Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
سُورَةُ الْفَاتِحَةِ (٢)
•
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
عيسى بن كيسان، حدثنا محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله؛ قال: قل الجراد في سنة من
سني عمر التي وُلي فيها، فسأل عنه فلم يخبر بشيء، فاغتم لذلك، فأرسل راكباً يضرب إلى
كدا (١)، وآخر إلى الشام، وآخر إلى العراق، يسأل: هل رؤى من الجراد شيء أم لا؟ قال: فأتاه
الراكب الذي من قبل اليمن بقبضة من جراد، فألقاها بين يديه؛ فلما رآها كبر، ثم قال: سمعت
رسول الله ◌َّ يقول: ((خلق الله ألف أمة؛ ستمائة في البحر، وأربعمائة في البر؛ فأول شيء
يهلك من هذه الأمم الجراد؛ فإذا هلك تتابعت مثل النظام إذا قطع سلكه)). محمد بن عيسى هذا
وهو الهلالي، ضعيف (٢).
(٣) [وحكى البغوي(٤)، عن سعيد بن المسيب - أنه قال: لله ألف عالم: ستمائة في البحر
وأربعمائة في البر. وقال وهب(٥) بن منبه: لله ثمانية عشر ألف عالم؛ الدنيا عالم منها. وقال
مقاتل: العوالم ثمانون ألفاً. وقال كعب الأحبار: لا يعلم عدد العوالم إلا الله رَّك ـ (نقله كله
البغوي)(٦).
وحكى القرطبي(٧) عن أبي سعيد الخدري أنه قال: إن لله أربعين ألف عالم، الدنيا من شرقها
إلى مغربها عالم واحد منها .
وقال الزجاج: العالم: (كل ما خلق الله) (٨) في الدنيا والآخرة](٣).
(١٣/١)، وفي ((اللآلئ المصنوعة)) (٨١/١)؛ والحافظ في ((المطالب العالية)) (٢٣٣٩)؛ وأخرجه ابن أبي
=
عاصم في ((الأوائل)) (ق١/١٣، ٢)؛ وابن عدي في ((الكامل)) (١٩٩٠/٥، ٢٢٤٨/٦)؛ ونعيم بن حماد في
((الفتن)) (٦٧٤)؛ وابن حبان في ((المجروحين)) (٢٥٦/٢، ٢٥٧)؛ والدولابي في ((الكنى)) (٢٥/٢)؛ وأبو
الشيخ في ((العظمة)) (٩٣٨)؛ والحكيم الترمذي في ((النوادر))، كما في ((تنزيه الشريعة)) (١٩٠/١)؛ والبيهقي
في ((الشعب)) (ج ٧/ رقم ١٠١٣٢ - ١٠١٣٥)؛ والخطيب في ((تاريخه)) (٢١٧/١١، ٢١٨) من طريق عبيد بن
واقد بسنده سواء.
ووقع عند الخطيب: ((جابر عن ابن عمر)) وأرى أن ذكر ((ابن عمر)) خطأ في الإسناد وهذا حديث باطل،
قال ابن حبان: ((موضوع لا شك فيه)) وكذلك قال ابن الجوزي، ومحمد بن عيسى ذاهب الحديث تالف.
(١) كذا في (ج) و(ع) و(ك) و(ل) و(هـ) و(ى): وكذلك وقع في ((المجروحين)) من رواية أبي يعلى. ووقع في
(ز) و(ن): ((اليمن)) وكذا وقع في ((المطالب)) وعند البيهقيِّ والخطيب وابن عدي فكأن قوله: ((اليمن)) تفسير
لهذا الإبهام، ووقع في ((الدر المنثور)): ((كداء)) فإن صح هذا فلعله يفسر ما في (ع) فقد رسمت الكلمة فيها
هكذا ((كدى)) فلعله أراد ((كدى)) وهي مناخ من خرج من مكة يريد اليمن كما في ((مراصد الاطلاع)) (٣/
١١٥١) وبهذا تجتمع الروايتان والله أعلم.
(٢) في هذا التضعيف تسامح، فالرجل ضعيف جداً كما يعلم من كلمات العلماء فيه.
(٣) ساقط من (ز) و(هـ).
(٤) في ((تفسيره)) (٤٠/١)
(٥) أخرجه أبو الشيخ في ((العظمة)) (٩٤٦)؛ وأبو نعيم في ((الحلية)) (٤/ ٧٠) من طريق عبد المنعم بن إدريس
وحماد بن سلمة، عن إدريس بن سنان، عن وهب بن منبه. وسنده ضعيف أو واوٍ وإدريس بن سنان ضعفه
ابن عدي وتركه الدارقطني، وقال ابن معين: ((يكتب من حديثه الرقاق)) وهذا تضعيف له.
(٦) من (ج) و(ل) و(ى).
(٧) في (تفسيره)) (١٣٨/١).
(٨) كذا في (ن). وفي (ى): ((ما خلقه)) وكذلك في (ج) ولكنه لم يذكر لفظ الجلالة. وفي (ك): ((العالم كلما
خلقه في الدنيا ... ))! وفي (ل): ((العالم كلما خلقه الله)) !!

٢٠٢
سُوَدَّةُ الْفَاتِحَةِ، (٤،٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
(١) [قال القرطبي(٢): وهذا هو الصحيح أنه شامل لكل العالمين؛ كقوله: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ
﴾ [الشعراء].
٢٤)
) قَالَ رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَنَهُمَّ إِن كُم ◌ُوقِنِينَ
والعالم: مشتق من العلامة. قلت: لأنه علم دال على وجود خالقه وصانعه ووحدانيته؛ كما
قال ابن المعتز:
ـه أم كيف يجحده الجاحد
فيا عجباً كيف يعصى الإلـ
تدل على أنه واحد](١)
وفي كل شيء له آية
] ﴿اَلَّهَْنِ الرَّحِيمِ ﴾﴾(٣).
تقدم الكلام عليه في البسملة بما أغنى عن الإعادة.
وقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾
(٣) [قال القرطبي(٢): إنما وصف نفسه بالرحمن الرحيم بعد قوله: ﴿رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ ليكون من
باب قرن الترغيب بعد الترهيب؛ كما قال تعالى: ﴿﴿ نَبِّ عِبَادِىّ أَنَّ أَنَا اُلْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ وَأَنَّ
عَذَابِى هُوَ اُلْعَذَابُ الْأَلِيمُ ﴾﴾ [الحجر] وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾
[الأنعام: ١٦٥] قال: فالرب فيه ترهيب، والرحمن الرحيم ترغيب](٣).
(٤) [وفي ((صحيح مسلم)(٥)، عن إبي هريرة قال: قال رسول الله وَّى: (لو يعلم المؤمن ما
عند الله من العقوبة ما طمع في جنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من
رحمته أحد))] (٤).
] ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾﴾(٦).
قرأ بعض القراء: ((مَلِكِ يَوْم الدِّينِ)) وقرأ آخرون ﴿مَلِكِ﴾ وكلاهما صحيح متواتر في السبع
(٤) [ويقال: ((مَلْكِ))(٧) - بكسر اللام وبإسكانها، ويقال: ((مليك)) أيضاً، وأشبع نافع كسرة الكاف؛
فقرأ ((ملكي يوم الدين)). وقد رجح كلاً من القرائتين مرجحون من حيث المعنى، وكلاهما
(صحيحة)(٨) حسنة. ورجح الزمخشري(٦): ((ملك))؛ لأنها قراءة أهل الحرمين؛ ولقوله: ﴿لِّمَنِ
الْمُلْكُ اَلْيَوْمٌ﴾ [غافر: ١٦] وقوله: ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ﴾ [الأنعام: ٧٣].
وحُكي عن أبي حنيفة أنه قرأ ((مَلَك يوم الدين)) عن أنه فعل وفاعل ومفعول وهذا شاذ غريب
جدًّا](٤).
وقد روى أبو بكر بن أبي داود(٩) في ذلك شيئاً غريباً حيث قال: حدثنا أبو عبد الرحمن
(١) ساقط من (ز) و(هـ).
(٢) في («تفسيره)) (١٣٩/١).
(٣) ساقط من (ز) و(هـ).
(٤) ساقط من (ز) و(هـ).
(٥) أخرجه مسلم (٢٣/٢٧٥٥) من طريق العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعاً.
وأخرجه البخاري (٣٠١/١١) من طريق سعيد المقبري عن أبي هريرة وفيه زيادة.
(٦) في ((الكشاف)) (١/ ٧).
(٨) في (ك): ((صحيح))!
(٩) في ((المصاحف)) (ص٩٣).
(٧) وقع في (ن): ((مالك)) وهو تحريف.

٢٠٣
• سُوَرَّةُ الْفَاتِحَةِ (٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
(الأذرمي)(١)، حدثنا عبد الوهاب (عن)(٢) عدي بن الفضل، عن أبي المطرف، عن ابن شهاب (٣)
- أنه بلغه أن رسول الله ﴿ وأبا بكر، وعمر، وعثمان، ومعاوية وابنه يزيد بن معاوية، كانوا
يقرؤون ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدّينِ ﴾﴾ قال ابن شهاب: وأول من أحدث ((ملك)) مروان.
قلت: مروان عنده علم بصحة ما قرأه، لم يطلع عليه ابن شهاب. والله أعلم.
وقد روى من طرق(٤) متعددة أوردها مردويه أن رسول الله وَ ل﴿ كان يقرؤها ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ
﴾﴾ ومالك مأخوذ من المُلْك، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ
[مريم]. وقال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ﴿ مَلِكِ النَّاسِ ﴾﴾ [الناس] و((ملك)) مأخوذٍ من
الملك. كما قال تعالى: ﴿لِّمَنِ الْمُلْكُ اَلْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَجِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦]، وقال: ﴿قَوْلُ الْحَقُّ وَلَهُ
اُلْمُلْكُ﴾ [الأنعام: ٧٣]، وقال: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَيِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنَّ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَفِرِينَ عَسِيرًا
(٥)
[الفرقان].
وتخصيص المُلْك بيوم الدين لا ينفيه عما عداه؛ لأنه قد تقدم الإخبار بأنه رب العالمين،
وذلك عام في الدنيا والآخرة، وإنما أضيف إلى يوم الدين؛ لأنه لا يدعى أحد هنالك شيئاً، ولا
يتكلم أحد إلا بإذنه، كما قال (تعالى)(٦): ﴿يَوْمَ يَقُومُ الزُُّعُ وَالْمَلَتِكَةُ صَفَّا لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ
الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا (٨َ﴾ [النبأ] وقال تعالى: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ [طه:
١٠٨]، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسُ إِلَّا بِإِذْنِهِ، فَمِنْهُمْ شَفِىٌّ وَسَعِيدُ (٣٦)﴾ [هود).
وقال الضحاك(٧) عن ابن عباس: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدّينِ ﴾﴾ يقول: لا يملك أحد في ذلك
(١) وقع في (ل) و(ن): ((الأزدي))! وهو تصحيف.
(٢) وقع في جميع ((الأصول)): ((ابن)) وهو تصحيف.
(٣) وسنده ضعيف جداً، وهو مع إرساله أو إعضاله، فإن عدي بن الفضل ساقط، لكنه توبع تابعه عبد الوارث بن
سعيد ووهيب بن خالد، وهارون الأعور ثلاثتهم عن أبي المطرف طلحة بن عبيد الله بن كريز، بفتح
الكاف، عن الزهري أن النبي ®﴿ وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يقرؤون ((مالك)). ولم يذكر ((عثمان)) في
رواية عبد الوارث. أخرجه أبو عمر الدوري في ((جزء فيه قراءات النبي وَيرٍ)) (٤، ٥، ٦) وأخرجه الدوري
(٨) قال: حدثنا عفان، ثنا خالد بن يزيد، عن شيخ يكنى أبا مطرف، أن النبي ول﴿ وأبا بكر وعمر ومعاوية
قرأوا ((مالك)) وأول من قرأها ((ملك)) مروان. وأخرجه أبو داود (٤٠٠٠) من طريق عبد الرزاق، عن معمر،
عن الزهري، قال معمر: وربما ذكر ابن المسيب، فساقه مثله.
(٤) ومدارها على الزهري، واختلف عليه فيه اختلافاً كثيراً، فمرة يروونه عنه عن أنس ومرة عنه عن سالم بن
عبد الله بن عمر، عن أبيه، ومرة عنه عن أبي سلمة عن أبي هريرة، ومرة عنه عن سعيد بن المسيب
مرسلاً، وتارة يروونه عنه معضلاً أو مرسلاً، والحديث لا يصح من جميع وجوهه وقد فصلتها في ((التسلية))
والحمد لله.
(٥) من (ن) و(هـ).
(٦) أخرجه ابن جرير (١٦٦)؛ وابن أبي حاتم (٢٤) من طريق أبي كريب، ثنا عثمان بن سعيد الزيات، ثنا
بشر بن عمارة، عن أبي روق عن الضحاك، عن ابن عباس فذكره. وسنده ضعيف جداً، وبشر بن عمارة
واهٍ. والضحاك لم يسمع من ابن عباس ومرّ الكلام عليه.
(٧) أخرجه ابن جرير (١٦٦)؛ وابن أبي حاتم (٢٤) من طريق أبي كريب، ثنا عثمان بن سعيد الزيات، ثنا
بشر بن عمارة، عن أبي روق عن الضحاك، عن ابن عباس فذكره. وسنده ضعيف جداً، وبشر بن عمارة
واهٍ. والضحاك لم يسمع من ابن عباس ومرّ الكلام عليه.

