Indexed OCR Text
Pages 121-140
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ١٢١ علو الهمة في طلب العلم العلماء في الديار السعودية غيرَ منازَع، الشيخ محمد بن الشيخ إبراهيم بن الشيخ عبد اللطيف بن الشيخ عبد الرحمن بن الشيخ حسن بن إمام الدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله تعالى))(١). وُلِد في مدينة الرياض سنة ١٣١١هـ، ونشأ في بيت عريقٍ بالعلم والفضل، تحت كنف والده العلامة الشيخ إبراهيم بن عبد اللطيف علامة المعقول والمنقول. أتمَّ حفظ القرآن وهو في التاسعة من عمره، وشرع في قراءة العلم على والده، فقرأ عليه مختصرات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ومبادئ النحو، وعلم الفرائض، وكان والده يُتقِن هذا العِلم إتقانًا تامًّا لمزاولته منصب القضاء في الرياض. وأصيب بفقد بصره من رمد نزل به وهو في السادسة عشرة من عمره. وقرأ على عمِّه الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف والشيخ سعد بن عتيق، وكان هذان الشيخان من كبار شيوخه، وقد تأثر بهما في العلم والفضل والورع والتقوى والخدمة العامة للمسلمين والدعوة إلى الله تعالى. م قرأ على عمه الشيخ الجليل عبد الله بن عبد اللطيف (كتاب التوحيد)) للشيخ محمد بن عبد الوهاب، ثم كتاب ((العقيدة الواسطية)) و((الحموية)) للشيخ ابن تيمية، كما قرأ عليه الفقه، والحديث وعلومه، والتفسير وأصولَ التفسير، وغيرها من العلوم. ووجد الشيخ محمد بن إبراهيم طلبته عند شيخه الثاني العَالِ الثَّبْت، (١) (تراجم ستة من فقهاء العالم الإسلامي في القرن الرابع عشر وآثارهم الفقهية)) لعبد الفتاح أبو غدة (ص ٢٥٥، ٢٥٦)- مكتبة المطبوعات الإسلامية بحلب. تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ١٢٢ صلاح الأمة في علو الهمة والمحقق الفقيه الأصولي، المفسّر المحدِّث، المتفنّن النحوي الشيخ سعد بن . عتيق عالي الهمة فلازمه الشيخ محمد أتم الملازمة، وله منه إجازة في الحديث الشريف وما تلقاه عنه من العلوم. ومن بعد وفاة شيخيْه غدا شيخ الديار السعودية على الإطلاق. ■ وكان الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف قُبيل وفاته أوصى الملك عبدالعزيز بابن أخيه الشيخ محمد بن إبراهيم خيرًا، وأعلمه بكفاءته العلمية والشخصية، وأنه خير من يصلح أن يكون خليفة عنه بعد مماته، في كل ما كان يقوم به من نشر العلم والدعوة إلى الله تعالى والإفتاء، وحلّ المشكلات العامة. ■ وكان الشيخ محمد بن إبراهيم يوم وفاة عمه يبلغ من العمر ٢٨ عامًا، فصار من هذه اللحظة مرجع الناس في الإفتاء، وإمامًا للناس في الفروض الخمسة في مسجد الشيخ، وشيخ العلم والتعليم فيه أيضًا، فكان يجلس لطلبة العلم من بعد صلاة الفجر حتى بعد صلاة العشاء، تَقرأ عليه الأفواجُ في جملة من العلوم الشرعية والعربية، وهو بين ظَهْرانيهم مَعِين لا يَنْضُب، ونَشاطٌ لا ينقطع، وعِلْم لا ينحسر، ودَأَبٌ عجيب دائم، لا يُغني هذا الكلامُ عن تصوره حقيقةً، ولذا سأدَعُ الحديثَ هنا لفضيلة الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف، إذ يقول في ترجمته في كتابه ((مشاهير علماء نجد))" وهو يتحدث عن طريقة تدريس الشيخ وأوقات جلوسه للتعليم والمستفيدين: ((كان الشيخ رحمه الله تعالى إذا صَلَّى الفجرَ، جَلَس في المسجد يقرأ . (١) ((مشاهير علماء نجد)) للشيخ عبد الله بن عبد اللطيف (ص ١٧٠). تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ١٢٣ علو الهمة في طلب العلم عليه صغارُ الطلبة في كتاب ((الآجرومية)) في النحو، وبعدَهم يقرأ عليه متوسطو الطلبة في كتاب ((القَطْر)) لابن هشام في النحو، وبعدَهم يقرأ عليه كبارُ الطلبة في ((ألفية ابن مالك)) وشرح ابن عقيل عليها في النحو أيضًا. فإذا انتهوا من قراءة النحو في ((الألفية)) وشرحِها، قرؤوا عليه في الفقه من متن ((زاد المستقنِعِ)) غَيْبًا، فإذا قرأ آخرُهم وسكتَ، أخذ الشيخُ في إعادة ما قرأوه من المتن من حِفظِهِ، وشَرَع يَتكلّم على العبارات، ويُوضِّحُ معاني الكلمات، فإذا