Indexed OCR Text
Pages 561-580
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٥٦١
علو الهمة في التوبة
من الخطاب بها، وتنزيلها على أدواء قلبك والتقيد بها، كيف تدرك الختمة
-أو أكثرها، أو ما قرأت منها- بسهولة وخفة، مستكثرًا من القراءة، فإذا
ألزمت نفسك التدبر ومعرفة المراد، والنظر إلى ما يخصك منه والتعبد به،
وتنزيل دوائه على أدواء قلبك، والاستشفاء به، لم تكد تجوز السورة أو
الآية إلى غيرها. وكذلك إذا جمعت قلبك كله على ركعتين، أعطيتهما ما
تقدر عليه من الحضور، والخشوع والمراقبة: لم تكد أن تصلي غيرهما إلَّا
بجهد، فإذا خلا القلب من ذلك عددت الركعات بلا حساب،
فالاستكثار من الطاعات دون مراعاة آفاتها وعيوبها ليتوب منها هي توبة
العامة.
المفسدة الثانية: رؤية فاعلها أن له حقًّا على الله في مجازاته على تلك
الحسنات بالجنات والنعيم والرضوان، ولهذا كثرت في عينه مع غفلته عن
أعماله، ولو كانت أعمال الثقلين لا تستقل بدخول الجنة ولا بالنجاة من
النار، وأنه لن ينجو أحد ألبتة من النار بعمله، إلّا بعفو الله ورحمته.
الثالثة: استشعارهم الاستغناء عن مغفرة الله وعفوه، بما یشهدون من
استحقاق المغفرة، والثواب بحسناتهم وطاعاتهم، فإن ظنهم أن حصول
النجاة والثواب بطاعاتهم، واستكثارهم منها لذلك، وكثرتها في عيونهم
إظهار للاستغناء عن مغفرة الله وعفوه، وذلك عين الجبروت والتوثب
على الله))(١).
وتوبة الأوساط: من استقلال العبد المعصية، وهو عين الجرأة والمبارزة:
ءُ
■ قال ابن القيم رحمهُ: ((يريد: أن استقلالَ المعصية ذنب، كما أن
(١) («المدارج)) (١ / ٢٥٧ - ٢٥٩).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٥٦٢
صلاح الأمة في علو الهمة
استكثار الطاعة ذنب، والعارفُ من صغرت حسناتُه في عينه، وعظُمت
ذنوبُه عنده، وكلما صغُرت الحسنات في عينك كبرت عند الله، وكلما
كبرت وعظمت في قلبك قلت وصغرت عند الله، وسيئاتك بالعكس،
ومن عرف الله وحقه وما ينبغي لعظمته من العبودية: تلاشت حسناته
عنده، وصغرت جدًّا في عينه، وعلم أنها ليست مما ينجو بها من عذابه.
وأن الذي يليق بعزته، ويصلح له من العبودية: أمر آخر. وكلما استكثر
منها استقلها واستصغرها؛ لأنه كلما استكثر منها فتحت له أبواب المعرفة
بالله والقرب منه، فشاهد قلبه من عظمته سبحانه و جلاله ما يستصغر معه
جميع أعماله، ولو كانت أعمال الثقلين، وإذا كثرت في عينه وعظمت دل
على أنه محجوب عن الله، غیرَ عارف به وبما ينبغي له، وبحسب هذه
المعرفة ومعرفته بنفسه يستكثر ذنوبه، وتعظم في عينه، لمشاهدته الحق
ومستحقه، وتقصيره في القيام به، وإيقاعه على الوجه اللائق الموافق لما يحبه
الرب ویرضاه من کل وجه.
إذا عرف هذا، فاستقلال العبد المعصية عين الجرأة على الله، وجهل
بقدر من عصاه وبقدر حقه، وإنما كان مبارزة لأنه إذا استصغر المعصية
واستقلها هان عليه أمرها، وخفت على قلبه، وذلك نوع مبارزة))(١).
وتوبة الخواص: من تضيع الإقبال على الله بالمراقبة والحضور، فإنه
و
يفضي إلى درك النقيصة، ويطفئ نور المراقبة ويُكدّر عين الصحبة:
فإضاعة وقت وجدٍ صادق وحال صحيحة مع الله يدعو إلى درك
النقيصة، إذ صاحب حفظه مترق على درجات الكمال، فإذا أضاعه لم يقف
(١) المصدر السابق (٢٦٥/١).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
علو الهمة في التوبة
٥٦٣
موضعه، بل ينزل إلى درجات من النقص، فإن لم يكن في تقدم فهو متأخر
ولابد، فالعبد سائر لا واقف، فإما إلى فوق، وإما إلى أسفل، إما إلى أمام
وإما إلى وراء، وليس في الطبيعة، ولا في الشريعة وقوف ألبتة، ما هو إلَّا
مراحل تطوى أسرع طي إلى الجنة أو إلى النار، فمسرع ومبطئ، ومتقدم
ومتأخر، وليس في الطريق واقف ألبتة، وإنما يتخالفون في جهة المسير وفي
نَذِيرًالِلْبَشَرِ ( ٦) لِمَن شَآءَ مِنْكُمْ أَنْ يَنَقَدَّمَ
٣٥
السرعة والبطء ﴿ إِنَّهَا لَإِحْدَى الكُبرِ
أَوْيَأَخََّ
[المدثر] ولم يذكر واقفًا، إذ لا منزل بين الجنة والنار، ولا
٣٧
طريق لسالك إلى غير الدارين ألبتة. فمن لم يتقدم إلى هذه الأعمال الصالحة
فهو متأخر إلى تلك بالأعمال السيئة.