٢٠٤
• سُوَرَّةُ الْفَاتِحَّ (٤)
اليوم معه(١) حكماً، كملكهم في الدنيا؛ قال: ويوم الدين: يوم الحساب للخلائق؛ وهو يوم
القيامة يدينهم بأعمالهم إن خيراً فخير وإن شراً فشر، إلا من عفا عنه. وكذلك قال غيره من
الصحابة والتابعين والسلف، وهو ظاهر.
وحكى ابن جرير عن بعضهم أنه ذهب إلى أن تفسير ﴿ملِكِ يَوْمِ الدّيْنِ ﴾﴾ أنه القادر على
إقامته، ثم شرع يضعفه.
والظاهر أنه لا منافاة بين هذا القول وما تقدم، وأن كلاً من القائلين (بهذا)(٢) القول وبما قبله
يعترف بصحة القول الآخر، ولا ينكره؛ ولكن السياق أدل على المعنى الأول من هذا كما قال
تعالى: ﴿اَلْمُلْكُ يَوْمَيِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِّ (وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَفِرِينَ عَسِيرًا)(٣)﴾ [الفرقان: ٢٦].
والقول الثاني يشبه قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [الأنعام: ٧٣] والله أعلم.
(٤) [والملِكُ في الحقيقة هو الله ◌َ، قال الله تعالى: ﴿هُوَ اَللَّهُ الَّذِى لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ
الْقُدُّوسُ السَّلَمُ ... ﴾ [الحشر: ٢٣].
وفي ((الصحيحين)) (٥)] (٤).
(٦) [عن أبي هريرة (ه)(٧) مرفوعاً: ((أخنع اسم عند الله رجل تسمى بملك الأملاك، ولا
(مالك)(٨) إلا الله (تعالى)(٧)).
((وفيهما)) (٩) عنه عن رسول الله وَّر قال: ((يقبض الله الأرض،](٦) (١٠)[ويطوي السماء بيمينه،
ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟ أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟».
وفي القرآن العظيم ﴿لِّمَنِ الْمُلْكُ اَلْيَوْمِّ لِلَّهِ الْوَجِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦] فأما تسمية غيره في الدنيا
بملك فعلى سبيل المجاز؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكً﴾ [البقرة:
٢٤٧] ﴿وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٌ﴾ [الكهف: ٧٩] ﴿إِذْ جَعَلَ فِيَكُمْ أَنْبِيَاةَ وَجَعَلَكُمْ مُوًَّا﴾ [المائدة: ٢٠]. وفي
((الصحيحين))(١١): ((مثل الملوك على الأسرة)).
والدين: الجزاء والحساب كما قال تعالى: ﴿يَوْمَيِذٍ يُوَفِيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ [النور: ٢٥] وقال:
﴿أَوِنَّا لَمَدِيْنُونَ﴾ [الصافات: ٥٣] أي: مجزيون محاسبون. وفي الحديث(١٢): ((الكيس من دان نفسه،
وعمل لما](١٠)
(١) ساقط من (ك) ووقعت العبارة في (ن): ((لا يملك أحد معه في ذلك ... إلخ)).
(٣) زيادة من (ن).
(٢) في (ن): ((لهذا)).
(٤) ساقط من (ز).
(٥) أخرجه البخاري (٥٨٨/١٠)، ومسلم (٢٠/٢١٤٣).
(٦) ساقط من (ز).
(٧) من (ن).
(٨) كذا وقع في ((ن)) ووقع في سائر ((الأصول)): ((ملك)) وإنما أثبت ما في (ن)؛ لأنها الموافقة لما في ((مسلم))
و((البيهقي) في كتابيه فقد رواه كلاهما عن ابن أبي شيبة بلفظ: ((مالك)).
(٩) يعني: في (الصحيحين)). فأخرجه البخاري (٣٧٢/١١، ٣٦٧/١٣)، ومسلم (٢٣/٢٧٨٧).
(١٠) ساقط من (ز).
(١١) أخرجه البخاري (١٠/٦ و٣٩١/١٢)، ومسلم (١٦٠/١٩١٢).
(١٢) لكنه حديث ضعيف.
=

٢٠٥
• سُوَرَّةُ الْفَاتِحَّة (٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
(١) [بعد الموت))؛ أي: حاسب نفسه؛ كما قال عمر (٢) ظُه:](١) (٣)[((حاسبوا أنفسكم قبل أن
تحاسبوا وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، وتأهبوا للعرض الأكبر (على من لا تخفى عليه
أعمالكم)(٤) ﴿يَوْمَيِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَغْفَى مِنْكُرْ خَافِيَةٌ
(٨)﴾ [الحاقة].
﴾.
-4 ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
قرأ السبعة والجمهور بتشديد الياء من ﴿إِيَّاكَ﴾ وقرأ عمرو بن فايد بتخفيها مع الكسر، وهي
قراءة شاذة (مرذولة)(٥)؛ لأن ((إيا)) ضوء الشمس. وقرأ بعضهم أياك - بفتح الهمزة وتشديد الياء.
وقرأ بعضهم هياك؛ فالهاء بدل الهمزة، كما قال الشاعر:
موارده ضاقت عليك مصادره
فهياك والأمر الذي إن تراحبت(٦)
و﴿َسْتَعِيرُ﴾ بفتح النون أول الكلمة في قراءة الجميع سوى يحيى بن وثاب، والأعمش،
فإنهما كسراها؛ وهي لغة بني أسد وربيعة وبنى تميم (وقيس)(٧)](٣).
والعبادة في اللغة من الذلة، يقال: طريق معبد، وبعير معبد؛ أي: مذلل.
وفي الشرع عبارة عما يجمع كمال المحبة والخضوع والخوف.
أخرجه الترمذي (٢٤٥٩) وحسنه؛ وابن ماجه (٤٢٦٠)؛ وأحمد (١٢٤/٤)؛ وفي ((الزهد)) (ص٣٨)؛ وابن
=
المبارك في ((الزهد)) (١٧١)؛ والطيالسي (١١٢٢)؛ وابن أبي الدنيا في ((محاسبة النفس)) (١)؛ والطبراني في
((الكبير)) (ج ٧/ رقم ٧١٤٣)؛ وفي ((مسند الشاميين)) (١٤٨٥)؛ والحارث بن أبي أسامة في ((مسنده))؛ والحاكم
(٥٧/١ - ٢٥١/٤)؛ والبيهقي في ((الكبرى)) (٣٦٩/٣)؛ وفي ((الشعب)) (ج٧/ رقم ١٠٥٤٦)؛ وفي ((الآداب))
(١١٣٠)؛ وأبو نعيم في ((الحلية)) (٢٦٧/١، ٢٦٨، ١٧٤/٨)؛ والعسكري في ((الأمثال))؛ والخطيب في
(تاريخه)) (٥٠/١٢)؛ والبغوي في ((شرح السنة)) (٣٠٨/١٤، ٣٠٩)؛ والقضاعي في ((مسند الشهاب)) (١٨٥)؛
وأبو يعلى الفراء في ((الأمالي)) (ج٦/ق١/٤١)؛ وابن الجوزي في ((ذم الهوى)) (ص٣٦، ٣٧) من طريق أبي
بكر بن أبي مريم عن ضمرة بن حبيب، عن شداد بن أوس مرفوعاً وتمامه: ((والعاجز من أتبع نفسه هواها، ثم
تمني على الله)). قال الحاكم: ((صحيح على شرط البخاري)) فرده الذهبي بقوله: ((لا والله! وأبو بكر واهٍ)) وقال
ابن طاهر: مدار هذا الحديث عليه وهو ضعيف جداً، كما في («إتحاف السادة)) (٤٤/٧)، وقال ابن عدي في
(الكامل)) (٢/ ٤٧٣): ((ولأبي بكر بن أبي مريم غير ما ذكرت من الحديث والغالب على حديثه الغرائب، وقل
ما يوافقه الثقات، وأحاديثه صالحة، وهو ممن لا يحتج بحديثه)). ونقل الزبيدي في «إتحاف السادة)) (٨/
٤٢٨) عن أبي نعيم الأصبهاني أن للحديث طريقاً آخر وذكره فعلق الزبيدي قائلاً: وكأنه نظر إلى هذا الحاكم
فصححه وتعقبه الذهبي بأن ابن أبي مريم واوٍ وكذا قال ابن طاهر: إن مداره على أبي بكر بن أبي مريم وهو
ضعيف جداً وكأنهم لم يروا ما توبع عليه فتأمل» . اهـ.
(١) ساقط من (ز).
(٢) أخرجه الترمذي (٦٣٨/٤) معلقاً بصيغة التمريض ووصله ابن أبي الدنيا في ((محاسبة النفس)) قال: حدثنا
إسحاق بن إسماعيل، ثنا سفيان بن عيينة، عن جعفر بن برقان، عن ثابت بن الحجاج، قال: قال عمر بن
الخطاب فذكره وفيه: ((قبل أن توزنوا فإنه أهون عليكم في الحساب غداً أن تحاسبوا أنفسكم اليوم .. ))
وأخرجه أبو الليث السمرقندي في ((تنبيه الغافلين)) (ص٤٤٢، ٤٤٣) من طريق سفيان به. وهذا سند رجاله
ثقات لكنه منقطع بين ثابت بن الحجاج وعمر بن الخطاب فلم يدركه.
(٣) ساقط من (ز).
(٤) من (ن) و(هـ) و(ى).
(٥) كذا في (ج) و(ل) و(هـ) و(ى) ووقع في (ك) و(ن): ((مردودة)).
(٦) في (تفسير القرطبي)) (١٤٦/١): ((توسعت)).
(٧) من (ج) و(ل).