انتهى شَرَع أحدُ الطلاب في قراءة شرح ((الزاد)) المسمى: ((الروض المربع شرح زاد المستقنع))، قراءةَ ترتيل، يقف عند كل فِقرة وجملة، والشيخ يُعلّق على عبارات الشارح وجُمَلِه، بكلام يُوضِح المعنى ويُزيل الإشكالَ، ويُصَوِّر المسائلَ تصويرًا ملموسًا، يُقَرِّب المعاني الفقهية إلى أذهان الطلبة، ويُقرِّرُ قواعدَها في نفوسهم. فإذا انتهى من تقريره على الفقه، شَرَعوا في القراءة عليه في ((بلوغ المرام))، فإذا أشارَتْ الساعةُ إلى الواحدة نهارًا- بالتوقيت الغروبي وذلك وقت الضحى انصرف إلى داره و جلس فيها. فإذا حانت الساعة الثالثة، جاءه كبارُ الطلبة وخواصُّهم، وقرأوا عليه إلى الساعة الخامسة قبيل الظهر، ثم انصرفوا، فإذا أَذَّن بالظهر خَرَج وصلى بالناس في المسجد، وجَاءَه أهلُ المطوّلات وقرؤوا عليه في مختلف الكتب، كـ ((جامع الترمذي))، و((صحيح البخاري))، و((زاد المعاد))، فإذا انتَهَوا قرأ عليه بعضُ الطلبة في المتون العلمية غيبًا، مثلُ ((كتاب التوحيد))، و((العقيدة الواسطية)). فإذا أُذِّن بالعصر خَرَج إلى داره وجدَّد الوضوء، ثم رَجَع وصَلَّى تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ١٢٤ صلاح الأمة في علو الهمة بالناس العصرَ، وجَلَس في المسجد يقرأ عليه أحدُ أعيان الطلبة في بعض الرُّدُود، فإذا انتهى قَرَأ عليه جملةٌ من الطلبة في مصطلح الحديث، فإذا انتَهَوا قرؤوا عليه في ((العقيدة الحَمَوية)) لشيخ الإسلام ابن تيمية، فإذا بَقِي إلى أذان المغرب مقدار نصف ساعة خرج إلى داره. فإذا أُذِّن بالمغرب جاء وصَلَّى بالناس، ثم جَلَس في المسجد للطلبة، يقرؤون عليه علمَ الفرائض والمواريث، فإذا حان أذان العشاء، قام من حلقة درس الفرائض إلى الصفِّ الأول في المسجد، وتنفّل بركعات، ثم أمر القارئَ فشَرَع يقرأ عليه في ((تفسير ابن كثير)) إلى الساعة الثانية والنصف، فيأمُرُ بإقامة صلاة العشاء، فإذا أُقيمت وصلّى بالناس تنفّل وأوتَر، وخَرَج إلى داره وهي قريبة من مسجده. وكان يرحمه الله تعالى لا يَدَعُ طالبَ العلم المبتدئ يقرأ عليه في الفقه والمطوَّلات، حتى يَقرأ عليه في مختصرات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، فإذا قرأها عليه عن ظهر قلبه، سَمَح له في القراءةِ عليه في مختصر ((الْمُقْنِعِ)) وغيره من كتب الفقه، وفي القراءة في ((بلوغ المرام)) وغيره من كتب أحاديث الأحكام وشروحِها، و(الروض المربع))، فكان يُربِّ الطلبةَ بصِغار العلوم قبل كبارها. وقد استَمَرَّ على هذا الترتيب في الدروس بهذه الصفة، إحدى وأربعين سنة، من عام ١٣٣٩ إلى عام ١٣٨٠، حيث تَرَك جميعَ الدروس ما عدا درس الفقه و((بلوغ المرام))(١)، فإنه لم يترك الجلوسَ لهما بعد صلاة الفجر، (١) لكثرة أشغالِهِ ومسؤوليّاتِه، حيث أسنُدِتْ إليه كبارُ الأعمالِ، ومَهامُّ الوظائفِ، وقد ذَكَر ترتيبَ أوقاتِه في السنواتِ الأخيرة تلميذُه الشيخُ عَبد الله بنُ سليمان = تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ١٢٥ علو الهمة في طلب العلم إلى أن حَبَسه المرضُ. فاقتَصَر على درس التفسير قبيل القيام إلى صلاة العشاء يُقرَأُ عليه في تفسير ابن جرير الطبري)). انتهى كلام الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف. ■ قال الشيخ عبد الفتاح أبو غدَّة: ((وهذه حِقْبةٌ كبيرة من الزمن في عمر الرجل العالم ٤١ عامًا: تعليمًا وتدريسًا وتفقيهًا وتحدیثًا، فلقد كان الشيخُ (أُمَةً) في جسد رجلٍ، وكان مسجده (جامعة) في قلب نجد، ملأتْ بلادَ نجد وغيرَها علمًا، وأنارتها بعلوم الشريعة، قبلَ أن تُبنَى مدارسُ التعليم والمعاهد والكليات والجماعات، التي هي أثر من آثار نهضة الشيخ العلمية رحمه الله تعالى وجزاه عن العلم والدين والإسلام خيرًا. وكانت علومُ الشيخ عيونًا صافيةً مُتدفّقة، أروَتْ الظماء، وأنشأَتْ العلماء، وأسَّسَ الشيخُ بجهودِه المخلصةِ لنهضةٍ علميةٍ گُثْری، فقد تخرجِ به أعدادٌ كبيرةٌ لا تُحصَى من العلماء والمُحصِّلين، وحسبك أن تعلم أن جُلّ أكابِر علماء المملكة اليومَ هم