فإن قلت: كل محب في طلب شيء لابد أن يعرض له وقفة وفتور، ثم
ینهض إلی طلبه.
قلت: لابد من ذلك، ولكن صاحب الوقفة له حالان: إما أن يقف
ليجِمَّ نفسه، ويعدها للسير، فهذا وقفته سير، ولا تضره الوقفة، فإن ((لكل
عمل شِرَّة، ولكل شرة فترة)).
وإمَّا أن يقف لداع دعاه من ورائه، وجاذب جذبه من خلفه، فإن
أجابه أخَّره ولابد، فإن تداركه الله برحمته وأطلعه على سبق الرَّكْب له
وعَلَى تأخَّره، نهض نهضة الغضبان الآسف على الانقطاع، ووثب وجمز
واشتدَّ سعيًا ليلحق الرَّكْب، وإن استمرَّ مع داعي التأخّر، وأصغى إليه لم
يرض بردِّه إلى حالته الأولى من الغفلة، وإجابة داعي الهوى، حتى يردّه إلى
أسوأ منها وأنزل دَرَكًا، وهو بمنزلة النكسة الشديدة عَقيب الإبلال من
المرض، فإنها أخطر وأصعب.
وبالجملة: فإن تدارك الله سبحانه وتعالى هذا العبد يجذبه منه من يد
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٥٦٤
صلاح الأمة في علو الهمة
عدوّه وتخليصه، وإلّا فهو في تأخّر إلى المات، راجع القهقري، ناكص على
عقبيْه، أو مُوَلَّ ظهره، ولا قوة إلَّا بالله، والمعصوم من عصمه الله.
■ وقوله: ((ويطفئ نور المراقبة»:
يعني أن المراقبة تُعطِي نورًا كاشفًا لحقائق المعرفة والعبودية، وإضاعة
الوقت تُغطي ذلك النور، وتُكدِّرُ عين الصحبة مع الله. فإن صاحب
الوقت مع صحبة الله، وله مع الله معيّة خاصة، بحسب حفظه وقته
مع الله، فإن كان مع الله كان الله معه، فإذا أضاع وقته كَدَّر عين هذه المعية
الخاصة، وتعرّض لقطع هذه الصحبة، فلا شيء أضرُّ على العارف بالله من
إضاعة وقته مع الله، ويُحْشَى عليه إن لم يتداركه بالرجوع أن تستمِرَّ
الإضاعة إلى يوم القيامة، فتكون حسرته وندامته أعظم من حسرة غيره
وندامته .. ويكون حاله شبيهًا بحال قوم يُؤمر بهم إلى الجنة، حتى إذا
عاينوها وشاهدوا ما فيها، صُرِفت وجوههُم عنها إلى النار))(١).
التوبة مما دون الله :
■ قال ابن القيم رَحمّلهُ: ((التوبة مما دون الله: أن يخرَجَ العبدُ بقلبه عن
إرادة ما سوى الله تعالى، فيعبده وحده لا شريك له بأمره وباستعانته،
فیکون کلُّه له وبه.
وهذا أمرٌ لا يصح إلّا لمن استولى عليه سلطان المحبَّة، فامتلأ قلبه من
الله محبّة له وإجلالاً وتعظيمًا، وذُلًا وخضوعًا وانكسارًا بين يديه، وافتقارًا
إلیه.
فإذا صح له ذلك بقيت عليه بَقِيَّةٌ أخرى، هي عِلَّة في توبته، وهي
(١) ((مدارج السالكين)) (٢٦٦/١ - ٢٦٨).
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://web lessam.blogspot.com/
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٥٦٥
علو الهمة في التوبة
رؤيته لها، وتوبته من رؤية تلك الرؤية ..
وأمّا رؤيته له واقعًا بِمنَّة الله وفضله، وحوله وقوّته وإعانته، فهذا
أكمل من غيبته عنه .. وأتم عبودية)) (١).
التائب عالي الهمة من يتوب من أجناس المحرّمات كلها :
■ قال ابن القيم تحت عنوان: ((في أجناس ما يُتاب منه)): ((ولا يستحق
العبد اسم ((التائب)) حتى يتخلص منها.
وهي اثنا عشر جنسًا مذكورة في كتاب الله وجَّ. هي أجناس
المحرمات: الكفر، والشرك، والنفاق، والفسوق، والعصيان، والإثم،
والعدوان، والفحشاء، والمنكر، والبغي، والقول على الله بلا علم، واتباع
غير سبيل المؤمنين.
فهذه الاثنا عشر جنسًا عليها مدار كل ما حرم الله، وإليها انتهاء العالم
بأسرهم إلّا أتباع الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، وقد يكون في
الرجل أكثرها وأقلها، أو واحدة منها، وقد یعلم ذلك، وقد لا يعلم.
فالتوبةُ النصوح: هي بالتخلص منها، والتحصُّن والتحرزُ من
مواقعتها، وإنما يمكن التخلص منها لمن عرفها)) (٢).
فأمَّا الكفر فنوعان:
■كفر أكبر موجب للخلود في النار.
وهو خمسة أنواع: كفر التكذيب، وكفر الاستكبار، وإباء مع
التصدیق، و کفر إعراض، و کفر شك و کفر نفاق.
(١) ((مدارج السالكين)) (٢٦٩/١ - ٢٧٠).
(٢)المصدر السابق (٣٣٥/١).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
..