٢٠٦
• سُورَّةُ الْفَاتِةِ (٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقدم المفعول، وهو ((إياك))، وكرر؛ للاهتمام والحصر؛ أي: لا نعبد إلا إياك، ولا نتوكل إلا
عليك؛ وهذا هو كمال الطاعة.
والدين كله يرجع إلى هذين المعنيين.
وهذا كما قال بعض السلف: الفاتحة سر القرآن وسرها هذه الكلمة ﴿إِنَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
فالأول تبرؤ من الشرك، والثاني تبرؤ من الحول والقوة، والتفويض إلى الله فيك. وهذا
المعنى في غير آية من القرآن، كما قال تعالى: ﴿فَأَعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾
[هود: ١٢٣] ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ ءَامَنَّا بِهِ، وَعَلَيْهِ تَوَكَّنًا﴾ [الملك: ٢٩] ﴿رَّبُّ الَْشْرِقِ وَالْغْرِبِ لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَ
فَتَّخِذْهُ وَكِيلًا ﴾﴾ [المزمل] وكذلك هذه الآية الكريمة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾﴾.
وتحول الكلام من الغيبة إلى المواجهة بكاف الخطاب، وهو (مناسب)(١)؛ لأنه لما أثنى على الله
فكأنه اقترب وحضر بين يدي الله تعالى؛ فلهذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِيرُ (@)﴾.
وفي هذا دليل على أن أول السورة خبر من الله تعالى بالثناء على نفسه الكريمة بجميل صفاته
الحسنى، وإرشاد لعباده بأن يثنوا عليه بذلك؛ ولهذا لا تصح صلاة من لم يقل ذلك وهو قادر
عليه، كما جاء في ((الصحيحين))(٢)، عن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله وَله: (لا صلاة
لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)).
وفي ((صحيح مسلم))(٣) من حديث العلاء بن عبد الرحمن مولى الحرقة، عن أبيه، عن أبي
هريرة، عن رسول الله وثيقة: ((يقول الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها
لي ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل؛ إذا قال العبد: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ ﴾﴾ قال الله:
حمدني عبدي، وإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾﴾ قال الله: أثنى على عبدي، فإذا قال: ﴿مَلِكِ
يَوْمِ الدّينِ ﴾﴾ قال الله: مجدني عبدي، وإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾﴾ قال هذا
بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: ﴿أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَقِمَ ﴾ صِرَطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ
غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَ الضَّآلِّنَ ﴾﴾ [الفاتحة] قال: هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل)).
وقال الضحاك (٤)، عن ابن عباس طيًّا: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ يعني: إياك نوحد ونخاف (ونرجو)(٥) يا
ربنا لا غيرك، ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ على طاعتك، وعلى أمورنا كلها.
وقال قتادة (٦): ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ ﴿وَإِنَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ يأمركم أن تخلصوا له العبادة، وأن تستعينوه
على أموركم.
(١) في (ز) و(ع) و(ل) و(ن) و(هـ) و(ى): ((مناسبة)).
(٢) أخرجه البخاري (٢٣٦/٢، ٢٣٧)؛ ومسلم (٣٤/٣٩٤) وقد مضى تخريجه.
(٣) (٣٩/٣٩٥) ومضی تخريجه.
(٤) أخرجه ابن جرير (١٧١، ١٧٢)؛ وابن أبي حاتم (٢٧) من طريق أبي كريب، ثنا عثمان بن سعيد، ثنا
بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس. وسنده ضعيف جداً وتقدم مراراً.
(٥) في (ن): ((نرجوك)).
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٨) من طريق مطر الوراق عن قتادة. وسنده لا بأس به ومطر الوراق كان أكبر
أصحاب قتادة كما قال أبو حاتم، وقال ابن معين: ((صالح)) وضعفه غيره وروايته عن عطاء ضعيفة.

٢٠٧
• سُوَرَّةُ الْفَاتِحَةِ (٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وإنما قدم ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ على ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِيرُ﴾ لأن العبادة له هي المقصودة، والاستعانة
وسيلة إليها، والاهتمام والحزم تقديم ما هو الأهم فالأهم، والله أعلم.
(١) [فإن قيل: فما معنى النون في قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ®) فإن كانت
للجمع فالداعي واحد، وإن كانت للتعظيم فلا يناسب هذا المقام؟](١).
(٢)[وقد أجيب بأن المراد من ذلك الإخبار عن جنس العباد، والمصلي فرد منهم، ولا سيما
إن كان في جماعة أو إمامهم؛ فأخبر عن نفسه وعن إخوانه المؤمنين بالعبادة التي خلقوا لأجلها،
وتوسط لهم بخير.
ومنهم من قال: يجوز أن تكون للتعظيم، كأن العبد قيل له: إذا كنت داخل العبادة فأنت
شريف وجاهك عريض؛ فقل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
وإن كنت خارج العبادة فلا تقل: نحن، ولا فعلنا، ولو كنت فى مائة ألف، أو ألف ألف،
(لافتقار الجميع إلى الله رَق)(٣).
ومنهم من قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ ألطف في التواضع من ((إياك (أعبد)(٤))؛ لما في الثاني من
(تعظيمه)(٥) نفسه من جعله نفسه وحده أهلاً لعبادة الله تعالى الذي لا يستطيع أحد أن يعبده حق
عبادته، ولا يثني عليه كما يليق به؛ والعبادة مقام عظيم يشرف به العبد، لانتسابه إلى جناب الله
تعالى؛ كما قال بعضهم:](٢)
(٦) [لا تدعني إلا بيا عبدها فإنه أشرف أسمائي
وقد سمى الله رسوله وَ﴿ بعبده في أشرف مقاماته؛ (فقال)(٧): ﴿اَلْحَبْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ
اُلْكِتَبَ﴾ [الكهف: ١] ﴿وَأَُّ لَا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجن: ١٩] ﴿سُبْحَنَ الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا﴾
[الإسراء: ١] فسماه: عبداً عند إنزاله عليه، وقيامه في الدعوة، وإسرائه به، وأرشده إلى القيام
بالعبادة في أوقات يضيق صدره من تكذيب المخالفين حيث يقول: ﴿وَلَقَدْ نَعَلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا
وَأَعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْنِيَكَ اَلْيَقِينُ (@﴾ [الحجر].
يَقُولُونَ (٧) فَسَبِحْ بِحَمْدٍ رَبِّكَ وَّكُن مِّنَ السَّجِدِينَ
وقد حكى (فخر الدين)(٨) (الرازي)(٩) في ((تفسيره))(١٠) عن بعضهم أن مقام العبودية أشرف من
مقام الرسالة، لكون العبادة تصدر من الخلق إلى الحق، والرسالة من (الحق إلى الخلق)(١١)؛
قال: ولأن الله (يتولى)(١٢) مصالح عبده، والرسول (يتولى)(١٢) مصالح (أمته)(١٣).
وهذا القول خطأ، والتوجيه أيضاً ضعيف لا حاصل له، ولم يتعرض](٦) (١٤) [له (فخر الدين) (١٥) (١٤)
(١) ساقط من (ز).
(٣) وقع في (ن): ((لاحتياج الجميع إلى الله رك وفقرهم إليه)).
(٥) في (ن): ((تعظيم)).
(٤) في (ن): ((عبدنا)).
(٦) ساقط من (ز).
(٨) ساقط من (ن).
(١٠) ((تفسير الرازي)) (٢٥٤/١).
(١٢) في (ج) و(ل): ((متولى)).
(١٤) ساقط من (ز).
(٢) ساقط من (ز).
(٧) من (ن) و(هـ) و(ى).
(٩) ساقط من (ج) و(ع) و(ك) و(ل) و(ن) و(هـ) و(ى).
(١١) ساقط من (هـ).
(١٣) في (هـ) و(ى): ((العبد)» وهو سبق قلم.
(١٥) ساقط من (ن).

٢٠٨
• سُورَةُ الْفَاتِّ (٦)
(١)[(الرازي)(٢)
بتضعيف ولا رد.
وقال بعض الصوفية: العبادة إما لتحصيل ثواب (ورد)(٣) عقاب؛ قالوا: وهذا ليس بطائل؛ (إذ
مقصوده تحصيل مقصوده) (٤) وإما (للتشرف)(٥) بتكاليف الله تعالى؛ وهذا أيضاً عندهم ضعيف؛
بل العالي أن يعبد الله لذاته المقدسة الموصوفة بالكمال؛ قالوا: ولهذا يقول المصلي: أصلي الله،
ولو كان لتحصيل الثواب (ودرء العذاب)(٦) لبطلت (صلاته)(٧).
وقد رد ذلك عليهم آخرون، وقالوا: كون العبادة لله ريك لا ينافي أن يطلب معها ثواباً، ولا
أن يدفع عذاباً، كما قال ذلك الأعرابي: أما إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ؛ إنما أسأل الله
الجنة، وأعوذ به من النار؛ فقال النبي وَل: ((حولها ندندن))(٨)](١).
] ﴿أَهْدِنَ الْصِرَطَ الْمُسْتَقِيمَ ))).
(١) [(قراءة الجمهور بالصاد)(٩)، وقرئ السراط؛ وقرئ بالزاي. قال الفراء: وهي لغة بني عذرة
وبني كلب](١). لما تقدم الثناء على المسؤول تبارك وتعالى ناسب أن يعقب بالسؤال؛ كما قال:
((فنصفها لي؛ ونصفها لعبدي؛ ولعبدي ما سأل)). وهذا أكمل أحوال السائل أن يمدح مسؤوله،
ثم يسأل حاجته (١) [وحاجة إخوانه المؤمنين (بقوله) (١٠): ﴿أَهْدِنَا الْصِرَطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾﴾(١١)](١)؛
لأنه أنجح للحاجة؛ وأنجع للإجابة؛ ولهذا أرشد الله إليه؛ لأنه الأكمل؛ وقد يكون السؤال
بالإخبار عن حال السائل واحتياجه، كما قال موسى (عليّ(٨)(١٢): ﴿رَبِّ إِنِ لِمَآ أَنَزَلْتَ إِلَّ مِنْ خَيْرٍ
(١) ساقط من (ز).
(٢) ساقط من (ج) و(ع) و(ك) و(ل) و(ن) و(هـ) و(ى).
(٣) في (ن) و(ى): ((أو درء)).
(٤) كذا في (ج) و(ل) و(ن) ووقع في (ك): ((إذ يحصل مقصوده)، ووقع في (هـ) و(ى): ((إذ تحصيله تحصيل
مقصوده» .
(٥) في (ن) و(ك): ((للتشريف)).
(٦) كذا في (ج) و(ل) و(ى) وفي (هـ): ((درء عقاب)) وفي (ن): ((درء العقاب)) وفي (ك): ((رد العذاب)).
(٧) في (ن): ((الصلاة)).
(٨) أخرجه ابن ماجه (٩١٠، ٣٨٤٧)؛ وابن خزيمة (٧٢٥)؛ وابن حبان (٥١٤) من طريق جرير بن عبد الحميد،
عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله و 98 لرجل: ((ما تقول في الصلاة؟)) قال:
أتشهد ثم أقول: اللهم إني أسألك الجنة وأعوذ بك من النار ... الحديث. وإسناده صحيح، وصححه
النووي والبوصيري في ((الزوائد)) ولكن خولف جرير بن عبد الحميد، خالفه زائدة بن قدامه، فرواه عن
الأعمش، عن أبي صالح عن بعض أصحاب النبي ◌َط﴿ ... فذكره، أخرجه أحمد (٤٧٤/٣)؛ وأبو داود
(٧٩٢)، ويمكن حمل إحدى الروايتين على الأخرى مع أن رواية زائدة أشبه، والحديث صحيح على كل
حال، فقد أخرجه أبو داود (٧٩٣)؛ وابن خزيمة (١٦٣٣، ١٦٣٤)؛ والبغوي في ((شرح السنة)) (٧٤/٣)؛
والبيهقي (١١٦/٣، ١١٧) بسند جيد. من حديث جابر وأصلحه في ((الصحيحين)) من وجه آخر. وأخرجه
أحمد (٧٤/٥) عن رجل من بني سلمة يقال له: سليم فذكر نحوه. ورجاله ثقات.
(٩) من (ن) و(هـ).
(١١) من (ن).
(١٠) في (ج): ((فقوله))!
(١٢) من (ز) و(ن).