من تلاميذه. وهم الذين يَشْغَلُون أعلى المناصب العلمية والدينية، ويَملؤون مناصبَ القضاء والإفتاء والتدريس والوعظ والإرشاد والدعوة إلى الله تعالى. شَّانَ بين قُرِّی وبین رجالٍ يَبني الرجالَ وغيرُه يبني القُرَى المنيع في مقالِه الجامع عن حياة الشيخ محمد بن إبراهيم، المطبوع في ((مجلّة البحوث الإسلامية)) في العدد (١٨) (ص٢٢٣ - ٢٢٥)، وقال في نهاية كلامِه: ((وبهذا يتَّضحُ أنَّ سماحتَه نَمّلْهُ كان يَقضِي ما لا يَقِلُّ عن سبعَ عشرةَ ساعةٌ كلُّها في خدمة المسلمين، وبصفةٍ دائمةٍ ومُستَمرَّةٍ لا تقطَعُها إجازةٌ ولا يَحُول دون القيام بها أيُّ تعلُل من تعلُلات الآخرين، فرحمه الله رحمةً واسعةً، وأجزلَ له من الثوابِ والجزاءِ ما يُوهِّلُه لأعلىْ عِلَيْين». تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ١٢٦ صلاح الأمة في علو الهمة آثاره الباقية في إقامة مَناهِل العلم والدين: لم يكن يُقنِعُ الشيخَ رحمه الله تعالى ما رآه من كثرة الطلبة والعلماء حوله، فقد رَغِب أن يَعُمَّ هذا الازدهارُ العلمي الأطرافَ البعيدةَ والقريبة في المملكة، على وجه نِظامي مُوسَّع، ليدخل العلمُ إلى كل قرية وبلد، فرأى في عام ١٣٦٩ قبل نحو خمسين سنة: أن يُنشأ في مدينة الرياض (العاصمة) معهدٌ علمي نظامي، يكون تحت نظره وإشرافه، حتى يُتذَى به إنشاءُ أمثاله في بقية البلاد السعودية، وأبدى هذه الفكرةَ للملك عبدالعزيز، فرخَّب بها جدًا، وأمَرَ بإنشاء المعهد، وجَعَلَ لطلابه مكافئاتٍ سخیةً تشجيعًا للإقبال عليه. وتَمَّ افتتاح المعهد العلمي بالرياض في سنة ١٣٧١، تحت نظر الشيخ وإشرافه، وأسند الشيخ إدارته إلى شقيقه فضيلة الشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم رحمه الله تعالى، واختار للتدريس فيه أساتذةً من أفاضل علماء هذه الديار ومن الأقطار العربية الأخرى، واختار من طلبته في المسجد آنذاك عددًا وفيرًا، ألحقهم بالسنة الثالثة من المعهد، نظرًا لقراءتهم وتحصيلهم السابق عليه. وقبل أن يَتِم تخرُّج الفوج الأول من طلاب هذا المعهد العتيد، توجه نظرُ الشيخ إلى إنشاء كلية للشريعة في الرياض، ليستكمل فيها الطلبةُ ءُ تحصيلَهم العالي، فأنشئت كليةُ الشريعة في عام ١٣٧٣ تحت إشرافه أيضًا، واستَقْبَلتْ خريجي المعهد العلمي، وكانوا طلائعَ الخير للأفواج المتلاحِقة المتزايدة بعدهم. ولما ظَهَرتْ النتائجُ الحسنةُ التي أَثْمَرها افتتاحُ معهدِ الرياض، رأی تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ١٢٧ علو الهمة في طلب العلم الشيخ أن تَعُمَّ هذه الثمرةُ العظيمة أنحاء المملكة، فتحصَّل في عام ١٣٧٤ على أمر ملكي، يُخُوِّلُه افتتاحَ فروع لهذا المعهد في سائر جَنَبات المملكة كما يُريد، فأمَرَ سماحتُه بافتتاح ستة معاهد في كل من بُرَيْدَة، وشقراء، والأحساء، والمَجْمَعة، ومكة المكرمة، وسامِطة من أعمال جازان. ثم بَدَأْت فروعُ هذا المعهد العلمي تزدادُ عامًا بعد عام، انتشارًا واتساعًا وكثرةً في الطلاب الواردين إليها، وبالتالي المُتْخّرِّجين بها، فرأى سماحتُه أن يكون للغة العربية لغة القرآن الكريم كليةٌ مستقلةٌ، تَستَقبلُ أفواجًا من الطلاب أيضًا إلى جانب كلية الشريعة، فأنشئت كليةُ اللغة العربية بالرياض في عام ١٣٧٤، وكانت تحت إشرافه أيضًا. ثم تتابع افتتاحُ المعاهد العلمية في أنحاء المملكة، فكان معهد علمي في كل من المدينة المنورة، وحائل، وأَبها، والزُّلْفي، وحوطة بني تميم، وبالْجُرَشي، وجُدَّة، والدّمّام، وتبوك، والدُّلم، والأفلاج، والطائف، والرَّسّ، وجازان، وعَرْعَر، والحَفْر، ووادي الدواسِر، ونجران، والجوف، وبِيْشَة، والبُكيرية، والباحة، وحوطة سدير، والقويعيّة، والبدائع، وحریملاء، و .. ورأى رحمه الله تعالى أن مما ينبغي أن يُواكِب تأسيس هذه المعاهد والكليات بالرياض، إنشاءُ مكتبةٍ عامة، تَتَوافر فيها الكتبُ الكبيرةُ والنادرةُ للطلبة والعلماء، مما لا يَقدِرُ على شرائه واحتوائه الأفرادُ، فأُنْشِئت المكتبةُ السعودية في حي دُخنة في سنة ١٣٧٠، من أول يوم