Indexed OCR Text

Pages 401-420

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٤٠١
علو الهمة في التفكر
﴾ [ق].
١١
لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ، بَلْدَةً مَّيْتًّا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ
٥٨
: وقال تعالى: ﴿ فَحْنُ خَلَقْتَكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ
أَفَّهَ يْتُم مَّا تُمْنُونَ
٥٧
٦٠
ءَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ: أَمْ نَحْنُ الْخَلِقُونَ ) نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَّكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ
عَلَى أَن تُبَدِّلَ أَمْثَلَكُمْ وَنُنِشِئَكُمْ فِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴿ وَلَقَدْ عَلِتُمُ الَّشْأَةَ الْأُولَى
فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ
٦٢
أَفَرَّهَ يْتُم مَّا تَحُرُونَ ()
ءَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ وَ أَمَّ نَحْنُ الَّرِعُونَ ن لَوْ
نَشَاءُ لَجَعَلْنَهُ حُطَمًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ )
٦٧
بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ
ءَأَنْتُمْ أَنْزَ لْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمَّ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ ) لَوْ نَشَآءُ
أَفَرَّهَ يْتُمُ اَلْمَآءَ الَّذِى تَشْرَبُونَ
ءَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ
أَفَرَءَيْتُمُ النَّارَ اُلَّتِىِ تُورُونَ
٧٠
جَعَلْتَهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ
شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ
غَحْنُ جَعَلْنَهَا تَذْكِرَةً وَمَتَعًا لِّلْمُقْوِينَ
فَسَبِّحْ
٤ [الواقعة].
٧٤
بِأَسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ
وَإِلَى اُلسَّمَاءِ كَيْفَ
* وقال ◌َاةِ: ﴿ أَفَلاَ يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ
٢٠
رُفِعَتْ () وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ ل وَ إِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ
[الغاشية].
سادسًا: ذمَّ المتغافلين عن آيات الله تعالى:
لقد أكثر الله تبارك وتعالى من ذم الغافلين المتغافلين عن رؤية آياته
والتفكر في عظيم آلائه، ومعلوم أن ذم الشيء إشارة إلى أن خلافه هو
المطلوب .. ولما كثر ذم الغافلين عن آيات الله دل هذا على أن التفكر أمر
مطلوب وللرب محبوب.
ومن الآيات التي ذم فيها العمي الغافلون ما يلي:
* قال جل وعلا: ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِ الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ
بِهَا أَوْ ءَاذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَرُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِى فِى
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٤٠٢
صلاح الأمة في علو الهمة
الصُّدُورِ ®
[الحج].
* وقال سبحانه: ﴿ وَكَأَتِنِ مِّنْ ءَايَةٍ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُونَ
﴾ [يوسف].
١٠٥
عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ
* وقال تعالى: ﴿ لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْءَانَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ, خَشِعًا مُتَصَدِّعًا
٢١
مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَنَفَكَّرُونَ
[الحشر].
وقال تعالى: ﴿ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللّهُ وَعْدَهُ, وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ
٦
يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَوَةِ الذُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَفِلُونَ ) أَوَلَمْ يَنَفَكَّرُواْ
فِىّ أَنْفُسِهِمْ مَّا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَنَّىٌّ وَ إِنَّ
كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَآيٍ رَبِّهِمْ لَكَفِّرُونَ ) أَوَلَمْ يَسِيرُواْ فِىِ الْأَرْضِ فَيَنْظُرُواْ
كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمَّ كَانُواْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُواْ اْأَرْضَ
وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَآءَتْهُ رُسُلُهُم بِالْبَيْتَنِّ فَمَا كَانَ اللَّهُ
لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوَاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
[الروم].
* وقال تعالى: ﴿ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِهِ
٨٢
اخْتِلَفًا كَثِيرًا
:[النساء:].
سَأَصْرِفُ عَنْ ءَايَتِىَ الَّذِينَ يَتَكَبَُّونَ فِىِ الْأَرْضِ بِغَيْرِ
· وقال تعالى: ﴿
اُلْحَقِّ وَإِن يَرَوْأْ كُلَّ ءَايَةٍ لَّا يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوْأْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ
سَبِيلًا وَإِن يَرَوْأُ سَبِيلَ الْغِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِمَايَتِنَا وَكَانُواْ
عَنْهَا غَفِلِينَ
١٤٦
[الأعراف].
قال الحسن في هذه الآية: ((أي: أمنعهم التفكر فيها)(١).
(١) ((مفتاح دار السعادة)) لابن قيم الجوزية (٥٣٩/١) ط: دار ابن عفان.
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٤٠٣
علو الهمة في التفكر
﴿ أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْ الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُم مَّا لَمْ يَأْتِ ءَابَآءَ هُمُ الْأَوَّلِينَ
وقال تعالى:
﴾ [المؤمنون].
٦٨
* وقال تعالى: ﴿ أَفَلاَ ﴾ [محمد].
* وقال عن بعض صفاتِ أهل النار: ﴿ الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُهُمْ فِي غِطَآءٍ عَن
[الكهف].
١٠١
ذِكْرِى وَكَانُواْ لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا
أعطاهمُ اللهُ تعالَى عيونًا فأطبقُوها عن رؤيةِ آياتِه الكونِيَّة .. وأعطاهم
أسْماعًا فأغلقوها عن الانتفاع بآياتِه السمعيّة، فكان جزاؤهم أن أكبَّهم
على وجوههم صُمَّا وعُميانًا في دارِ الويل والشقاء.
* وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِ اخْئِلَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَوَتِ
[یونس].
٦
وَاْأَرْضِ لَيَتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ
وفي هذه الآية دليلٌ على أنَّ أهلَ التَّقوى همُ المنتفعون بآياتِ الله وَ ..