٢٠٩
سُوَدَّةُ الفَاتِحَّةِ (٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤] وقد يتقدمه مع ذلك وصف مسؤول؛ كقول ذي النون: ﴿لَّ إِلَهَ إِلَّ أَنْتَ
سُبْحَنَكَ إِنِّ كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] وقد يكون بمجرد الثناء على المسؤول؛ كقول(١)
الشاعر :
حياؤك إن شميتك الحياء
أأذكر حاجتي أم قد كفاني
كفاه من تعرضه الثناء
إذا أثنى عليك المرء يوماً
والهداية ههنا: الإرشاد والتوفيق، وقد تتعدى الهداية بنفسها، كما هنا: ﴿أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَقِيمَ
[البلد] أي: بيِّنا
فتضمن معنى ألهمنا أو وفقنا، أو أرزقنا أو أعطنا: ﴿وَهَدَيْنَهُ النَّجْدَيْنِ
له الخير والشر. وقد تُعدى بإلى؛ كقوله (تعالى)(٢): ﴿أَجْتَبَهُ وَهَدَنَهُ إِلَى صِرٍَ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [النحل:
١٢١] ﴿فَأَهْدُوُمْ إِلَى صِرَّطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٣] وذلك بمعنى الإرشاد والدلالة؛ وكذلك قوله
(تعالى)(٣): ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِىّ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] وقد تعدى باللام؛ كقول أهل الجنة:
﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى هَدَيْنَا لِهَذَا﴾ [الأعراف: ٤٣] أي: وفقنا لهذا، وجعلنا له (أهلا)(٤).
وأما الصراط المستقيم فقال الإمام أبو جعفر(٥) بن جرير: أجمعت الأمة من أهل التأويل
جميعاً على أن الصراط المستقيم هو الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه؛ (وكذلك)(٦) في لغة
جميع العرب؛ فمن ذلك قول جرير بن عطية الخطفي :
أمير المؤمنين على صراط
إذا اعوج الموارد مستقيم
قال: والشواهد على ذلك أكثر من أن (تحصر)(٧) قال: ثم تستعير العرب الصراط فتستعمله في
كل قول وعمل ووصف باستقامة أو اعوجاج، فتصف المستقيم باستقامته، والمعوج باعوجاجه.
ثم اختلفت عبارات المفسرين من السلف والخلف في تفسير الصراط، وإن كان يرجع حاصلها
إلى شيء واحد، وهو المتابعة لله وللرسول؛ فروي أنه كتاب الله؛ قال ابن أبي(٨) حاتم: حدثنا
الحسن بن عرفة، حدثني يحيى بن يمان، عن حمزة الزيات، عن سعد - وهو أبو المختار
الطائي، عن ابن أخي الحارث الأعور، عن الحارث الأعور، عن علي بن أبي طالب ﴾
،
قال: قال رسول الله وَيقول: ((الصراط المستقيم كتاب الله)).
وكذلك رواه ابن جرير من حديث حمزة بن حبيب الزيات، وقد (٩)[تقدم في فضائل القرآن
فيما](٩) رواه أحمد والترمذي، من رواية الحارث الأعور عن علي مرفوعاً؛ ((وهو حبل الله
المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم)).
(١) هو أمية بن أبي الصلت يمدح عبد الله بن جدعان. وهي في ((ديوانه)) (١٧) وهذان البيتان من أعذب الشعر
وأجمله. ووقع في بعض الكتب: ((الحباء)) بالموحدة بدل التحتانية وهو تصحيف.
(٢) من (ز) و(ن).
(٣) من (ج) و(ز) و(ع) و(ك) و(ل) و(هـ) و(ى).
(٤) ساقط من (ع) و(هـ) و(ى). وفي (ج): ((وجعلنا أهلاً له)).
(٦) في (ن): ((وذلك)).
(٥) في ((تفسيره)) (١/ ١٧٠ - شاكر).
(٧) كذا في سائر ((الأصول))، ووقع في (ك): ((تحصى)) وهو الموافق لما في ((تفسير ابن جرير)).
(٨) في ((تفسيره)) (٣٢) وهو حديث ضعيف جداً وقد تقدم تخريجه في أوائل ((فضائل القرآن)).
(٩) ساقط من (ز).

٢١٠
• سُورَةُ الْفَاتِحَةِ، (٦)
وقد روي موقوفاً (على)(١) علي رظ ◌ُّه؛ وهو أشبه(٢). والله أعلم.
وقال الثوري(٣)، عن منصور، عن أبي وائل، عن عبد الله، قال: الصراط المستقيم كتاب الله.
وقيل: هو الإسلام.
وقال الضحاك (٤)، عن ابن عباس؛ قال: قال جبريل لمحمد عَل *: ((قل يا محمد: اهدنا
الصراط المستقيم))، يقول: (ألهمنا)(٥) الطريق الهادي، وهو دين الله الذي لا (عوج)(٦) فيه.
وقال ميمون بن(٧) مهران، عن ابن عباس - في قوله تعالى: ﴿ أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَقِيمَ
قال: ذاك الإسلام.
وقال إسماعيل(٨) بن عبد الرحمن السدي الكبير، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن
(١) في (ز) و(ك): ((عن)).
(٢) كذا قال المصنف تَُّ! ولا يصح الموقوف أيضاً؛ لأن مداره على الحارث الأعور، وهو واهٍ.
(٣) أخرجه ابن جرير (١٧٧)؛ والحاكم (٢٥٨/٢)؛ البيهقي في ((الشعب)) (ج ٤/ رقم ١٧٩٠) من طريق سفيان
الثوري بسنده سواء.
قال الحاكم: ((صحيح على شرط الشيخين)) ووافقه الذهبي.
قلت: إن كان بالنظر إلى الإسناد من عند سفيان الثوري فصاعداً فنعم، وإلا فقد رواه الحاكم من طريق
الحسن بن علي بن عفان العامري عن أبي داود الحفري عمر بن سعد عن الثوري. والعامري من رجال ابن
ماجه وحده، والحفري من أفراد مسلم دون البخاري فليس الإسناد على شرط واحد منهما وإن كان صحيحاً.
وأخرجه ابن نصر في ((السنة)) (٢٤)؛ وأبو نعيم في ((أخبار أصبهان)) (١٠٣/٢)؛ والثعلبي في ((تفسيره)) (١/
٢/١٢) من طريق مسعر بن كدام عن منصور مثله. وأخرجه ابن نصر في ((السنة)) (٢١) عن إسحاق بن
راهويه. والآجري في ((الشريعة)) (ص١٢)؛ وعنه ابن بطة في ((الإبانة)) (١٣٥) عن عثمان بن أبي شيبة
كلاهما عن جرير، عن منصور عن أبي وائل، عن عبد الله قال: إن هذا الصراط محتضر يحتضره
الشياطين، ينادون: يا عبد الله! هلم هذا الصراط ليصدوا عن سبيل الله، فاعتصموا بحبل الله، فإن حبل الله
هو كتاب الله. وهذا لفظ ابن أبي شيبة.
وأخرجه ابن نصر (٢٢) من طريق الأعمش، عن أبي وائل، عن ابن مسعود مثله وهذه أسانيد صحيحة وعزاه
السيوطي في ((الدر)) (١٥/١) لوكيع وابن المنذر وعبد بن حميد وابن الأنباري في ((كتاب المصاحف)).
(٤) أخرجه ابن جرير (١٧٩)؛ وابن أبي حاتم (٣١، ٣٦) من طريق أبي كريب محمد بن العلاء، ثنا عثمان بن
سعيد، حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك به وسنده ضعيف جداً وقد تقدم مراراً.
(٥) کذا في سائر «الأصول)) وقع في (ز): ((اهدنا)).
(٦) في (ن): ((اعوجاج)).
(٧) أخرجه ابن جرير (١٨٠) من طريق الفرات بن السائب، عن ميمون بن مهران به. وسنده ضعيف جداً لأجل
الفرات هذا فقد قال البخاري في ((التاريخ الكبير» (١٣٠/١/٤) ((تركوه، منكر الحديث)) وقال أحمد:
((قريب من محمد بن زياد الطحان في ميمون يتهم بما يتهم به ذاك)). والطحان هذا قال فيه أحمد: ((كذاب
أعور يضع الحديث)) وتركه الدارقطني وغيره. وقال ابن حبان في ((المجروحين)) (٢٠٧/٢): ((كان ممن
يروي الموضوعات عن الأثبات، ويأتي بالمعضلات عن الثقات، لا يجوز الاحتجاج به ولا الرواية عنه ولا
كتب حديثه إلا على سبيل الاختبار)).
(٨) أخرجه ابن جرير (١٦٨، ١٨٢)؛ والحاكم (٢٥٨/٢)، من طريق عمرو بن حماد بن طلحة القناد، قال:
حدثنا أسباط بن نصر، عن إسماعيل بن عبد الرحمن السدي فذكره.
قال الحاكم: ((صحيح على شرط مسلم)) ووافقه الذهبي.
والصواب أنه حسن الإسناد، وأوجز الكلام على هذا الإسناد لكثرة دورانه في كتب التفسير، وقد اختلف =

