Indexed OCR Text

Pages 521-540

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٥٢١
علو الهمة في التوبة
فهذا كلّه من عدم وقار الله في القلب. ومن كان كذلك؛ فإِنَّ الله لا يُلْقِى له
في قلوب الناس وقارًا ولا هيبةٌ، بل يُسقِطُ وقارَه وهيبتَه مِن قلوبهم، وإن
وقَّرُوه مخافة شرِّه؛ فذاك وقارُ بُغْضٍ لا وقارُ حُبٍّ وتعظيم))(١).
(١٢) الحياءُ من اطلاع الله على سِرَه، فيرى فيه ما يكره:
■ قال ابن القيم تحمّهُ: ((ومن وَقارِ الله: أن يستحي من اطلاعه على
سرِّه وضميره فیری فيه ما يكره))(٢).
. قال تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ
[النساء: ١٠٨].
(١٣) أن يكون حياؤه من الله أعظم من أكابر الناس:
قال ابن القيم زَمّهُ: ((ومِن وقارِه أن يستحي منه في الخَلْوة أعظمَ
مما يستحي من أكابر الناس))(٣).
] وقال: ((والمقصودُ أنَّ من لا يوقِّرُ اللهَ وكلامَه وما آتاه من العلم
والحكمة؛ فكيف يطلبُ من الناس توقيرَه وتعظيمَه؟!)) (٤).
قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَّ قَدْرِهِ، وَاَلْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُّهُ, يَوْمَ
اَلْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَتُ مَطْوِيَّتْ بِيَمِينِهِ، سُبْحَتَهُ, وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ
٦٧
[الزمر].
• قال تعالى: ﴿ مَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِةِ، إِنَّ اللَّهَ لَقَوِىُّ عَزِيزُ
[الحج].
٧٤
9
(١) نفس المصدر.
(٢) نفس المصدر.
(٣) نفس المصدر.
(٤) نفس المصدر.
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٥٢٢
صلاح الأمة في علو الهمة
تعظيم الرب بالتعرف على صفات الألوهية، وصفات الربوبية:
■ قال ابنُ القيم وَحَمّتْهُ: ((القرآن كلام الله، وقد تجلّى فيه لعباده
بصفاته، فتارةً يتجلّى في جلباب الهيبة والعظمة والجلال، فتخضعُ
الأعناق، وتنكسرُ النفوس، وتخشعُ الأصوات، ويذوبُ الكِبرُ كما يذوبُ
المِلحُ في الماء. وتارةً يتجلَّى في صفات الجمال والكمال، وهو كمالُ الأسماء
وجمال الصفات، وجمالُ الأفعال الدالَّ علی کمال الذات، فیستفید حُبُّه من
قلب العبد قوة الحب كلها)).
وإذا تجلَّى بصفات العدل والانتقام، والغضب والسُّخْط والعقوبة،
انقمعت النفس الأمَّارة، وبطلت - أو ضعُفت - قواها من الشهوة والغضب،
واللهو واللعب، والحرص على المحرّمات، وانقبضت أَعِنَّة رُعونِها،
فَأَحضَرت المطِيَّةُ حظّها من الخوف والخشية والحذر.
■ وإذا تجلّى بصفات الأمر والنهي، والعهد والوصيَّة، وإرسالِ الرسل
وإنزالِ الكتب وشَرْع الشرائع؛ انبعثت منها قوَّةُ الامتثال والتنفيذ
لأوامره، والتبليغ لها، والتَّواصي بها، وذكرها وتذكُّرِها، والتصديق بالخبر،
والامتثال للطلب، والاجتناب للنهي.
وجَّاع ذلك: أنه سبحانه يتعرَّفُ إلى العبد بصفات إلهيَّته تارة،
وبصفات ربوبيَّته تارة، فيُوجب له شهودُ صفاتِ الإلهية المحبةَ الخاصة
والشوقَ إلى لقائه، والأنسَ والفرح به، والسرورَ بخدمته، والمنافسةَ في
قُربه، والتودُّد إليه بطاعته، واللَّهَج بذكره، والفرار من الخلق إليه، ويصير
هو وحده همّه دون سواه.
ويوجبُ له شهودُ صفات الربوبية: التوكل عليه، والافتقار إليه،
والاستعانة به، والذل والخضوع والانكسار له.
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٥٢٣
علو الهمة في التوبة
وكمالُ ذلك: أن يشهد ربوبيَّته في قضائه وقدره، ونعمته في بلائه،
وعطائِهِ في منعه، وبَرَّه ولُطفَه وإحسانه ورحمتَه في قيوميَّتِهِ، وعَدْله في
انتقامه، وجوده و کرمه في مغفرته وستره وتجاوزه، ویشهد حكمته ونعمته
في أمره ونهيه، وعزَّه في رضاه وغضبه، وحِلْمَه في إمهاله، وکرمَه في إقباله،
وغِنَاه في إعراضه))(١).
حديث شدّاد بن أوس: سيد الاستغفار لماذا؟
• عن شدَّاد بن أوس السنه عن النبي ◌َِّ: ((سيد الاستغفار أن تقول:
اللهمَّ أنت ربي، لا إله إلا أنت، خلقتَني وأنا عبدك، وأنا على عهدك
ووعدك ما استطعتُ، أعوذُ بك من شرِّ ما صنعتُ، أبوءُ لك بنعمتك عليَّ،
وأبوءُ لك بذنبي، فاغفرْ لي، فإنه لا يغفرُ الذنوبَ إلا أنت. مَن قالها من
النهار موقنًا بها، فمات من يومه قبل أن يمسي، فهو من أهل الجنة، ومن
قالها من الليل، وهو موقنٌ بها، فمات قبل أن يُصبِحَ، فهو من أهل
الجنَّة))(٢).
لماذا كان هذا الحديثُ العظيمُ سيدَ الاستغفار - كما قال ذلك النبي
وَة-؟ قالوا: إن العبد في طريقه إلى الله وَجَّةَّ يسيرُ بين مطالعةِ المنَّة
ومشاهدةِ عيب النفس، مَن أنت؟ ومن ربك؟ بمعرفتك لهذا تصلُ إلى
كمال التوبة «ومن عرف نفسه عرف ربه» كما قال يحيى بن معاذ الرازي.