أمَّا الَّاكبون عن الصِّراط، المنحرفون عن طريقِ الحَقِّ والرَّشاد فلن يلتفِتوا
إلى آياتِ ربِّهم إلَّا قليلًا، ولن يتأمّلوا فِي تَخلوقاته إلَّا نادرًا؛ لأنَّ قلوبَهم
منشغلةٌ بباطلها، فلم يَعُدْ للحقِّ فيها موضعٌ .. نسأل الله تعالَى العافية.
* وقال سبحانه: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِى مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ
اُللَّهُ مِن شَىْءٍ وَأَنْ عَسَىّ أَنْ يَكُونَ قَدِ أَقَْرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَتِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ
١٨٥
** وقال وَّ: ﴿ وَسَخَرَ لَكُ مَّا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِى ذَلِكَ
ج
[الأعراف].
[الجاثية].
١٣
لَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَنَفَكَّرُونَ
■قال الأستاذ سيد قطب رَحمّلهُ: ((إنَّ ذا الكونَ كتابٌ مفتوح، يحمل
بذاته دلائلَ الإيمان وآياتِهِ، وينطقُ أنَّ وراءَه يدًا تُدبّرُه بِحكمةٍ، ويُوحي
بأنَّ وراء هذه الحياةِ الدنيا آخرةً وحسابًا وجزاءً .. وإنَّما يُدرِكُ هذه
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٤٠٤
صلاح الأمة في علو الهمة
الدلائلَ، ويقرأُ هذه الآياتِ، ويرى هذه الحكمةَ، ويَسمعُ هذه الإنجاءات:
أولو الألباب من الناس، الذين لا يمرُّون بهذا الكتاب المفتوح (١) ويِهذه
الآيات الباهرةِ مُغمِضِي الأعيُنِ غيرَ واعِين.
وهذه الحقيقةُ تُمثِّلُ أحدَ أُسسِ التصوُّرِ الإسلاميِّ عن هذا الكون
والصِّلة الوثيقة بينه وبين فطرة الإنسان، والتفاهم الداخليِّ الوثيقِ بين
فطرةِ الكون وفطرةِ الإنسان، ودلالةِ هذا الكون بذاته على خالِقِه من
جهةٍ، وعلى الناموس الذي يصرفُه وما يصاحبُه من ((غايةٍ، وحكمةٍ،
وقَصْد)) مِن جهة أخرى .. وهي ذاتُ أهَميةٍ بالغةٍ في تقريرِ موقفِ الإنسان
من الكون وإلَهِ الكون سبحانه وتعالى .. فهي ركيزةٌ من ركائز التصوّر
الإسلاميِّ للوجود.
والقرآنُ يوجّهُ القلبَ والأنظار توجيهًا مكرَّرًا مؤكّدًا إلَى هذا الكتاب
المفتوح الذي لا تفتأ صفحاتُه تُقْلَبُ، فتتبدَّى في كلِّ صفحةٍ آيةٌ موحِيةٌ
تستجيشُ في الفطرة السليمة إحساسًا بالحق المستقرِّ في صفحاتِ هذا
الکتاب.
التفكر من أساليب دعوة الأنبياء:
وإن مما يدل على قيمة التفكر وأهميته في حياة الناس أنه من أهم
أساليب دعوة أنبياء الله ورسله -عليهم جميعًا صلوات الله وسلامه.
إن مقام الدعوة إلى الله -جل وعلا - أسمى وأعلى المقامات في هذه
الحياة، وأشرف ألوان الاستجابة على الإطلاق أن يستجيب لك الكافر
والمنافق والملحد؛ وهم غالبًا لا يؤمنون بهذا القرآن، وقد يؤمنون به باطنًا
(١) أي: الکوْن.
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٤٠٥
علو الهمة في التفكر
لكنهم لأسباب عديدة يأبون الدخول تحت ظل دوحة الإسلام.
وقد علمنا الله تعالى كيفية دعوة الصنف الأول خاصة إلى الإسلام،
هذا الصنف الذي يكفر بالقرآن كلية ولا يؤمن أنه من عند الله وَ ..
وكان من ألوان الدعوة المؤثرة لهؤلاء الكافرين الدعوة بالتفكر والتأمل في
مخلوقات رب العالمين .. وهو من المناهج التي سار عليها الأنبياء وكرروها
تكرارًا حثيثًا .. ولنكتف بدعوة الخليلين الكريمين -عليهما صوات الله
وسلامه -:
أولاً: دعوة خليل الرَّحمن إبراهيمَِلِّلام:
وَكَذَلِكَ نُرِىّ إِبْرَهِيمَ مَلَكُوتَ (١) السَّمَوَتِ
* قال تبارك وتعالى:
فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ(٢) أَلَيْلُ رَءَا كَوَكَبًاٌ قَالَ هَذَا
وَاُلْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ اُلْمُوقِنِينَ
رَبِّ(٣) فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَآَ أُحِبُّ الْآَفِينَ ﴿ فَلَمَّا رَءَا اُلْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا
(١) الملكوت: الملك والسلطان وما فيه من عجائب المصنوعات.
(٢) أي: ستره وواره.