٢١١
سُورَةُ الْفَاتِحَّة، (٦)
عباس، وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي وَّهِ ﴿أَهْدِنَا الصِّرَطَ
الْمُسْتَقِيمَ ﴾﴾ قالوا: هو الإسلام.
وقال عبد(١) الله بن محمد بن عقيل، عن جابر: ﴿أَهْدِنَا الصِرَطَ الْمُسْتَقِيَمَ ﴾﴾ (٢) [قال:
(الإسلام هو أوسع)(٣) مما بين السماء والأرض.
وقال ابن(٤) الحنفية في قوله تعالى: ﴿أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَقِيِمَ ﴾﴾](٢)، قال: هو دين الله الذي
لا يقبل من العباد غيره.
= فيه العلماء، وفهمت عبارات بعضهم خطأ .
فاعلم أيها المسترشد أن ابن جرير يروي تفسير السدي من طريق شيخه موسى بن هارون الهمداني، قال:
حدثني عمرو بن حماد القناد، قال: ((حدثنا أسباط بن نصر الهمداني، عن إسماعيل بن عبد الرحمن
السدي، عن أبي مالك وأبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن ناس من
أصحاب النبي (وَ ل ) ...
فالإسناد إلى السدي واحد، ثم يتفرع من عنده. ولتنظر فيه.
فاعلم أن السدي يروي تفسيره بعدة أسانيد وبيانها هكذا :
١ - السدي، عن أبي مالك، عن ابن عباس. ٢ - السدي عن أبي صالح، عن ان عباس.
٤ - السدي عن ناس من أصحاب النبي صلعمر.
٣ - السدي عن مرة الهمداني، عن ابن مسعود.
فأما الإسناد الأول: فأبو مالك هو الغفاري، واسمه غزوان وثقه ابن معين وابن حبان، وقال ابن سعد (٦/
٢٩٥): ((كان قليل الحديث)).
وأما الإسناد الثاني: ففيه أبو صالح وهو مولى أم هانئ، واسمه باذام ويقال: باذان وفيه كلام كثير
والصواب في حاله أنه ضعيف، وهو يروي في التفسير ما لم يتابعه أهل التفسير عليه كما قال ابن عدي،
لكنه متابع بأبي مالك الغفاري.
وأما الإسناد الثالث: فمرة الهمداني هو ابن شراحيل، وهو من كبار التابعين الثقات.
وأما الإسناد الرابع: فمنقطع، فإن السدي لم يدرك كبير أحدٍ من أصحاب النبي ◌َ ﴿ وجملة الكلام أن
السدي يروي تفسير القرآن عن اثنين من التابعين عن ابن عباس، وعن تابعي واحد عن ابن مسعود، ومن
رواية نفسه عن ناس من الصحابة.
فالإسنادان الأول والثالث جيدان، والثاني والرابع ضعيفان.
وقد أثنى العلماء على تفسير السدي، فقال أبو يعلى الخليلي في ((الإرشاد)) (٣٩٧/١، ٣٩٨): ((وتفسير
إسماعيل بن عبد الرحمن السدي فإنما يسنده بأسانيد إلى عبد الله بن مسعود وابن عباس وروى عن السدي
الأئمة مثل: الثوري وشعبة، لكن التفسير الذي جمعه رواه عنه أسباط بن نصر وأسباط لم يتفقوا عليه، غير
أن أمثل التفاسير تفسير السدي». اهـ.
وجملة القول: أن إسناد تفسير السدي جيد حسن. والله أعلم.
(١) أخرجه ابن نصر في ((السنة)) (٢٥)؛ وابن جرير (١٧٨)؛ والحاكم (٢٥٨/٢، ٢٥٩)؛ والثعلبي في ((تفسيره))
(٢/١٢/١) من طريق الحسن بن صالح، زاد ابن جرير: وعلي بن صالح، كلاهما عن عبد الله بن محمد بن
عقيل، عن جابر. قال الحاكم: ((هذا حديث صحيح الإسناد)) ووافقه الذهبي، والصواب: أن إسناده حسن؛
لأجل الكلام الذي قيل في ابن عقيل. والله أعلم. وعزاه السيوطي في ((الدر المنثور)) (١٤/١، ١٥)
((وكيع، وعبد بن حميد، وابن المنذر، والمحاملي في ((الأمالي))).
(٢) ساقط من (ل).
(٣) في (ن): ((هو الإسلام أوسع)) وفي (هـ): ((هو الإسلام هو أوسع)).
(٤) أخرجه ابن جرير (١٨١) من طريق إسماعيل الأزرق، عن أبي عمر البزار، عن ابن الحنفية. وإسناده واهٍ،
وإسماعيل الأزرق هو ابن سلمان تركه ابن نمير والنسائي. وقال ابن معين: ((ليس حديثه بشيء)) وقال =

٢١٢
• سُؤَدَّةُ الْفَاتِحَّةِ (٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال عبد الرحمن(١) بن زيد بن أسلم: ﴿أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَقِيِمَ ﴾﴾ قال: هو الإسلام.
وفي معنى هذا الحديث الذي رواه الإمام أحمد في ((مسنده))(٢) حيث قال: حدثنا الحسن بن
سوار أبو العلاء، حدثنا ليث - يعني: ابن سعد، عن معاوية بن صالح - أن عبد الرحمن بن
جبير بن نفير حدثه عن أبيه، عن النواس بن سمعان، عن رسول الله وَّر، قال: ((ضرب الله مثلاً
صراطاً مستقيماً، وعلى جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة،
وعلى الصراط داع يقول: يا أيها الناس ادخلوا الصراط جميعاً، ولا تعوجوا، وداع يدعو من
(جوف)(٣) الصراط؛ فإذا أراد الإنسان أن يفتح شيئاً من تلك الأبواب قال: ويحك، لا تفتحه،
فإنك إن تفتحه تلجه؛ فالصراط الإسلام، والسوران حدود الله، والأبواب المفتحة محارم الله؛
وذلك الداعي على رأس الصراط كتاب الله، والداعي من فوق الصراط واعظ الله في قلب كل
مسلم)) .
وهكذا رواه ابن أبي حاتم، وابن جرير، من حديث (٤)[الليث بن سعد، به ورواه الترمذي،
والنسائي، جميعاً، عن علي بن حجر، عن بقية، عن بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن
جبير بن نفير، عن](8) (٥)[النواس بن سمعان، به وهو إسناد حسن صحيح والله أعلم.
وقال مجاهد (٦): ﴿أَهْدِنَا الْصِرَطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾﴾ قال: الحق، وهذا أشمل، ولا منافاة بينه وبين
ما تقدم] (٥).
= ابن حبان: ((ينفرد بمناكير يرويها عن المشاهير)).
(١) أخرجه ابن جرير (١٨٥) بإسناد صحيح.
(٢) أخرجه أحمد في «مسنده)) (٤/ ١٨٢، ١٨٣).
وأخرجه البيهقي في ((الشعب)) (ج٥/ رقم ٧٢١٦)؛ وابن مردويه وعنه الأصبهاني في ((الترغيب)) (٤٧٣) من
طريق إسحاق بن الحسن ثنا الحسن بن سوار بسنده سواء ثم أخرجه البيهقي والطحاوي في ((المشكل))
(٢١٤٢)؛ وابن جرير (١٨٧)؛ والآجري في ((الشريعة)) (ص١١، ١٢)؛ ومحمد بن نصر في ((السنة)) (١٧)
من طريق آدم بن أبي إياس، عن الليث بن سعد بسنده سواء. وتوبع الليث بن سعد. تابعه عبد الله بن
صالح أبو صالح كاتب الليث، فرواه عن معاوية بن صالح به أخرجه ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) (٣٣)؛
وابن جرير (١٨٦)؛ والطحاوي (٢٠٤٣، ٢١٤١)؛ وابن أبي عاصم في ((السنة)) (١٩)؛ وابن نصر في
((السنة)) (١٦)؛ والآجري في ((الشريعة)) (ص١٢، ١٣)؛ والرامهرمزي في ((الأمثال)) (٣)؛ والحاكم (١/
٧٣)؛ وابن مردويه وعنه الأصبهاني في ((الترغيب)) (٤٧٣)؛ والثعلبي (٢/١٢/١)؛ وابن بطة في ((الإبانة))
(١٣١) من طرق عن عبد الله بن صالح.
وأخرجه النسائي في ((التفسير)) (٢٥٣)؛ والترمذي (٢٨٥٩)؛ وأحمد (١٨٣/٤)؛ والطحاوي (٢١٤٣)؛ وابن
أبي عاصم في ((السنة)) (١٨)؛ وأبو الشيخ في ((الأمثال)) (٢٨٠)؛ والطبراني في ((مسند الشاميين)) (١١٤٧)؛
وابن نصر في ((السنة)) (١٨) من طرق عن بقية بن الوليد، قال: حدثني بحير بن سعد، عن خالد بن معدان،
عن جبير بن نفير، عن النواس بن سمعان فذكره مرفوعاً. قال الترمذي: ((هذا حديث حسن غريب)» كذا في
((أطراف المزي)) (٩/ ٦١) ووقع في ((المطبوعة)): ((حديث غريب)) وهي كثيرة السقط والتحريف.
(٣) كذا في (ج) و(ع) و(ك) و(ن) و(ى) ووقع في (ز) و(ل) و(هـ): ((فوق)) وأشار في (ن) إلى أنه ورد في
نسخة ((فوق)) .
(٤) ساقط من (ج).
(٥) ساقط من (ج).
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم في «تفسيره)) (٣٥) من طريق خالد بن عبد الرحمن المخزومي، ثنا عمر بن ذر، عن =