■ قال ابن قيم الجوزيَّة: «لا ينتفعُ بنعمة الإيمان والعلم؛ إلّ من عَرَفَ
(١) ((الفوائد)) لابن القيم (ص ١٧٣ - ١٧٦).
(٢) رواه أحمد (١٢٢/٤) والبخاري مع ((الفتح)) (٩٧/١١)، والنسائي (٥٥٢٢)،
وأبو داود (٥٠٧٠) والحاكم في ((المستدرك)) (٤٩٦/٢).
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٥٢٤
-
صلاح الأمة في علو الهمة
نفسه، ووقف بها عند قدرْها، ولم يتجاوزه إلى ما ليسٍ له، ولم يتعدَّ طَوْرَه،
ءُ
ولم يَقُل: هذا لي، وتيقَّن أنه لله ومن الله وبالله؛ فهو المانَّ به ابتداءً وإدامةً بلا
سبب من العبد ولا استحقاق منه، فتُذِلُّه نِعَمُ الله عليه وتکسِرُه كسرةً من
لا يرى لنفسه ولا فيها خيرًا ألبتةَ، وأن الخير الذي وصل إليه؛ فهو لله وبه،
ومنه، فتُحدِثُ له النِّعَم ذُلًا وانكسارًا عجيبًا لا يُعبَّر عنه؛ فكلما جَدَّدَ له
نعمة؛ ازداد له ذُلًّا وانكسارًا وخشوعًا ومحبةً وخوفًا ورجاءً.
وهذا نتيجةُ عِلمیْن شریفیْن:
أ- عِلْمه بربِّه وكماله وبِرِّه وغناه وجودِه وإحسانه ورحمته، وأنَّ
الخير كلَّه في يديه، وهو ملكه؛ يؤتي منه من يشاءُ ویمنع منه من يشاء، وله
الحمدُ على هذا. وهذا أكملُ حمد وأنّهُ.
ب- وعلمه بنفسه، ووقوفه على حدِّها وقَدْرها ونقصها وظلمِها
وجهلها، وأنه لا خير فيها ألبتةَ، ولا لها ولا بها ولا منها، وأنها ليس من
ذَاتها إلَّا العدمُ؛ فكذلك من صفاتها وكمالها ليس لها إلَّ العدمُ الذي لا
شيء أحقرُ منه ولا أنقصُ؛ فما فيها من الخير تابعٌ لوجودها الذي ليس
إلیھا ولا بها.
فإذا صار هذا العِلْمان صِبْغةً لها لا صبغةً على لسانها؛ عَلِمَتْ حينئذ أن
الحمد كله لله، والأمر كله له، والخيرَ كله في يديه، وأنه هو المستحِقُّ للحمد
والثناء والمدح دونَها، وأَنَّها هي أوْلى بالذّم والعيْب واللوم.
ومَن فاته التحقّق بهذيْنِ العِلْمَيْن؛ تلوَّنتْ به أقواله وأعماله وأحواله،
وتخبَّطت عليه، ولم يهتد إلى الصراط المستقيم الموصِّل له إلى الله. فإيصال
العبد بتحقیق هاتیْن المعرفتیْن عِلْمًا وحالًا، وانقطاعه بفواتِهما.
وهذا معنى قولهم: مَن عَرَف نفسه؛ عَرَف ربَّهُ؛ فإنه من عَرَف نفسه
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٥٢٥
علو الهمة في التوبة
بالجهل والظلم والعيب والنَّقائص والحاجة والفقر والذَّلِّ والمسكنة
والعدم؛ عَرَف ربَّه بضد ذلك، فوقف بنفسه عند قدرِها، ولم يتعدَّ بها
طورها، وأثنى على ربِّه ببعض ما هو أهلُه، وانصرفت قوة حُبِّه وخشيته
ورجائه وإنابته وتوكله إليه وحده، وكان أحبَّ شيءٍ إليه وأخوف شيء
عندَه وأرجاه له، وهذا هو حقيقة العبوديَّة. والله المستعان.
ويُحكَى أنَّ بعض الحكماءِ كتب على باب بيته: أنه لن ينتفعَ بِحِكمتنا إلَّا
من عَرَف نفسَه ووقف بها عند قدْرها؛ فمن كان كذلك؛ فليدخُل، وإلَّا؛
فليرجع حتى يكون بهذه الصّفة))(١).
يا خليفةَ الأموات، يا ابن التراب، ومأكول التراب غدًا، قصِّر واعرف قدْر
نفسك :
أنت عبدٌ، ليس لك غيرُ باب سيِّدكِ وفضله وإحسانِه، وإن تخلَّی عنك
هَلَكْتَ ولم يعطف عليك أحدٌ، بل تضيعُ أعظمَ ضيْعةٍ.
لا غنى بك عنه وَلَّ طرفةَ عين، وليس لك مَن تُعوذُ به وتلوذُ به غیر
سيدك الذي أنت عبده. تصرُّفُك على محض العبوديَّة، لا بحكم الاختيار
لنفسك، فالتزم آدابَ العبودية من الذل والخضوع، وامتثالِ أمر سيدك،
واجتناب نهيه، ودوام الافتقار إليه.
■ أنت ومالُك ونفسُك مِلكٌ لسيدك، ناصيتُك بيده، وقلبك بين
إصبعين من أصابعه، في قبضةِ سيدك، أضعفُ من مملوكٍ صغير حقير،
ناصيتُه بيد سلطانٍ قاهرِ مالكٍ له تحت تصرُّفه وقهره؛ بل الأمرُ فوق ذلك.
.
(١) ((الفوائد)) (ص٣١٣ - ٣١٥).
تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٥٢٦
صلاح الأمة في علو الهمة
بعيدًا عن طريق مولاك ما قدرُك؟
■ جدُّك البعيد ترابٌ ذليل، وأبوك القريب ماءٌ مهين، وأنت خرجت
من مجرى البول مرَّتيْن، أوَّلُك نطقةٌ مَذِرة، وآخرُك جيفةٌ قذرة، وأنت بين
هذا وذاك تحملُ العذرة، أنت كنيفٌ ودورةُ مياه متحرِّكة، تحمل أمعاؤك
الغليظةُ ما تحمل الأنتان والحشوش ودورات المياه .. أنت أحقرُ من حشرة
في مُلْك الله، لا تساوي نحلة، فالنحلةُ أعلم بما يخرج من بطنها، وأنت
أعلمُ بما يخرج من بطنك، لو كانت للذنوب رائحةً، ما استطاع أحدٌ أن
يجالسك من نتن رائحتك.
والعين مرمصةٌ والثغرُ ملعوبُ
أنْفٌ يسيلُ وأُذْرٌ كُلُّها سهكٌ
قصِّر فإنك مأكولٌ ومشروبُ
یا ابن التراب ومأکول التراب غدًا
ومصيرك إلى القبر والدود والتراب مهما كان حسنك ومنظرك ..
بعدُ وجوهٌ فيك مُنعَفِرةٌ
إني سألتُ الترابَ ما فعلتْ
يُؤذِيك بعد مناظر عَطِرةٌ
فقال لي صيرَّتُ رِيحَهُمُ
كان النعيم يهزُّها نَضَرَةٌ
وأكلتُ أجسادًا منعَّمةً
بيضٍ تلوحُ وأعظم نخرةٌ
لم تبقَ غيرُ جماجم عَرِيتْ
بئس العبد عبد طغى وعتى ونسى المبدأ والمنتهى، بئس العبدُ عبدٌ طغى
وعتى ونسى الجبار الأعلى، بئس العبدُ عبدٌ طغى وعتى ونسى المقابر والبِلَى.
** بلغتَ أيها العبدُ العاصي الغايةَ في الجهل والظلم، وأنت كما قال الله
تعالى: ﴿ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا
[الأحزاب]، ﴿ وَاَللَّهُ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ
٧٢
١٥
[فاطر]. بلاؤك مِن نفسك ومُصابك منها، وأنت أولى بكل ذمِّ
وظُلْم ﴿إِنَّا لِإِنسَانَ لِرَبِّهِ، لَكَنُوٌ ﴾ [العاديات].
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
علو الهمة في التوبة
٥٢٧
قال ابن عباس ﴿إنضها ومجاهد وقتادة: ((كفورٌ جحودٌ لنعم الله)).
قال أبو عبيدة: ((هو قليل الخير، و((الأرض الكنود)): التي لا نبْت
فيها. وقيل: التي لا تُنبت شيئًا من المنافع)).
لو علمتَ - أيها الظالمُ الجاهل - أنَّك أنت القاعدُ على طريق مصالحك
تقطعُها عن الوصول إليك، فأنت الحَجَرُ في طريق الماء الذي به حياتك،
وأنت السَّكْرُ الذي قد سدَّ مجرى الماء إلى بستان قلبك، وتستغيثُ مع
ذلك: ((العطشَ العطشَ))، فأنت حجابُ قلبك عن سرِّ غيبه، وأنت الغيْمُ
المانعُ الإشراق شمس الهدى على القلب، فما عليك أضرُّ منك، ولا لك
أعداءُ أبلغُ في نكايتك وعداوتك منك.
ما تبلغ الأعداءُ من جاهلٍ
ما يبلغُ الجاهلُ من نفسِهِ
■ فَتَبًّا له ظالماً في صورة مظلوم، وشاكيًا والجنايةُ منه، قد جدًّ في
الإعراض وهو ينادي: ((طردوني وأبعدوني))، ولَّ ظهره البابَ، بل أغلقه
على نفسه وأضاع مفاتيحه وكسرها، ويقول:
دخولي سبيلٌ، بيِّتوا لي قصتي
دعاني، وسدّ الباب دوني، فهل إلى
يأخذُ الشفيقُ بحُجْزته عن النار. وهو يُجاذبُه ثوبَه ويغلبُه ويقتحمُها،
ويستغيث: ((ما حيلتي؟ وقد قَدَّموني إلى الحفيرة وقذفوني فيه!».
والله كم صاح به الناصح: الحذر الحذر، إياك إياك، وكم أمسك بثوبه،
وكم أراه مصارع المقتحِمين وهو يأبى إلّا الاقتحام:
وقد يستفيدُ البِغْضةَ المتنصِّحُ
و کم سُقْتُ في آثارکم من نصيحةٍ
يا ويلَه ظهيرًا للشيطان على ربه، خصمًا لله مع نفسه، جَيْرِيُّ المعاصي،
قَدَرِيُّ الطاعات، عاجز الرأي، مِضياٌ لفرصته، قاعدٌ عن مصالحه،
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٥٢٨
صلاح الأمة في علو الهمة
معاتبٌ لأقدار ربه. يحتجّ على ربه بما لا يقبلُه من عبده وامرأته وأَمَته، إذا
احتجُّوا به عليه في التهاون في بعض أمره. فلو أمر أحدَهم بأمر ففرَّط فيه،
أو نهاه عن شيءٍ فارتكبه، وقال: القدَرُ ساقني إلى ذلك، لَمَا قَبِلَ منه هذه
الْحُجَّة، ولبادَرَ إلى عقوبته.
فإن كان القدَرُ حُجةً لك - أيها الظالم الجاهل في ترك حق ربك-، فهلًّا
كان حجةً لعبدك وأمتك في ترك بعض حقُّك؟ بل إذا أساء إليك مسيءٌ،
وجنى عليك جانٍ، واحتج بالقدر: لاشتدَّ غضبُك علیه، وتضاعف جُرِمُه
عندك، ورأيت حُجَّتَه داحضة، ثم تحتجُّ على ربك به، وتراه عذرًا
لنفسك؟! فمن أولى بالظلم والجهل ممن هذه حاله؟
هذا مع تواتر إحسان الله إليك على مَدَى الأنفاس: أزاح عِلَلَك،
ومَكنَّك من التزود إلى جَنَّته، وبعث إليك الدليل، وأعطاك مؤنة السفر
وما تتزود به، وما تحارب به قُطَّاعَ الطريق عليك، فأعطاك السمعَ والبصر
والفؤاد، وعَرَّفك الخير والشر، والنافعَ والضار، وأرسل إليك رسوله.