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٥٦٦
صلاح الأمة في علو الهمة
■ وأما الكفر الأصغر: فموجب لاستحقاق الوعيد دون الخلود.
وأما الشرك فنوعان:
■شرك أكبر: وهو أن يتخذ من دون الله نِدًّا يحبه كما يحب الله، واتخاذ
الشفعاء لهم عند الله.
■ وأما الشرك الأصغر: كيسير الرياء، والتصنُّع لغير الله، والحلف
بغير الله.
والنفاق الداء العضال نوعان: أكبر وأصغر
■ أما الأكبر: فهو الذي يوجب الخلود في النار في درْكها الأسفل.
وهو أن يُظهر للمسلمين إيمانه بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر،
وهو في الباطن منسلخٌ من ذلك كله مُكذِّبٌ له.
■ وأما النفاق الأصغر: فهو من كانت فيه خصلة من هذه الخصال:
إذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا أؤتمن خان، وإذا حدث كذب،
وإذا خاصم فجر.
وأما الفسوق فنوعان: مفرد مطلق ، ومقرون بالعصيان:
■ والمفرَد نوعان: فسوق كفر يخرج عن الإيمان كقوله تعالى: ﴿يُضِلُ
[البقرة]،
بِهِ، كَثِيرًا وَيَهْدِى بِهِ، كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَسِقِينَ
وقوله وَّ: ﴿ وَلَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكَ ءَايَتٍ بَيْنَتٍّ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَسِقُونَ
[البقرة]، وقوله تعالى: ﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُواْ فَمَأْوَنهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُواْ أَنْ
يَخْرُجُواْ مِنْهَا أُعِيدُ واْ فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُواْ عَذَابَ النَّارِ الَّذِى كُتُم بِهِ، ثُكَذِّبُونَ
ج [السجدة].
٢٠
■ وأما الفسوق الذي لا يُخْرجُ عن دائرة الإسلام فكقوله تعالى:
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٥٦٧
علو الهمة في التوبة
[البقرة: ٢٨٢]، وكقوله: ﴿ يَأَيُهَا الَّذِينَ
﴿وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقُ بِكُمْ
ءَامَنُوَأْ إِن جَاءَ كُمْ فَاسِقُ بِنَا﴾ [الحجرات: ٦].
وهو قسمان: فسق من جهة العمل، وهو ارتكاب ما نهى الله عنه،
فالفسق أخص بارتكاب النهي، والمعصية أخصُّ بمخالفة الأمر، ويطلق
کلٌّ منهما على صاحبه.
■ وفسق الاعتقاد: كفسق أهل البدع من هذه الملة: كالخوارج
والروافض، والقدريَّة، والمعتزلة، وكثيرٌ من الجهمية الذين ليسوا غُلاً في
a
التجهّم.
■ وأما ((الإثم والعدوان)) فهما قرينان، قال تعالى: ﴿ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى اُلِِّ
﴾ [المائدة: ٢]، وكل منهما إذا أُفرد
وَالنَّقْوَىِّ وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ
تضمّن الآخر ولكن عند اقترانهما فهما شيئان بحسب متعلقهما ووصفهما:
فـ ((الإثم)) ما كان محرم الجنس: كالكذب، والزنا، وشرب الخمر.
و ((العدوان)) ما كان محرَّم القدر والزيادة.
■ وأما ((الفحشاء والمنكر)):
فالفحشاء: صفة لموصوف قد حُذِف تجريدًا لقصد الصفة. وهي
الفعلة الفحشاء. وهي: ما ظهر قبحُها لكل أحد، واستفحشها كل ذي
عقل سليم؛ ولهذا فُسِّرت بالزنا واللواط، وسماهما الله فاحشة لتناهي
قبحهما، وكذلك الفُحْش في القول كالسَّب القبيح والقذف.
والمُنكَر: ما لم تعرفه ولم تألفه. والقبيح المستكرَه لها الذي تشتد نفرتُها
عنه هو الفاحشة؛ ولذلك قال ابن عباس ﴿إنضها: ((الفاحشة: الزنا، والمنكر:
ما لم يُعرَف في شريعة ولا سُنَّة».
■ وأما ((القول على الله بغير علم)): فهو من أشدِّ المحرَّمات تحريمًا
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٥٦٨
صلاح الأمة في علو الهمة
وأعظمها إثمًا، ولهذا ذُكِرٍ في المرتبة الرابعة من المحرَّمات التي اتفقت عليها
الشرائع والأديان ولا تُباح بحال، بل لا تكون إلَّا مُحرَّمة.
* قال الله تعالى في المُحَرَّم لذاته: ﴿ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبَِّ الْفَوَحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَ وَمَا
بَطَنَ﴾ [الأعراف]، ثم انتقل إلى ما هو أعظم منه فقال: ﴿وَآلْإِثْمَ وَالْبَغْىَ بِغَيْرِ
اُلْحَقِّ﴾ [الأعراف]، ثم انتقل إلى ما هو أعظم منه، فقال: ﴿ وَأَنْ تُشْرِكُواْبِاللَّهِ مَا
لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ، سُلْطَانًا﴾ [الأعراف]، ثم انتقل إلى ما هو أعظم منه، فقال: ﴿ وَأَنْ
﴾[الأعراف: ٣٣]. وهو أصل الشرك والكفر،
٣٣
تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لَا نَعْلَمُونَ
وعليه أسست البدع والضلالات.