٢١٣
• سُوَرَّةُ الْفَاتِحَةِ (٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
(١) [وروى ابن أبي(٢) حاتم، وابن جرير، من حديث] (١) أبي النضر هاشم بن القاسم، حدثنا
حمزة بن المغيرة، عن عاصم الأحول، عن أبي العالية ﴿أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْنَفِيمَ ﴾﴾ قال: هو
النبي ◌َّر وصاحباه من بعده. قال عاصم: فذكرنا ذلك للحسن، فقال: صدق أبو العالية ونصح.
وكل هذه الأقوال صحيحة، وهي متلازمة، فإن من اتبع النبي ◌ّ﴾، واقتدى باللذين من بعده:
أبي بكر، وعمر - فقد اتبع الحق؛ (١)[ومن اتبع الحق فقد اتبع الإسلام، ومن اتبع الإسلام فقد
اتبع القرآن](١)؛ وهو كتاب الله، وحبله المتين، وصراطه المستقيم؛ فكلها صحيحة يصدق بعضها
بعضاً، ولله الحمد.
وقال الطبراني(٣): حدثنا محمد بن الفضل السقطي، حدثنا إبراهيم بن مهدي المصيصي،
حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله؛ قال: الصراط
المستقيم الذي تركنا عليه رسول الله الجلد .
ولهذا قال الإمام أبو جعفر(٤) بن جرير كَذُ: والذي هو أولى بتأويل هذه الآية عندي أعني:
﴿أَهْدِنَ)(٥) الصِّرَطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ أن يكون معنياً به: وفقنا للثبات على ما ارتضيته، ووفقت له من
أنعمت عليه من عبادك من قول وعمل؛ وذلك هو الصراط المستقيم؛ لأن من وفق لما وفق له
من أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين فقد وفق للإسلام، وتصديق
الرسل، والتمسك بالكتاب، والعمل بما أمره الله به، والانزجار عما زجره عنه، واتباع منهاج
النبي ◌ّ( ومنهاج الخلفاء الأربعة، وكل عبد صالح؛ وكل ذلك من الصراط المستقيم.
فإن قيل: (فكيف)(٦) يسأل المؤمن الهداية في كل وقت من صلاة وغيرها، وهو متصف
بذلك؟ فهل هذا من تحصيل الحاصل أم لا؟ فالجواب: أن لا، ولولا احتياجه ليلاً ونهاراً إلى
سؤال الهداية لما أرشده الله تعالى إلى ذلك، فإن العبد مفتقر في كل ساعة وحالة إلى الله تعالى
في (تثبيته)(٧) على الهداية، ورسوخه فيها، وتبصره وازدياده منها، واستمراره عليها، فإن العبد لا
يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله؛ فأرشده تعالى إلى أن يسأله في كل وقت أن يمده
= مجاهد فذكره. وسنده ضعيف جداً والمخزومي تالف. قال أبو حاتم: ((تركوا حديثه)) وقال البخاري:
((ذاهب الحديث)). وأما عمر بن ذر فثقه، لكن قال البرديجي: ((روى عن مجاهد أحاديث مناكير)) ويبدو أنه
قصد الأحاديث المرفوعة كما هو ظاهر.
(١) ساقط من (ج).
(٢) أخرجه ابن حبان في ((الثقات)) (٢٢٩/٦) معلقاً؛ ووصله ابن جرير (١٨٤)؛ وابن أبي حاتم (٣٤)؛ وابن
نصر في (السنة)) (٢٧) من طرق عن هشام بن القاسم بسنده سواء؛ وأخرجه الحاكم (٢٥٩/٢) من طريق
الحارث بن أبي أسامة عن هاشم بن القاسم بسنده سواء لكنه جعله عن ((أبي العالية عن ابن عباس))، وكأن
ذكر (ابن عباس)) مقحم في السند؟! وقال الحاكم: ((صحيح الإسناد)) ووافقه الذهبي وإسناده جيد، وحمزة بن
المغيرة بن نشيط وثقه ابن حبان، وقال ابن معين: ((ليس به بأس)).
(٣) في ((معجمه الكبير)) (ج١٠ /رقم ١٠٤٥٤) وسنده صحيح. ومحمد بن الفضل هو ابن جابر السقطي شيخ
الطبراني، قال الدارقطني: ((صدوق)) ووثقه الخطيب في ((تاريخه)) (١٥٣/٣) ومن فوقه ثقات.
(٥) ساقط من (ج).
(٤) في ((تفسيره)) (١٧١/١).
(٦) في (ز): ((كيف)).
(٧) في (ج): (تثبته)) .

٢١٤
• سُورَةُ الْفَاتِةِ، (٧)
بالمعونة والثبات والتوفيق، فالسعيد من وفقه (الله تعالى)(١) لسؤاله؛ فإنه تعالى قد تكفل بإجابة
الداعي إذا دعاه، ولا سيما المضطر المحتاج المفتقر إليه آناء الليل وأطراف النهار.
وقد قال تعالى: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ ءَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَالْكِنَبِ الَّذِى نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ، وَالْكِتَبِ
الَّذِىّ أَنْزَلَ مِن قَبْلٌ﴾ الآية [النساء: ١٣٦] فقد أمر الذين آمنوا بالإيمان، وليس من باب تحصيل
الحاصل؛ لأن المراد الثبات والاستمرار والمداومة على الأعمال المعينة على ذلك. والله أعلم.
(٢) [(وقد)(٣) قال تعالى آمراً لعباده المؤمنين أن يقولوا: ﴿رَبَّنَا لَا تُخْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَاَ
مِن لَّدُنْكَ رَحْمَةٌ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَقَّابُ ﴾﴾ [آل عمران] وقد كان الصديق(٤) (رضي الله](٢) (٥) [عنه)(٦) يقرأ
بهذه الآية في الركعة الثالثة من صلاة المغرب بعد الفاتحة سراً؛ فمعنى قوله تعالى: ﴿أَهْدِنَا
(٢) استمر بنا عليه، ولا تعدل بنا إلى غيره، (ولا تضلنا عنه)(٧)](٥).
اَلْصِرَطَ الْمُسْتَفِيِمَ
٧
﴾.
] ﴿صِرَطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ
قد تقدم الحديث فيما إذا قال العبد: ﴿أَهْدِنَا الْصِرَطَ الْمُسْتَقِمَ ﴾ ... ) إلى آخرها أن الله
(تعالى)(٨) يقول: ((هذا لعبدي ولعبدي ما سأل)).
وقوله (تعالى)(٨): ﴿صِرَطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ مفسر الصراط المستقيم، هو بدل منه عند
النحاة. ويجوز أن يكون عطف بيان، والله أعلم.
والذين أنعم الله عليهم هم المذكورون في ((سورة النساء)) حيث قال تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ
وَالرَّسُولَ فَأُوْلَيْكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيْنَ وَالصِّدِيِقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّلِحِينَّ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا
ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا
(١) كذا في (ز) و(ك) و(ن) ووقع في (ج) و(ع) و(ل) و(هـ) و(ى): ((من وفقه لسؤاله)).
(٢) ساقط من (ز).
(٣) من (هـ).
(٤) أخرجه مالك في ((الموطأ)) (٢٥/٧٩/١) ومن طريقه عبد الرزاق في ((المصنف)) (ج٢/ رقم ٢٦٩٨)؛ وابن
المنذر في («الأوسط)» (١١٢/٣) بسند صحيح عن أبي عبد الله الصنابحي قال: قدمت المدينة في خلافة أبي
بكر الصديق، فصليت وراءه المغرب، فقرأ في الركعتين الأوليين بأم القرآن وسورة سورة من قصار
المفصل، ثم قام في الثالثة فدنوت منه حتى إن ثيابي لتكاد تمس ثيابه، فسمعته قرأ بأم القرآن وبهذه الآية:
﴿رَبَّنَا لَا تُرْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَقَّابُ (٣)﴾ [آل عمران] زاد عبد الرزاق: قال
أبو عبيد: يعني شيخ مالك، وأخبرني عبادة؛ يعني: ابن نسي، أنه كان عند عمر بن عبد العزيز في خلافته،
فقال عمر لقيس؛ يعني: ابن الحارث، كيف أخبرتني عن أبي عبد الله؛ يعني: الصنابحي، فحدثه، فقال
عمر: ما تركناها منذ سمعناها، وإن كنت قبل ذلك لعلي غير ذلك، فقال رجل: وعلى أي شيء كان
أمير المؤمنين قبل ذلك؟ قال: كنت أقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ ﴾﴾ [الإخلاص] وأخرجه عبد الرزاق
(٢٦٩٩)؛ وابن أبي شيبة (٣٧١/١) من طريق عن ابن عون، عن رجاء بن حيوة، عن محمود بن الربيع،
أن الصنابحي قال: صليت مع أبي بكر المغرب، فدنوت منه ... وساقه مثله وسنده صحيح أيضاً، زاد
عبد الرزاق: عن محمد بن راشد قال: سمعت رجلاً يحدث به مكحولاً عن سهل بن سعد الساعدي أنه
سمع أبا بكر قرأها في الركعة الثالثة، فقال له مكحول: إنه لم يكن من أبي بكر قراءة، إنما كان دعاءً منه.
(٦) ساقط من (ج) و(ل).
(٥) ساقط من (ز).
(٧) ساقط من (ن).
(٨) من (ج) و(ع) و(ل) و(ى).

٢١٥
سُورَةُ الْفَاتِةِ؛ (٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال الضحاك(١)، عن ابن عباس: صراط الذين أنعمت عليهم بطاعتك وعبادتك من ملائكتك
وأنبيائك والصديقين والشهداء والصالحين؛ وذلك نظير ما قال ربنا تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ
فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم ... ) الآية.
وقال أبو جعفر (٢) الرازي، عن الربيع بن أنس: (﴿صِرَطَ الَِّيْنَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾) قال: هم
النبيُّون.
وقال ابن(٣) جريج، عن ابن عباس: هم المؤمنون، وكذا قال مجاهد(٤). وقال وكيع(٥): هم
المسلمون. وقال عبد الرحمن(٦) بن زيد بن أسلم: هم النبي ◌َّر ومن معه.
والتفسير المتقدم عن ابن عباس ﴿يا أعم وأشمل. والله أعلم.
وقول تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ (٧)[قرأ الجمهور ((غير)) بالجر على النعت. قال
الزمخشري(٨): وقرئ بالنصب على الحال، وهي قراءة رسول الله وَطّ، وعمر بن الخطاب،
ورويت(٩) عن ابن كثير؛ وذو الحال الضمير في عليهم، والعامل أنعمت](٧).
(والمعنى)(١٠) اهدنا الصراط المستقيم صراط الذي أنعمت عليهم، ممن تقدم وصفهم ونعتهم؛
وهم أهل الهداية والاستقامة، والطاعة الله ورسله، وامتثال أوامره وترك نواهيه وزواجره، غير
صراط المغضوب عليهم؛ وهم الذين فسدت (إراداتهم)(١١)، فعلموا الحق وعدلوا عنه، ولا
صراط الضالين؛ وهم الذين فقدوا العلم؛ فهم هائمون في الضلالة، لا يهتدون إلى الحق.
وأكد الكلام بـ(لا)) ليدل على أن ثم مسلكين فاسدين؛ وهما طريقة اليهود والنصارى.
وقد زعم بعض النحاة أن ((غير)) هاهنا استثنائية، فيكون على هذا منقطعاً لاستثنائهم من المنعم
عليهم، وليسوا منهم؛ وما أوردناه أولى؛ لقول الشاعر(١٢):
(١) من (ن).
(٢) أخرجه ابن جرير (١٨٨)؛ وابن أبي حاتم (٣٨) وسنده ضعيف جداً كما تقدم.
(٣) أخرجه ابن جرير (١٨٩)؛ وأبو جعفر الرازي وثقه جمع وتكلم فيه آخرون بسوء الحفظ، ولكن روايته هنا
جيدة، فقد كان عالماً بتفسير القرآن معتنياً به، وتفسير أبي العالية نسخة يرويها عنه أبو جعفر، وهذا أحرى
أن يكون جودها واعتنى بها بخلاف الحديث السرد. والله أعلم.
(٤) أخرجه ابن جرير (١٩٠) وإسناده ضعيف لانقطاعه بين ابن جريج وابن عباس.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٩) بسند ضعيف.
(٦) أخرجه ابن جرير (١٩١، ١٩٢) وإسناده صحيحان.
(٧) ساقط من (ز).
(٨) في ((الكشاف)) (٩/١).
(٩) واختلف عن ابن كثير في هذا الحرف، فروى عنه الوجهان معاً: النصب والجر.
وانظر: ((الحجة للقراء السبعة)) (١٤٢/١ - ١٦٢)؛ لأبي علي الفارسي. وابن كثير هو عبد الله بن كثير بن
عمرو المكي، أحد القراء السبعة المشاهير، قرأ على مجاهد وقرأ عليه أبو عمرو بن العلاء. توفي سنة
(١٢٢ هـ) تَحْظَلُ.
(١٠) في (ز): ((يعني)).
(١١) كذا في (ج) و(ع) و(ى) ووقع في (ز) و(ك) و(ل) و(ن) و(هـ): ((إرادتهم)) وأشار في (ى) أنه وقع في
(نسخة)): ((آراؤهم).
(١٢) هو النابغة الذبياني، وهو في ((ديوانه)) (١٩٨) وهو يصف عيينة بن حصن بالجبن والجور كأنه جمل من =