(٣) اختلف علماء التفسير حول المراد من هذه الجملة .. فذهب بعضهم إلى أن
إبراهيم الثلا عبد الكوكب حتى غاب ثم تركه، ثم بد القمر حتى غاب، ثم
تركه، ثم عبد الشمس حتى غابت، ثم تركها .. وقال آخرون: بل كان هذا في
مرحلة الطفولة قبل البلوغ .. وقال آخرون: بل المقصود: ((أهذا ربِّي؟)) استنكارًا
منه .. وقال آخرون: بل المراد من هذا مناظرة المشركين وإقامة الحجة العقلية
عليهم أن هذه المخلوقات لا تصلح للعبادة .. وهذا القول الأخير هو الصواب
عندي والذي قبله جيِّد .. والذي اختاره الكثير من الأئمة .. وأنكرُ الأقوال
وأبعدها عن الصواب هو الأول؛ فإبراهيم ظلِّ لم يكن في يوم من الأيام مشركًا
كما قال تعالى عنه: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ .. وأبعد من هذا كله أن البعض
قال: إن قائل جملة: ﴿هَذَا رَبٍِّ﴾ هو آزر، فردّ عليه إبراهيمَلِّلُ ﴿لَآَ أُحِبُّ
=
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٤٠٦
صلاح الأمة في علو الهمة
؟ فَلَمَّا رَءَا
٧٧
رَبِيِّ فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَيْنِ لَّمْ يَهْدِنِ رَبِّ لَأَكُونَ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ
الشَّمْسَ بَازِغَةٌ قَالَ هَذَا رَبِى هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّ أَفَلَتْ قَالَ يَقَوْمِ إِنِّى بَرِىٌّ مِّمَّا
تُشْرِكُونَ (٥) إِّ وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا
[الأنعام].
٧٩
أَنْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
لقد وقف إبراهيم عليَّ، مع قومه -كغيره من الأنبياء - موقف
الناصح الأمين المشفق عليهم من عذاب ربهم العظيم، وحاول معهم بكل
السبلِ ليجرهم بعيدًا عن نيران الجحيم، وكانت المناظرات العقلية -التي
تقر وتعترف بها العقول السليمة - من أهم أساليب دعوته المباركة.
ففي هذه الآيات أراد ◌َلِّلا إقناع عباد الكواكب أنها لا تصلح
للألوهية لأنها جميعًا تتفق في الغياب عن الأنظار، وبعضها يتناقص مع
مرور الأيام حتى يختفي بالكلية، فكيف لمثل هذه المخلوقات الناقصة ذات
المنافع المحدودة أن تُعْبَد من دون فاطرها وخالقها؟! بل إن ثبوتها على
منهج واحد وتحركها في مسار محدد يمنع كونها آلهة تعبد، بل يدل هذا على
أن هناك من يسيرها ويوجهها ويأمرها ألا تخالف النهج الذي اختطه
لها (١).
كل هذا من باب الدعوة إلى الله تعالى بالتفكر في مصنوعاته،
والاستدلال بها على أعظم علم وهو العلم بالخالق تبارك وتعالى.
اُلْأَفِلِينَ ﴾ .. وهذا تكلّف ظاهر.
(١) انظر: ((تفسير الطبري)) (٣٤٧/٩)، ((تفسير القرطبي)) (٢٥/٧)، ((بدائع التفسير)»
(١٥١/٢)، ((تفسير ابن كثير)) (٩٣/٦)، ((الدر المنثور)) (١٠١/٦)، ((محاسن
التأويل)) (٣٤٧/٣)، ((في ظلال القرآن)) (١١٣٧/٢)، ((تيسير الكريم الرحمن))
(٤٨٦/١)، ((الملل والنحل)) للشهر ستاني.
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٤٠٧
علو الهمة في التفكر
ثانيًا: دعوة الحبيب محمد ◌َّ مع قومه:
• عن أبي رَزين الشّه قال: قلتُ: يا رسولَ الله، كيف يُحيي اللهُ المَوتَى؟
فقال: ((أمَا مَرَرَتَ بالوادي تُمُحِلًا (١)، ثُم ◌َمُ (٢) به خَضِرًا؟)) قلتُ: بلى.
قال: ((كذلك يُحبي اللهُ الموتى)).
• وفي روايةٍ أخرى عنه فقالله: أتيتُ رسولَ الله وَله، فقلتُ: يا رسولَ
الله، كيف يُحيي اللهُ الموتى؟ قال: ((أمَا مررتَ بأرضٍ من أرضك مُجدِيةٍ، ثُم
مررتَ بِها مُخُصِبةً؟)) قلت: نعم. قال: ((كذلك النُّشور))(٣).
• ومن روائع ألوان دعوةِ الرَّسُولِ وَّ للمُخالفين له أنه كان يدُهّم
على الإيمان بربهم من خلال التأمل في الآيات الكونية فإنه لما جاءَ رسولَ
اللهِ وَلَهَ رجلٌ، فقال له: تدعونِي إِلَى جَّةٍ عرضُها السماواتُ والأرضُ
(١) ممحلا: أي مُجدِبًا.
(٢) أي: مررت. وهذا تعبير عربي صحيح، أن يأتي فعل ماض، ثم يعطف عليه
بفعل مضارع، ويكون المضارع في معنى الماضي .. وانظر هذا في النحو الوافي
للعلامة النحوي البارع عباس حسن نَحَمّتْهُ.
(٣) حسن: رواه أحمد والطبراني .. وحسنه العلامة الألباني في ((صحيح الجامع)) رقم
(١٣٣٤) .. وللحديث بقية، وهي: ((قلت: يا رسولَ الله، وما الإيمان؟ قال: أن
تشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، وأن یکون
الله ورسوله أحب إليك مما سواهما، وأن تحرق بالنار أحب إليك من أن تشرك
بالله، وأن تُحبَّ غيرَ ذي نسبٍ لا تحبُّه إلا الله وَّ، فإذا كنتَ كذلك فقد دخل
حبُّ الإيمان في قلبك كما دخل حبُّ الماء للظمآن في اليوم القائظ. قلت: يا
رسول الله كيف لي بأن أعلم أني مؤمن؟ قال: ((ما من أمتي عبد يعمل حسنة،
فيعلم أنها حسنة، وأن الله وََّ جازيه بها خيرًا، ولا يعمل سيئة، فيعلم أنها سيئة،
واستغفر الله وَ منها، ويعلم أنه لا يغفر إلا هو، إلا وهو مؤمن)).