رُفِعَ فیہ صرحُ المعهد العلمي، وكانت في تأسيسها وتكوينها وإدارتها تحت إشرافه ونظره. تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ١٢٨ صلاح الأمة في علو الهمة وقد جَلَب إليها الشيخُ نوادرَ الكتب والمصادر العلمية، من شتى البلدان العربية وغير العربية، وحَرَص على تزويدها بأمهات كتب التفسير والحديثِ والرجال والمصطلح والفقه والأصول والتاريخ والأدب والشعر واللغة وغيرها من العلوم الإسلامية، واقتنى لها المطبوعاتِ، وصوَّر لها كثيرًا من المخطوطاتِ المُهمةِ مما قدَّر أن الحاجةَ إليه سريعة، فَغَدَتْ من أغنى المكتبات العامة في الرياض إن لم تكن هي أولها إنشاءً وتأسيسًا، وفيها طائفةٌ من المخطوطات النادرة. ثم اتجه نَظَرُ الشيخ رحمة الله عليه، إلى أن هذا الخير في نشر العلم لا ينبغي أن يكون قاصرًا على أبناء المملكة، بل ينبغي أن يشمل أبناءَ المسلمين في آفاق الإسلام كلها، فأُنشِئتْ الجامعةُ الإسلاميةُ بالمدينة المنورة عام ١٣٨١ تحت إشرافه وبرئاسته، واستَقبَلَتْ طلاب العلوم الشرعية من شتى بقاع الإسلام، يُلَقَّنون العلم مجانًا، ويُكْرَمُون بالمكافأة السخية والرِّعاية الوَارِفة، ويُسكّنُون في مدينة الرسول عليه الصلاة والسلام مَهوَى قلوبِ المسلمین. ولما اتسع نطاقُ القضاء في المملكة، وأخذت الحاجةُ إلى قضاء الشرع الحنيف تزدَادُ يومًا بعد يوم، نظرًا لاتساع العمران في البلاد السعودية، رأى سماحته أن ينشأ معهدٌ عالٍ لتخريج القضاة فيه، فأنشئ المعهدُ العالي للقضاء بالرياض في عام ١٣٨٥، وتم افتتاحه عام ١٣٨٧، تحت إشرافه وبرئاسته أيضًا، واختار للتدريس فيه كبار أهل العلم من علماء المملكة ومن غيرِها .. وكنتُ أحد أساتذة هذا المعهد العالي في سنة ١٣٨٧. تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ١٢٩ علو الهمة في طلب العلم آثاره في مستوى المسؤوليات الإدارية والشرعية: هذا الذي تَقَدَّم عنه هو بعضُ جهود الشيخ وجهادِه في إقامة مناهل العلم والدين، وأما جهودُه على مستوى المسؤوليات الإدارية والشرعية فهي لا تَقِلَّ شأنًا وعَظمةً وجهادًا، عن هذه الجهود الطيبة المثمرة. ففي سنة ١٣٧٣ أُنشِئَتْ دارُ الإفتاء والإشراف على الشؤون الدينية تحت رئاسته. وكان الشيخُ يُستَفْتَى في كبار المسائل وصعابها من داخل المملكة وخارجها، فيُجيب السائلين ويُفيد المستفيدين، حتى تكوَّن من فتاواه مجلدات كثيرة. وفي سنة ١٣٧٦ أنشئت رئاسة القضاة في نجد وملحقاتها والمنطقة الشرقية والشمالية، وأُسنِدت رئاستُها إليه، ولما تُوفي سماحةُ الشيخ عبد الله ابن حسن آل الشيخ رئيس القضاة في الحجاز سنة ١٣٧٨ عن ٩١ سنة رحمه الله تعالى، ضُمّت رئاسةُ القضاة في الحجاز إلى سماحة الشيخ محمد ابن إبراهيم، وتَوحَّدتْ رئاسةُ القضاة فيه. وأنشأ في عهد رئاستِهِ کثیرًا من المحاكم الشرعية في بلدان المملكة، وأقام فيها قضاةً أفاضل من خيار تلامذته وطُلابِهِ. وكان له مسؤولياتٌ أخرى غيرُ هذه التي سَلَف الحديث عنها، وهذا بيان تقريبي بأهمٌّ ما كان يقوم به ذاك الرجلُ الفَذّ من المسؤوليات في مجال التعليم والإفتاء والقضاء وغيرها: في مجال التعليم: ١- رئاسة الكليات والمعاهد العلمية. ٢- رئاسة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة. تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ١٣٠ صلاح الأمة في علو الهمة ٣- رئاسة المعهد العالي للقضاء. ٤ - رئاسة معهد إمام الدعوة. ٥ - الإشراف على رئاسة تعليم البنات. ٦- رئاسة المكتبة السعودية. ٧- رئاسة المعهد الإسلامي في نجیریا. في المجالات الإدارية والشرعية: ٨ - دار الإفتاء. ٩ - رئاسة القضاة. ١٠ - رئاسة المجلس العالي للقضاء. ١١ - رئاسة المجلس الأعلى لرابطة العالم الإسلامي. ١٢ - رئاسة دور الأيتام. ١٣ - رئاسة مؤسسة الدعوة الصحفية. ١٤ - الإشراف على نشر الدعوة في إفريقيا. وكان إلى جانب هذه المهام التي تنوء بها العُصبةُ أولو القوة: خطيبَ الجامع الكبير، وإمامَ الفروض الخمسة في مسجده، والمشرِفَ على ترشيح الأئمة والموظفين الدينيين، وعلى