التائب عالي الهِمّة: التائب إلى الله توبة نصوحاً:
] قال ابن القيم رَمَّتْهُ: ((قال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ تُوبُواْ إِلَى
اللَّهِ تَوْبَةُ نَّصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّتٍ نَجْرِى
مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ
﴾ [التحريم: ٨]، فجعل وقاية شر السيئات -وهو
تكفيرها-بزوال ما يكره العبد، ودخول الجنات -وهو حصول ما يحب
العبد- منوطًا بحصول التوبة النصوح.
و((النصوح)) على وزن فعول المعدول به عن فاعل قصدًا للمبالغة،
كالشَّكور والصبور، وأصل مادة ((ن ص ح)) لخلاص الشيء من الغش
والشوائب الغريبة، وهو ملاق في الاشتقاق الأكبر لنَصَح إذا خلص.
فالنصح في التوبة والعبادة والمشورة: تخليصها من كل غش ونقص
وفساد. وإيقاعها على أكمل الوجوه. والنصح ضد الغش.
ك﴾. وقد اختلف عبارات السلف عنها. ومرجعها إلى شيء واحد.
J
فقال عمر بن الخطاب، وأبي بن كعب ينطق: ((التوبة النصوح: أن
يتوب من الذنب، ثم لا يعود إليه، كما لا يعود اللبن إلى الضَّرْع)).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٥٦٩
علو الهمة في التوبة
■ وقال الحسن البصري تحمّلهُ: ((هي أن يكون العبد نادماً على ما
مضى، مجمعًا على أن لا يعود فيه)).
■ وقال الكلبي وحمّهُ: ((أن يستغفر باللسان، ويندم بالقلب، ويمسك
بالبدن».
■ وقال سعيد بن المسيب رَحمّهُ: ((توبة نصوحًا، تنصحون بها
أنفسكم)) جعلها بمعنى ناصحة للتائب، كضروب المعدول عن ضارب.
وأصحاب القول الأول يجعلونها بمعنى المفعول، أي قد نصح فيها
التائب ولم يَشَبْها بغش. فهي إما بمعنى منصوح فيها، كركوبة وحَلوبة،
بمعنى مركوبة ومحلوبة، أو بمعنى الفاعل. أي ناصحة كخالصة وصادقة.
■ وقال محمد بن كعب القُرظي: ((يجمعها أربعة أشياء: الاستغفار
باللسان، والإقلاع بالأبدان، وإضمار ترك العود بالجنان، ومهاجرة سيء
الإخوان».
قلت: النصح في التوبة يتضمن ثلاثة أشياء:
الأول: تعميم جميع الذنوب واستغراقها بها بحيث لا تدع ذنبًا إلَّا
تناولته.
والثاني: إجماع العزم والصدق بكليته عليها، بحيث لا يبقى عنده
تردد، ولا تلوُّم ولا انتظار. بل يجمع عليها كل إرادته وعزيمته مبادرًا بها.
الثالث: تخليصها من الشوائب والعلل القادحة في إخلاصها،
ووقوعها لمحض الخوف من الله وخشيته، والرغبة فيما لديه، والرهبة مما
عنده، لا كمن يتوب لحفظ جاهه وحرمته، ومنصبه ورياسته، ولحفظ
حاله، أو لحفظ قوته وماله، أو استدعاء حمد الناس، أو الهرب من ذمهم،
أو لئلا يتسلط عليه السفهاء، أو لقضاء نهمته من الدنيا، أو لإفلاسه
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٥٧٠
صلاح الأمة في علو الهمة
وعجزه، ونحو ذلك من العلل التي تقدح في صحتها وخلوصها لله وَّ.
فالأول: يتعلق بما يتوب منه، والثالث: يتعلق بمن يتوب إليه.
والأوسط: يتعلق بذات التائب ونفسه.
فنصح التوبة الصدق فيها، والإخلاص، وتعميم الذنوب بها، ولا
ريب أن هذه التوبةَ تسلتزمُ الاستغفار وتتضمنه، وتمحو جميع الذنوب،
وهي أكمل ما يكون من التوبة. والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول
ولا قوة إلَّا بالله))(١).
■ قال ابن الجوزي رَحمّلهُ: ((قرأ الجمهور: نَصوحًا بفتح النُّون، وقرأ
أبو بكر عن عاصم بضمِّها. قال الزجّاج: مَن فَتَح فعَلَى صفة التوبة،
والمعنى توبة بالغة في النصح، وفَعُول من أسماء الفاعلين التي تُستعْمَل
للمبالغة في الوصف، .. ومن قرأ بالضَّمِّ فمعناهُ يُنصحون بها نصوحًا
يُقال: نصحتُ لها نُصْحًا ونَصاحة ونُصُوحًا.
قال عمر بن الخطاب خلاله: ((التوبة النصوح أن يتوب العبد من الذَّنْب
وهو ◌ُحدِّث نفسه ألا يعود)).
وسُئل الحسن البصري عن التوبة النصوح فقال: (نَدَمٌ بالقلب،
واستغفار باللسان، وترك بالجوارح، وإضمارٌ أن لا يعود)).
وقال ابن مسعود: ((التوبة النصوح تكُفَرِّ كُلّ سيئة ثم قرأ هذه
الآية؟؟؟؟؟؟
اعلم أن التائب الصادق كلما اشتد ندمه زاد مَقْتُه لنفسه على قُبْح زَلَّتِهِ،
فمنهم من قوى مقته لها، ورأى تعريضَها للقتل مباحًا في بعض الأحوال
(١) ((مدارج السالكين)) (٣٠٩/١ - ٣١٠).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٥٧١
علو الهمة في التوبة
فعَرَّضها له، كما فَعَل ماعز والغامدية))(١).