٢١٦
سُوْرَّةُ الْفَاتِحَّةِ (٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
يقعقع عند رجليه بشن
كأنك من جمال بني أقيش
أي: كأنك جمل من جمال بني أقيش، فحذف الموصوف، واكتفى بالصفة. وهكذا ﴿غَيْرِ
الْمَغْضُوبِ عَيْهِمْ﴾ أي: غير صراط المغضوب عليهم، اكتفى بالمضاف إليه عن ذكر المضاف. وقد
دل عليه سياق الكلام؛ وهو قوله (تعالى) (١): ﴿أَهْدِنَا الْصِرَطَ الْمُسْتَقِمَ ﴾ صِرَطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ
عَلَيْهِمْ﴾ ثم قال (تعالى)(١): ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَيْهِمْ﴾.
ومنهم من زعم أن ((لا)) في قوله (تعالى)(١): ﴿ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ زائدة وأن تقدير الكلام عنده:
((غير المغضوب عليهم والضالين))؛ واستشهد ببيت العجاج:
في بئرلا حور
سعى وما شعر
أي: في بئر حور. والصحيح ما قدمناه، ولهذا روى أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب
((فضائل القرآن))(٢) عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عمر بن
الخطاب ربه - أنه كان يقرأ: ((غير المغضوب عليهم وغير الضالين)). وهذا إسناد صحيح.
وكذلك حُكي عن أبي بن كعب أنه قرأ كذلك، وهو محمول على أنه صدر منهما على وجه
التفسير. فيدل على ما قلناه من أنه إنما جيء بـ(لا)) لتأكيد النفي (٣)[لئلا يتوهم أنه معطوف على:
(الذين أنعمت عليهم))](٣)، وللفرق بين الطريقتين؛ ليجتنب كل (واحد) (٤) منهما؛ فإن طريقة أهل
الإيمان مشتملة على العلم بالحق، والعمل به، واليهود فقدوا العمل، والنصارى فقدوا العلم،
ولهذا كان الغضب لليهود، والضلال للنصارى؛ لأن من علم وترك استحق الغضب بخلاف من
لم يعلم؛ والنصارى لما كانوا قاصدين شيئاً لكنهم لا يهتدون إلى طريقه؛ لأنهم لم يأتوا الأمر
من بابه، وهو اتباع (الرسول)(٥) الحق، ضلوا. وكل من اليهود والنصارى ضال مغضوب عليه،
لكن أخص أوصاف اليهود الغضب، (٦)[كما قال (تعالى)(٧) عنهم: ﴿مَن لَّعَنَهُ اللّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾
[المائدة: ٦٠]](٦)، وأخص أوصاف النصارى الضلال، (٦)[كما قال (تعالى)(٧) عنهم: ﴿قَدْ
ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ السَكِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧]](٦).
وبهذا جاءت الأحاديث والآثار؛ (٦) [وذلك واضح بيِّن فيما](٦) قال الإمام أحمد(٨): حدثنا
جمال بني أقيش، وهم حي من اليمن في إبلهم نفار شديد، وكانت إبلهم إذا سمعت صوت الشن، وهو
=
القربة البالية، نفرت نفوراً شديداً.
(١) من (ز) و(ن).
(٢) أخرجه أبو عبيد في ((الفضائل)) (ص١٦٢)؛ وسعيد بن منصور في (تفسيره)) (١٧٧)؛ وابن أبي داود في
(المصاحف)) (ص٥١) من طرق عن الأعمش، بسنده سواء وسنده صحيح، وعزاه السيوطي في (الدر
المنثور)) (١٥/١) لوكيع وعبد بن حميد وابن المنذر وابن الأنباري في ((المصاحف)).
(٣) ساقط من (ز).
(٥) ساقط من (ن).
(٧) من (ز) و(ن).
(٤) من (ن).
(٦) ساقط من (ز).
(٨) أخرجه أحمد في ((المسند)) (٣٧٨/٤، ٣٧٩)؛ وعنه الطبراني في ((الكبير)) (ج١٧ / رقم ٢٣٧)؛ والبيهقي في
(الدلائل)) (٣٣٩/٥، ٣٤٠) مطولاً.
وأخرجه الترمذي (٢٨٩/٨، ٢٩٠ تحفة الأحوذي)؛ وابن أبي حاتم في ((تفسيره)) (٤٠)؛ وابن جرير (١٩٤، =

٢١٧
سُورَةُ الْفَاتِّ (٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
محمد بن جعفر، حدثنا شعبة؛ قال: سمعت سماك بن حرب يقول: سمعت عباد بن حبيش
يحدث عن عدي بن حاتم؛ قال: جاءت خيل رسول الله و ﴿ فأخذوا عمتي وناساً، فلما أتوا بهم
إلى رسول الله وَ﴿ل صفوا له، فقالت: يا رسول الله؛ ناء الوافد، وانقطع الولد، وأنا عجوز كبيرة
ما بي من خدمة، فمُنَّ علي، مَنَّ الله عليك. قال: ((من وافدك؟)) قالت: عدي بن حاتم. قال:
((الذي فرّ من الله ورسوله))! قالت: فمُنَّ عليّ. فلما رجع ورجل إلى جنبه ترى أنه علي، قال
سليه حملاناً، فسألته فأمر لها؛ قال: فأتتني فقالت: لقد فعلت فعلةً ما كان أبوك يفعلها فإنه قد
أتاه فلان فأصاب منه، وأتاه فلان فأصاب منه، فأتيته فإذا عنده امرأة وصبيان ... وذكر قربهم
من النبي ◌َّر؛ قال: فعرفت أنه ليس بملك كسرى ولا قيصر؛ فقال: يا عدي، ما أفرك؟ أن
يقال: لا إله إلا الله؟ فهل من إله إلا الله؟ ما أفرك؟ أن يقال: الله أكبر، فهل شيء أكبر
من الله مت؟ قال: فأسلمت فرأيت وجهه استبشر. وقال: إن المغضوب عليهم اليهود، وإن
الضالين النصارى. وذكر الحديث.
ورواه الترمذي من حديث سماك بن حرب. وقال: ((حسن غريب لا نعرفه إلا من حديثه)).
قلت: وقد رواه حماد(١) بن سلمة، عن سماك، عن مرى بن قطري، عن عدي بن أبي حاتم؛
قال: سألت رسول الله وَّ عن قوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ قال: هم اليهود.
﴿وَلَا
اُلْضَّآلّينَ﴾؟ قال: النصارى هم الضالون.
وهكذا رواه سفيان(٢) بن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن عدي بن حاتم، به.
٢٠٨)؛ وابن حبان (١٧١٥)؛ والثعلبي في ((تفسيره)) (١/١٣/١) من طريق شعبة، عن سماك بن حرب بسنده
=
سواء مختصراً ولم يذكروا القصة. ثم أخرجه الترمذي (٢٨٦/٨، ٢٨٩) من طريق عمرو بن أبي قيس عن
سماك بن حرب بسنده سواء مطولاً. وأخرجه ابن أبي حاتم (٤١) من هذا الوجه مختصراً. وقال الترمذي:
«هذا حديث حسن غريب)).
وأخرجه الطبراني في (الكبير)) (ج ١٧ / رقم ٢٣٦) من طريق قيس بن الربيع عن سماك به مطولاً.
قلت: وهذا سند ضعيف، ومداره على عباد بن حبيش فهو وإن وثقه ابن حبان وتبعه الهيثمي في ((المجمع))
(٣٣٥/٥) فقد جهله ابن القطان وقال الذهبي: ((لا يعرف)) وقع في سنده اختلاف يأتي ذكره إن شاء الله.
(١) أخرجه ابن جرير (١٩٥، ٢٠٩) من طريق محمد بن مصعب، عن حماد بن سلمة بسنده سواء قلت:
وخولف حماد بن سلمة في إسناده، فخالفه شعبة وعمرو بن أبي قيس، وقيس بن الربيع ثلاثتهم رووه عن
سماك، عن عباد بن حبيش، عن عدي بن حاتم كما تقدم تخريجه وحماد بن سلمة ثقة تغير في آخر
حياته تَخّْتُهُ، ولكن ليس عليه عهدة هذا الاختلاف إذ الراوي عنه هو محمد بن مصعب القرقساني ضعفه
النقاد أحمد وابن معين والنسائي وغيرهم لغفلته عن ضبط الحديث، وصحح إسناده الشيخ أحمد شاكر فلم
يصب! وخالفهم جميعاً عمرو بن ثابت فرواه عن سماك عمن سمع عدي بن حاتم فذكره. أخرجه الطيالسي
في ((سنده)) (١٠٤٠) وعمرو بن ثابت الكوفي متروك، ورواية شعبة ومن معه هي الراجحة وقد مرّ ذكر ما
فيها .
(٢) أخرجه ابن جرير (١٩٣، ٢٠٧) قال: حدثني أحمد بن الوليد الرملي، قال: حدثنا عبد الله بن جعفر
الرقيّ، قال: حدثنا سفيان بن عيينة بسنده سواء وأخرجه تمام الرازي في ((الفوائد)) (١٤٨) عن أحمد بن
الوليد به وصحح إسناده الشيخ أبو الأشبال أحمد شاكر نَّثهُ لكنه معل بالمخالفة فقد خولف عبد الله بن
جعفر، خالفه سعيد بن منصور فرواه في ((تفسيره)) (١٧٩) قال: نا سفيان عن إسماعيل بن أبي خالد أن
رسول الله* فذكره هكذا معضلاً، ورواية سعيد أرجح للتفاوت بينه وبين عبد الله بن جعفر في الحفظ، =