تعيين الوعاظ والمرشدين. وكان قد بدأ في إنشاء (مجلس هيئة كبار العلماء)، واعتُمدت له ميزانية مالية لعام ١٣٨٩، غيرَ أن الأجلَ وافاه قبل أن يباشر المجلسُ أعماله. ■ هذا مُوجَزٌ تقريبي للأعمال التي كان يَنهَضُ بها ذاك العَلَمُ الفرد، ويَمْلؤها بعلمه وحِلمه وحِكمته وحَصَافته وصَبره وجَلَده، وما أصدق قول الشاعر البحتري فیه: قلبٌ يُطِلُّ على أفكاره ويَدٌ تُضِي الأمورَ ونَفْسُ لَهُوُها التّعَبُ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ١٣١ علو الهمة في طلب العلم وإن الدارسَ لحياته ليُدهَشُ من هذا الدَّأَب العجيب، والجَلَد المتواصل، والتوازن العظيم الذي يَتَحلّى به هذا الإمامُ الجليل، والتوازنُ في الرجال عند إدارة الأعمال، من أغلى الصفات وأندرها، فكان يُصرِّف أمورَ التعليم والقضاءِ والإفتاء والإدارة في كل تلك المرافق الهامّة الواسعة، بصمتٍ كاملٍ، وحكمةٍ وروية، دون دعايةٍ ولا ضوضاءً ولا إعلانٍ، ويقوم مع هذا كلُّه بالتعليم بنفسه، وبالتأليف، وبإجابة المستفتين والقضاة عما يَعْسُرُ عليهم حَلّه، دون أن يَطغى منه جانبٌ على جانبٍ، فلله درُّه ما كان أقواه عزمًا وحزمًا وجلَدًا ودأبًا في ميادين الخدمة للإسلام والمسلمين .. تَعِبَتْ في مرادها الأجسامُ(١) وإذا كانَتِ النفوسُ كبارًا طريقته في التدريس: ((كان رَمَّهُ يعطي مجالس العلم حقها من الاحترام والتقدير ويحرص على إيصال الفائدة إلى قرارة قلوب الطلاب معنيًّا بتثبيتها حتى إنه ليكاد يغني بشرحه عن مطالعة. وكان نَّهُ إذا همَّ بالجلوس للتدريس توضأ إن لم يكن على وضوء بعد صلاة، واستقبل القبلة إذا كانت الجلسة في المجسد، ويبدأ شرحه باسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، ويمكن تلخيص السمات الظاهرة لطريقته في التدريس في النقاط التالية: ١ - يطلب من بعض الطلّاب أن يبدأ بالبسملة والصلاة والسلام على رسول الله والترجُم على المؤلف، ثم يتلو حفظًا موضوع الدرس إذا كان (١) ((تراجم ستة من فقهاء العالم الإسلامي)) (ص٢٦٨ - ٢٧٣). تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ١٣٢ صلاح الأمة في علو الهمة الكتاب متنا. ويحرص جدًّا على أن يحفظ جميع الطلاب المنتظمين المتون، ولا يرضى بنصف حفظ، ولا ينتقل الطالب من متن إلى متن أطول منه إلَّا بعد حفظ الأول وفهمه، ولذا كان الطالب المجد منهم يتخرَّج في سبع سنوات. ٢ - قبل أن يبدأ بالشرح يقرأ هو ما قرأ الطلاب. ٣- يشرع في شرح عبارات المتن بدقة ووضوح. ٤ - يعرض بعض المسائل ويتكلم عليها. ٥- إذا عرض لمسألة خلاف ذكر رأى المؤلف أوَّلًا وأدلته، ثم ذكر رأي المخالفين گُلّا على حدة، مع دليله. وکان في ذلك كله يحترم كل ذي رأي من العلماء ولا يذكره بما يسوء، وكان يرجح ما يراه، معتمدًا في ذلك على الدليل وأقوال المحقّقين، ولم يكن يعرض من الخلاف إلَّا ما كان ذا جدوى. وقد يصحح أحد القولين بدون سرد الأدلة لقصر الوقت أونظرًا لحال الطالب. ٦ - كان يلتزم بالموضوع ولا يستطرد إلى مسائل خارجة عنه. ٧- كان إذا فرغ من الدرس تلقَّى أسئلة الطُلَّاب وأجاب. وقد یثیر هو بعض الإشكالات ليقدح أذهان الطلاب. ٨- يختبر الطلّاب فيما شرح لهم في بعض الأحيان بإلقاء الأسئلة عليهم، ويعربون متن الألفية وشواهدها. ٩- فيما يتعلق بالعقائد لم يكن يحرص على ذكر آراء أهل البدع والإشراك، فإذا وجد ضرورة لذلك أو كان المؤلف ذكرها فإنه يتكلم علیها بتوسُّع ويشتد في الرَّد علیهم دون إفراط. تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ١٣٣ علو الهمة في طلب العلم ١٠- وبالنسبة لقراءة المطوّلات لم يكن يشرحها عبارة عبارة، وإنما كان يقف عند المهم منها، أو ما يسأل عنه أحد الحاضرين. ١١ - يلزم اللغة العربية في جميع مجالسة العامَّة. ١٢- يلتزم الهدوء أثناء شرحه للمتون أو تعليقه على المطوّلات فلا تراه یلتفت، أو یشیر بید، أو يعبث بشيء. ١٣- لم يكن يسمح بإثارة الأسئلة التافهة، أو الدخول في مناقشات عقیمة))(١). ■ وكانت للشيخ حافظة نادرة كانت أقوى سبب في تحصيل ثروة علمية