أخي: يا نادمًا على الذَّنوب أين أثر ندمك؟ أين بكاؤك على زلّة
قدمك؟ أين حَذَرُكَ من أليم العقاب، أين قلقك من خوف العتابَ؟
أتعتقد أن التوبة قول باللسان؟ إنما التوبة نارٌ تحرق الإنسان؟ جَرِّد قلبك
من الأقذار، ثم ألبسه الاعتذار، ثم حَلَّةٍ حُلَّةَ الانكسار، ثم أقمه على باب
الرحيم الغفّار.
■ لهج بعض العُبَّاد بالبكاء، فعوتِبَ علی کثرته فقال:
وحُقَّ لِكُلِّ من يعصى البكاءُ
بكيتُ على الذُّنوب لِعِظْم جُزْمِي
لأَسْعَدِتِ الدموعَ معًا دمائي
فلو أن البكاء يَرُدُّ هَمِّي
يا هذا:
اكتب قصة الرُّجوعِ بِقَلَمِ التُّزُوعِ بمداد الدموع، واسْعَ بها على قَدَم
الخُضُوع إلى باب الخشوع، وأتبِعْها بالعطش والجوع، وسَلْ رَفْعها فرُبَّ
سائلٍ مسموع.
وهاكَ طرفًا من أخبار علاةُ الهمم من التائبين:
نبأ من قتل مئة نفس:
· قال رسول الله وَله: ((كان فيمن كان قبلكم رجل قَتَل تسعةً وتسعينَ
نفسًا، فسأل عن أعلم أهل الأرض فدُلَّ على راهب فأتاه فقال: إنه قتل
تسعةً وتسعين نفسًا فهل له من توبة؟ فقال: لا فقتله فَكَمَّل به مئة، ثم سأل
عن أعلم أهل الأرض فدُلَّ على رجل عالم، فقال: إنه قتل مئة نفس فهل له
(١) ((التبصرة)) لابن الجوزي (٢٩٥/٢ - ٢٩٦).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٥٧٢
صلاح الأمة في علو الهمة
من توبة فقال: نعم، ومن يحول بينه وبين التوبة انطلق إلى أرض كذا وكذا؛
فإن فيها أناسًا يتعبدون الله فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك؛ فإنها
أرض سوء فانطلق حتَّى إذا نَصَف الطريق أتاه
الموتُ فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب فقالت ملائكة
الرحمة جاء تائبًا مقبلًا بقلبه على الله، وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل
خيرًا قط، فأتاهم ملك في صورة آدميّ، فجعلوه بينهم فقال: قيسوا ما بين
الأرضين فإلى أيتهما كان أدنى فهو له فقاسوه فوجدوه أدنى إلى الأرض
التي أراد فقبضته ملائكة الرحمة))(١).
وفي رواية لهما: ((فأدركه الموت فنأى بصدره نحوها، فاختصمت فيه
ملائكةُ الرحمة وملائكةُ العذاب، فأوحى الله إلى هذه: أن تقرَّبي، وأوحى
الله إلى هذه: أن تباعدي، وقال: قيسوا ما بينهما. فوجداه إلى هذه أقرب
بشبرِ، فغُفرَ له)).
نبأ الثلاثة الذين خُلُفُوا وتوبة كعب بن مالك لسله:
عن كعب بن مالك فلسعنه قال: (لم أتخلفْ عن رسول الله وَّ هُ في غزوةٍ
غزاها قطَّ إلاَّ في غزوة ((تبوك)، غير أني قد تخلَّفتُ في غزوة ((بدرٍ) ولم يعاتِبْ
أحدًا تخلَّف عنه، إنما خرج رسول الله وَّهِ والمسلمون يريدون عِيرَ قريش،
حتى جمع الله بينهم وبين عدوِّهم على غير ميعاد، ولقد شهدتُ مع رسول
الله وَّ ليلةَ العقبة حين تواثقنا على الإسلام (٢)، وما أُحِبُّ أنّ لي بها مشهدَ
(١) أخرجه البخاري (٥١٢/٦) ((الفتح))، ومسلم (٨٣/١٧ - ٨٤) من حديث أبي
سعيد الخدري.
(٢) أي: تبايعنا عليه وتعاهدنا.
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٥٧٣
علو الهمة في التوبة
بدرٍ - وإن كانت بدرٌ أذكرَ في الناس منها-، وكان من خبري حين تخلَّفتُ
عن رسول الله وَ للتر في غزوة تبوك: أني لم أكن قطّ أقوى ولا أيْسَر مني حين
ءِ
تخلفتُ عنه في تلك الغزوة، والله ما جمعتُ قبلها راحلتيْن قطّ حتى جمعتهما
في تلك الغزوة، فغزاها رسول الله وَله في حرِّ شديدٍ، واستقبل سفرًا بعيدًا
ومفازًا (١)، واستقبل عدوًّا كثيرًا، فجلاً (٢) للمسلمين أمرهم ليتأهَّبوا
أهبة(٣) غزوهم، فأخبرهم بو جههم الذي یرید، والمسلمون مع رسول الله
وَله كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ (٤). قال كعب: فقلَّ رجلٌ يريد أن
يتغيَّب يظنُّ أن ذلك سيخفى له ما لم ينزلْ فيه وحيٌّ من الله عزَّ وجلَّ.