٢١٨
• سُورَّةُالْفَاتِحَةِ (٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقد روى حديث عدي هذا من طرق، وله ألفاظ كثيرة يطول ذكرها .
وقال عبد (١) الرزاق: أخبرنا معمر، عن بديل العقيلي، أخبرني عبد الله بن شقيق - أنه أخبره
من سمع رسول الله 18َّ وهو بوادي القرى على فرسه، وسأله رجل من بني القين؛ فقال: يا
رسول الله؛ من هؤلاء؟ قال: (((الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾)). وأشار إلى اليهود، ((والضالون هم
النصارى)).
وقد رواه الجريري، وعروة، وخالد الحذاء، عن عبد الله بن شقيق، فأرسلوه ولم يذكروا من
سمع النبي ﴾﴾.
ووقع في رواية عروة تسمية عبد الله (بن عمر)(٢). فالله أعلم.
وقد روى ابن مردويه(٣) من حديث إبراهيم بن طهمان، عن بديل بن ميسرة، عن عبد الله بن
شقيق، عن أبي ذر؛ قال: سألت رسول الله وَل﴿ عن المغضوب عليهم. قال: ((اليهود)). قلت:
الضالين؟ قال: ((النصارى)).
وقال السدي (٤)، عن أبي مالك؛ عن أبي صالح، عن ابن عباس؛ وعن مرة الهمداني، عن
ابن مسعود؛ وعن أنس من أصحاب النبي وَِّ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَيْهِمْ﴾ هم اليهود، ﴿ وَلَا الضَّالِّينَ﴾
هم النصارى.
= لا سيما أن هذا مع ثقته كان اختلط وبقي في اختلاطه إلى أن مات تَخْلَثُ، كما قال ابن حبان في ((الثقات))
(٣٥١/٨، ٣٥٢).
(١) في ((تفسيره)) (٣٧/١) ومن طريقه أحمد في ((مسنده)) (٣٢/٥، ٣٣)؛ وابن جرير (١٩٨، ٢١٢)؛ والثعلبي
في («تفسيره)» (١/١٣/١). قال الهيثمي في ((المجمع)) (٣١١/٦): ((رجاله رجال الصحيح)).
قلت: خولف فيه بديل العقيلي. خالفه سعيد بن إياس الجريري وخالد الحذاء فروياه عن عبد الله بن
شقيق أن رجلاً أتى رسول الله ﴿ وهو محاصر وادي القرى وساقه. أخرجه أبو عبيد في ((الأموال))
(٧٦٥)؛ وابن جرير (١٩٦، ١٩٩، ٢١٠). وأخرجه أيضاً (١٩٧، ٢١١) من طريق ابن علية عن الجريري
عن عروة بن عبد الله بن قشير، عن عبد الله بن شقيق أن رجلاً أتى النبي وَلهو فذكره. والوجهان ثابتان
عن الجريري وأنه يرويه مرة عن عبد الله بن شقيق ومرة عن عروة بن عبد الله عن عبد الله بن شقيق؛ لأن
ابن علية روى عنه الوجهين، وابن علية سمع من الجريري قبل الاختلاط. فالذين أرسلوا الحديث أكثر
عدداً مع الثقة والضبط، لولا أنه اختلف على خالد الحذاء فيه فرواه حماد بن زيد عنه وعن بديل بن
ميسرة والزبير بن الخريت عن عبد الله بن شقيق عن رجل من بلقين أنه أتى النبي وط﴿ بوادي القرى ...
فذكره.
أخرجه حميد بن زنجويه في ((الأموال)) (١١٣٦)؛ والبيهقي في ((الكبرى)) (٣٣٦/٦) ورواه خالد الواسطي،
عن خالد الحذاء، عن عبد الله بن شقيق، عن رجل من بلقين، عن ابن عم له فساقه. أخرجه البيهقي في
((الشعب)) (ج٨/ رقم ٤٠٢٠). والذي عندي أن رواية الوصل أشبه. والله أعلم.
(٢) في (ن): ((ابن عمرو)).
(٣) وعزاه إلى ابن مردويه: الحافظ في ((الفتح)) (١٥٩/٨) وقال: ((بإسناد حسن)).
قلت: وهذا أحد وجوه الاختلاف في هذا الحديث. وقد خولف إبراهيم بن طهمان كما مرّ بك مخالفة
معمر بن راشد له وروايته أشبه، ولعلَّ الراوي عن إبراهيم بن طهمان فيه كلام والله أعلم.
(٤) أخرجه ابن جرير (٢١٧) وسنده لا بأس به. والاعتماد في رواية ابن عباس على رواية أبي مالك عنه،
وليس علي رواية أبي صالح باذام.

٢١٩
• سُوَرَّةُ الْفَاتِحَّةِ (٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال الضحاك(١)، وابن جريج(٢)، عن ابن عباس: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَيْهِمْ﴾ اليهود
الضَّالِينَ﴾ النصارى.
وكذلك قال الربيع(٣) بن أنس، وعبد الرحمن بن (٤) زيد بن أسلم، وغير واحد.
وقال ابن أبي حاتم: ولا أعلم بين المفسرين في هذا اختلافاً. وشاهد ما قاله هؤلاء الأئمة
من أن اليهود مغضوب عليهم، النصارى ضالون الحديث المتقدم.
وقوله تعالى في خطابه مع بني إسرائيل في ((سورة البقرة)): ﴿بِشَمَا أُشْتَّرَوْاْ بِهِة أَنْفُسَهُمْ أَن
يَكْفُرُواْ بِمَا أَنَزَلَ اللَّهُ بَغْيًّا أَنْ يُنَزِّلَ اَللَّهُ مِن فَضْلِهِ، عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِهُ فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ
وَلِلْكَفِرِينَ عَذَابٌ مُهِيرٌ ﴾﴾ وقال في ((المائدة)): ﴿قُلّ هَلْ أُنَبِّئَّكُم بِشَرٍ مِّن ذَلِكَ مَنُوَّةً عِندَ اللَّهَّ مَنْ لَعَنَهُ
اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَازِيَرَ وَعَبَدَ الطَّغُوتَّ أُوْلَكَ شَرِّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَن سَوَآِ السَّبِيلِ﴾
[المائدة: ٦٠] وقال تعالى: ﴿لُمِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ بَنِىّ إِسْرَّهِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ
مَرْيَةٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَكَانُواْ يَعْتَدُونَ ﴿٨ كَانُواْ لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا
(٢٩)﴾ [المائدة].
كَانُواْ يَفْعَلُونَ
وفي [((السيرة))](6) عن زيد بن عمرو بن نفيل أنه لما خرج هو وجماعة من أصحابه إلى الشام
يطلبون الدين الحنيف قالت له اليهود: إنك لن تستطيع الدخول معنا حتى تأخذ بنصيبك من
غضب الله. فقال: أنا من غضب الله أفر. وقالت له النصارى: إنك لن تستطيع الدخول معنا
حتى تأخذ بنصيبك من سخط الله. فقال: لا أستطيعه. فاستمر على فطرته، وجانب عبادة
الأوثان، ودين المشركين، ولم يدخل مع أحد من اليهود ولا النصارى. وأما أصحابه فتنصروا
ودخلوا في دين النصرانية؛ لأنهم وجدوه أقرب من دين اليهود إذ ذاك، وكان منهم ورقة بن نوفل
حتى هداه الله بنبيه لما بعثه آمن بما وجد من الوحي
(٦) [(مسألة) والصحيح من مذاهب العلماء أنه يغتفر الإخلال بتحرير ما بين الضاد والظاء،
لقرب مخرجيهما؛ وذلك أن الضاد مخرجها من أول حافة اللسان وما يليها من الأضراس،
ومخرج الظاء من طرف اللسان وأطراف الثنايا العليا؛ ولأن كلاً من الحرفين من الحروف
المجهورة، ومن الحروف الرخوة، ومن الحروف المطبقة؛ فلهذا كله اغتفر استعمال أحدهما
مكان الآخر لمن لا يميز ذلك والله أعلم.
وأما حديث: ((أنا أفصح من نطق بالضاد))(٧) فلا أصل له، والله أعلم](٦).
(١) أخرجه ابن جرير (٢١٥)؛ وابن أبي حاتم (٤٢) بسند ضعيف جداً.
(٢) أخرجه ابن جرير (٢١٦) وهو منقطع بين ابن جريج وابن عباس.
(٣) أخرجهما ابن جرير (٢١٨، ٢١٩).
(٤) وقع في (ج) و(ل) و(ى): ((أأنبئكم)) وهو سبق قلم.
(٥) وقع في (ج) و(ل): ((السنن)) وهو خطأ.
وأخرجه البخاري (٧/ ١٤٢، ١٤٣) مطولاً.
(٦) ساقط من (ز).
(٧) ولم أقف له على إسناد، ونقل العجلوني في (كشف الخفا)) (٢٠٠/١، ٢٠١) عن السيوطي أنه قال في =

٢٢٠
سُورَةُ الفَاتِحَةِ، (٧)
فَضلٌ
اشتملت هذه السورة الكريمة، وهي سبع آيات، على حمد الله وتمجيده، والثناء عليه بذکر
أسمائه الحسنى المستلزمة لصفاته (العلى)(١) وعلى ذكر المعاد، وهو يوم الدين؛ وعلى إرشاده
(عبيده)(٢) إلى سؤاله والتضرع إليه، والتبرئ من حولهم وقوتهم، وإلى إخلاص العبادة له،
وتوحيده بالألوهية تبارك وتعالى، وتنزيهه أن يكون له شريك أو نظير أو مماثل، وإلى سؤالهم إياه
الهداية إلى الصراط المستقيم، وهو الدين القويم، وتثبيتهم عليه، حتى (يفضي بهم ذلك)(٣) إلى
جواز الصراط الحسي يوم القيامة المفضي بهم إلى جنات النعيم في جوار النبيين والصديقين
والشهداء والصالحين.
واشتملت على الترغيب في الأعمال الصالحة، ليكونوا مع أهلها يوم القيامة، والتحذير من
مسالك الباطل؛ لئلا يحشروا مع سالكيها يوم القيامة، وهم المغضوب عليهم، والضالون.
وما أحسن ما جاء إسناد الإنعام إليه في قوله تعالى: ﴿صِرَطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ
عَلَيْهِمْ﴾ وحذف الفاعل في الغضب في قوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَيْهِمْ﴾ وإن كان هو الفاعل
لذلك في الحقيقة؛ كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَِّينَ تَولَوْ قَوْمًا غَضِبَ اَللَّهُ عَلَيْهِم ... ) الآية
[المجادلة: ١٤] وكذلك إسناد الضلال إلى من قام به وإن كان هو الذي أضلهم بقدره؛ كما قال
تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اَللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَّدِّ وَمَنْ يُضْلِلْ فَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا قُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧] وقال: ﴿مَن
يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِىَ لَهُّ وَيَدَرُهُمْ فِي ◌ُغْيَنِمْ يَعْمَعُونَ ﴿٨)﴾ [الأعراف] إلى غير ذلك من الآيات الدالة
على أنه سبحانه هو المنفرد بالهداية والإضلال، لا كما تقول الفرقة القدرية ومن حذا حذوهم من
أن العباد هم الذين يختارون ذلك ويفعلونه؛ ويحتجون على بدعتهم بمتشابه من القرآن؛ ويتركون
ما يكون فيه صريحاً في الرد عليهم وهذا حال أهل الضلال والغي.
وقد ورد في الحديث الصحيح(٤): ((إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله
فاحذروهم)) - يعني في قوله تعالى: ﴿فَمَّا الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِمْ زَيْعٌ فَيَتَِّعُونَ مَا تَشَبَهَ مِنْهُ أَبْتِغَاءَ اُلْفِتْنَةِ وَأَبْتِغَاءَ
تَأْوِيلٌِّ﴾ [آل عمران: ٧] فليس، بحمد الله، لمبتدع في القرآن حجة صحيحة؛ لأن القرآن جاء
ليفصل الحق من الباطل، مفرقاً بين الهدى والضلال؛ وليس فيه تناقض ولا اختلاف؛ لأنه من
عند الله ﴿َتَزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢].
فَضلٌ
يستحب لمن يقرأ الفاتحة أن يقول بعدها: (آمين))، (مثل يس)(٥). ويقال: أمين - بالقصر
أيضاً. ومعناه: اللهم استجب.
(اللآلئ)): ((معناه صحيح ولكن لا أصل له كما قال ابن كثير وغيره من الحفاظ وأورده أصحاب الغريب ولا
=
يعرف له إسناد)) وقال مثله الشوكاني في (الفوائد المجموعة)) (ص٣٢٧).
(١) في (ز) و(ن): ((العليا)).
(٣) في (ن): (يقضي لهم بذلك)).
(٢) في (ك) و(ل): ((عبده)).
(٤) أخرجه البخاري (٢٠٩/٨)، ومسلم (١/٢٦٦٥). (٥) ساقط من (ز) و(ع) و(ك) و(هـ) و(ى).