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٤٠٨
صلاح الأمة في علو الهمة
أُعِدَّت للمُتَّقين، فأين النَّارُ؟ فقال رسولُ الله: ((سبحانَ الله! أين الليلُ إذا
جاء النَّهار؟ !.. )) الحديث (١).
كي والأمثلة بلا ريب كثيرة وفيرة .. والمقصود منها أن نعلم أن التفكر
والتأمل في آيات الكون البديع من أنفع وأقرب وسائل الدعوة إلى الله
تعالى، ولا سيما أنها تعتمد على البدهيات العقلية التي لا ينكرها العقل
السلیم أيًّا كانت نحلة صاحبه ومذهبه.
وبهذا السبيل المضمون يمكننا جميعًا أن ندعو الكفار إلى الإسلام،
ونتدرج معهم في بيان أحقية إله العالمين وحده بالعبادة دون كل من وماء
سواه الي وتقدست أسماؤه (٢).
علوهمة الرسول ◌َ# في التفكر:
• عن عطاءٍ قال: دخلتُ أنا وعُبَيدُ بنُ عُمير على عائشة منها، فقالت:
لِعُبيدٍ: قد آنَ لك أن تزورَنا! فقال: أقولُ -يا أُمَّه - كما قال الأول: «زُرْ غِبًّا
تَزْدَدْ حُبًّا)) (٣).
فقالت: ((دَعُونا من رَطَانَتِكُم هذه)) (٤).
(١) صحيح: رواه أحمد.
(٢) انظر ((الكلمات القيمة)) للشيخ الدكتور عمر الأشقر في ردّه على شبهة القائلين:
كيف ندعو بالقرآن من لا يؤمن بالقرآن في كتابه القيم ((العقيدة في الله)).
(٣) معنى: ((زُرْ غِبًّا تَزْدَدْ حُبًّا))، أي: زُرْ بين يومٍ وآخَرَ يزددْ حُبُّ صاحبِك لك .. ولا
تَزُرْه كلَّ يومٍ فيملَّ ويسأمَ. وأودُ التنبيهَ علىَ أن هذا الكلامَ جاء من حديث النبي
(وَّ، رواه الطبراني والبزار، وهو حديث حسنٌ بطرُقه وشواهده .. انظر ((صحيح
الجامع)).
(٤) أي: من تبريراتكم هذه.
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٤٠٩
علو الهمة في التفكر
فقال ابنُ عُميرٍ: أخبرِينا بأعجبِ شيءٍ رأيتِهِ من رسولِ الله وَله،
فسكتت، ثُم قالت ﴿يشبعها: لمَّا كان ليلةٌ من الليالي قال: ((يا عائشةُ، ذَرِينِي
أَتَعَبَّدُ الليلةَ لربِ)). فقلتُ: والله إنِّي لأُحِبُّ قُربَك، وأُحِبُّ ما يَسُّكَ ..
فقام، فتطهّرَ، ثُم قام يُصلِّ؛ فلم يزل يَبكي حتَّى بَلَّ حِجْرَه؛ ثُم بكى، فلم
يزل يَيكِي حَتَّى بلَّ لحيته؛ ثُم بكى، فلم يزل يَبكي حتَّى بلَّ الأرضَ، فجاء
بلالٌ يُؤذِنُه بالصلاة، فلما رآه يبكي قال: يا رسولَ الله، لِمَ تَبكِي وقد غَفر
اللهُ لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخّر؟! قال: ((أفلا أكونُ عبدًا شكورًا؟!
لقد نَزلت عليَّ الليلةَ آيَةٌ، ويلٌ لَن قرأها ولم يتفكّرْ فيها: ﴿ إِنَّ فِ خَلْقِ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَيَاتٍ لِأُوْلِ الْأَلْبَبِ
#1 [آل
١٩٠)
عمران]))(١).
(١)
■ وقد قيل للإمام الأوزاعي عن هذه الآيات: ((ما غاية التفكّر فيهن؟
فقال: يقرؤهن وهو يعقلهن))(٢).
■ وثبت أن رسول الله ﴾﴾ كان يذهب إلى حراء فیتحنث فیه الليالي
ذوات العدد)). هذا قبل بعثته وَلـ
■ وثبت عنه القر أنه ((كان كثير النظر إلى السماء)»(٣).
• وقال رسول الله ﴾﴾﴾: ((لا تتفگّروا في ذات الله، وتفگّروا في خلق
الله»(٤)
(١) صحيح: رواه ابن حبان (٣٨٦/٢).
(٢) ((تفسير ابن كثير)) (٣٠٥/٣)، و((الدر المنثور)) (١٨٢/٤).
(٣) جزء من حديث رواه مسلم.
(٤) حسن: رواه ابن أبي حاتم وأبو الشيخ، وحسنه الألباني في ((الصحيحة)) .. وقال
العلامة القاسمي في ((محاسن التأويل)) (١٩٣/٢) - ط: ((التاريخ العربي)): له
=
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٤١٠
صلاح الأمة في علو الهمة
وهاكم طائفةً من أقوال السَّلف الصالح:
■ عن مُحمَّد بنٍ واسعٍ: «أن رجلاً من أهل البَصرة ركِب إلى أمِّ ذر -
بعدما ماتَ أبو ذرِّ-، فسألها عن عبادةٍ أبي ذرٍّ .. فقالت: كان نَهارَه أجْمعَ فِي
ناحیة البیت یتفگٌّ)).
■ وعن عَونِ بن عبد الله بن عُتبة قال: ((سألتُ أمَّ الدرداء. ما كان
أفضلَ عمل أبي الدَّرداء؟ قالت: التفكّرُ والاعتبار)).