وغزا رسول الله ◌َ و تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، فأنا إليها
أَصْعَرُ(٥)، فتجهّز رسول الله وَّه والمسلمون معه، وطفقتُ أغدو لكي
أتجهّز معه، فأرجع ولم أقضِ شيئًا، وأقول في نفسي: ((أنا قادرٌ على ذلك إذا
أردت)). فلم يزل ذلك يتمادی بي حتی استمرّ بالناس الجدّ، فأصبح رسول
الله وَ لّ غاديًا والمسلمون معه، ولم أقضٍ من جَهازي شيئًا، ثم غدوتُ
فرجعتُ ولم أقضٍ شيئًا، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أسرعوا وتفارط(٦)
الغزو، فههمتُ أن أرتحل، فأُدرِكَهم، فيا ليتني فعلتُ، ثم لم يُقدَّر ذلك لي،
فطفِقتُ إذا خرجتُ في الناس بعدَ خروج رسول الله وَّهِ، يَحْزُنني أني لا
(١) أرض خلاء قليلة الماء يخاف فيها الهلاك.
(٢) أي: كشفه وبيَّنْهُ ووضحه وَعَرَّفهم ذلك على وجهه من غير تورية .
(٣) ليستعدوا بما يحتاجون إليه في سفرهم.
(٤) أي: الدِّیوان.
(٥) أي: أميل.
(٦) أي: سبق الغزاة وتقدموا.
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٥٧٤
صلاح الأمة في علو الهمة
أرى لي أسوةٌ إلا رجلًا مغموصًا عليه في النفاق (١)، أو رجلًا ممَّن عذَرَ الله
من الضعفاء.
ولم يذكرْني رسول الله وقليل حتى بلغ تبوك، فقال وهو جالس في القوم
بتبوك: ((ما فعل كعب بن مالك؟)).
قال رجل من بني سَلَمة: يا رسول الله، حبَسَه بُرْداهُ والنظرُ في
(٢)
عطفیه(٢).
فقال له معاذ بن جبل: بئسَ ما قلتَ! والله يا رسول الله، ما علمنا عليه
إلاَّ خيرًا. فسكتَ رسول الله وَلت.
فبينما هو على ذلك رأى رجلاً مُبِيضًا في السَّرابُ (٣)، فقال رسول الله
وَله: (كنْ أبا خيثمة)). فإذا هو أبو خيثمة الأنصاريُّ، وهو الذي تصدَّق
بصاع التمر حين لمّزَه المنافقون.
فقال كعب بن مالك: فلمَّا بلغني أن رسول الله وَ له قد توجَّه قافلًا (٤)
من تبوك، حضرني بِّي (٥)، فطفقتُ أتذكَّر الكذبَ، وأقول: بمَ أخرج من
◌ُخْطه غدًا؟ وأستعينُ على ذلك كلّ ذي رأي من أهلي، فلما قيل لي: (إن
رسول الله وَل﴾ قد أظلّ قادمًا (١)، زاحَ عني الباطل حتى عرفتُ أني لن
(١) أي: متهمًا بالنفاق.
(٢) إشارة إلى إعجابه بنفسه ولباسه.
(٣) أي: لابس البياض، والسراب هو ما يراه الإنسان في الهواجر في البراري كأنه
ماء.
(٤) أي: راجعًا.
(٥) أي: أشد الحزن.
(٦) أي: أقبل ردنا قدومه.
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٥٧٥
علو الهمة في التوبة
أنجوَ منه بشيء أبدًا، فأجمعتُ صدِقَه، وأصبح رسول الله وَّهِ قادمًا، وكان
إذا قدم من سفرٍ بدأً بالمسجد، فركع فيه ركعتيْن. ثم جلس للناس، فلمّا
فَعل ذلك جاءَه المخلّفون وطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعةً
وثمانين رجلًا، فقبل منهم رسول الله وَالو علانيتهم، وبايعهم، واستغفر
لهم؛ ووَكَلَ سرائرَهم إلى الله، حتى جئتُ، فلمّا سلَّمتُ تبسَّمَ تبسُّم
المغضَب، ثم قال: ((تعال)). فجئتُ أمشي حتى جلست بین یدیه.
فقال لي: ((ما خلَّفك؟)) ألم تكن قد ابتعتَ ظهرَك؟.
قال: قلتُ: يا رسول الله، إني والله لو جلستُ عند غيرك من أهل
الدنيا، لَرأيتُ أني سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أُعطِيتُ جدلًا (١)،
ولكني والله لقد علمتُ لَئِنِ حَدَّثْتُكَ اليوم حديثَ كذبٍ ترضى به عني،
لَيوشكنَّ الله أن يُسخِطَك عليَّ، ولئنْ حدَّثْتُك حديثَ صدقِ تجِدُ عَلَيّ فيه،
إني لأَرجو فيه عُقبى الله، والله ما كان لي عذرٌ، والله ما كنتُ قطَّ أقوى ولا
أيسرَ مني حين تخلَّفتُ عنك.
قال رسول الله وَ له: (أمَّا هذا فقد صدق، فقمْ حتى يقضيَ الله فيك)).
فقمتُ وثار رجالٌ من بني سَلَمة فاتَّبعوني، فقالوا لي: والله ما عَلِمِناك
أذنبتَ ذنبًا قبل هذا، لقد عجزتَ في ألا تكون اعتذرتَ إلى رسول الله وَله
بما اعتذر به إليه المخلَّفون؛ فقد كان كافيَكَ ذنبَكَ استغفارُ رسول الله وَله.
