، وخديعته للمنافقين
وأهل الشرك به، عند قائل هذا القول ومتأول هذا التأويل.
قال(٥): وقال آخرون: بل استهزاؤه بهم توبيخه إياهم، ولومه لهم على ما ركبوا من معاصيه
والكفر به.
قال(٥): وقال آخرون: هذا وأمثاله على سبيل الجواب؛ كقول الرجل لمن يخدعه إذا ظفر به:
أنا الذي خدعتك. ولم يكن منه خديعة، ولكن قال ذلك إذا صار الأمر إليه.
قالوا: وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَكِرِينَ ﴾﴾ [آل عمران] و﴿اللّهُ
يَسْتَهْزِئُ بِمْ﴾ على الجواب؛ والله لا يكون منه المكر ولا الهزء. والمعنى أن المكر والهزء حاق
بهم.
وقال آخرون: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ ﴿ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ وقوله: ﴿يُخَدِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ
خَدِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢] وقوله: ﴿فَسْخَرُونَ مِنْهُمُّ سَخِرَ اَللَّهُ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩] وهنَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾
[التوبة: ٦٧] وما أشبه ذلك، إخبار من الله تعالى أنه مجازيهم جزاء الاستهزاء، (ومعاقبهم)(٥)
عقوبة الخداع، فأخرج خبره عن (جزائه)(٦) إياهم، وعقابه لهم، مخرج خبره عن فعلهم الذي
عليه استحقوا العقاب في اللفظ، وإن اختلف المعنيان، كما قال تعالى: ﴿وَحَزَّوًا سِئَةٍ سَيِّئَةٌ
مِثْلُهَاً﴾(٧) [الشورى: ٤٠] وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ أُعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَأَعْتَدُواْ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٩٤] فالأول ظلم،
والثاني عدل، فهما وإن اتفق لفظهما فقد اختلف معناهما. قال: وإلى هذا المعنى وجهوا كل ما
في القرآن من نظائر ذلك.
قال(٨): وقال آخرون: إن معنى ذلك أن الله أخبر عن المنافقين أنهم إذا خلوا إلى مردتهم
قالوا: إنا معكم على دينكم في تكذيب محمد (وَل))(٩) وما جاء به وإنما نحن بما نظهر لهم من
قولنا لهم مستهزئون؛ فأخبر تعالى أنه يستهزئ بهم، فيظهر لهم من أحكامه في الدنيا - يعني: من
عصمة دمائهم وأموالهم - خلاف الذي لهم عنده في الآخرة؛ يعني: من العذاب والنكال.
(١) أخرجهما ابن جرير (٣٦١، ٣٦٢). [بسندين ثابتين].
(٣) من (ز) و(ن).
(٢) في ((تفسيره)) (٣٠١/١).
(٤) يعني: ابن جرير (٣٠٢/١، ٣٠٣).
(٦) في (ز): ((جوابه)).
(٨) يعني: ابن جرير (٣٠٣/١).
(٥) في (ز): (يعاقبهم)).
(٧) في (ن): ((فمن عفا وأصلح فأجره على الله)).
(٩) من (ز) و(ن).

٢٨٤
• سُورَةُ النََّقَةِ (١٤، ١٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
ثم شرع ابن جرير (١) يوجه هذا القول وينصره؛ لأن المكر والخداع والسخرية على وجه اللعب
(والعبث)(٢) (منتف)(٣) عن الله ري بالإجماع. وأما على وجه الانتقام والمقابلة بالعدل والمجازاة
فلا يمتنع ذلك.
قال: وبنحو ما قلنا فيه روي الخبر عن ابن عباس(٤): حدثنا أبو کریب، حدثنا عثمان، حدثنا
بشر، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس - في قوله تعالى: ﴿اللّهُ يَسْتَهْزِئُ بِمْ﴾ قال:
يسخر بهم للنقمة منهم.
وقوله تعالى: ﴿وَيَئُلُّهُمْ فِى مُفْيَنِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ قال السدي(٥)، عن أبي مالك، وعن أبي صالح،
عن ابن عباس، وعن مرة (الهمداني)(٦)، عن ابن مسعود، وعن أناس من أصحاب النبي ◌َّ:
يمدهم: يملي لهم. وقال مجاهد(٧): یزیدهم.
(٨) [وقال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُهُر ◌ِهِ، مِن ◌َالٍ وَبِينٌ (@)
تُشَارِعُ لَمْ فِى الْخَيْرَتِّ بَل لَّا يَشْعُرُونَ
٥٦
[المؤمنون] وقال:](٨) (٩) [﴿مَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٢] قال بعضهم: كلما
أحدثوا ذنباً أحدث لهم نعمةً، وهي في الحقيقة نقمة. وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَُواْ مَا ذُكِرُواْ بِهِ،
فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَبَ كُلِّ شَىْءٍ حََّ إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ لَخَذْنَهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ تُبْلِسُونَ ﴿ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ
الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ (9)](٩) [الأنعام].
قال ابن(١٠) جرير: والصواب يزيدهم على وجه الإملاء والترك لهم في عتوهم وتمردهم؛ كما
قال (تعالى)(١١): ﴿وَنُقَلِّبُ أَفِدَتَهُمْ وَأَبْصَرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ، أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِ طُغْيَنِهِمْ يَعْمَهُونَ
00﴾ [الأنعام].
والطغيان: هو المجاوزة في الشيء، كما قال (تعالى)(١٢): ﴿إِنَّا لَمَا طَغَا الْمَآءُ حَمَلْنَكُمْ فِي الْمَرِيَةِ
[الحاقة].
وقال الضحاك(١٣)، عن ابن عباس: ﴿فِي ◌ُغْيَنِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ في كفرهم يترددون. وكذا فسره
السدي(١٤) بسنده عن الصحابة، وبه(١٥) يقول أبو العالية، وقتادة، والربيع بن أنس، ومجاهد،
وأبو مالك، وعبد الرحمن بن زيد: في كفرهم وضلالتهم.
(١) في ((تفسيره)) (٣٠٣/١).
(٣) في (ن): ((منتفی))!
(٥) في (تفسيره)، ومن طريقه ابن جرير (٣٦٤)؛ وأخرجه ابن أبي حاتم (١٤٤) عن السدي قوله. [وسنده ضعيف].
(٦) من (ن).
(٧) أخرجه ابن جرير (٣٦٥)؛ وابن أبي حاتم (١٤٥). [وسنده صحيح] وعزاه السيوطي في (الدر)) (١/ ٣١)
للفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٨) ساقط من (ز).
(١٠) في ((تفسيره)) (٣٠٧/١).
(٩) ساقط من (ز).
(١١) من (ز) و(ن).
(١٢) من (ن).
(١٣) أخرجه ابن جرير (٣٦٦)؛ وابن أبي حاتم (١٤٨) وسنده ضعيف [ويشهد له ما يليه].
(١٤) أخرجه ابن جرير (٣٦٧). [وسنده ضعيف ويشهد له ما يليه].
(١٥) أخرج أقوالهم: ابن جرير (٣٦٨، ٣٦٩، ٣٧٠)؛ وابن أبي حاتم (١٤٧). [وكلها أسانيد ما بين صحاح وجياد].
(٢) في (ج): ((العنت))!
(٤) يعني ابن جرير (٣٦٣) وسنده ضعيف.

٢٨٥
سُورَةُ الْبََّقَةُ (١٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
قال ابن جرير(١): والعمه: الضلال، يقال: عَمِه فلان يعمه عمهاً وعموها، إذا ضل. قال:
وقوله: ﴿فِي ◌ُغْيَنِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ في ضلالتهم، وكفرهم الذي غمرهم دنسه، وعلاهم رجسه،
يترددون حيارى ضُلالاً، لا يجدون إلى المخرج منه سبيلاً؛ لأن الله (تعالى)(٢) قد طبع على
قلوبهم، وختم عليها، وأعمى أبصارهم عن الهدى، وأغشاها؛ فلا يبصرون رشداً، ولا يهتدون
سبيلاً .
(٣)[وقال بعضهم: العمى في العين، والعمه في القلب؛ وقد يستعمل العمى في القلب أيضاً؛
قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَرُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِى فِ الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦].
وتقول: عمه الرجل يعمه عموهاً فهو عمه وعامه، وجمعه عُمَّةٌ. وذهبت إبله (العمهى)(٤)؛ إذا
لم يدر أين ذهبت](٣).
] ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أُشْتَرَوُاْ الضَّلَلَّةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت ◌َتْجَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ
.
قال السُّدِيُّ في ((تفسيره))(٥)، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة، عن
ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الضَّلَلَةَ بِالْهُدَى﴾ قال: أخذوا
الضلالة، وتركوا الهدى.
وقال (محمد)(٦) بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن
ابن عباس(٧): ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَشْتَّرَوَأْ الضَّلَلَّةَ بِالْهُدَى﴾ أي: الكفر بالإيمان.
وقال مجاهد(٨): آمنوا ثم كفروا.
وقال قتادة(٩): استحبوا الضلالة على الهدى.
وهذا الذي قاله قتادة يشبهه في المعنى قوله تعالى في ثمود: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَهُمْ فَاسْتَحَبُّواْ أَلْعَمَ
عَلَى اَلْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧].
وحاصل قول المفسرين فيما تقدم أن المنافقين عدلوا عن الهدى إلى الضلال، واعتاضوا عن
الهدى بالضلالة؛ وهو معنى قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَّرَوُاْ الضَّلَلَةَ بِالْهُدَى﴾ أي: بذلوا الهدى
ثمناً للضلالة. وسواء في ذلك من كان منهم قد حصل له الإيمان ثم رجع عنه إلى الكفر؛ كما
قال (تعالى) (١٠) فيهم: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ فَطْبَعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [المنافقون: ٣] وأنهم استحبوا
(١) في ((تفسيره)) (٣٠٩/١).
(٢) ليس في (ن).
(٣) ساقط من (ز) و(هـ).
(٤) في (ن): ((العمهاء)).
(٥) ومن طريقه ابن جرير (٣٨١)؛ وأخرجه ابن أبي حاتم (١٥٥) عن السدي قوله. [وسنده ضعيف].
(٦) من (ل).
(٧) أخرجه ابن جرير (٣٨٠)؛ وابن أبي حاتم (١٥٣) [وسنده حسن].
(٨) أخرجه ابن جرير (٣٨٣، ٣٨٤)؛ وابن أبي حاتم (١٥٤) من طرق عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد وسنده
صحیح.
(٩) أخرجه ابن جرير (٣٨٢)؛ وابن أبي حاتم (١٥٢) من طريقين عن قتادة، وسنده جيد.
(١٠) من (ز) و(ن).