وأنزل إليك كتابه، ويسَّرَه للذكر والفهم والعمل. وأعانك بمددٍ من جُنده
الكرام، يثبِّتُونك ويحرُسُونك. ويحاربون عدوَّك ويطردونه عنك. ویریدون
منك أن لا تميل إليه ولا تصالحه، وهم يكفونك مؤنته. وأنت تأبى إلَّا
مظاهرتَه عليهم، وموالاته دونهم. بل تُظاهره وتواليه دون وَليِّك الحق
الذي هو أولَى بك.
* قال الله تعالى: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَئِكَةِ أَسْجُدُ واْلَدَمَ فَسَجَدُ وَأَ إِلَّ إِلِيسَ كَانَ مِنَ
الْجِنّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَيٍّ أَفَنَتَّخِذُونَهُ، وَذُرِّيَّتَهُ، أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ
[الکھف].
٥٠
بِْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا
■ طردَ إبليسَ عن سمائه، وأخرجه من جنته، وأبعده من قربه، إذ لم
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٥٢٩
علو الهمة في التوبة
يَسْجد لك، وأنت في صُلْب أبيك آدم، لكرامتك عليه، فعاداه وأبعده، ثم
واليتَ عدوه، ومِلْتَ إليه وصالحته. وتتظلَّمُ مع ذلك، وتشتكي الطرد
والإبعاد، وتقول:
ورمَوني بالصدِّ والصدُّ صعبُ
عوَّدُوني الوصال، والوصلُ عَذْب
نعم. وكيف لا يَطْرُد من هذه معاملته؟ وكيف لا يُبعِدُ عنه من كان
هذا وصفه؟ وكيف يجعل مِن خاصته وأهل قُربه مَنْ حاله معه هكذا؟ قد
أفسد ما بینه وبین الله وگَدَّره.
أمره الله بشكره، لا لحاجته إليه، ولكن لينالَ به المزيدَ من فضله،
فجعل كُفرَ نِعَمِه، والاستعانةَ بها على مساخطه: من أكبر أسباب صرفها
عنه.
* وأمره بذكره ليذكره بإحسانه، فجعل نسيانَه سببًا لنسيان الله له:
﴿فَسُواْ اللَّهَ فَأَنَسَنُهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر: ١٩]، ﴿ فَسُواْ اللَّهَ فَسِيَهُمْ﴾
[التوبة: ٦٧]
أمره بسؤاله ليعطيَه، فلم يسأله. بل أعطاه أجلَّ العطايا بلا سؤال، فلم
يقبل، يشكو مَنْ يرحمه إلى مَن لا يرحمه. ويتظلمُ ممن لا يظلمُه، ويَدَعُ من
يُعاديه ويظلمه. إن أنعم عليه بالصحَّة والعافية والمال والجاه، استعان
بنعمه علی معاصیه، وإن سَلَبه ذلك ظلَّ متسخطًا علی ربه وهو شاکیه. لا
يَصلُح له على عافية، ولا على ابتلاء، العافية تُلقيه إلى مساخطه، والبلاء
يدفعه إلی کفرانه وجحود نعمته، وشکایته إلى خلقه.
(■ دعاه إلى بابه فما وقف عليه ولا طَرَقه، ثم فتحه له فما عرَّج عليه ولا
وَلجه، أرسل إليه رسوله یدعوه إلى دار كرامته، فعصی الرسول، وقال: ((لا
أَبيعُ ناجزًا بغائب، ونَقْدًا بنَسيئة، ولا أتركُ ما أراه لشيء سمعتُ به))،
ويقول:
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
-
٥٣٠
صلاح الأمة في علو الهمة
في طَلْعة الشمس ما يُغنيكَ عن
خُذْ ما رأيتَ ودَعْ شيئًا سمعتَ به
فإن وافق حَظُّه طاعةَ الرسول أطاعه لنيل حظّه، لا لرضى مُرسِله، لم
يزل يتمقت إليه بمعاصيه، حتى أعرض عنه، وأغلق الباب في وجهه.
■ ومع هذا فلم يؤيِّسْه من رحمته، بل قال: ((متى جئتَي قبلتك، إن
أتيتَي ليلًا قبلتك، وإن أتيتَني نهارًا قبلتك، وإن تقربتَ مني شبرًا تقربت
منك ذراعًا، وإن تقربتَ مني ذراعًا تقربتُ منك باعًا، وإن مشيتَ إلىَّ
هرولتُ إليك، ولو لقيتَني بقُراب الأرض خطايا، ثم لقيتَني لا تشرك بي
شيئًا، أتيتُك بقُرابها مغفرة، ولو بلغتْ ذنوبُك عنان السماء، ثم استغفرتني
غفرتُ لك، ومَنْ أعظم مني جودًا وكرمًا؟ !.
عبادي يبارزونني بالعظائم، وأنا أكلؤُهم على فُرُشهم، إني والجن
والإنس في نيٍ عظيم: أخلقُ ويُعبد غيري، وأرزُق ويُشکر سواي، خيري
إلى العباد نازل، وشرّهم إليَّ صاعد، أتحبَّبُ إليهم بنعمي، وأنا الغنيُّ
عنهم، ويتبغّضون إليَّ بالمعاصي، وهم أفقر شيءٍ إليّ.
من أقبل إليَّ تلقّيتُهُ من بعيد، ومَن أعرض عني ناديتُه من قريب، ومَن
ترك لأجلي أعطيتُه فوق المزيد، ومَن أراد رضاى أردتُ ما يريد، ومن
تصرّف بحولي و قوّتي ألنتُ له الحديد.