واسعة بُنيت على محفوظاته التي علقت بذاكرته أثناء تعلّمه ومطالعاته أثناء تدريسه، وكان يحفظ المتن للقراءة الثالثة وربما الثانية، وكانت المعاملة الطويلة التي تبلغ ثلاثمئة صفحة تُقرَأ عليه، ثم يُملى ما يرى مستحضرًا كل ما مرَّ فيها من الجزئيات، ولم يكن غريبًا منه أن يدل القارئين على مواضع الأبحاث في كتبها ذاكرًا رقم الصفحة أحيانًا، ومثل ذلك لا يكون إلَّا لمن أتاه الله ذاكرة واعية. ■ وکان نچلُ من أکثر الناس استحضارًا لعظمة الله، کثیرًا ما تسمعه يلهج بذكر الله والاستغفار وتغرورق عيناه بالدموع حينما يكون في موقف مناجاة لله، أو يسمع بعض ما يُرِّك القلوب، ولقد كان ذلك يتجلّى كثيرًا فيما يُجيبه من الليل بالصلاة التي كان يواظب عليها في إقامته وسفره، وقد لا يعرف هذا كثير من الناس الذين لم يتّصلوا به، وقد صحبته زمنًا طويلًا (١) (فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ)) جمع محمد بن عبدالرحمن بن قاسم (١/ ١٣ - ١٤). تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://web lessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ١٣٤ صلاح الأمة في علو الهمة وهو يقوم ما يقرب من ساعة ونصف آخر الليل لا يترك ذلك))(١). تأليفه وآثاره المدوّنة: كان الشيخ رحمه الله تعالى من أشدَّ العلماء غرامًا بالعلم وتحقيقه ونشره والتأليف فيه، وكان يقع العلم منه تحصيلًا وعطاءً موقع الغذاء من البدن، ولكن هذه المسؤوليات الجسام العديدة، وهذه المهام الكبيرة المنوطة به: كافيةٌ أن تجعله لا يفرغُ لتدوين رسالةٍ إلى أحد أولاده إذا سافر وبَعُدَ عنه، فضلًا عن تأليف رسالةٍ علم، أو تصنيف كتاب، غير أن عَزَمات الشيخ المَضَّاءة، وقُوَّةَ توازنه العظيم، وشدةً مُحافظتِهِ على الوقت: مَكَّنته من التأليف والتحقيق والنشر، وأعطَتْ منه مثلًا لما يُقرأ في تراجم العلماء قصيري الأعمار، كثيري المؤلفات والآثار، كيف تم لهم ذلك؟ وعَجَز غيرُهم عن القيام بمثله مع العمر الطويل؟! والجوابُ: هو ذاك العَزْمِ الصُّلْبِ، والتوازُنُ الكامل، والدَّأَبُ الدائم، والحِفظ التامُّ للوقت، يأتي بالعجائب من الإنتاج والإبداع. فقد ألَّف الشيخ رسائلَ وكتبًا كثيرةً، وأعلَمُ من اطلاعي على ما اطلعتُ عليه منها: أنها تتميز بالعمق والدقة والشمول والاستدلال والجزالةِ التامة، وجُلُّها في المشكلات العلمية العويصة، وبعضُها في الردود على من شَطَّ عن الجادّة. : ■ وللشيخ رحمه الله تعالى كتابٌ جَمَعَ فيه (ألفَ حديث شريف)، واختار تلك الأحاديثَ من دواوين كتب السنَّة المعتمدة: الكتب الستة وغیرها، وراعى في الاختيار أن يكون الحديثُ أصلا في موضوعه ومعناه، (١) المصدر السابق (ص ١٥، ١٨، ١٩). تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ١٣٥ علو الهمة في طلب العلم أو يتضمن أصلًا. وهذا الكتابُ قيدُ الإخراج أيضًا، يقومُ بنشره فضيلة الشيخ عبد العزيز بن محمد نجل المؤلف حفظه الله تعالى. وله فتاوى جامعةٌ، في العبادات والمعاملات والعقائد وقد جَمَعها وجُلَّ رسائلِ الشيخ ومكاتيبِه، وطائفةً كبيرةً من ملفوظاتِه، تلميذُهُ الشيخ محمد ابن عبد الرحمن بن القاسم، وطُبعتْ في ١٣ جزءً، بعنوان ((فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ))، سنة ١٣٩٩ في مطبعة الحكومة بمكة المكرّمة، بأمرِ الملك فيصل رحمه الله تعالى. وفي هذه الفتاوى والرسائل نماذجُ كثيرةٌ حَيَّةٌ ناطقة بعُمِقِ نظره في الفقهِ الإسلامي، ودقةٍ نظره في القضاء، وشدةِ اجتنابِه من الُداهَنة في دين الله تعالى، مع الانتباه التامِّ لدَخَائِل ودسائسٍ أهل الأهواء والقلوبِ المريضةِ في شؤون الدين))(١). وافاه الأجل في رابع العشر الأواخر من رمضان سنة ١٣٨٩ هـ في مدينة الرياض، فبكته العيون وشيّعته القلوب. وكانت الفجيعةُ به فادحةً جدًّا، والأسفُ عليه عظيمًا، والمُصابُ به جَلَلًا عامًا، والثناء عليه وعلى جهودِهِ وجهادِه طيبًا عَطِرًا، أثنَتْ عليه الألسنةُ البعيدةُ والقريبةُ خيرًا، وتَرَكَ فراغًا كبيرةً لم يُملأ بعده، فقد كان