. ■ وعن الحسنِ قال: ((تفكُّرُ ساعةٍ خيرٌ من قيامٍ ليلةٍ))(١).
■ وقال أيضًا: ((مَن لَم يكن كلامُه حِكمةً فهو لَغوٌ .. ومَن لم يكن
سكوتُه فِكرًا فهو سَهوٌ .. ومَن لم يكن نَظرُه اعتبارًا فهو لَوٌ)).
■ وقال بعضُ السَّلف: ((كُونوا في الدنيا أضيافًا، وانَّخِذُوا المساجدَ
بُيُوتًا، وعوِّدوا قلوبَكُمُ الرِّقَّة، وأكثروا التفكُّرَ والبكاء، ولا تَختلفَنَّ بكمُ
الأهواء .. تَبنُون ما لا تَسكنون! وَجمَعون ما لا تأكلون! وتأمَلون ما لا
تُدرِکون !! )).
وعن الفُضيل قال: ((الفِكرةُ مرآةٌ تُریك حَسناتِك وسيِّئاتك)».
■ وكان لُقمانُ يُطيلُ الجلوسَ بِمفرده، فقيل له: ((إنك تُكثِرُ الجلوس
وحدَك! فلو جالستَ الناسَ كان آنْسَ لك .. فقال: إنَّ طُولَ الوِحدةِ أفهمُ
للفِكر، وطولَ الفِكرِ طريقٌ مِن طُرقِ الجَنَّة)).
شواهد كثيرة .. والحديث ضعفه العلامة شعيب الأرنؤوط في ((تحقيق الآداب
الشرعية)) للإمام ابن مفلح وورد موقوفًا على ابن عباس كما في (الدر المنثور))
(٤ / ١٨٠، ١٨١).
(١) «الحلية)) (٢٧١/٦).
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٠

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٤١١
علو الهمة في التفكر
■ وقال وهبُ بنُ مُنيَّةٍ: «ما طالت فكرةُ امرئٍ قطَّ إلَّا عَلِمٍ .. وما عَلِم
امرؤٌ قطُّ إلَّا عَمِل)).
■ وقال عمر بن عبد العزيز: ((الكلام بذكر الله حسن، والفكرة في نعم
الله وَ أفضل العبادة))(١).
■ وقال أيضًا: ((اعلم أن التفكر يدعو إلى الخير والعمل به، والندم على
الشر يدعو إلی تر که)) . .
■ وعن بكر بن خنيس قال: قلت لسعيد بن المسيب -وقد رأيت
أقوامًا يصلون ويتعبدون -: ((يا أبا محمد، ألا تتعبد مع هؤلاء القوم؟ فقال
لي: يا ابن أخي، إنها ليست بعبادة. قلت له: فما التعبد يا أبا محمد؟ قال:
التفكر في أمر الله، والورع عن محارم الله، وأداء فرائض الله تعالى)).
■ وقال صالِحُ بن مُحمَّد الليثي: ((كان فتيةٌ من بني ليثٍ يختلفون إلَى
مسجد رسول الله وَّله، يصومُون، ويقومُون بين الظهر والعصر، فقلت
لسعيدٍ بن المسيَّب: يا أبا مُحُمَّد، ما يَمنعُنا أن نفعلَ كما يفعلُ هؤلاءِ
الليثُّون؟ فقال: اسكت، فإن عبادةَ الله ليست بالصوم ولا بالصلاة،
ولكن بالفقه في دينه، والتفكّرِ فِي أمره))(٢).
■ وعن كعب قال: ((من أراد أن يبلغ شرف الآخرة، فليكثر التفكر
يكن عالمًا)).
· وقال عبد الله بن المبارك يومًا لسهل بن علي -وقد رآه صامتًا
متفكرًا -: ((أين بلغت؟ فقال: الصراط)).
(١) («الحلية)) (٣١٤/٥).
(٢) ((الفقيه والمتفقه)) للخطيب البغدادي (١١٨/١).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٤١٢
صلاح الأمة في علو الهمة
■ وقال بشر: ((لو تفكر الناس في عظمة الله تعالى ما عصوه قط)).
■ وعن ابن عباس النضها قال: ((ركعتان مقتصدتان في تفكر خير من
قيام ليلة والقلب ساٍ)).
■ وبينما أبو شريح يمشي يومًا إذ جلس، ثم بكى بكاءً شديداً .. فقيل
له: ما يبكيك؟ فقال: ((تَفكّرت في ذهاب عمري، وقلة عملي، واقتراب
أجلي)).
■ وقال أبو سليمان: ((عودوا أعينكم البكاء، وقلوبكم التفكر))(١).
٠
■ وعن أبي عاصم بن يزيد قال: ((ربما كان يأخذ سفيان في التفكر،
فينظر إليهِ الناظرُ، فيقول: مَجنون)).
■ وعن سفيان بن عيينة قال: ((التفكر مفتاح الرحمة، ألا ترى أنه
یتفکر فیتوب)).
■ وعنه أنه كان يتمثَّل:
إذا المرء كانت له فكرة
ففي كل شيء له عبرة (٢)
■ عن مغیث قال: ((بینما رجل -ممن كان قبلكم- یسیر وحده، إذ
تفكر فيما سلف من ذنوبه -وكان يعمل بالمعاصي-، فقال: اللهم
غفرانك .. فأدركه الموت على تلك الحال، فغفر له)).
وعن يوسف بن سعيد بن مسلم قال: «قلت لعلي بن بكار: کان
إبراهيم بن أدهم كثير الصلاة؟ قال: لا؛ ولكنه صاحبُ تفكر يجلس ليله
یتفکر)).