٢٨٦
• سُورَةُ البََّةِ (١٧، ١٨)
الضلالة على الهدى، كما (قد)(١) يكون حال فريق آخر منهم؛ فإنهم أنواع وأقسام؛ ولهذا قال
تعالى: ﴿فَمَا رَبِحَت ◌َجَرَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ﴾ أي: ما ربحت (صفقتهم)(٢) في هذه البيعة.
﴿وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ﴾ أي: راشدين في صنيعهم ذلك.
وقال ابن(٣) جرير: حدثنا (بشر)(٤)، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد، عن قتادة ﴿فَمَا رَبِحَت ◌َخَرَتُهُمْ
وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ﴾ قد والله رأيتموهم خرجوا من الهدى إلى الضلالة، ومن الجماعة إلى الفرقة،
ومن الأمن إلى الخوف، ومن السنة إلى البدعة.
وهكذا رواه ابن أبي حاتم(6) من حديث يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة بمثله سواء.
﴿وَمَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِى أَسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَآءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِشُورِهِمْ وَتَرَكَّهُمْ فِي نُلُمَاتٍ
لَا يُبْصِرُونَ ( عُمْ بَكْم عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ
.
(٦) [يقال: مثلي ومثل ومثيل أيضاً. والجمع أمثال؛ قال الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ نَضْرِيُّهَا
لِلنَّاسِّ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّ الْعَلِّمُونَ ﴾﴾](٦) [العنكبوت].
(وتقرير)(٧) هذا المثل أن الله سبحانه شبههم في اشترائهم الضلالة بالهدى، وصيرورتهم بعد
البصيرة إلى العمى، بمن استوقد ناراً، فلما أضاءت ما حوله، وانتفع بها، وأبصر بها ما عن
يمينه وشماله، وتأنس بها؛ فبينا هو كذلك إذ طفئت ناره، وصار في ظلام شديد، لا يبصر ولا
يهتدى؛ وهو مع (ذلك)(٨) أصم لا يسمع، أبكم لا ينطق، أعمى لو كان ضياء لما أبصره؛ فلهذا
لا يرجع إلى ما كان عليه قبل ذلك، فكذلك هؤلاء المنافقون في استبدالهم الضلالة عوضاً عن
الهدى، واستحبابهم الغي على الرشد.
وفي هذا المثل دلالة على أنهم آمنوا، ثم كفروا، كما أخبر (تعالى عنهم)(٩) في غير هذا
الموضع. والله أعلم.
(١٠) [وقد حكى هذا الذي قلناه (فخر الدين)(١١) الرازي في](١٠) (١٢) [((تفسيره) عن السدي(١٣)؛
ثم قال: والتشبيه ها هنا في غاية الصحة؛ لأنهم بإيمانهم اكتسبوا أولاً نوراً، ثم بنفاقهم ثانياً
أبطلوا ذلك (النور) (١٤) فوقعوا في حيرة عظيمة؛ فإنه لا حيرة أعظم من حيرة الدين] (١٢).
(١) ساقط من (ز) و(ن).
(٢) في (ج): ((صفتهم) !!
(٣) في ((تفسيره)) (٣٨٥).
(٤) في (ن): ((بشير)) وهو خطأ وفي ((تفسير الطبري)): ((بشر بن معاذ)). [وسنده صحيح].
(٥) في ((تفسيره)) (١٥٧) من طريق العباس بن الوليد ثنا يزيد بن زريع به. [وسنده صحيح].
(٧) في (ن): ((وتقدير)).
(٦) ساقط من (ز).
(٨) في (ن): ((هذا)).
(٩) كذا في (ل) و(ن) وفي (ج) و(ز) و(ع) و(ك) و(هـ) و(ي): ((عنهم تعالى)).
(١٠) ساقط من (ز).
(١٢) ساقط من (ز).
(١٤) ساقط من (ن).
(١١) ساقط من (ل) و(ن).
(١٣) وأخرجه ابن جرير (٣٨٨) عن السدي.

٢٨٧
سُورَةُ الَفَةَ (١٧، ١٨)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وزعم ابن جرير أن المضروب لهم المثل ها هنا لم يؤمنوا في وقت من الأوقات؛ واحتج
بقوله (تعالى)(١): ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَا بِاللَّهِ وَبِأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ
(له)﴾ [البقرة].
والصواب أن هذا إخبار عنهم في حال نفاقهم وكفرهم؛ وهذا لا ينفى أنه كان حصل لهم إيمان
قبل ذلك ثم سلبوه، وطبع على قلوبهم. ولم يستحضر ابن جرير (كَُّ)(١) هذه الآية ها هنا، وهي
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ فَطْبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ ﴾﴾ [المنافقون] فلهذا وجه
هذا المثل بأنهم استضاءوا بما أظهروه من كلمة الإيمان؛ أي: في الدنيا؛ ثم أعقبهم ظلمات يوم
القيامة. قال: وصح ضرب مثل الجماعة بالواحد، كما قال: ﴿رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُهُمْ كَلَّذِى
يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْنِ﴾ [الأحزاب: ١٩] أي: كدوران الذي يغشى عليه من الموت، وقال تعالى: ﴿مَا
◌َلْقُّكُمْ وَلَا بَعْتُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨] (٢) [وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُواْ النَّوْرَةَ ثُمَّ لَمْ
يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥].
وقال بعضهم: تقدير الكلام: مثل قصتهم (كقصة) (٣) (الذي استوقد)(٤) ناراً.
وقال بعضهم: المستوقد واحد لجماعة معه. وقال آخرون: ((الذي)) ها هنا بمعنى ((الذين))،
كما قال الشاعر(٥):
وإن الذي حانت بفلج دماؤهم هم القوم كل القوم يا أم خالد](٢)
قلت: وقد التفت في أثناء المثل من الواحد إلى الجمع في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ
ذَهَبَ اللَّهُ بِئُورِهِمْ وَرَّكَّهُمْ فِي نُلُمَاتٍ لَّا يُبْصِرُونَ ﴾ ◌ُمْ بُكْمَّ عُنْىٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (٣)﴾ وهذا أفصح في
الكلام، وأبلغ في النظام.
وقوله (تعالى)(٦): ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ أي: (أذهب)(٧) عنهم ما ينفعهم، وهو النور، وأبقى
لهم ما يضرهم، وهو الإحراق والدخان.
﴿وَرَّكَّهُمْ فِ ظُلُمَاتٍ﴾ وهو ما هم فيه من الشك والكفر والنفاق ﴿لَّ يُبْصِرُونَ﴾ لا يهتدون إلى (سبيل)(٨)
خير، ولا يعرفونها، وهم مع ذلك ﴿ُّمٌ﴾ لا يسمعون خيراً، (﴿بُكْم)) لا يتكلمون بما ينفعهم،
(﴿عُنْىٌ﴾) في ضلالة وعماية البصيرة؛ كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَرُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِى
فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] فلهذا لا يرجعون إلى ما كانوا عليه من الهداية التي باعوها بالضلالة.
(١) من (ز) و(ن).
(٣) في (ك): ((كمثل)).
(٢) ساقط من (ز).
(٤) في (ن): ((الذين استوقدوا)).
(٥) قال الشيخ محمود شاكر حفظه الله في تعليقه على ((تفسير الطبري)) (٣٢٠/١): ((هذا الشعر للأشهب بن
رميلة وعزا ذلك لـ((الخزانة)) (٥٠٧/٢، ٥٠٨)؛ و((البيان)) (٥٥/٤)؛ و((كتاب سيبويه)) (٩٦/١)؛ و((المؤتلف
والمختلف)) (٣٣) للآمدي، وذكر البغدادي أن أبا تمام أنشد البيت في أبيات لحريث بن محفض في كتابه
((مختار أشعار القبائل)). وروايته ((إن اللآلى) ولا شاهد فيه، وهم يقولون: إن النون حذفت من ((الذين)).
فصارت ((الذي لطول الكلام وللتخفيف، وهي بمعنى الجمع لا المفرد، و((فلج)) وادٍ بين البصرة وحمى
ضریة، كانت فيه هذه الواقعة التي ذكرها)) . اهـ.
(٦) من (ز) و(ن).
(٧) في (ك) و(ن): ((ذهب))؛ وفي (ن): ((ذهب عنهم بما)).
(٨) في (ز): ((سبل)).