أهلُ ذكري أهل مجالستي، وأهلُ شكري أهل زيادتي، وأهل طاعتي
أهل كرامتي، وأهلُ معصيتي لا أُقَنِّطهم من رحمتي، إن تابوا إليَّ فأنا
حبيبهم، فإني أحبُّ التوابين وأحبُّ المتطهرين، وإن لم يتوبوا إليَّ فأنا
طبيبهم، أبتليهم بالمصائب، لأطهرَهم من المعايب.
مَن آثرني على سواى آثرتُه على سواه، الحسنةُ عندي بعشر أمثالها إلى
سَبْعِمئة ضِعف، إلى أضعافٍ كثيرة، والسيئةُ عندي بواحدة، فإن ندم عليها
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٥٣١
علو الهمة في التوبة
واستغفرني غفرُها له.
أشكر اليسيرَ من العمل، وأغفرُ الكثير من الزلل، رحمتي سبقت
غضبي، وحِلمي سبق مؤاخذتي، وعفوي سبق عقوبتي، أنا أرحمُ بعبادي
من الوالدة بولدها ((لَلَّهُ أَشَدُّ فرحًا بتوبة عبده من رجلٍ أضَلَّ راحلته
بأرضٍ مَهْلَكَةٍ دَوِّية عليها طعامه وشرابه، فطلبها حتى إذا أيٍس من
حصولها، نام في أصل شجرةٍ ينتظر الموت، فاستيقظ فإذا هي على رأسه،
قد تعلَّق خِطامُها بالشجرة، فاللهُ أفرحُ بتوبة عبده من هذا براحلته)).
وهذه فرحةٌ إحسانٍ وبٍّ ولطف، لا فرحةُ محتاج إلى توبة عبده، منتفع
بها. وكذلك موالاتُه لعبده إحسانًا إليه، ومحبةً له وَبِرًّا به، لا يتكثّر به من
قِلَّة، ولا يتعزّزُ به من ذِلَّة، ولا ينتصر به غَلَبة، ولا يَعُدُّه لنائبة، ولا يستعين
به في أمر ﴿ وَقُلِ اْحَمْدُ لِلَّهِالَّذِى لَمْيَخِذُ وَلَّا وَ يَكُن ◌َّهُ شَرِيِكُ فِ الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ، وَلِيٌ
[الإسراء]، فنفى أن يكون له وليٌّ من الذل، والله
مِّنَ الذُّلِّ وَكَبِهُتَكْبِرًا
ولی الذين آمنوا، وهم أولياؤه.
فهذا شأنُ الرب وشأنُ العبد، وهم يُقيمون أعذارَ أنفسهم، ويَحمِلون
ذنوبهم على أقداره.
استأثر اللهُ بالمحامد والمجـ
ـد وولَّى الملامَةَ الرجلَا
■ وما أحسن قول القائل:
وتَظَلُّ تبكيه بدمع ساجم
تطوى المراحلَ عن حبيبك دائبًا
تشكو البعاد، وأنت عين
كذبَتْكَ نَفْسُكَ لستَ من أحبابه
كيف تعصى مَن أنت به؟! وبقاؤك منه، وتدبيرك بيده، ورجوعُك
(١) «مدارج السالكين)) (١/ ١٩٢ - ١٩٦).
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٥٣٢
صلاح الأمة في علو الهمة
إليه، وكلّ مستحسَن في الوجود هو حسَّنَهُ وزيَّنْهُ وَجَمَّلَهُ وعطفَ النفوس
إليه، لقد أعطاكِ - أيتها النفس - ما لم تأملي، وبلَّغك ما لم تطلبي، وستر
عليكِ من القبيح ما لو فاح لضجّت المشام ..
تصدُّ وتنأى عن حبيبك دائمًا
فأين عن الأحباب ويحك
((من أعجب الأشياء: أن تعرفَه ثم لا تحبّه، وأن تسمع داعِيَهُ ثم تتأخّرُ
عن الإجابة، وأن تعرف قدْرَ الرِّبح في معاملته ثم تعاملُ غيرَه، وأن تعرفَ
قدْر غضبه، ثم تتعرَّض له، وأن تذوقَ ألم الوحشة في معصيته ثم لا تطلبُ
الأنسَ بطاعته، وأن تذوق عَصْرَة القلب عند الخوض في غير حديثه
والحديث عنه، ثم لا تشتاقُ إلى انشراح الصدر بذكره ومناجاته، وأن
تذوقَ العذاب عند تعلّق القلب بغيره، ولا تهربُ منه إلى نعيم الإقبال
عليه والإنابة إليه !! وأعجب من هذا: علمُك أنك لا بُدَّ لك منه، وأَنك
أحوج شيءٍ إليه وأنت معرضٌ عنه، وفيما يُبعدك عنه راغب !! ))(١).
■ فـ ((طوبى لمن أنصف ربَّهُ، فأقرَّ له بالجهل في علمه، والآفات في
عمله، والعيوب في نفسه، والتفريط في حقه، والظلم في معاملته. فإن
آخذه بذنوبه رأى عدْلَه، وإن لم یؤاخذه بها رأی فضله.
ونكتة المسألة وسِرُّها أنه لا يرى ربَّه إلَّا مُحْسِنًا، ولا يرى نفسَه إلَّا
مسیئًا أو مفرّطًا أو مقصّرًا، فیری کلّ ما يَسُّه من فضل ربه علیه وإحسانه
إليه، وكُلّ ما يسؤوه من ذنوبه وعدل الله فيه))(٢).
■ كيف فلاحُك بين إيمانٍ ناقصٍ، وأمل زائدٍ، ومرضٍ لا طبيب له
(١) ((الفوائد)) (ص١١٩).
(٢) المصدر السابق (ص ٩٥).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٥٣٣
علو الهمة في التوبة
ولا عائد، وهوى مستيقظ، وعقل راقد، ساهيًا في غَمْرَتِكَ، عَمِهًا في
سكرتِكَ، سابحًا في لُّ جهلك، مُستوحشًا من ربك، مستأنِسًا بخلْقِهِ،
ذكرُ الناس فاكهَتُكَ وقوتُك، وذِكر الله حَبْسُكَ وموتُكَ، لله منك جزء
يسير من ظاهرك، وقلبك ويقينك لغيره(١).