صَرْحًا رفيعًا للعلم وأهله، وسِيَاجًا منيعًا للدين وذويه، ونصيرًا للإسلام والمسلمين في بلده وخارج بلده، ولما مات انثَلَمَ السِّيَاج، وانقَضَّ الصّرْح، وانطوى رَجُلُ الجهادِ والعلم والحزم والدين، واسْتَنَّتْ الفِصَالُ حتى القَرْعَى! وتكلَّمتْ الرُّوَيْبِضَة! وكَثُرُ الغُتاءُ والهُراء! وصار كلُّ جاهلٍ (١) (تراجم ستة من فقهاء العالم الإسلامي)) (ص ٢٧٣ - ٢٧٥). تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ١٣٦ صلاح الأمة في علو الهمة متعالمًا متمجهدًا! ولا رادَّ له ولا مُلْجِم! وانكشف عِظَمُ المصابِ بفقد هذا الجبل الأشمّ والسدّ المنيع :.. وكلُّ كَسْرٍ فإنَّ الدِّينَ يَجبُه وما لِكَسرِ قَنَاةِ الدِّينِ جُبْرانٌ ■ نعم لقد مات هذا الإمامُ الهُمامُ والعالمُ المَهِيبُ، الذي كانت هيتُه في نفوس أهل الشطط ورُعاةِ التفرنج والشرودِ عن الجادة أشَدَّ رهبةً من عصا السلطان القامعة الزاجرة المؤدِّبة، تَحْجُمُهم عن بوائقهم ومفاسدهم. فکان فقدُه كما قال القائل: وما كان قيسُ هُلكُهُ هُلْكَ واحدٍ ولكنه بُنيانُ قوم تَدَّمًا! (١) ■ يقول عنه تلميذه الشيخ عبد العزيز بن باز رَحمّلهُ: ((لقد أكرمني الله به، وتفضَّل عليِّ - وله الحمد والمنّة- بأن كنت من أخصِّ تلامذة شيخنا المذكور، لازمته نحو عشر سنين، من عام ١٣٤٧ هـ إلى عام ١٣٥٧ هـ، ثم تعيَّنت في القضاء بعد ذلك، لكني لم أنقطع عن الاتصال به، وسؤاله عن كل ما يشكل، والاستفادة من علومه وتوجيهاته، الإسلامية، إلى أن تُوفي نَّلْهُ وقد حضرت له مواقف مشرِّفة، وشاهدت منه أعمالًا موفّقة في نفع المسلمين، والغيرة على الإسلام، والردِّ على خصومه، أجزل الله له المثوبة، وكان يُوصي الطلبة كثيرًا بالدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن، وكان واسع العلم كثير الخوف من الله سبحانه وتعالى، ومناقبه وفضائله كثيرَة جدًّا))(٢). (١) المصدر السابق (ص٢٨٥). (٢) («إتحاف النبلاء بسير العلماء)) لراشد الزهراني (١/ ١٠١، ١٠٢). تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٠ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ١٣٧ علو الهمة في طلب العلم ■ وقال أيضًا: «كان من أعلم الناس في زمانه، ومن أحسنهم تعليمًا وتفقيهًا وعناية بالطالب، وإيقاع الأسئلة، وحرصًا على تقبّل ما عند الطالب وبيان الجواب والتنبيه على الخطأ). ■ وقال أيضًا: ((والله ما رأت عيناي قبل ذهاب البصر ولا أوقع في قلبي من هو أحسن منه تعلمًا وأكثر فقهًا رحمة الله علیه)). ويقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي نَحمّلهُ: ((عرفنا فيه وفور العلم ورجاحة العقل، وتمام الحكمة والصبر المنقطع النظير، وهو رَحمّلهُ فيما أعتقد وأجزم به -وإن كنت لا أزكي على الله أحد- فهو من نوادر الرجال الذين عرفناهم علمًا وعقلًا وحكمة، وأن يجزيه كل خير ويُعلي درجته في الآخرة كما أعلاها في الدنيا، وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلًا))(١). يقول الشيخ العلامة سعدي ياسين نَّهُ: ((أمَّا سماحة مفتينا الفقيه -تغمَّده الله برحمته-، فقد سلك مسلك أئمتنا الأعلام من علماء السلف، فكنتُ وأنا أسمع فتواه تلك، كأني استمع إلى سفيان بن عيينة أو ابن عُليَّة أو ابن أبي ذئب، كان رَّهُ متين الحفظ مستحضر الآيات لا يكادُ يتشبه عليه شيءٌ من ذلك، ولقد رأيته عن كثب بعبادته وأذكاره في ليله ونهاره وحرصه على حضور الجمعة والجماعة وإخباته قبل الفجر وبعده مما حبّبه إليَّ وأكبره في نظري))(٢). (١) المصدر السابق (١٠٣/١). (٢) المصدر السابق (١٠٣/١). تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ١٣٨ صلاح الأمة في علو الهمة تلامذته : تُعرف علو همة الشيخ محمد بن إبراهيم في تعليم العلم ونشره فيما تركه من طلَّاب وتلامذة تربُّوا على يده. ■ يقول الشيخ عبد الفتاح أبو غدَّة: ((أمضى الشيخ رحمه الله تعالى كلَّ عمره الشريف في التعليم ونشر العلم والدعوة إلى الله تعالى .. ، وقد عاش نحو ثمانين عامًا، عاش منها فوق خمسين عامًا ينشر