(١) («الحلية)) (٢٧٤/٩).
(٢) ((الحلية)) (٣٠٦/٧).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٤١٣
علو الهمة في التفكر
وجاء في بعض الكتب السابقة: ((وعلى العاقل أن تكون له ساعات:
ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يتفكر فيها في
صنع الله، وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب)).
■ «وقيل لإبراهيم بن أدهم: ((إن تطيل الفكرة! فقال: الفكرة مخ
العقل)).
■ وقال الحسن: ((طول الوحدة أتم للفكرة، وطول الفكرة دليل على
طريق الجنة)).
■ وقال وهبّ: «ما طالت فكرة أحد قط إلَّا علم، وما علم امرؤٌ قط
إلَّا عمل)».
■ وقال أبو سليمان: ((الفكر في الدنيا حجاب عن الآخرة، وعقوبة
لأهل الولاية؛ والفكرة في الآخرة تورث الحكمة وتحيي القلوب)).
■ وقال ابن عباس ﴿إنضا: ((التفكر في الخير يدعو إلى العلم به)).
■ وقال الحسن: ((إن أهل العلم لم يزالوا يعودون بالذكر على الفكر،
والفكر على الذكر، ويناطقون القلوب حتَّى نطقت بالحكمة)).
■ وقال الشافعي نَحمّلهُ: ((استعينوا على الكلام بالصمت، وعلى
الاستنباط بالفكرة)».
قال الإمام ابن القيم معلقًا: ((وهذا لأن الفكرة عمل القلب،
والعبادة عمل الجوارح، والقلب أشرف من الجوارح، فكان عمله أشرف
من عمل الجوارح)).
وأيضًا فالتفكر يوقع صاحبه من الإيمان على ما لا يوقعه العمل
المجرد؛ فإن التفكر يوجب له من انكشاف حقائق الأمور وظهورها له،
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٤١٤
صلاح الأمة في علو الهمة
وتميز مراتبها في الخير والشر، ومعرفة مفضولها من فاضلها، وأقبحها من
قبيحها، ومعرفة أسبابها الموصلة إليها، وما يقاوم تلك الأسباب ويدفع
موجبها، والتمييز بين ما ينبغي السعي في تحصيله وبين ما ينبغي السعي في
دفع أسبابه والفرق بين الوهم والخيال المانع لأكثر النفوس من انتهاز
الفرص بعد إمكانها وبين السبب المانع حقيقة، فيشتغل به دون الأول.
فما قطع العبد عن كماله وفلاحه وسعادته العاجلة والآجلة قاطع
أعظم من الوهم الغالب على النفس والخيال الذي هو مركبها سبل
بحرها- الذي لا تنفك سابحة فيه، وإنما يقطع هذا العارض بفكرة
صحيحة وعزم صادق يميز به بين الوهم والحقيقة))(١).
■ وقال الإمام ابن الجوزي حمّلهُ: ((همة المؤمن متعلقة بالآخرة، فكل
ما في الدنيا يحر كه إلى ذكر الآخرة، و کل من شغله شيء فهمته شغله.
ألا ترى أنه لو دخل أرباب الصنائع إلى دار معمورة رأيت البزاز ينظر
إلى الفرش، ويحرز قيمته، والنجار ينظر إلى السقف، والبناء إلى الحيطان،
والحائك إلى النسيج المخيط !.
والمؤمن إذا رأى ظلمة ذكر ظلمة القبر (٢)، وإن رأى مؤلمًا ذكر
(١) ((مفتاح دار السعادة)) (٥٣٨/١ - ٥٤٠).
(٢) كما ورد عن الإمام الجبل عبد الله بن المبارك أنه كان مع بعض أصحابه يومًا،
فانطفأ السراج، فخرج أحدهم ليحضر سراجًا آخر، فلمًا جيء بالمصباح وجدوا
عينيه تذرفان الدموع .. وذلك لأنه تذكر ظلمة القبر .. انظر: مقدمة ((الزهد
والرقائق) للإمام ابن المبارك (١٥ - ط: دار العقيدة)، بتحقيق الشيخ الحبيب
أحمد فرید.
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٤١٥
علو الهمة في التفكر
العقاب (١)، وإن سمع صوتًا فظيعًا ذكر نفخة الصور، وإن رأى الناس
نيامًا ذكر الموتَى في القبور، وإن رأى لذة ذكر الجنة، فهمته متعلقة بما ثم،
وذلك یشغله عن کل ما تم.
وأعظم ما عنده أنه يتخايل دوام البقاء في الجنة، وأن بقاءه لا ينقطع
ولا يزال ولا يعتريه منغص، فيكاد إذا تخايل نفسه متقلبًا في تلك اللذات
الدائمة التي لا تفنى يطيش فرحًا، ويسهل عليه ما في الطريق إليها من ألم
ومرض وابتلاء وفقد محبوب وهجوم الموت ومعالجة غصصه؛ فإن
المشتاق إلى الكعبة يهون عليه رمل زرود، والتائق إلى العافية لا يبالي بمرارة
الدواء، ويعلم أن جودة الثمر، ثم على مقدار جودة البذر هاهنا .. فهو
يتخير الأجود ويغتنم الزرع في تشرين العمر من غير فتور، ثم يتخيل
المؤمن دخول النار والعقوبة، فيتنغص عيشه ويقوى قلقه .. فعنده بالحالين
شغل عن الدنيا وما فيها .. فقلبه هائم في بيداء الشوق تارة، وفي صحراء
الخوف أخری، فما یری البنيان.
فإذا نازله الموت قوي ظنه بالسلامة، ورجا لنفسه النجاة، فيهون عليه.
فإذا نزل إلى القبر وجاءه من يسألونه قال بعضهم لبعض: دعوه، فما
استراح إلَّا الساعة.