جـ- التصديق بالجزاء والوعيد:
كيف يلتذّ العاصي بعيش وبمعصيةٍ وهو يعلمُ أن القبر موعده، وأن
القيامة مشهده، وأن الصراط أمامه، كيف يهنأ وهو يعلمُ أن المقامع لرأسه
تُهيّا، وأن الزقوم طعامه، وأن النَّفَس الواحد من الرجل في النار لو أصاب
مئة ألف -أو يزيدون-، كانوا في مسجدٍ لاحترق بمن فيه.
يا هذا، يا مغرورًا بالأماني، لُعِن إبليس وأُهبط من منزلِ العَزِّ بترك
سجدةٍ واحدة أُمِر بها، وأَخرِجَ آدمَ من الجنة بلقمة تناولها، وحجَب القاتل
عنها بعد أن رآها عِيانًا بملء كفّ من دَم، وأمر بقتل الزاني أشنع القتلات
بإيلاج قدر الأَنْمُلةِ فيما لا يَحِلّ، وأمَرَ بإيساع الظَّهْر سياطًا بكلمة قذف أو
بقطرةٍ من مُسْكِرٍ، وأبان عضوًا من أعضائك (٢) بثلاثة دراهم؛ فلا تأمَنْه
أن يحبسك في النار بمعصية واحدة ﴿ وَلَا يَخَافُ عُقْبَهَا
﴾ [الشمس].
ودخلتِ امرأة النار في هِرَّةٍ. وإِنَّ الرجل ليتكلَّمُ بالكلمة لا يُلْقِي لها
بالَّا يَهْوي بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب .. العُمْرُ بآخره، والعمل
بخاتمته.
■ من أحدثَ قبل السلام؛ بَطَل ما مضى من صلاته، ومن أَفْطَرَ قبل
(١) انظر ((الفوائد)) (ص١٦٠).
(٢) بِقَطْعِهِ.
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٥٣٤
صلاح الأمة في علو الهمة
غروب الشمس؛ ذهب صيامه ضائِعًا، ومن أساء في آخر عُمُرِهِ؛ لَقِيَ ربَّهُ
بذلك الوجه)»(١).
■ لقد خالف الهدهدُ سليمانَ في طريق الصحبة ثلاث مرَّات فقال:
﴿لَأَ أَذْبَحَنَّهُ ﴾، فيا من لم يوفِّ لله بأي حقٍّ، أما تخافُ أن يُقالَ لك في بعض
غدراتك: اذهب فلا غفرتُ لك !.
دَرَجَ الجنانِ ونيْلَ فوز العابِدِ
تَصِلُ الذنوبَ إلى الذُّنوبَ وترتجي
منها إلى الدنيا بذنب واحدٍ
ونسيتَ أن الله أخرج آدمَ
فود].
١٠٢
* من يقدرُ على عذاب الله وأخذه ﴿إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدُ
* من يقدرُ على غضب الله ووثاقه ﴿لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ ، وَلَا يُوثِقُ وَنَاقَهُ.
[الفجر].
أَحَدّ﴾
* مَن يصبر على النار ضيِّقَةِ الأرجاء، مُظلِمةِ المسالك، مُبهَمَةِ المهالك،
يخلدُ فيها الأسير، ويُوقدُ فيها السعير، دارُ الذلَّ والهوان، والعذاب
والخذلان، دارُ الشهيق والزفرات، والأنينِ والعبرات، حرُّها شديد،
وقعرُها بعيد، ومقامعُها الحديد، وشراب أهلها الصديد ﴿ يَتَجَرَّعُهُ, وَلَا
يَكَادُ يُسِيغُهُ، وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَاهُوَ بِحَسِتٍ وَمِنْ وَرَآپِهِ،
عَذَابٌ غَلِيظٌ
[إبراهيم].
رحم الله أقوامًا كان ذكر النار لا يدعهم ينامون ..
وأهلُ الأمن في الدنيا هجوعُ
أطار الخوفُ نومَهم فقاموا
(١) ((الفوائد)) (ص١٥٧ - ١٥٩).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
علو الهمة في التوبة
٥٣٥
ومن علو الهمة في التوبة: اتهام التوبة والخوف من أن تكون توبة علّة:
■ قال ابن القيم تحمّهُ عن اتهام التوبة: «فلأنها حقٌّ عليه. لا يتيقَّن أنَّه
أَدَّى هذا الحقَّ على الوجه المطلوب منه الذي ينبغي له أن يؤدیه علیه،
فيخاف أنه ما وفَّاها حقَّها، وأنها لم تُقبَل منه، وأنه لم يبذل جهده في
صحتها، وأنها توبة عِلَّة وهو لا يشعر بها))(١).
13
توبة العِلَة:
قال ابن القيم رَحمّثهُ: ((١ - كتوبة أرباب الحوائج والإفلاس،
والمحافظين على حاجاتهم ومنازلهم بين الناس.
٢- أو أنه تاب محافظةً على حاله، فتاب للحال، لا خوفًا من ذي
الجلال.
٣- أو أنه تاب طلبًا للراحة من الكَدِّ في تحصيل الذنب.
٤ - أو اتّقاء ما يخافه على عرضه وماله ومنصبه.
٥- أو لضعف داعي المعصية في قلبه، و خمود نار شهوته.
٦- أو لمنافاة المعصية لما يطلبه من العلم والرزق، ونحو ذلك من
العلل التي تقدحُ في كون التوبة خوفًا من الله، وتعظيمًا له ولحرماته،
وإجلالًا له، وخشيةً من سقوط المنزلة عنده، وعن البُعد والطَّرْد عنه،
والحجاب عن رؤية وجهه في الدار الآخرة.
فهذه التوبةُ لون، وتوبةٌ أصحاب العلل لون.
■ ومن اتهام التوبة أيضًا: ضعفُ العزيمة، والتفاتُ القلب إلى الذنب
(١) ((مدارج السالكين)) (١/ ١٨٥).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
صلاح الأمة في علو الهمة
٥٣٦
الفَيْنة بعد الفَيْنة، وتذكَّر حلاوة مواقعته، فربما تنفّس، وربما هاج هائجه.