قال: فوالله، ما زالوا يؤنِّبونني (٢) حتى أردتُ أن أرجع إلى رسول الله
◌َلټ فأُكذب نفسي.
(١) أي: فصاحة وبراعة بحيث أخرج من عهدة ما ينسب إلى إذا أردت.
(٢) أي: يلومونني أشد اللوم.
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
-
٥٧٦
صلاح الأمة في علو الهمة
قال: ثم قلتُ لهم: هل لقي هذا معيَ من أحدٍ؟.
قالوا: نعم، لقيه معك رجلان قالا مثلَ ما قلتَ، فقيل لهما مثلُ ما قيل
لك. قال: قلتُ: مَنْ هما؟.
قالوا: مُرارة ابن ربيعة العامري، وهلال بن أمية الواقفي.
قال: فذكروا لي رجلَيْن صالحَيْن قد شهدا بدرًا، فيهما أسوة. قال:
فمضیتُ حین ذکروهما لي.
قال: ونهى رسول الله وَالهول المسلمين عن كلامِنا - أيها الثلاثة- من بين
من تخلَّف عنه.
قال: فاجتنبَنَا الناسُ. وقال: تغيَّروا لنا حتى تنكرتْ لي في نفسي
الأَرض، فما هي بالأرض التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلةً، فأمَّا
صاحبايَ فاستكانا وقعدا في بُيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنتُ أشبَّ القوم
وأجلدَهم (١)، فكنتُ أخرج فأشهد الصلاة وأطوف في الأسواق، ولا
يكلِّمني أحد، وآتي رسولَ الله وَ لّهِ فَأُسلِّم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة،
فأقول في نفسي: ((هل حرَّك شفتَيْه بردِّ السلام أم لا؟))، ثم أصلِي قريبًا منه
وأسارقُه النظرَ، فإذا أقبلتُ على صلاتي نظر إليَّ، وإذا التفتُّ نحوَه أَعرَضَ
عني، حتى إذا طال ذلك عليَّ من جفوة المسلمين، مشيتُ حتى تسوَّرتُ
جدارَ حائطٍ (٢) أبي قتادة- وهو ابن عمي وأحبُّ الناس إليَّ-، فسلَّمتُ
عليه، والله ما ردَّ عليَّ السلام.
فقلتُ له: يا أبا قتادة، أنشُدكَ بالله، هل تعلمني أني أحبُّ الله
(١) أي: أصغرهم سنا وأقواهم.
(٢) أي: علوت جدار بستان أبي قتادة.
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
علو الهمة في التوبة
٥٧٧
ورسوله؟ قال: فسكتَ، فعدتُ فناشدتُه فسكت، فعدتُ فناشدتهُ، فقال:
الله ورسوله أعلم. ففاضتْ عيناي، وتولَّیتُ حتی تسوَّرتُ الجدار.
فبينما أنا أمشي في سوق المدينة، إذا نَبَطِيُّ - من نبطِ (١) أهل الشام ممَّن
قدِم بالطعام يبيعه بالمدينة - يقول: مَن يدلّ على كعب بن مالك؟.
قال: فطفِقَ الناسُ يُشيرون له إلي حتى جاءني، فدفع إليَّ كتابًا من مَلِك
غَسَّان- وكنت كاتبًا-، فقرأتهُ، فإذا فيه.
أمَّا بعد: فإنه قد بلغنا أنَّ صاحبَك قد جفَاك، ولم يجعلك الله بدار
هوان ولا مَضْيَعةٍ، فالحْ بنا نُواسِك.
قال: فقلتُ -حين قرأتها -: وهذه أيضًا من البلاء !! فتياممتُ بها التّنُّورَ
فسجرتُها (٢) بها.
حتى إذا مضتْ أربعون من الخمسين واستلبث الوحي (٣)، إذا رسولُ
رسول الله وَ ﴿ يأتيني، فقال: إن رسول الله وَالله يأمرك أن تعتزلَ امرأتك.
قال: فقلتُ: أطلِّقها أم ماذا أفعل؟
قال: لا، بل اعتزلها فلا تَقْرِبِنَّها.
قال: فأرسل إلى صاحبي بمثل ذلك.
قال: فقلتُ لامرأتي: الحقي بأهلك، فکوني عندهم حتى يقضي الله في
هذا الأمر.
قال: فجاءتِ امرأةُ هلال بن أُميَّة رسولَ الله وَل# فقالت له: يا رسول
(١) أي: فلاجو العجم.
(٢) أي: قصدت المكان الذي يصنع به الخبز فأحرقتها.
(٣) أي: أبطأ الوحي.
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٥٧٨
صلاح الأمة في علو الهمة
الله، إن هلال بن أمية شيخ ضائعٌ ليس له خادم، فهل تكْرَه أن أخدمَه؟
قال: ((لا، ولكن لا يَقربنَّك.
فقالت: إنه والله ما به حركة إلى شيء، ووالله ما زال يبكي منذ كان من
أمره ما کان إلی یومه هذا.
قال: فقال لي بعض أهلي: لو استأذنتَ رسول الله وَله في امرأتك؛ فقد
أذِن لا مرأة هلال بن أمية أن تخدمه.
قال: فقلتُ: لا أستأذن فيها رسول الله وَ لي، وما يُدريني ماذا يقول
رسول الله وَ ل﴿ إذا استأذنتُه فيها وأنا رجلٌ شابّ؟
قال: فلبثتُ بذلك عشرَ ليالٍ، فَكَمُل لنا خمسون ليلةً من حين نُهي عن
كلامنا.