نسأل الله وَّ يقظة تامة تحركنا إلى طلب الفضائل، وتمنعنا من اختيار
الرذائل؛ فإنَّه إن وفِّق، وإلَّا، فلا نافع)) انتهى (٢).
(١) كما يحكي عن طاووس رَحَمّهُ أنه كان إذا مر برجل يشوي رؤوس الأغنام كان
يغشى عليه ولا يقدر أن يتعشئ هذا اليوم .. وما ذاك إلا لأنه تذكر أهل النار
حين تشوى رؤوسهم في نار الجحيم عياذًا بالرب الرحيم.
(٢) ((صيد الخاطر)) لابن الجوزي (ص ٦٤٤، ٦٤٥) ط. ابن خزيمة.
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٤١٦
صلاح الأمة في علو الهمة
■ وقال أبو سليمان الداراني: ((إني لأخرج من منزلي فما يقع بصري على
شيءٍ، إلّا رأيت لله فيه علي نعمة، وليس فيه عبرة)).
■ وقال سفيان بن عيينة: ((الفكرة نور يدخل القلب)).
■ وقال عيسى: ((طوبَى لمن كان قِيلُه تذكرًا، وصمته تفكرًا، ونظره
عبرًا)).
■ وقال لقمان: ((إن طول الوحدة ألهم للفكرة، وطول الفكرة دليل
على طريق أبواب الجنة)).
■ وقال مغيث بن الأسود: ((زوروا القبور تفكركم، وشاهدوا الموقف
بقلوبكم، وانظروا إلى المنصرف بالفريقين، إلى الجنة أو النار، وأشعروا
قلوبكم وأبدانكم ذكر النار ومقامعها وأطباقها .. وكان يبكي عند ذلك
حتى يرفع صريعًا من بين أصحابه قد ذهب عقله)).
■ وقال بعض الحكماء: ((من نظر إلى الدنيا بغير العبرة، انطمس من
بصر قلبه بقدر تلك الغفلة)).
■ وقال غير واحد من الصحابة : ((إن ضياء الإيمان التفكر)).
■ وقال عيسى: ((يا ابن آدم الضعيف، اتق الله حيثما كنت، وکن في
الدنيا ضيفًا، واتخذ المسجد بيتًا، وعلم عينيك البكاء، وجسدك الصبر،
وقلبك الفکر، ولا تهتم برزق غد)).
■ وقال الشاعر:
لذة المؤمن العبر
نزهة المؤمن الفكر
نَحن كل على خطر
نَحمد اللهَ وحده
ق المنَى مونق الزهر
رب عیش قد کان فو
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٤١٧
علو الهمة في التفكر
ن وظل من الشجر
في خرير من العيو
ت وطيب من الثمر
وسرور من النبا
وسرعة الدهر بالغير
غيرته وأهله
إن في ذا لمعتبر
نَحمد اللهَ وحده
للبيت إن اعتبر (١)
إن في ذا لعبرة
■ وعاتبت امرأة صهيب الرومي خلاله زوجها في كثرة السهر، فقال
لها: ((إن صهيبًا إذا ذكر الجنة طال شوقه، وإذا ذكر النار طار نومه))(٢).
■ وقال قتادة: ((من تفكر في خلق نفسه علم أنه إنما خلق ولينت
مفاصله للعبادة))(٣).
■ وقال بعض الحكماء: ((أحي قلبك بالمواعظ، ونوره بالفكر، وموته
بالزهد وقوّه باليقين، وذلاه بالموت، وقرره بالفناء، وبصره فجائع الدنيا،
وحذره صولة الدهر وفحش تقلب الأيام، واعرض عليك أخبار
الماضين، وذكره ما أصاب من كان قبله، وسر في ديارهم وآثارهم وانظر
ما فعلوا، وأين حلوا، وعم انقلبوا)).
■ وقال الشاعر:
نادى به الناعيان: الشَّيب والكِبِرُ
یا من یصیخ إلَی داعي الشقاء وقد
في رأسك الواعيان: السمعُ والبصرُ؟
إن کنت لا تسمعُ الذکری فقیم تری
(١) ((تفسير ابن كثير)) (٢٩٥/٣) ط- أولاد الشيخ.
(٢) ((تفسير ابن كثير)) (١١٦/٦).
(٣) المصدر السابق (٢١٦/١٣).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٤١٨
صلاح الأمة في علو الهمة
لم يهده الهاديان: العينُ والأثرُ
لیس الأصمُّ ولا الأعمى سوى رجلٍ
أعلى ولا النيِرّان الشمسُ والقمرُ
لا الدهرُ يبقى ولا الدنيا ولا الفَلَكُ الـ
ليَرَحلنَّ عن الدنيا وإِن كَرِهَا
لله در سلفنا الصالح:
فراقها الثاويان: البيدُ والحَضَرُ (١)
كع لقد اعتنى سلفنا الصالح بعبادة التفكر عناية عظيمة، وخصت بها
بعض المؤلفات النفيسة، وكل هذا يدل على معرفة هؤلاء الأفاضل بقيمة
هذه العبادة في التعلق بالرب العظيم وحبه والاستقامة على دربه .. ولنأخذ
بعض الأقوال والأحوال من سيرتهم العطرة:
■فها هو الإمامُ مالكٌ رَمّتْهُ يُسألُ عن أدلّةِ وجودِ الله تعالَى، فيَستدلّ
على ذلك باختلافِ النَّغمات واللُّغات والأصوات.