٢٨٨
• سُورَةُ الََّقَةُ (١٧، ١٨)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
ذكر أقوال المفسرين من السلف بنحو ما ذكرناه:
قال السدي في «تفسيره))(١)، عن أبي مالك؛ وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة
(الهمداني)(٢)، عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة - في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَضَآَتْ مَا حَوْلَهُ﴾
زعم أن ناساً دخلوا في الإسلام مقدم نبي الله وَّ ر المدينة، ثم إنهم نافقوا، فكان مثلهم كمثل رجل
كان في ظلمة، فأوقد ناراً؛ (﴿فَلَمَّآ أَضَآءَتْ﴾)(٣) ما حوله من قذى أو أذّى، فأبصره حتى عرف ما
يتقى (منها)(٤) فبينما هو كذلك إذ طفئت ناره، فأقبل لا يدري ما يتقى من أذى (فكذلك)(٥)
المنافق؛ كان في ظلمة الشرك، فأسلم، فعرف الحلال والحرام، والخير والشر؛ فبينما هو كذلك إذ
كفر فصار لا يعرف الحلال من الحرام، ولا الخير من الشر.
(٦) [وقال العوفي، عن ابن عباس(٧)، في هذه الآية؛ قال: أما النور فهو إيمانهم الذي كانوا
يتكلمون به. وأما الظلمة فهي ضلالتهم وكفرهم الذي كانوا يتكلمون به؛ وهم قوم كانوا على
هدّى ثم نزع منهم فعتوا بعد ذلك](٦).
وقال مجاهد (٨): ﴿فَلَمَّآ أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾ أما إضاءة النار فإقبالهم إلى المؤمنين والهدى.
وقال عطاء(٩) الخراساني - في قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِى أَسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ قال: هذا مثل
المنافق يبصر أحياناً، ويعرف أحياناً، ثم يدركه عمى القلب.
وقال ابن أبي حاتم: وروى عن عكرمة، والحسن، والسدي، والربيع(١٠) بن أنس، نحو قول
عطاء الخراساني.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (١١) - في قوله تعالى: ﴿مَثَلُّهُمْ كَمَثَلِ الَّذِى أَسْتَوْقَدَ
نَارًا ... ﴾ إلى آخر الآية؛ قال (١٢): هذه صفة المنافقين، كانوا قد آمنوا حتى أضاء الإيمان في
قلوبهم، كما أضاءت النار لهؤلاء الذين استوقدوا (﴿نَارًا﴾)(١٣)، ثم كفروا، فذهب الله بنورهم،
فانتزعه، كما ذهب بضوء هذه النار، فتركهم في ظلمات لا يبصرون.
(١) وعنه ابن جرير (٣٨٨)؛ وأخرجه ابن أبي حاتم (١٦٢) عن السدي قوله. [وسنده ضعيف].
(٢) من (ن).
(٣) في (ز): ((فأضاءت)) .
(٤) في (ز) و(ن): ((منه) .
(٥) كذا في (ز) و(ع) و(هـ) و(ى) ووقع في (ج) و(ك) و(ل) و(ن): ((فذلك)).
(٦) ساقط من (ز).
(٧) أخرجه ابن جرير (٣٨٩) وسنده ضعيف كما قدمت.
(٨) أخرجه ابن جرير (٣٩٣)؛ وابن أبي حاتم (١٦١) من طرق عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد. وسنده
صحيح، وأخرجه ابن جرير (٣٩٥) عن ابن جريج عن مجاهد مثله.
(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (١٦٠) بسند ضعيف. [ويتقوى بالآثار التالية].
(١٠) أخرجه ابن جرير (٣٩٦).
(١١) وأخطأ ناسخ (ن) فجعل قول عطاء الخراساني السابق قولاً لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، فكأن نظره انتقل
أثناء النسخ.
(١٢) أخرجه ابن جرير (٣٩٧) وسنده صحيح.
(١٣) من (ل) و(ن).

•
سُورَةُ النََّةِ (١٨،١٧)
٢٨٩
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وأما قول ابن جرير (١) فيشبه ما رواه علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس (٢)، في قوله تعالى:
﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِى أَسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ قال: هذا مثل ضربه الله للمنافقين أنهم كانوا يعتزون بالإسلام،
فيناكحهم المسلمون، ويوارثونهم، ويقاسمونهم الفيء، فلما ماتوا سلبهم الله ذلك العز، كما
سلب صاحب النار ضوءه.
وقال أبو جعفر الرازي(٣)، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِى أَسْتَوْقَدَ
نَارًا﴾ فإنما ضوء النار ما أوقدتها، فإذا خمدت ذهب نورها، وكذلك المنافق كلما تكلم بكلمة
الإخلاص بلا إله إلا الله أضاء له، فإذا شك وقع في الظلمة.
وقال الضحاك(٤): ﴿ذَهَبَ اَللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ ((أما نورهم))(٥) فهو إيمانهم الذي تكلموا به.
وقال عبد الرزاق(٦)، عن معمر، عن قتادة: ﴿مَثَلُّهُمْ كَمَثَلِ الَّذِى أَسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّ أَضَآءَتْ مَا
حَلَهُ﴾ فهي لا إله إلا الله، أضاءت لهم، فأكلوا بها وشربوا، وأمنوا في الدنيا، (ونكحوا)(٧)
النساء، وحقنوا دماءهم، حتى إذا ماتوا ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون.
وقال سعيد(٨)، عن قتادة في هذه الآية: إن المعنى أن المنافق تكلم بلا إله إلا الله، فأضاءت
له في الدنيا، فناكح بها المسلمين، وغازاهم بها، ووارثهم بها، وحقن بها دمه وماله؛ فلما كان
عند الموت سلبها المنافق؛ لأنه لم يكن لها أصل في قلبه ولا حقيقة في عمله.
﴿وَرَّكَّهُمْ فِ نُلُمَتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾ قال علي(٩) بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَرَّكَّهُمْ فِ ظُلُمَتٍ
لَا يُبْصِرُونَ﴾ يقول: في عذاب إذا ماتوا.
وقال (محمد) بن إسحاق(١٠)، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو سعيد بن جبير، عن
ابن(١١) عباس: ﴿وَتَكَّهُمْ فِ نُظُلُمَاتٍ﴾ أي: يبصرون الحق ويقولون به، حتى إذا خرجوا من ظلمة الكفر
أطفئوه بكفرهم ونفاقهم فيه، فتركهم في ظلمات الكفر؛ فهم لا يبصرون هدى، ولا يستقيمون على
حق.
وقال السدي في ((تفسيره))(١٢) بسنده: ﴿وَتَرَّكَّهُمْ فِ ظُلُمَتٍ﴾ فكانت الظلمة نفاقهم.
وقال الحسن البصري(١٣): ﴿وَتَرَّكَّهُمْ فِ ظُلُمَتٍ لَّا يُبْصِرُونَ﴾ فذلك حين يموت المنافق، فيظلم
(١) في ((تفسيره)) (٣٢٤/١، ٣٢٥).
(٢) أخرجه ابن جرير (٣٨٧)؛ وابن أبي حاتم (١٥٨) [وسنده ثابت].
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (١٥٩) وهو عند ابن جرير (٣٩٦) عن الربيع بن أنس قوله. [وسنده جيد].
(٥) من (ن).
(٤) أخرجه ابن جرير (٣٩٢) وسنده حسن.
(٦) في ((تفسيره)) (٣٩/١) وعنه ابن جرير (٣٩١)؛ وابن أبي حاتم (١٦٤) وسنده صحيح.
(٧) في (ن): ((وأنكحوا)).
(٨) هو ابن أبي عروبة. وأخرجه ابن جرير (٣٩٠) عن يزيد بن زريع، عن سعيد به. [وسنده صحيح].
(٩) أخرجه ابن جرير (٣٨٧)؛ وابن أبي حاتم (١٦٧). [وسنده ثابت].
(١٠) من (ز) و(ن).
(١١) أخرجه ابن إسحاق كما في ((الدر المنثور)) (٣٢/١) ومن طريقه ابن جرير (٣٨٦)؛ وابن أبي حاتم (١٦٨).
[وسنده حسن].
(١٢) وعنه ابن جرير (٣٨٨)؛ وأخرجه ابن أبي حاتم (١٧٠) عن السدي قوله. [وسنده ضعيف].
(١٣) أخرجه ابن أبي حاتم (١٧١) بسند ضعيف.