■ ومن اتهام التوبة: طمأنيتُه ووثوقُه من نفسه بأنه قد تاب، حتى كأنه
أُعْطِي منشورًا بالأمان. فهذا من علامات التّهمة(١).
■ ومن علاماتها: ((جمودُ العين، واستمرارُ الغفلة، وأن لا يستحدث
بعد التوبة أعمالًا صالحة لم تكن له قبل الخطيئة))(٢).
علامات التوبة الصحيحة:
· قال ابن القيم نَّهُ: ((التوبةُ المقبولة الصحيحة لها علامات:
١ - منها: أن يكون بعد التوبة خيرًا مما كان قبلها.
٢ - ومنها: أنْ لا يزالَ الخوفُ مصاحبًا له لا يأمن مكر الله طرفةَ عين،
فخوفه مستمرّ إلى أن يسمعَ قول الرسل لقبض روحه: ﴿أَلَّا تَخَافُواْ وَلَا
[فصلت] فهناك يزول
تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ الَّتِى كُتُمْ تُوعَدُونَ
الخوف.
٣- ومنها: انخلاعُ قلبه، وتقطُّعُه ندمًا وخوفًا. وهذا على قدْر عِظَم
الجناية وصغرها، وهذا تأويلُ ابن عيينة لقوله تعالى: ﴿لَا يَزَالُ بُنْيَئُهُمُ
﴾ [التوبة: ١١٠]. قال: ((تقطعها
الَّذِى بَنَوْاْ رِيبَةً فِ قُلُوبِهِمْ إِلَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ
بالتوبة))، ولا ريب أن الخوفَ الشديد من العقوبة العظيمة يوجبُ انصداع
القلب وانخلاعَه، وهذا هو تقطّعُه، وهذا حقيقةُ التوبة؛ لأنه يتقطعُ قلبُه
حسرةً على ما فَرَط منه، وخوفًا من سوء عاقبته، فمن لم يتقطع قلبه في
(١) فالمؤمن أسیر الحق لا یزول عنه خوفه ولا یسکن اضطرابه حتى يُخلّف جسر
جهنم وراء ظهره.
(٢) ((مدارج السالكين)) (١ / ١٨٥).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٥٣٧
علو الهمة في التوبة
الدنيا على ما فَرَّط حسرةً وخوفًا، تقطّع في الآخرة إذا حُقّت الحقائق،
وعاين ثوابَ المطيعين، وعقابَ العاصين، فلابد من تقطّع القلب - إما في
الدنيا وإما في الآخرة -.
٤- ومن موجَبات التوبة الصحيحة أيضًا: كسرةٌ خاصةٌ تحصلُ
للقلب لا يشبهُها شيء. ولا تكون لغير المذنب، لا تحصلُ بجوع، ولا
رياضة، ولا حبِّ مجرد، وإنما هي أمرٌ وراءَ هذا كلُّه، تكسُّرُ القلب بين يدي
الرب كسرةً تامة، قد أحاطت به من جميع جهاته، وألقتْه بين يدي ربه
طريًا ذليلًا خاشعًا، كحال عبدٍ جانٍ آبقٍ من سيده، فأُخِذ فأُحضر بين
يديه، ولم يجد من يُنجيه من سطوته، ولم يجد منه بدًّا ولا عنه غَناءً، ولا منه
مھربًا، وعَلِم أن حیاته وسعادته وفلاحه ونجاحه في رضاه عنه، وقد علم
إحاطةَ سيده بتفاصيل جناياته، هذا مع حبِّه لسيده، وشدةٍ حاجته إليه،
وعلمِه بضعفه وعجزِه وقوةِ سيِّده، وذلّه وعزِّ سيده.
فيجتمع مِن هذه الأحوال كسرةٌ وذِلَّةٌ وخُضوع، ما أنفعَها للعبد، وما
أجدی عائدتها علیه! وما أعظمَ جَبْرَه بها، وما أقربه بها من سیده! فلیس
شيءٌ أحبَّ إلى سيده من هذه الكَسرة، والخضوع والتذلل، والإخبات،
والانطراح بین یدیه، والاستسلام له.
■فلله ما أحلى قولَه في هذه الحال: «أسألُك بعزك وخلي إلَّا رحمتني،
أسألك بقوتك وضعفي، وبغِناك عني وفقري إليك، هذه ناصيتي الكاذبةُ
الخاطئة بين يديك، عبيدُك سواي كثير، وليس لي سيدٌ سواك، لا ملجأً ولا
منجَى منك إلَّا إليك، أسألك مسألةَ المسكين، وأبتهلُ إليك ابتهالَ
الخاضع الذليل، وأدعوك دعاءَ الخائف الضرير، سؤالَ مَن خضعت لك
رقبتُهُ، ورَغِم لك أنفُه، وفاضت لك عيناه، وذَلَّ لك قلبه)».
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٥٣٨
صلاح الأمة في علو الهمة
ومن أعوذ به مما أُحاذره
يا من ألُوذ به فيما أُؤْمِّله
ولا يهيضون عظمًا أنت جابره
لا يَخْبُرُ الناسُ عظمًا أنت كاسره
فهذا وأمثاله من آثار التوبة المقبولة. فمن لم يَجِدْ ذلك في قلبه، فليتَّهِمْ
توبته، وليرجع إلى تصحيحها، فما أصعبَ التوبةَ الصحيحةَ بالحقيقة، وما
أسهلَها باللسان والدعوى! وما عالَج الصادقُ شيئًا أشقَّ عليه من التوبة
الخالصة الصادقة، ولا حول ولا قوة إلّا بالله))(١) . .
■ المحبُّون التائبون كاتبوا الله بدموعهم، وهم ينتظرون ردّ الجواب ..
وأكثرُ رُسلِنا الحُرَقُ
صحائفُنا إشارتنا
لأن الكُتْبَ قد تُقرا
بغير الدمع لا نثقُ
أرحم من لا راحمَ له سواك، ولا ربَّ له غيرُك .. مسكينك وفقيرك
وسائلك ومؤملك ومرجّیك.