■ والإمامُ أبو حنيفةَ زَّلَهُ جاءه بعضُ الَّنادقة، وسألوه عن دلیل
يَدُهُّم على وجودِ الربِّ العظيم .. فقال لَم: ((دعوني الآن، فإنّ أُفكِّرُ في أمَرِ
مُحُيِّ. فقالوا له: وما هو؟ قال: أخبروني أن هناك سفينةً في البحر مُحمَّلةً
بأنواع البضائع، وليس فيها أحدٌ يَجِرُسُها ولا يقودُها، وهي مع ذلك
تذهبُ وَّجيءُ وتسيرُ بنفسها وتَخترقُ الأمواجَ العظامَ حتَّى تتخلّصَ منها،
ثُم تضعُ بضائعها بنفسها في البلاد.
فقالوا له مُندهِشِين: هذا لا يُمكنُ أن يَحدث، ولا يقولُه عاقلٌ !!.
فقال لهم: ويحكم !! فهذه الموجوداتُ بِما فيها من العالَمَ العُلويِّ
والسُّفليِّ وما اشتملت عليه من الأشياء المُحكمة، أليس لهَا صانعٌ؟ !!.
(١) (تفسير ابن كثير)) (٧٩/١٠، ٨٠).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٤١٩
علو الهمة في التفكر
فتابُوا جميعًا، واسلموا على يديه.
■ والإمام الشافعي نَعمّهُ، سُئل عن دليل على وجود الله تعالَى، فقال:
(«هذه ورقةُ توتٍ، تأكلُهُ الدُّودُ فَيَخرجُ منها الحرير، وتأكلُه النَّحلُ فيخرِجُ
منها العسلُ، وتأكلُهُ الشَّاءُ والبَقرُ والأنعام فيَخرِجُ منها البَعرْ والرَّوَثُ،
وتأكلُه الظِّبَاءُ فَيَخرجُ منها المِسِكُ .. كلّ هذا والتُّوتُ شيءٌ واحد !!.
■ والإمامُ أحْمَدُ رَمَّهُ سُئل عن نفسِ الشيء، فقال: لدينا حِصنٌ
حصينٌ أملسُ، ليس له بابٌ ولا مَنفذٌ ظاهر، وهو كالفِضَّةِ بياضًا، وباطنُه
منَ الداخل كالذَّهب الخالص .. وبينما هو كذلك إذِ انشقَّ جِدَارُه، فخرج
منه حيوانٌ سَميعٌ بصيرٌ ذو شكلٍ حسن وصوتٍ مليح.
ويقصدُ الإمامُ بِهِذا كلِّه: البيضةَ والطائر.
■ وسُئل أحدُ الأعراب عن دليل على وجودِ الله تعالَى، فقال: سبحان
الله !! سَمَاءُ ذاتُ أبراج، وأرضٌ ذاتُ فِجاج، وبِحَارٌ ذاتُ أمواج .. ألَا يدلُّ
ذلك على وجودِ اللطيف الخبير؟ !!.
إلى غير ذلك من الأخبار التي تُبيِّنُ أن أهل الإيمانِ کانوا یَسلکون في
دعوتهم ومناظرة غيرهم مسلك التفكّر في آيات الله وعَ))(١).
تفكّر يؤدي إلى المعاينة واليقين:
■عن جعفر بن سليمان قال: سمعت خليفة العبدي يقول: «لو أن الله
لم يُعبد إلّا عن رؤية ما عبده أحد؛ ولكن المؤمنون تفكّروا في مجئ هذا
الليل إذا جاء، فملأ كل شيءٍ، وغطّى كل شيءٍ، وفي مجئ سلطان النهار إذا
جاء، فمحا سلطان الليل؛ وفي السحاب المسخّر بين السماء والأرض، وفي
(١) انظر ((معارج القبول)) للشيخ حافظ حكمي (١٣٥/١) ط: دار ابن الجوزي.
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://web lessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٤٢٠
صلاح الأمة في علو الهمة
النجوم، وفي الشتاء، وفي الصيف؛ والله ما زال المؤمنون يتفكّرون فيما
خلق ربهم، حتى أيقنت قلوبهم بربهم؛ وحتى كأنما عبدوا الله تعالى عن
رویة»(١).
■ كان عتبة الغلام يستقبل القبلة فلا يزال في فكرٍ وبكاءٍ حتى يُصبح.
علوهمّة سفيان الثوري في التفكر:
عن يوسف بن أسباط قال: ((كان سفيان من شدَّة تفكُّره يبول
دمًا))(٢).
■ وعن يوسف بن أسباط قال: ((قال لي سفيان الثوري -وأنا وهو في
المسجد -: يا يوسف، ناولني المطهرة أتوضَّأ؛ فناولته، فأخذها بيمينه،
ووضع يساره على خدِّه، ونمت؛ فاستيقظت، وقد طلع الفجر، فنظرت
إليه، فإذا المطهرة في يده على حالها؛ فقلت: يا أبا عبد الله، قط طلع الفجر؛
قال: لم أزل منذ ناولتني المطهرة أتفكّرُ في الآخرة إلى هذه الساعة))(٣).
■ وعن أبي عاصم بن يزيد قال: ((ربما كان سفيان يأخذ في التفكّر،
فينظر إليه الناظر، فيقول: مجنون))(٤).
■ عن سلام قال: ((أتى الحسن بكوز من ماء ليفطر عليه، فلما أدناه إلى
فيه بكى؛ وقال: ذكرت أمنية أهل النار وقولهم: ﴿﴿ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيَّنَا مِنَ
[الأعراف:
اَلْمَاءِ ﴾ وذكرت ما أُجيبوا: ﴿ إِنَّ اللّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَفِرِينَ
٥٠]»(٥).
(١) ((حلية الأولياء)) (٣٠٣/٦).
(٢) ((حلية الأولياء)) (٢٣/٧).
(٣) المصدر السابق (٥٣/٧).
(٤) ((الحلية)) (٦/ ٣٩٢).
(٥) المصدر السابق (١٨٩/٦).
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/