٢٩٠
• سُورَةُ الْبَقَةَ (٢٠،١٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
عليه عمله عمل السوء، فلا يجد له عملاً من خيرٍ عمل به يصدقَ به قول لا إله إلا الله.
﴿هُمْ بُكْمُّ عُنىٌ﴾ قال السدي(١) بسنده: صم بكم عمى؛ فهم خرس عمي.
وقال علي بن أبي طلحة(٢)، عن ابن عباس: ﴿هُمْ بُكْم عُنىٌ﴾ يقول: لا يسمعون الهدى ولا
يبصرونه؛ ولا يعقلونه. وكذا قال أبو العالية، وقتادة بن دعامة.
﴿فَهُمْ لَا يَرَجِعُونَ﴾ قال ابن عباس(٣): أي لا يرجعون إلى هدّى. وكذا قال الربيع بن أنس.
وقال السدي(٤) بسنده: ﴿هُمْ بَكْمُّ عُمْىٌّ فَهُمْ لَا يَرَجِعُونَ ﴾﴾ إلى الإسلام.
وقال قتادة(٥): فهم لا يرجعون؛ أي: لا يتوبون، ولا هم يذكرون.
- ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمُتٌ وَرَعْدٌ وَبِرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَبِعَهُمْ فِىّ ءَاذَاِهِم مِّنَ الضَّوْرِقِ حَذَّرَ
اَلْمَوْتِّ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِلْكَفِينَ ﴿ يَكَادُ الْبَّقُ يَخْطَفُ أَبْصَرَهُمْ كُلَّمَا أَضَآءَ لَهُم مَّشَوْ فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ
وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَرِهِمَّ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴾﴾.
وهذا مثل آخر ضربه (الله)(٦) تعالى لضربٍ آخر من المنافقين، وهم قوم يظهر لهم الحق تارةً،
ويشكون تارةً أخرى؛ فقلوبهم في حال شكهم وكفرهم وترددهم (﴿كَصَیِّبٍ﴾).
والصيب: المطر؛ قاله(٧) ابن مسعود، وابن(٨) عباس، وناس من الصحابة، وأبو العالية،
ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعطاء، والحسن البصري، وقتادة، وعطية العوفي، وعطاء
الخراساني، والسدي، والربيع بن أنس.
وقال الضحاك: هو السحاب. والأشهر هو المطر نزل من السماء، في حال ظلمات؛ وهي
الشكوك، والكفر، والنفاق.
﴿وَرَعْدٌ﴾ وهو ما يزعج القلوب من الخوف؛ فإن من شأن المنافقين الخوف الشديد، والفزع؛
كما قال تعالى: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمَّ هُ الْعَدُوُّ﴾ [المنافقون: ٤] وقال: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ
لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ ﴿٨ لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَنًا أَوْ مَغَرَتٍ أَوْ مُدَّخَلَا لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ
(60)﴾ [التوبة].
وَهُمْ يَجْمَحُونَ
والبرق هو ما يلمع في قلوب هؤلاء الضرب من المنافقين في بعض الأحيان من نور الإيمان؛
(١) أخرجه ابن جرير (٤٠٠) وهو عند ابن أبي حاتم (١٧٤) عن السدي قوله. [وسنده ضعيف].
(٢) أخرجه ابن جرير (٣٩٩)؛ وابن أبي حاتم (١٧٣). [وسنده ثابت].
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (١٧٨) وسنده ضعيف.
(٤) أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم (١٧٩) قوله. [وسنده ضعيف].
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (١٨٠)؛ وابن جرير (٤٠١) نحوه. [وسنده صحيح].
(٦) من (ز) و(ل) و(ن) و(هـ) و(ي).
(٧) أخرجه ابن جرير (٤٠٨).
(٨) أخرجه ابن جرير (٤٠٥)؛ وأبو الشيخ في ((العظمة)) (٧٤٣) من طريق محمد بن عبيد عن هارون بن عنترة،
عن أبيه، عن ابن عباس فذكره. وسنده قوي، وبقية الآثار عند ابن جرير وأبي الشيخ (٧٤٤)؛ وابن أبي
حاتم، انظر: ((الدر المنثور)) (٥٤/١). [وهذه الآثار أسانيدها ثابتة سوى أثر عطية العوفي ويتقوى بالآثار
الأخرى].

٢٩١
سُورَةُ الْبَرَةِ (١٩، ٢٠)
.
ولهذا قال: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَبِعَهُمْ فِىّ ءَاذَانِهِم مِنَ الصَّوْرِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ يُحِيطٌ بِالْكَفِينَ﴾ أي: (ولا
يجدي)(١) عنهم حذرهم شيئاً؛ لأن الله محيط بقدرته، وهم تحت مشيئته وإرادته؛ كما قال: ﴿هَلْ
﴿ وَاللّهُ مِن وَرَآِهِم تُحِيطٌ (٢٥)﴾(٢)
أَكَ حَدِيثُ الْجُدِ (َ فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ ﴿ بَلِ الَّذِنَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ
[البروج].
ثم قال: ﴿يَكَادُ الْبَقُّ يَخْطَفُ أَبْصَرَهُمْ﴾ أي: لشدته وقوته في نفسه، وضعف بصائرهم، وعدم
ثباتها للإيمان.
وقال علي بن أبي(٣) طلحة، عن ابن عباس: ﴿يَكَدُ الْبَّقُ يَخْطَفُ أَبْصَرَهُمْ﴾ يقول يكاد: محكم
القرآن يدل على عورات المنافقين.
وقال ابن(٤) إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو سعيد بن جبير، عن ابن
عباس: ﴿يَكَادُ الْبَّقُ يَخْطَفُ أَبْصَرَهُمْ﴾ أي: لشدة ضوء الحق، ﴿كُلَّمَا أَضَآءَ لَهُم مَّشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ
عَلَيْهِمْ قَامُواْ﴾ أي: كلما ظهر لهم من الإيمان شيء استأنسوا به واتبعوه؛ وتارةً تعرض لهم الشكوك
أظلمت قلوبهم، فوقفوا حائرين.
وقال علي بن(٥) أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿كُلُّمَّا أَضَآءَ لَهُم مَّشَوْا فِيهِ﴾ يقول: كلما
(٦) [أصاب المنافقين من عز الإسلام اطمأنوا إليه، وإذا أصاب الإسلام نكبة قاموا ليرجعوا إلى
الكفر؛ كقوله (تعالى)(٧): ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيَّرُّ الْمَنَّ ◌ِ، وَإِنْ أَصَابَهُ فِْنَةٌ
أَنْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ، خَسِرَ الذُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ﴾ [الحج: ١١].
وقال محمد (٨) بن إسحاق، عن محمد (بن أبي محمد)(٩)، عن عكرمة، أو سعيد بن جبير،
عن ابن عباس: ﴿كُلَّمَاً](٦) أَضَآءَ لَهُم مَّشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ﴾ أي: يعرفون الحق، ويتكلمون
به؛ فهم (من)(١٠) قولهم به على استقامة، فإذا ارتكسوا منه إلى الكفر قاموا؛ أي: متحيرين.
(١) في (ج) و(ل): ((يجزي)).
(٢) قال في حاشية (ج): ((حاشية: الصواعق: جمع صاعقة، وهي نار تنزل من السماء في وقت الرعد الشديد،
وحكى الخليل بن أحمد عن بعضهم: صاعقة، وحكى بعضهم: صاعقة، وصعقة، وصاقعة ونقل عن الحسن
البصري أنه قرأ: من الصواقع حذر الموت؛ بتقديم القاف وأنشدوا لآبي اللحم:
تشقق البرق عن الصواقع
يحكون بالمصقولة القواطع
قال النحاس: وهي لغة بني تميم وبعض بني ربيعة. حرر ذلك القرطبي)). اهـ.
قلت: وقد ثبتت هذه الحاشية في (ى) ولكن ناسخ (ل) وضعها في سياق الكلام، وكذلك ناسخ (ع)
كتبها على حاشية نسخته وأشار في السياق إلى موضعها، والصواب أنها حاشية كما صرح به في (ج)
والله أعلم.
(٣) أخرجه ابن جرير (٤٥٤) مطولاً. واختصره المصنّف وهو كذلك عند ابن أبي حاتم (٢٠٤). [وسنده
ثابت].
(٤) أخرجه ابن جرير (٤٥١) مطولاً؛ وابن أبي حاتم (٢٠٧) مختصراً. [وسنده حسن].
(٥) أخرجه ابن جرير (٤٥٤)؛ وابن أبي حاتم (٢٠٩). [وسنده ثابت].
(٧) من (ن).
(٦) ساقط من (ك).
(٨) أخرجه ابن جرير (٤٥١). وهو عند ابن أبي حاتم (٢١٢) مختصر. [وسنده ثابت].
(٩) ساقط من (ج) و(ع).
(١٠) في (ز): ((في)).