ومن علو الهمّة في التوبة: ترْكَ العجب، وعدمُ الصّولة بالطاعات:
■قال ابن القيم وَمّهُ: ((وأكثرُ الناس من المتنزِّهين عن الكبائر الحسيّة
والقاذورات: في كبائر مثلِها أو أعظمَ منها أو دونها، ولا يخطُرُ بقلوبهم أنها
ذنوبٌ ليتوبوا منها، فعندهم -من الإزراء على أهل الكبائر واحتقارهم،
وصولةِ طاعاتهم، ومِنَتهم على الخلق بلسان الحال، واقتضاء بواطنهم
لتعظيم الخلق لهم على طاعاتهم، اقتضاءً لا يخفى على أحدٍ غيرهم، وتوابع
ذلك- ما هو أبغضُ إلى الله، وأبعدُ لهم عن بابه من كبائر أولئك، فإنْ
تدارَك اللهُ أحدَهم بقاذورةٍ أو كبيرة يوقعُه فيها، لیکسرَ بها نفسَه، ويُعرفه
(١) ((مدارج السالكين)) (١٨٦/١ - ١٨٧).
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
علو الهمة في التوبة
٥٣٩
قدْرَه، ويُذلَّه بها، ويُحْرِجَ بها صَوْلَةَ الطاعة من قلبه، فهي رحمةٌ في حقه، كما
أنه إذا تدارَك أصحابَ الكبائر بتوبةٍ نصوح، وإقبالٍ بقلوبهم إلیه، فهو
رحمةٌ في حقهم، وإلَّا فكلاهما على خطر))(١).
عُذر الناس في إساءتهم إليك وجنايتهم عليك:
الناظرُ في ذنوب البشر -كأنه عبدٌ مثلُهم يُخطئ كخطئهم - يَقبل
أعذارهم، ويتجاوز عن جنايتهم، فاقبل: ((أعذارَهم في إساءتهم إليك،
وجنايتهم عليك، والنظر في ذلك إلى الأقدار، وأن أفعالهَم بمنزلة حركاتٍ
الأشجار، فتعذرُهم بالقدر في حقك، لا في حقٌّ ربك، فهذا حقّ، وهو من
شأنِ سادات العارفين، وخواصِّ أولياء الله الكُمَّل، يفنَى أحدُهم عن
حقه، ويستوفي حقَّ ربِّه، ينظرُ في التفريط في حقه، وفي الجنايةِ عليه إلى
القدَر، وينظرُ في حق الله إلى الأمر. فيطلبُ لهم العذرَ في حقه، ويمحو
عنهم العذرَ، ويطلبُه في حق الله.
■ وهذه كانت حالَ نبينا وَّلتر، كما قالت عائشة ﴿ثمنها: ((ما انتقم
رسولُ اللهِ وَله لنفسه قط، ولا نِيلَ منه شيءٍ فانتقم لنفسه، إلَّ أن تُنْتَهَكَ
محارمُ الله، فإذا انتهكت محارمُ الله لم يَقُمْ لغضبه شيء، حتى ينتقم لله).
■ وقال عائشةُ لديها أيضًا: «ما ضَرب رسولُ الله وَله بيده خادمًا، ولا
دابةً، ولا شيئًا قط، إلَّا أن يجاهدَ في سبيل الله)).
• وقال أنس لقسم: ((خدمتُ النبيَّ وَّهِ عشرَ سنين، فما قال لي لشيءٍ
صنعتُهُ: ((لمَ صنعتَه؟)) ولا لشيءٍ لم أصنعه: ((لمَ لَمْ تصنعه؟))، وكان إذا
عاتبني بعضُ أهله يقول: ((دعوه. فلو قُضى شيءٌ لكان)).
(١) ((مدارج السالكين)) (١ /١٨٧).
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://web lessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٥٤٠
صلاح الأمة في علو الهمة
فانظر إلى نظره إلى القدَر عند حقه، وقيامِه بالأمر، وقطع يد المرأة عند
حق الله. ولم يقُل هناك: القدر حكم عليَّ))(١).
ومن علو الهمة في التوبة ومن حقائقها:
■ قال ابن القيم نَحمّلهُ: ((إن الغيْرة لله، والغضبَ له من حقائق التوبة،
فتعطيلُ عُذرٍ الخليقة في مخالفةِ الأمر والنهي، وشدةُ الغضب هو من
علامات تعظيم الحرمة، وذلك بأن يكون من حقائق التوبة أولى من عذر
مخالفة الأمر والنهي)) (٢).
■ قال ابن القيم رغمّهُ -مفرِّقًا بین عُذر الخلیقة في حقه، وقيامه بالأمر
في حق الله -: ((فانظر إلى نظره إلى القدَر عند حق نفسه، وقيامِه بالأمر،
وقَطْعِ يد المرأة عند حق الله، ولم يقل هناك: القدرُ حكَم عليها.
وكذلك عزْمُه على تحريق المتخلِّفين عن الصلاة معه في الجماعة، ولم
يقل: ((لو قُضى لهم الصلاة لكانت)).
وكذلك رَجْمه المرأة والرجل لما زنيًا، ولم يحتجَ في ذلك لهما بالقدر.
وكذلك فعله في العُرَنِيِّن الذين قتلوا راعيه، واستاقوا الذَّود، وكفَروا
بعد إسلامهم، ولم يقُل: ((قُدِّر عليهم))، بل أمر بهم، فقُطعت أيديهم
وأرجلُهم من خِلاف، وسُمِرت أعينُهم، وتُركوا في الخَّة يَسْتَسْقون فلا
يُسقون، حتى ماتوا عطشًا، إلى غير ذلك مما يطول بسطه.
وكان رسولُ وَّه أعرفَ بالله وبحقٌّه من أن يحتجَّ بالقدر على ترك
أمره. ويقبلُ الاحتجاجَ به من أحد، ومع هذا فعَذَر أنسًا بالقدر في حقه،
(١) ((مدارج السالكين)) (١٩٦/١).
(٢) ((مدارج السالكين)) (١/ ١٩٧).
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com