تلك الفضائل، ويبث ذلك الخير في أبناء الأمة، فما تكاد تجدُ عالمًا كبيرًا في هذه الديار إلَّا وهو من تلامذته، أو من الطبقة التي أخذت عن تلامذته، وهم جميعًا مُستقون من مَعِينه، مُتَعَلِّمون بين يديه، متتلمذون عليه، فَحَصْرُ تلاميذه عَدَدًا وتسميةً أمرٌ عسيرٌ، لا يمكن انضباطه. فشيوخُ العلم الكبار والجامعات الإسلامية والكليات والمعاهد العليا، وشيوخُ القضاء والإفتاء، وشيوخُ المعاهد المتقدمين في العلم هم من طلابه، وهذا أمرٌ معروفٌ، ونَسبٌ شريف يَتفاخَرُ به المنتسبون إلى حلقة الشيخ في هذه الديار النجدية، ويَعتَزُّون به. وما كان بي من حاجة إلى تسميةٍ أحد منهم، لولا أن البعيدَ عن هذه الديار، إذا سَمِعوا أسماءَ بعض تلامذة الشيخ الذين هم من كبارٍ أهل العلم اليوم، زادَتْ معرفتُهم بمقام الشيخ العلمي وزعامته الدينية الوارفة، فمن أجل هؤلاء أسوق بعضَ الأسماء، معتذرًا عن عدم الاستيفاء))(١). ١ - سماحة الشيخ عبد الله بن محمد بن حُميد، الرئيس الأعلى لمجلس (١) الأسماءُ المذكورة جلُّها منقول من ترجمة الشيخ في كتاب ((مشاهير علماء نجد)) للشيخ عبد الرحمن بن عبد اللطيف آل الشيخ، وهناك أسماءٌ كثيرةٌ أخرى. تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ١٣٩ علو الهمة في طلب العلم القضاء. ■ تقول منى بنت عبد الرحمن آل الشيخ: «ولو لم يكن من حسنات الشيخ إلَّا هذا الإمام لكفَى))(١). ٢- سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، الرئيس العام لإدارة الإفتاء والبحوث والدعوة. ٣- معالي الشيخ عبد الملك بن إبراهيم، شقيق الشيخ، والرئيس العام الهيئات الأمر بالمعروف بالمنطقة الغربية. ٤ - معالي الشيخ عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم، نجل الشيخ، ومدير جامعة الإمام محمد بن سعود قبل تقاعده. ٥- معالي الشيخ إبراهيم بن محمد بن إبراهيم، نجل الشيخ، ووزير العدل قبل تقاعده. ٦ - الشيخ سليمان بن عبيد آل سلمى، رئيس المحكمة الكبرى بمكة المكرمة. ٧- معالي الشيخ عبد الله بن سليمان المِسعَري، رئيس ديوان المظالم في المملكة سابقًا. ٨- العَلَّامة الشيخ عبد العزيز بن ناصر بن رشيد، رئيس هيئة التمييز بالمنطقة الوسطى والشرقية. ٩ - معالي الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ، رئيس هيئة الأمر بالمعروف في المملكة ووزير المعارف سابقًا. (١) ((جهود وفتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ في الدعوة والاحتساب)) لمنى بنت عبد الرحمن آل الشيخ (ص ٣٧) - طبع دار الهدي النبوي - مصر. تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ١٤٠ صلاح الأمة في علو الهمة ١٠- العَلَّامة الشيخ عبد الله بن يوسف الوابل، نزيل مدينة أبها ومفتي عسیر ورئیس قضاتها. ١١ - الشيخ عبد الرحمن بن فارس، أحد قضاة مدينة الرياض أيضًا. ١٢ - الشيخ عبد الرحمن بن سعد، القاضي، من بلدة مَلْهَم. ١٣- الشيخ إبراهيم بن سليمان من آل مبارك، قاضي بلدة الخرج والأفلاج. ١٤ - الشيخ سعد بن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن رُوَیشِد. ١٥ - الشيخ إبراهيم بن عبد الله آل الشيخ، ابن أخي الشيخ. ١٦ - الشيخ محمد بن عبد العزيز بن الشيخ حمد بن عتيق. ١٧ - الشيخ عبد العزيز بن عجلان، من بلدة نَعَام المعروفة. ١٨ - الشيخ محمد بن مسلم آل عثيمين، قاضي مدينة تبوك والبِدَع. ١٩ - الشيخ عبد الرحمن بن عبد الله بن فَرَیّان. ٢٠- الشيخ راشد بن صالح بن خُنَّيْن، وكيل ثم المستشار في الديوان الملكي. ٢١ - الشیخ سعود بن رُشُود، رئیس محكمة الریاض. ٢٢ - الشيخ سعد بن محمد بن فيصل آل مبارك، قاضي مدينة شقراء. ٢٣- الشيخ محمد بن مُهَيزع، أحد القضاة في مدینة الریاض. ٢٤ - الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن قاسم العاصمي، جامع (مجموع فتاوي ابن تیمیة)». ٢٥- الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن قاسم العاصمي، نجل المذكور قبله ومعينه في جمع ((الفتاوي)). تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com