٢٩٢
• سُوْرَةُ الْبَقَةِ (٢٠،١٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وهكذا(١) قال أبو العالية، والحسن البصري، وقتادة، والربيع بن أنس، والسدي بسنده عن
الصحابة؛ وهو أصح وأظهر. والله أعلم.
وهكذا يكونون يوم القيامة عند ما يعطى الناس النور بحسب إيمانهم؛ فمنهم من يعطى من
النور ما يضيء له مسيرة فراسخ، وأكثر من ذلك وأقل من ذلك؛ ومنهم من يطفأ نوره تارة
ويضيء (له)(٢) أخرى، (ومنهم من يمشي)(٣) على الصراط تارة ويقف أخرى؛ ومنهم من يطفأ
نوره بالكلية، وهم الخُلَّص من المنافقين الذين قال (تعالى)(٤) فيهم: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ وَالْمُنَفِقَتُ
لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْظُرُونَا نَفْتَبِسْ مِن ذُوِكُمْ قِبَلَ أَرْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ فَالْتَمِسُواْ نُورً﴾ [الحديد: ١٣].
وقال في حق المؤمنين: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَبْدِيِهِمْ وَبِأَيْفَتِهِ بُشْرَئِكُمُ الْيَوْمَ جَنَّتٌ تَجْرِى
مِن تَحِهَا الْأَنَهُ﴾ الآية [الحديد: ١٢] وقال (تعالى)(٤): ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِى اللَّهُ النَّبِىِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَنِّ نُورُهُمْ
يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِهِمْ وَبِأَيْمَنِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَأَغْفِرْ لَنَاْ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التحريم: ٨].
ذكر الحديث الوارد في ذلك:
قال سعيد بن أبي عروبة، (عن قتادة)(٥) في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ ... ) الآية
[الحديد: ١٢]. ذكر لنا أن نبي الله ولو كان يقول: من المؤمنين من يضيء نوره من المدينة إلى
عدن (أبين)(٦) فصنعاء ودون ذلك، حتى إن من المؤمنين من لا يضيء نوره إلا موضع قدميه.
رواه ابن جرير (٧) ورواه ابن أبي حاتم من حديث عمران بن داور القطان، عن قتادة بنحوه.
وهذا كما قال المنهال بن عمرو، عن قيس بن السكن، عن عبد الله بن مسعود؛ قال: يؤتون
نورهم على قدر أعمالهم؛ فمنهم من يؤتى نوره كالنخلة؛ ومنهم من يؤتى نوره كالرجل القائم؛
وأدناهم نوراً على إبهامه يطفأ مرةً ويتقد مرةً.
وهكذا رواه ابن جرير(٨)، عن ابن مثنى، عن ابن إدريس، عن أبيه، عن المنهال.
(١) أخرج هذه الآثار عنهم ابن جرير (٤٥٢، ٤٥٥، ٤٥٦، ٤٥٧، ٤٥٨، ٤٥٩، ٤٦٠) [وهذه الآثار أسانيدها
ثابتة سوى سند السدي فضعيف ويتقوى بتلك الآثار].
(٢) ساقط من (ن).
(٣) كذا في (ع) و(هـ) و(ي)؛ وفي (ك): ((يمشي))؛ وفي (ج) و(ز) و(ل): ((فيمشي)).
(٥) ساقط من جميع الأصول ولا بدّ منه.
(٤) من (ز) و(ن).
(٦) ذكر في (ي) أن ((أبين)) اسم رجل نسبت إليه ((عدن)).
(٧) في ((تفسيره)) (١٢٨/٢٧) وسنده ضعيف لإعضاله وله شواهد يأتي النظر فيها في تفسير سورة الحديد إن
شاء الله تعالى.
وأخرجه عبد الرزاق في ((تفسيره)) (٢٧٥/٢) عن معمر، عن قتادة. قال: بلغنا أن المؤمنين ... إلخ ولم
يذكر رفعاً، مع أن السيوطي لما عزاه في ((الدر المنثور)) (١٧٢/٦) إلى عبد الرزاق ذكر ((الرفع)) فلعله تسامح
في عزوه هكذا. والله أعلم.
(٨) في ((تفسيره)) (١٢٨/٢٧).
وأخرجه ابن أبي شيبة (٢٩٩/١٣) ومن طريقه الحاكم في ((المستدرك)) (٤٧٨/٢) قال: حدثنا عبد الله بن
إدريس بسنده سواء. وعزاه السيوطي في ((الدر المنثور)) (٦/ ١٧٢)؛ لابن المنذر، وابن أبي حاتم وابن
مردويه. قال الحاكم: ((هذا حديث صحيح على شرط الشيخين)) ووقع في ((تلخيص المستدرك)) أنه على =

٢٩٣
سُورَةُ الْبَقَةِ (١٩، ٢٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا (علي بن محمد) (١) (الطنافسي)(٢)، حدثنا ابن إدريس،
سمعت أبي (يذكر)(٣) عن المنهال بن عمرو، عن قيس بن السكن، عن عبد الله (بن مسعود) (٤):
﴿نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِهِمْ﴾ [التحريم: ٨] - قال: على قدر أعمالهم يمرون على الصراط، منهم من
نوره مثل الجبل، ومنهم من نوره مثل النخلة، وأدناهم نوراً من نوره في إبهامه يتقد مرةً ويطفأ
أخرى(٥)
وقال ابن أبي حاتم (أيضاً)(٦): حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، حدثنا أبو يحيى
الحمَّاني، حدثنا (عتبة)(٧) بن (اليقطان)(٨) عن عكرمة، عن ابن عباس؛ قال: ليس أحد من أهل
التوحيد إلا يعطى نوراً يوم القيامة، فأما المنافق فيطفأ نوره؛ فالمؤمن مشفق مما يرى من إطفاء
نور المنافقين، فهم يقولون: ﴿رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾(٩) [التحريم: ٨].
وقال الضحاك بن مزاحم: يعطى كل من كان يظهر الإيمان في الدنيا يوم القيامة نوراً؛ فإذا
انتهى إلى الصراط طفئ نور المنافقين، فلما رأى ذلك المؤمنين أشفقوا فقالوا: ﴿رَبََّآ أَثْمِمْ لَنَا
نُورَنَا﴾(١٠) [التحريم: ٨].
فإذا تقرر هذا صار الناس أقساماً: مؤمنون خلص، وهم الموصوفون بالآيات الأربع في أول .
البقرة. وكفار خلص وهم الموصوفون بالآيتين بعدها. ومنافقون، وهم قسمان: خلص، وهم
المضروب لهم المثل الناري، ومنافقون يترددون؛ تارةً يظهر لهم لمع (من) (١١) الإيمان، وتارةً
يخبو؛ وهم أصحاب المثل المائي، وهم أخف حالاً من الذين قبلهم.
وهذا المقام يشبه من بعض الوجوه ما ذكر في سورة النور، من ضرب مثل المؤمن، وما
جعل الله في قلبه من الهدى والنور بالمصباح في الزجاجة التي كأنها كوكب دُري؛ وهي قلب
المؤمن المفطور على الإيمان، واستمداده من الشريعة الخالصة الصافية الواصلة إليه من غير كدر
ولا تخليط، كما سيأتي تقريره في موضعه (١٢) إن شاء الله.
ثم ضرب مثل العُبَّاد من الكفار الذين يعتقدون أنهم على شيء، وليسوا على شيء، وهم
أصحاب الجهل المركب في قوله (تعالى)(١٣): ﴿وَلَّذِينَ كَفَرُوْ أَعْمَلُهُمْ كَمَرَبٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الَّمْثَانُ
مَآءَ حَّةٍ إِذَا جَآءَّهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ الآية [النور: ٣٩].
شرط البخاري! وكلا القولين خطأ فليس هو على شرط أحدهما والمنهال بن عمرو من مفاريد البخاري،
=
وقيس بن السكن من مفاريد مسلم، وهو سند جيد. والله أعلم.
(١) في (ن): ((محمد بن علي بن محمد)) و((محمد)) الأولى مقحمةٌ.
(٢) في (ز) و(ل): ((الطيالسي)) وهو خطأ.
(٤) من (ن).
(٦) من (ز) و(ع) و(ن) و(هـ) و(ي).
(٨) في (ز): ((القطان)) وهو خطأ أيضاً.
(٩) [سنده ضعيف لضعف عتبة بن يقظان (التقريب ص ٢٣٨١)].
(١٠) [يشهد له سابقه].
(١٢) في سورة النور عند الآية [٣٥].
(١٣) من (ن).
(٣) في (ز): ((بكر)) !!
(٥) [سنده حسن].
(٧) في (هـ): ((عقبة)) بالقاف، وهو خطأ ظاهر.
(١١) ساقط من (ن).