قال: ثم صلَّيتُ صلاة الفجر صباحَ خمسين ليلةً على ظهر بيتٍ من
بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله وَجَّ منا: قد ضاقت عليَّ
نفسي وضاقت عليّ الأرض بما رحبتْ (١)، سمعتُ صوتَ صارخ أوفى
على سلع(٢)، يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك، أبشر.
قال: فخررتُ ساجدًا، وعرفتُ أنْ قد جاء فرج.
قال: فآذنَ (٣) رسولُ الله وَلَّهُ الناسَ بتوبة الله علينا حين صلَّى صلاة
الفجر، فذهب الناس يبشِّروننا، فذهب قِبَلَ صاحبَيَّ مبشِّرون، ورَكَضَ
رجلٌ إليَّ فرسًا، وسعى ساع من ((أسلم)) قِبلي، وأوفى الجبلَ، فكان الصوت
(١) أي: بما اتسعت.
(٢) أي: صعده وارتفع عليه، وسَلْع جَبَلٌ بالمدينة معروف.
(٣) أي أَعْلَمَ الناس.
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٥٧٩
علو الهمة في التوبة
أسرع من الفرس، فلمَّا جاءني الذي سمعتُ صوتَه يبشِّرني، نزعتُ له
ثوبيَّ. فكسوتهما إِيَّاه ببشارته، والله ما أملك غيرهما يومئذ، واستعرت
ثوبيْن فلبستُهما، فانطلقتُ أتأمَّم (١) رسولَ الله وَلَه، يتلقّاني الناسُ فوْجًا
فوجًا، يُهنُّوني بالتوبة ويقولون: لِتهنئك توبةُ الله عليك. حتى دخلتُ
المسجد، فإذا رسول الله وَ﴿ جالس في المسجد وحوله الناس، فقام طلحة
ابن عُبيد الله يُهرول حتى صافحني وهنّأني، والله ما قام رجل من
المهاجرين غيره - فكان كعب لا ينساها لطلحة -.
قال كعب: فلمّا سلَّمتُ على رسول الله وَّهِ وهو يبرقُ وجهُه من
السرور ويقول: ((ابشرْ بخير يومٍ مَّ عليك منذ ولدتك أُمُّك)).
قال: فقلتُ: أمن عندك يا رسول الله، أم من عند الله؟ فقال: ((لا، بل
من عند الله)).
وكان رسول الله وَلّ إذا سُرَّ استنار وجهُهُ، كأنَّ وجهَه قطعةُ قمر.
قال: وكنا نعرف ذلك.
قال: فلمّا جلستُ بين يديْه قلتُ: يا رسول الله، إنّ من توبتي أن أنخلعَ
من مالي صدقةً إلى الله وإلى رسوله وَله. فقال رسول الله وَالخيل: ((أمسكْ
بعضَ مالِكَ فهو خيرٌ لك)).
قال: فقلتُ: فإني أُمسِكُ سهمي الذي بخيبر.
قال: فقلتُ: يا رسول الله، إن الله إنما أنجاني بالصدق، وإنّ من توبتي
إِلَّ أُحَدِّثَ إلاَّ صِدقًا ما بقيتُ.
قال: فوالله ما علمتُ أنَّ أحدًا من المسلمين أبلاه الله في صدق
(١) أي: قصده.
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٥٨٠
صلاح الأمة في علو الهمة
الحديث، منذ ذكرتُ ذلك لرسول الله وَله إلى يومي هذا، أحسنَ مما أبلاني
الله به. والله ما تعمدتُ كِذْبةً منذ قلتُ ذلك لرسول الله وَلّه إلى يومي هذا،
وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقي.
قال: فأنزل الله عزَّ وجل: ﴿لَّقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيّ وَالْمُهَجِينَ
وَاُلْأَنْصَارِ الَّذِينَ أَتَّبَعُوهُ فِ سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ
وَعَلَى
قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمَّ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ
الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ
أَنْفُسُهُمْ .. ﴾ حتى بلغ ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَّكُونُواْ مَعَ
الصَّنَّدِقِينَ
[التوبة: ١١٧ - ١١٩].
قال كعبٌ: والله ما أنعم الله عليَّ من نعمة قطّ، بعد إذ هداني الله
للإسلام، أعظمَ في نفسي من صدقي رسولِ الله ﴿ ﴿ ألاَّ أكونَ كذبتُه
فأهلِك كما هلَك الذين كذبوا. إن الله قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي
شرَّ ما قال لأحد؛ فقال الله: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا أُنْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ
لِتُعْرِضُواْ عَنَهُمْ فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَنَهُمْ جَهَنَهُ جَزَاءُ بِمَا كَانُواْ
يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمّ فَإِنِ تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ
٩٥
يَكْسِبُونَ
[التوبة].
٩٦
لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ {(
قال كعب: كنا خُلِّفنا- أيّها الثلاثة- عن أمْرِ أولئك الذين قَبِل منهم
رسول الله وَ ﴿ حين حلَفوا له، فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسولُ الله
وَلِّ أمْرَنا حتى قضى الله فيه، فبذلك قال الله عزَّ وجل: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ
الَّذِينَ خُلِّفُواْ﴾ [التوبة: ١١٨]، وليس الذي ذَكَرَ الله ممَّا خُلِّقنا تخلُّفَنا عن
الغزو، وإنما هو تخليفه إيَّانا، وإرجاؤه أمْرنا عمَّن حلَف له واعتذر إليه
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com