٢٩٤
• سُوَرَّةُ الْبَقَةِ (٢٠،١٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
ثم ضرب مثل الكفار الجهال الجهل البسيط، وهم الذين قال (الله) (١) (تعالى)(٢) فيهم: ﴿أَوْ
كُظْلُمَتٍ فِ بَحْرٍ لُّجِّ يَغْشَنُهُ مَوْجُ مِن فَوْقِهِ، مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ، سَحَابٌ تُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ بَدَمُ
لَمْ يَكَّدْ بَرَهَا وَمَنْ لَّ يَجْعَلِ اللّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ (٣)﴾ [النور].
فقسم الكفار ها هنا إلى قسمين: داعيةٍ ومقلد، كما ذكرهما في أول سورة الحج: ﴿وَمِنَ النَّاسِ
مَن يُحَدِلُ فِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَنَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ قَرِيدٍ ﴾﴾ [الحج] وقال (بعده)(٣): ﴿وَمِنَ النَّاسِ
مَنْ يُجَدِلُ فِ اَللَّهِ بِغَيْرِ عِلٍَّ وَلَا هُدَى وَلَا كِتَبٍ مُِّيرٍ ﴾﴾ [الحج].
وقد قسّم الله المؤمنين في أول الواقعة وفي آخرها. وفي سورة الإنسان إلى قسمين: سابقون
وهم المقربون، وأصحاب يمين وهم الأبرار.
فتلخص من مجموع هذه الآيات الكريمات أن المؤمنين صنفان: مقربون وأبرار، وأن الكافرين
صنفان: دعاة ومقلدون، وأن المنافقين أيضاً صنفان: منافق خالص، ومنافق فيه شعبة من نفاق،
كما جاء في ((الصحيحين)) (٤)، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ويلشير: ((ثلاث من كن فيه كان
منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه واحدة منهن كانت فيه خصلة من النفاق، حتى يدعها: من إذا
حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان)).
استدلوا به على أن الإنسان قد تكون فيه شعبة من إيمان وشعبة من نفاق؛ إما عملي لهذا
الحديث، أو اعتقادي كما دلت عليه الآية، كما ذهب إليه طائفة من السلف وبعض العلماء، كما
تقدم وكما سيأتي إن شاء الله (تعالى)(٥).
قال الإمام(٦) أحمد: حدثنا أبو النضر، حدثنا أبو معاوية - يعني: شيبان - عن ليث، عن
(١) من (ج) و(ل) و(هـ).
(٢) من (ن) ووقع في (ز) و(ع) و(ك) و(ي): ((قال فيهم)).
(٣) من (ز) وحدها ووقع ترتيب الآيتين هكذا في (ك) وأما في (ج) و(ع) و(ل) و(ن) و(هـ) و(ي) فقد ذكرت
الآية الثانية قبل الأولى.
(٤) كذا عزاه المصنف تَُّ لـ((الصحيحين)) من حديث ابن عمرو بلفظ: ((ثلاث)) وهو وهم، ولم أر لفظ ((ثلاث))
في حديث ابن عمرو إلا موقوفاً. أخرجه الفريابي في ((صفة المنافق)) (١٦، ١٧)؛ وابن جرير في ((تفسيره))
(١٩٢/١٠) بسندين فيهما مقال.
أما لفظ حديث ابن عمرو في ((الصحيحين)) وفي غيرهما: ((أربع من كن فيه)) أو ((أربع خلال من كن فيه)) أو
((أربعة من كن فيه)) وزاد على ما ذكره المصنف: ((وإذا خاصم فجر)).
أخرجه البخاري في («الإيمان)) (٨٩/١)؛ وفي ((المظالم)) (١٠٧/٥)؛ وفي ((الجزية)) (٢٧٩/٦)؛ ومسلم في
(الإيمان)) (١٠٦/٥٨)؛ وأبو عوانة (٢٠/١)؛ وأبو داود (٤٦٨٨)، والنسائي (١١٦/٨)؛ والترمذي
(٢٦٣٢)؛ وأحمد (١٨٩/٢، ١٩٨) وآخرون من طرق عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق،
عن عبد الله بن عمرو مرفوعاً فذكره. وقد خرَّجته في ((الصمت)) (٤٧١)؛ لابن أبي الدنيا وعزاه الزبيدي في
((الإتحاف)) (٢٦٩/٢) لابن ماجه وهو وهم.
(٥) من (ج) و(ك) و(ل) و(هـ).
(٦) في ((مسنده)) (١٧/٣)؛ وأخرجه الطبراني في ((الصغير)) (١٠٩/٢، ١١٠) وعنه أبو نعيم في ((الحلية)) (٤/
٣٨٥) من طريق أحمد بن خالد الوهبي قال: ثنا شيبان بن عبد الرحمن بسنده سواء.
قال الطبراني: ((لم يروه عن شيبان إلا أحمد بن خالد الوهبي، ولا يروى عن أبي سعيد إلا بهذا الإسناد)) . =

٢٩٥
سُورَةُ الْبَقَرّة (٢٠،١٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن أبي سعيد؛ قال: قال رسول الله وَله: ((القلوب أربعة:
قلب أجرد فيه مثل السراج يزهر، وقلب أغلف مربوط على غلافه، وقلب منكوس، وقلب
مصفح؛ فأما القلب الأجرد فقلب المؤمن (سراجه) (١) فيه نوره. وأما القلب الأغلف فقلب الكافر
(٢)[وأما القلب المنكوس فقلب (المنافق)(٣)](٢)، عرف ثم أنكر. وأما القلب المصفح فقلب فيه
إيمان ونفاق. ومثل الإيمان فيه كمثل البقلة يمدها الماء الطيب. ومثل النفاق فيه كمثل القرحة
يمدها القيح والدم؛ فأي المادتين غلبت على الأخرى غلبت عليه)).
وهذا إسناد جيد حسن.
وقوله (تعالى)(٤): ﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَرِهِمَّ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٥)[قال
(محمد)(٦) بن إسحاق حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو سعيد بن جبير؛ عن ابن(٧)
عباس - في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَرِهِمّ﴾ قال: لما تركوا من (الحق) (٨)
بعد معرفته.
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾](٥): قال (ابن إسحاق)(٩): أي إن الله على كل ما أراد بعباده من
نقمة أو عفو قدير.
وقال ابن جرير (١٠): إنما وصف الله تعالى نفسه بالقدرة على كل شيء في هذا الموضع، لأنه
حذر المنافقين بأسه وسطوته، وأخبرهم أنه بهم محيط، وعلى إذهاب أسماعهم وأبصارهم قدير.
ومعنى قدير قادر، كما (أن)(١١) معنى عليم عالم.
(١٢) [وذهب ابن جرير (الطبري)(١٣) ومن تبعه من كثير من المفسرين إلى أن هذين المثلين
مضروبان لصنف واحد من المنافقين، وتكون ((أو)) في قوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ﴾
بمعنى الواو؛ كقوله (تعالى) (١٤): ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ ءَائِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤] أو تكون للتخيير؛
أي: اضرب لهم مثلاً بهذا، وإن شئت بهذا](١٢).
(*) قلت: لم يتفرد به الوهبي كما رأيت، وقد تابعه أيضاً هاشم بن القاسم ثنا شيبان. [قال محققو
المسند: إسناد ضعيف لضعف ليث وهو ابن أبي سُليم، ولانقطاعه، أبو البختري، وهو سعيد بن فيروز، لم
يدرك أبا سعيد الخدري (المسند ٢٠٨/١٧ ح ١١١٢٩)].
(١) كذا في (ج) و(ز) و(ل) وهو الموافق لما في ((المسند))؛ ووقع في (ع) و(ك) و(ن) و(هـ) و(ي): ((فسراجه)).
(٣) في (ن): ((المنافق الخالص)) !!
(٢) ساقط من (ج).
(٥) ساقط من (ك).
(٤) من (ن).
(٦) ساقط من (ك).
(٧) أخرجه ابن جرير (٤٧٠)؛ وابن أبي حاتم (٢١٤) من طريق سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق به. [وسنده
حسن] .
(٨) في (ج): ((حق)).
(٩) كذا في (ج) و(ع) و(ك) و(ل) و(ي) و(هـ) وهو الموافق لما في ((تفسير ابن أبي حاتم)) (٢١٥). ووقع في
(ز) و(ن): ((ابن عباس))! وهو خطأ.
(١٠) في («تفسيره)) (٣٦١/١).
(١٢) ساقط من (ز).
(١٤) من (ن).
(١١) ساقط من (ج).
(١٣) من (ج) و(ع) و(ك) و(ل) و(هـ) و(ي).

٢٩٦
• سُورَةُ البََّقَة (٢٢،٢١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
(١) [قال القرطبي(٢): ((أو)) للتساوي، مثل جالس الحسن أو ابن سيرين على ما وجهه
الزمخشري(٣) إن كلا منهما مساوٍ للآخر في إباحة] (١) (١) [الجلوس إليه، ويكون معناه على قوله:
سواء ضربت لهم مثلاً بهذا أو بهذا، فهو مطابق لحالهم.
قلت: وهذا يكونُ باعتبار جنس المنافقين؛ فإنهم أصناف، ولهم أحوال وصفات كما ذكرها الله
(تعالى)(٤) في سورة (براءة)(٥)؛ ومنهم؛ ومنهم؛ ومنهم - يذكر أحوالهم وصفاتهم، وما يعتمدونه
من الأفعال والأقوال؛ فجعل هذين المثلين لصنفين منهم أشد مطابقةً لأحوالهم وصفاتهم. والله
أعلم؛ كما ضرب المثلين في سورة النور لصنفي الكفار الدعاة والمقلدين؛ في قوله (تعالى)(٦):
﴿وَلَّذِينَ كَفَرُوْ أَعْمَلُهُمْ كُرَابٍ بِقِيعَةٍ ... ﴾ إلى أن قال: ﴿أَوْ كَظُلُمَتٍ فِى بَخْرٍ لُّبِيِّ ... ) الآية
[النور: ٣٩، ٤٠] فالأول للدعاة الذين هم في جهل مركب. والثاني لذوي الجهل البسيط من
الأتباع المقلدين. والله أعلم بالصواب(٧)](١).
الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ
﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٣)
اْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَآءُ وَأَنَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءٍ فَأَخَجَ بِهِ، مِنَ الثَّمَرَتِ رِزْقًا لَّكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا
وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
شرع(٨) تبارك وتعالى في بيان وحدانية ألوهيته بأنه تعالى هو المنعم على عبيده بإخراجهم من
العدم إلى الوجود، وإسباغه عليهم النعم الظاهرة والباطنة، بأن جعل لهم الأرض فراشاً؛ أي:
مهداً كالفراش (مقررةً) (٩) موطأةً، مثبتةً بالرواسي الشامخات، والسماء بناءً وهو السقف، كما قال
في الآية الأخرى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا تَخْفُوظَا وَهُمْ عَنْ ءَِهَا مُعْرِضُونَ (®﴾ [الأنبياء] وأنزل لهم
من السماء ماءً؛ والمراد به السحاب ها هنا في وقته عند احتياجهم إليه؛ فأخرج لهم به من أنواع
الزروع والثمار ما هو مشاهد، رزقاً لهم ولأنعامهم، كما قرر هذا في غير موضع من القرآن.
ومن أشبه آية بهذه الآية قوله تعالى: ﴿الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَةَ بِنَآءُ
وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَِّبَتِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمٌّ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾
[غافر: ٦٤].
(١) في ((تفسيره)) (٢١٥/١).
(٣) ساقط من (ز).
(٢) في ((الكشاف)) (٣٣/١).
(٤) من (ك) و(ن) و(هـ) و(ي).
(٦) من (ن).
(٥) في (ج): ((إبراهيم)) وهو خطأ .
(٧) في حاشية (ع): ((بلغ مقابلة، قرأه المصنف معارضاً بأصله، فسح الله في مدته)).
(٨) في حاشية (ج): ((حاشية: قال الحافظ أبو بكر البزار: ثنا محمد بن عبد الملك الواسطي، ثنا طلق بن
غنام، ثنا قيس، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عكرمة، عن عبد الله قال: كل شيء نزل ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ﴾
[البقرة: ٢١] فهو بمكة، وكل شيء ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [البقرة: ١٠٤] فهو بالمدينة. ثم قال: لا نعلم
أحداً أسنده إلا قيس وغيره يرويه مرسلاً))، وأدخل ناسخ (ل) هذه الحاشية في سياق كلام المصنف وفيه
نظر إذ صرح ابن المحب ناسخ (ج) أنها حاشية، ولم يشر أنها من صنع المؤلف لذلك ما وجدتها في أي
نسخة مسبوكة في سياق الكتاب والله أعلم.
(٩) في (ز): ((مقدرة)). ومعنى ((مقررة)): مسواةً مدحوة كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا﴾
[غافر: ٦٤] ويأتي ذكر المؤلف لها قريباً إن شاء الله تعالى.

٢٩٧
• سُوَدَّةُ الْبََّقَةُ (٢٢،٢١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
ومضمونه أنه الخالق الرازق، مالك الدار وساكنيها، ورازقهم؛ فبهذا يستحق أن يعبد وحده،
ولا يشرك به غيره؛ ولهذا قال: ﴿فَلَا تَجْعَلُواْ لِلَِّ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ .
وفي ((الصحيحين))(١)، عن ابن مسعود؛ قال: قلت: يا رسول الله أي الذنب أعظم عند الله؟
قال: ((أن تجعل لله نداً وهو خلقك ... )) الحديث.
وكذا حديث(٢) معاذ: ((أتدري ما حق الله على عباده؟ ... أن يعبدوه لا يشركوا به شيئاً ... ))
الحدیث.
وفي الحديث(٣) الآخر: ((لا يقولن أحدكم ما شاء الله وشاء فلان، ولكن ليقل: ما شاء الله ثم
شاء فلان)) .
وقال حماد بن(٤) سلمة: حدثنا عبد الملك بن عمير، عن ربعي بن حراش، عن الطفيل بن
سخبرة أخي عائشة أم المؤمنين لأمها؛ قال: رأيت فيما يرى النائم كأني أتيت على نفر من
اليهود؛ فقلت: من أنتم؟ قالوا: نحن اليهود. قلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: عزير
ابن الله. قالوا: وإنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد.
قال: ثم مررت بنفر من النصارى (٥)[فقلت: من أنتم؟ قالوا: نحن النصارى](٥) قلت: إنكم
لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: المسيح ابن الله. قالوا: وإنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما
شاء الله وشاء محمد.
فلما أصبحت أخبرت بها من أخبرت، ثم أتيت النبي وَ فأخبرته؛ فقال: ((هل أخبرت بها
أحداً؟)) قلت: نعم، فقام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ((أما بعد؛ فإن طفيلاً رأى رؤيا أخبر بها
من أخبر منكم، وإنكم قلتم كلمةً كان يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها؛ فلا تقولوا ما شاء الله
وشاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله وحده)).
(١) أخرجه البخاري (١٦٣/٨؛ و٤٣٣/١٠؛ و٤٩١/١٣، ٥٠٣)، ومسلم (١٤١/٨٦)؛ وأبو عوانة (٥٦/١)؛
وأبو داود (٢٣١٠)؛ وأحمد (٤٣٤/١) وغيرهم من طريق منصور بن المعتمر، عن أبي وائل، عن عمرو بن
شرحبيل، عن ابن مسعود. ووقع في سنده اختلاف لا يضر، ذكرته في ((التسلية)).
(٢) أخرجه البخاري (٣٩٧/١٠؛ و٦٠/١١، ٦١، ٣٣٧)؛ وفي ((الأدب المفرد)) (٩٤٣)، ومسلم (٤٨/٣٠)
واللفظ له.
(٣) أخرجه أبو داود (٤٩٨٠)؛ والنسائي في ((اليوم والليلة)) (٩٨٥)، وأحمد (٣٨٤/٥، ٣٩٤، ٣٩٨)؛ وابن
أبي الدنيا في ((الصمت)) (٣٤١)؛ وابن أبي شيبة (١١٧/٩؛ و٣٤٦/١٠)؛ والطيالسي (٤٣٠)؛ وابن السني
في (اليوم والليلة)) (٦٧١)؛ والطحاوي في ((المشكل)) (٩٠/١)؛ والبيهقي في ((الكبرى)) (٢١٦/٣)؛ وفي
((الأسماء والصفات)) (ص١٤٤)؛ وفي ((الاعتقاد)) (١٥٦، ١٥٧) من طرق عن شعبة، عن منصور بن المعتمر
قال: سمعت عبد الله بن يسار، عن حذيفة مرفوعاً فذكره. قال الذهبي في ((مهذب سنن البيهقي)) (٣/
١٩٠): (إسناده صالح)) !! وصححه النووي في ((الأذكار)) (ص٣٠٨)، وهو كما قال. ووقع في سنده
اختلاف لا يضره. والله أعلم.
(٤) أخرجه أحمد (٧٢/٥)؛ وابن أبي عاصم في ((الآحاد والمثاني)) (٢٧٤٣)؛ والطبراني في ((الكبير)) (ج٨/
رقم ٨٢١٤)؛ والحاكم (٤٦٣/٣)؛ والخطيب في ((الموضح)) (٣٠٣/١) من طرق، عن حماد بن سلمة بسنده
سواء مطولاً ومختصراً. [وسكت عنه الحاكم والذهبي ويشهد له سابقه].
(٥) ساقط من (ج).

٢٩٨
• سُوَرَّةُ الْبَرَّةَ (٢٢،٢١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
هكذا رواه ابن مردويه(١) في تفسير هذه الآية من حديث حماد بن سلمة، به. وأخرجه ابن
ماجه(٢) من وجه آخر، عن عبد الملك بن عمير، به، بنحوه.
وقال سفيان بن سعيد الثوري، عن الأجلح بن عبد الله الكندي، عن يزيد بن الأصم، عن ابن
عباس؛ قال: قال رجل للنبي ويقول: ما شاء الله وشئت. فقال: ((أجعلتني لله نداً؟ (قل)(٣): ما
شاء الله وحده)). رواه ابن مردويه، وأخرجه النسائي(٤)، وابن ماجه، من حديث عيسى بن يونس
عن الأجلح، به.
وهذا كله صيانة وحماية لجناب التوحيد. والله أعلم.
وقال محمد بن إسحاق(٥): حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن
ابن عباس؛ قال: قال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَعْبُدُواْ رَبَّكُمُ﴾ للفريقين جميعاً من الكفار
والمنافقين؛ أي: وحدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم.
وبه (٦) عن ابن عباس: ﴿فَلَا تَجْعَلُواْ لِتَِّ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: لا تشركوا بالله غيره من
الأنداد التي لا تنفع ولا تضر، وأنتم تعلمون أنه لا رب لكم (يرزقكم) (٧) غيره، وقد علمتم أن
الذي يدعوكم إليه الرسول وَلخير من (توحيده)(٨) هو الحق الذي لا شك فيه؛ وهكذا قال قتادة.
وقال ابن أبي(٩) حاتم: حدثنا أحمد بن عمرو بن أبي عاصم، حدثنا أبي عمرو، حدثنا أبي
الضحاك بن مخلد أبو عاصم، حدثنا شبيب بن بشر، حدثنا عكرمة، عن ابن عباس - في
قول الله ◌َى: ﴿فَلَا تَجْعَلُواْ لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ - قال الأنداد: هو الشرك أخفى من دبيب النمل على
صفاة سوداء في ظلمة الليل، وهو أن يقول: والله وحياتك يا فلان، وحياتي. ويقول: لولا كلبة
هذا لأتانا اللصوص البارحة. ولولا البط في الدار لأتى اللصوص. وقول الرجل لصاحبه ما
شاء الله وشئت. وقول الرجل لولا الله وفلان - لا تجعل فيها ((فلان))؛ هذا كله به شرك.
(١) هكذا عزاه المصنف لابن مردويه وحده، وفيه قصور لا يخفى، فقد أخرجه من طريق حماد بن سلمة أحمد
وغيره كما مر آنفاً.
(٢) في ((سنته)) (٢/٢١١٨) قال: حدثنا عبد الملك بن محمد بن أبي الشوارب، ثنا أبو عوانة، عن عبد الملك بن
عمير به مختصراً. [وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ١٧٢١)].
(٣) من (ن). وفي (ل): ((بل))!
(٤) أخرجه النسائي في ((عمل اليوم والليلة)) (٩٨٨)؛ وابن ماجه (٢١١٧)؛ والبخاري في ((الأدب المفرد))
(٧٨٣)؛ وأحمد (٢١٤/١، ٢٢٤، ٢٨٣، ٣٤٧)؛ وابن أبي شيبة (١١٧/٩، ١١٨؛ و٣٤٦/١٠)؛ وابن أبي
الدنيا في ((الصمت)) (٣٤٢)؛ وابن السني في ((اليوم والليلة)) (٦٧٢)؛ والطحاوي في ((المشكل)) (٩٠/١)؛
والطبراني في ((الكبير)) (١٣٠٠٥، ١٣٠٠٦)؛ وأبو نعيم في ((الحلية)) (٩٩/٤)؛ والبيهقي (٢١٧/٣) من طرق
عن الأجلح عن يزيد الأصم، عن ابن عباس مرفوعاً. وسنده حسن. [وصححه الألباني في صحيح الأدب
المفرد (ح ٦٠١)].
(٥) أخرجه ابن إسحاق، كما في ((الدر المنثور)) ومن طريقه ابن جرير (٤٧٢)؛ وابن أبي حاتم (٢١٦).
(٦) أخرجه ابن جرير (٤٨٦)؛ وابن أبي حاتم (٢٣٢) [سنده حسن].
(٧) ساقط من (ج) و(ل).
(٨) في (ن): ((التوحيد)).
(٩) في ((تفسيره)) (٢٣٠) وسنده جيد، وأخرجه الطبري (٤٨٥) عن عكرمة قوله.

٢٩٩
سُورَةُ الََّةِ (٢٢،٢١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وفي الحديث(١) أن رجلاً قال لرسول الله وَليل: ما شاء الله وشئت. قال: ((أجلعتني لله نداً)).
وفي الحديث الآخر (٢): ((نعم القوم أنتم لولا أنكم تنددون: تقولون: ما شاء الله وشاء فلان)).
قال أبو العالية(٣): فلا تجعلوا لله أنداداً؛ أي: عدلاء شركاء.
وهكذا قال الربيع بن أنس، وقتادة، والسدي، وأبو مالك، وإسماعيل بن أبي خالد.
وقال مجاهد(٤): ﴿فَلَا تَجْعَلُواْ لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، قال: تعلمون أنه إله واحد في
التوراة والإنجيل.
ذكر حديث في معنى هذه الآية الكريمة:
قال الإمام(٥) أحمد: حدثنا عفان، حدثنا أبو خلف موسى بن خلف، وكان يعد من البدلاء،
حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلَّام، عن جده ممطور، عن الحارث الأشعري - أن
نبي الله وَّ قال: ((إن الله ◌َك أمر يحيى بن زكريا ظلَّ بخمس كلماتٍ أن يعمل بهن، وأن يأمر
بني إسرائيل أن يعملوا بهن، (فكان يبطئ)(٦) بها، فقال له عيسى ظلّا: إنك قد أُمرت بخمس
كلمات أن تعمل بهن، وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن، فإما أن تبلغهن، وإما أن أبلغهن.
فقال: يا أخي، إني أخشى إن سبقتني أن أُعذب أو يخسف بي. قال: فجمع يحيى بن زكريا بني
إسرائيل في بيت المقدس حتى امتلأ المسجد، فقعد على الشرف، فحمد الله وأثنى عليه؛ ثم
قال: إن الله أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهن، وآمركم أن تعملوا بهن؛ أولهن: أن تعبدوا الله
ولا تشركوا به شيئاً، فإن مثل ذلك (مثل)(٧) رجل اشترى عبداً من خالص ماله بورق أو ذهب،
(١) مر تخريجه آنفاً.
(٢) أخرجه النسائي (٦/٧) بهذا اللفظ وهو من حديث قتيلة بن صيفي. وصححه الحافظ في ((الإصابة)) (٤/
٣٨٩).
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٣١) وسنده حسن.
(٤) أخرجه ابن جرير (٤٨٨)؛ وابن أبي حاتم (٢٣٣) من طريقين عن سفيان الثوري، عمن حدثه عن مجاهد
وسنده ضعيف لجهالة الراوي عن مجاهد؛ وأخرجه ابن جرير (٤٨٩) أيضاً عن قبيصة بن عقبة، عن
الثوري، عن مجاهد، فأسقط الواسطة، وهذا الوجه ضعيف أيضاً فإن الثوري لم يدرك مجاهداً .
(٥) في «مسنده)) (١٣٠/٤، ٢٠٢).
وأخرجه الطبراني في ((الكبير)) (ج٣/ رقم ٣٤٢٧)؛ وابن نصر في ((تعظيم قدر الصلاة)) (١٢٥)؛ وابن الأثير
في («أسد الغابة» (٣٨٣/١) من طريق موسى بن خلف، ثنا يحيى بن أبي كثير بسنده سواء.
وأخرجه الترمذي (٢٨٦٣، ٢٨٦٤)؛ والبخاري في ((الكبير)) (٢٦٢/٢/١)؛ والطيالسي (١١٦١، ١١٦٢)؛
وابن خزيمة (ج٣/ رقم ١٨٩٥)؛ وأبو يعلى (ج٣/ رقم ١٥٧١)؛ وابن نصر (١٢٤، ١٢٦)؛ وابن حبان
(١٢٢٢، ١٥٥٠)؛ وابن منده في ((الإيمان)) (٢١٢)؛ والآجري في ((الشريعة)) (ص٨)؛ والطبراني في
((الكبير)) (٣٤٢٧، ٣٤٢٨، ٣٤٢٩)؛ والحاكم (١١٨/١، ٤٢١، ٤٢٢) وصححه ووافقه الذهبي كلهم من
طرق عن يحيى بن أبي كثير بسنده مثله وصرح يحيى بالتحديث عند أبي يعلى وابن حبان والآجري. وتابعه
معاوية بن سلام عن أخيه زید بن سلام بسنده سواء مثله.
(٦) كذا في (ج) و(ز) و(ع) و(ك) و(ل) و(ي)؛ وفي (ن): ((وأنه كاد أن يبطئ))؛ وفي (هـ): ((كاد أن يبطئ)) وهو
الموافق لما في ((المسند)).
(٧) كذا في (ج) و(ز) و(ع) و(ل) و(ي). وفي (ن) و(هـ): ((كمثل)) وسقط هذا اللفظ من (ك).

٣٠٠
• سُورَةُ الْبَقَة (٢٢،٢١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
فجعل يعمل ويؤدي غلته إلى غير سيده، فأيكم يسره أن يكون عبده كذلك؟ وإن الله خلقكم
ورزقكم فاعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأمركم بالصلاة فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده ما لم
يلتفت، فإذا صليتم فلا تلتفتوا .
وآمُركم بالصيام؛ فإن مثل ذلك كمثل رجل معه صُرَّةٌ من مسك في عصابة كلهم يجد ريح
المسك. وإن خلوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك.
وآمركم بالصدقة، فإن مثل ذلك كمثل رجل أسره العدو فشدوا يديه إلى عنقه، وقدموه ليضربوا
عنقه. فقال لهم: هل لكم أن أفتدي نفسي منكم؟ فجعل يفتدي نفسه منهم بالقليل والكثير حتى
فكّ نفسه.
وآمركم بذكر الله كثيراً. وإن مثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو سراعاً في أثره فأتى حصناً
حصيناً فتحصن فيه؛ وإن العبد أحصن ما يكون من الشيطان إذا كان في ذكر الله)).
قال: وقال رسول الله ويسير: ((وأنا آمركم بخمسٍ الله أمرني بهن: الجماعة، والسمع، والطاعة،
والهجرة، والجهاد في سبيل الله؛ فإنه من خرج من الجماعة قيد شبر فقد خلعَ (ربقة)(١) الإسلام
من عنقه إلا أن يراجع. ومن دعا بدعوى جاهلية فهو من جُثَی جهنم)).
قالوا: يا رسول الله؛ (٢) [وإن صام (وإن)(٣) صلَّى؟ فقال:](٢) ((وإن صلَّى وصام، وزعم أنه
مسلم؛ فادعوا المسلمين بأسمائهم (على ما)(٤) سماهم الله رَك المسلمين المؤمنين عباد الله).
هذا حديث حسن، والشاهد منه في هذه الآية قوله: ((وإن الله خلقكم ورزقكم فاعبدوه ولا
تشركوا به شيئاً)).
(٥) [وهذه الآية دالة على توحيده تعالى بالعبادة وحده لا شريك له، وقد استدل بها كثير من
المفسرين كالرازي وغيره على وجود الصانع (تعالى)(٦)، وهي دالة على ذلك بطريق الأولى؛ فإن
من تأمل هذه الموجودات السفلية والعلوية، واختلاف أشكالها وألوانها وطباعها، ومنافعها،
ووضْعها في مواضع النفع بها محكمة - علم قدرة خالقها، وحكمته وعلمه، وإتقانه، وعظيم
سلطانه، كما قال بعض الأعراب - وقد سئل: ما الدليل على وجود الرب تعالى؟ فقال: يا
سبحان الله! إن البعرة لتدل على البعير، وإن أثر الأقدام لتدل على المسير، فسماء ذات أبراج،
وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج! ألا يدل ذلك على وجود اللطيف الخبير !.
وحكى (فخر الدين)(٧) (الرازي)(٨) عن الإمام مالك - أن الرشيد سأله عن ذلك، فاستدل له
باختلاف اللغات والأصوات والنغمات](٥).
(١) في (ع) و(ل): ((ربق)).
(٢) ساقط من (ع) و(ى).
(٣) من (ج) و(ك).
(٤) كذا في (ز) و(ع) و(ن) و(هـ) و(ى)؛ وفي (ج) و(ك) و(ل): ((بل بما)).
(٥) ساقط من (ز) و(ك).
(٦) من (ع) و(ن) و(هـ) و(ى)؛ وفي (ل): ((فقال)). (٧) ساقط من (ن).
(٨) ساقط من (ج) و(ع) و(ل) و(ى)؛ وفي (هـ): ((فخر الدين الرازي).