Indexed OCR Text
Pages 421-440
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /ttps://arabessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوُ الهمة - المجلد السادس ٤٢١ ونقل القاضي ابن خلِّكان ، أن ابن طولون كان يُنفذ إلى بكّار في العام ألف دينار ، سوى المقرّر له ، فيتركها بختمها ، فلمَّا دعاه إلى خلْع الموفَّق ، طالَبَهُ بجملة المال ، فحَمَلَهُ إليه بختومه ثمانية عشر كيسًا ، فاستحيا ابنُ طولون عند ذلك . وكان بكَّار يُحدِّث من طاقة السجن ؛ لأن أصحاب الحديث طلبوا ذلك من أحمد ، فأذِنَ لهم على هذه الصورة . وكان بكَّار تاليًا للقرآن ، بكَّاءً صالحًا دَيِّنًا . قال الطحاوي : كان بكار على نهاية من الحمد في ولايته . وكان بكَّار وهو في حبسه يَلْبَس ثيابه وقت صلاة الجمعة ، ويمشي إلى الباب ، فيقول له الموكلُون به : ارجع . فيقول : اللهم اشْهَدْ. ولمَّا اعتَلَّ أحمد بن طولون راسل بكَّارًا، وقال: إنَّا رادُّوك إلى منزلك، فأجبني . فقال : قل له: شيخٌ فانٍ ، وعليلٌ مُدْنَف، والمُلتَقَى قريبٌ ، والقاضي اللهُ عز وجل . فأبلغها الرسولُ أحمدَ ، فأطرق ، ثم أقبل يُكرِّر ذلك على نفسه ، ثم أمر بنقْله من السجن إلى دارٍ اكثُرِيَتْ له ، وفيها كان يُحدِّث ، فلمَّا مات الملك قيل لأبي بكرة بكّار : انصرِفٌ إلى منزلك . فقال : هذه الدار بأُجرةٍ وقد صلحت لي . فأقام بها . ولما مات غُسِّل ليلًا ، وكثُر الناس، وشيَّعه خلْقٌ عظيم أكْثَر ممَّن يشهد صلاة العيد ، فلم يُدفَن إلى العصر(١). القاضي الإِمام أبو بكر ابن الباقلاني : قَبَّله الدار قطنُّ يومًا وقال: هذا يردُّ على أهل الأهواء باطلَهم . ودعا له . صنَّف في الردِّ على الرافضة والمعتزلة والخوارج والجهميَّة والكَرَّاميّة . (١) السير ٥٩٩/١٢ - ٦٠٤، وولاة مصر وقضاتها صـ ٣٦١ - ٣٦٢. بعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد ttps://arabessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد السادس ٤٢٢ ((أرسله الملكُ عضد الدولة في رسالةٍ إلى ملك الروم ، فلمَّا ورد مدينته عُرِّف الملك خبَره ، وبيّن له محلّه من العلم وموضعه، فأفْكَرَ الملك في أمره ، وعلمَ أنه لا يُكَفِّرُ له إذا دخلَ عليه ، كما جرى رسمُ الرعية أن تُقبِّل الأرض بين يدي الملوك ، ثم نتجتْ له الفكرة أن يَضَعَ سريرَهُ الذي يجلس عليه ، وراء باب لطيف ، لا يُمكِّن أحدًا أن يدخل منه إلَّا راكعًا ؛ ليدخل القاضي منه على تلك الحال ، فيكون عِوَضًا عن تكفيره بين يديه ، فلمَّا وُضع سريره في ذلك الموضع ، أمر بإدخال القاضي من الباب ، فسار حتى وصل إلى المكان ، فلمَّا رآه تفكّر فيه ثم فَطِنَ بالقصَّة فأدار ظهره ، وحنا رأسَهُ راكعًا ، ودخل من الباب وهو يمشي إلى خلفه ، قد استقبل الملك بدبره حتى صار بين يديه ، ثم رفع رأسه ونَصَبَ ظهره ، وأدار وجهَهُ حينئدٍ إلى الملك ، فَعَجِبَ من فطْنته ، ووقعتْ له الهيبةُ في نفْسه))(١). (( قال أبو بكر الباقلاني لراهبهم : كيف الأهل والأولاد ؟ فقال الملك : مَهْ! أَمَا علمتَ أن الراهب يتنزَّهُ عن هذا؟ فقال: تُنزِّهونه عن هذا، ولا تُنزِّهون ربَّ العالمين عن الصاحبة والولد))(٢). قال ابن كثير عن مُقابلة ابن الباقلاني لملك الروم: (( يُقال: إن الملك أحضر بين يديه آلة الطَّرَبِ المُسمَّاة بالأُرْغُل ، ليستفَّ عقلَهُ بها ، فلمَّا سمعها الباقلاني خاف على نفسه أن يظهر منه حركة ناقصة بحضرة الملك ، فجعل لا يألو جهدًا أن جَرَح رِجلَهُ حتى خرج منها الدمُ الكثير ، فاشتغل بالألم عن الطرب ، ولم يظهر عليه شيءٌ من النقص والخِفّة ، فعَجِبَ الملكُ من ذلك ، ثم إن الملك استكشفَ الأمر فإذا هو قد جرحَ نَفْسَه بما أشغله عن الطرب ، (١) تاريخ بغداد ٣٧٩/٥ - ٣٨٠. (٢) تبيين كذب المفتري، لابن عساكر صـ ٢١٨، ٢١٩، وسير أعلام النبلاء ١٩١/١٧ - ١٩٢. بعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد السادس ٤٢٣ فتحقَّق الملكُ وُفُورَ همَّته وعلوّ عزيمته ، فإن هذه الآلة لا يسمعها أحدٌ إلَّا طَرِبَ ، شاءَ أم أبى . وقد سأله بعضُ الأساقفة بحضرةِ ملكهم فقال : ما فعلتْ زوجةُ نبيِّكم ؟ وما كان من أمرها بما رُمِيَتْ به من الإِفك ؟ فقال الباقلاني مُجيبًا له على البديهة: هما امرأتان ذُكِرَتا بسوءٍ : مريم وعائشة، فبّأهما الله عزَّ وجلّ ، وكان عائشة ذات زوج ولم تأتٍ بولدٍ ، وأتتْ مريم بولدٍ ولم یکن لها زوج - يعني أن عائشة أَوْلَى بالبراء من مريم - وكلاهما بريئةٌ مما قيل فيها ، فإن تطرّق في الذِّهن الفاسد احتمال ريبةٍ إلى هذه ، فهو إلى تلك أسْرَعُ ، وهما بحمد الله منَّهتان مبرَّأتان من السماء بوحي الله عزَّ وجلّ ، عليهما السلام)»(١) . قال الذهبي في السير (١٩٣/١٧): ((كان سيفًا على المعتزلة والرافضة المشبِّهة ، وغالب قواعده على السُّنَّة ، وقد أمر شيخ الحنابلة أبو الفضل التميمي مُناديًا يقول بين يدي جنازته : هذا ناصر السُّنَّة والدِّين ، والذّابُ عن الشريعة، هذا الذي صنَّفَ سبعين ألف ورقة . ثم كان يزور قبره كلّ جمعة)). قال فيه السّكريُ : قاضي إذا التبس القضاءُ على الحِجَى لا يستريحُ إذا الشكوكُ تَخَالَجَتْ وَصَلَتْهُ هِمَّتُهُ بِأَبْعَدِ غايةٍ أُهْدَى له ثَمَرَ القلوبِ مُحِبُّهُ ما زال يَنصُرُ دِينَ أحمد صادِعًا اعْذُرْ حَسُودَك في الذي أَوْلَيْتَهُ فلقد حَلَلْتَ مِنَ العَلاءِ بِذِرْوَةٍ كَشَفَتْ له الآراءُ كُلَّ مُغَيَّبِ إلَّا إلى لُبِّ كريمِ المنصبِ أعْيَا المُرِيدَ لها سبيلُ المطلبِ وحَباهُ حُسْنُ الذِّكْرٍ مَنْ لم يُحْببِ بالحقِّ يهدي للطريقِ الأصْوَبِ إذ فاز منه بجِدٌّ قدْحِ أَخْيَبِ صمَّاءَ تُسِفِرُ عن حمى المُسْتَصْعِبِ (١) البداية والنهاية ٣٧٣/١٣ - ٣٧٤. ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٤٢٤ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السادس إن الثناءَ عَدُوُّ مَنْ لم يَنْصَبِ (١) أَنْصَبْتَ نَفْسَك للثناءِ فَحُزْتَهُ ورثاه أحدهم فقال : وانظرْ إلى القبرِ ما يحوي من الصَّلَفِ انظُرْ إلى جبلٍ تمشي الرِّجالُ به وانظر إلى دُرَّةِ الإِسلام في الصَّدَفِ(٢) انظُرْ إلى صارِمِ الإِسلام مُنْغَمِدًا القاضي الأمير الإِمام القائد أسد بن الفرات : فاتح جزيرتي قُوصرة وصقلية ، ومصنِّف كتاب ((الأسدية)): كان رحمه الله يقول: (( أنا أسد ؛ والأسد خير الوحوش، وأبي فرات ؛ والفرات خير الماء ، وجدِّي سنان؛ والسنان خير السلاح)). المجاهد الصابر ، التقي النقي ، قاضي القضاة ، وشيخ الإِفتاء ، قائد القضاة ، وقاضي القادة ، القائد الفاتح ، البطل الشهيد . ولَّاه زيادة الله بن إبراهيم بن الأغلب قضاءَ ((إفريقية)) سنة ثلاث ومائتين هجرية ، فأقام في القيروان يقضي بين أهلها بالكتاب والسنة حتى خرج لغزو صقلية وطرد الروم منها . ولما أمر زيادة الله بالاستعداد لغزو صقلية ، سارع أسد إلى الخروج ، فكان زيادة الله يتغافل عن ذلك ، فقال أسد: ((وجدوني رخيصًا فلم يقبلوني ، وقد أصابوا من يُجري لهم مراكبهم من النواتية(٣)، فما أحوجهم إلى مَن يُجريها لهم بالكتاب والسنة )) . وحين رأى زيادة الله إصرارَ أسد على الخروج مجاهدًا في سبيل الله ، أمَّره على تلك الغزوة ، وعزم عليه في ذلك، فقال أسد: (( أصلح الله الأمير .. من (١)، (٢) تاريخ بغداد ٣٨٣/٥، ٣٨٤. (٣) النواتي : جمع نوتي ، وهو الملاح في البحر . ـبعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد السادس ٤٢٥ بعد القضاء والنظر في حلال الله تعالى وحرامه ، تعزلني وتولّيني الإِمارة ؟! )). فقال زيادة الله: ((إني لم أعزلك عن القضاء، بل ولَّيتُك الإِمارة ، وهي أشرف من القضاء، وأبقيتُ لك اسم القضاء؛ فأنت قاض أمير)). فخرج أسد على ذلك، ولم تجتمع إمارة الحرب والقضاء ببلدٍ في إفريقية إلا لأسد وحده . وخرج أسد على رأس جيشه في عشرة آلاف رجل ، منهم ألف فارس حملتهم مائة سفينة ، وخرج لتوديع أسد وجوه أهل العلم وجماعة الناس ، وقد أمر زيادة الله ألَّا يبقى أحد من رجاله إلا شيَّعه، وقد صهلتِ الخيل ، وضربت الطبول ، وخفقت البنود، فقال أسد: (( يا معشر الناس ، ما بلغتُ ما ترون إلا بالأقلام ، فأجهدوا أنفسكم فيها ، وثابروا على تدوين العلم ، تنالوا به الدنيا والآخرة )) . وفي طريقه لفتح صقلية فتح أسد جزيرة ((قوصرة )) بعد حصارها . وفي صقلية نفذ أسد على رأس جنده لمقاتلة الروم الذين اجتمعوا حول صاحب صقلية ((بلاته))، ودار القتال في ميدان بين ((بلرم)) و ((مازر)) سمِّي باسم بلاطة فيما بعد ، وكان الصقلّون يفوقون المسلمين عَددًا وعددًا ؛ فقد كانوا مائة ألف وخمسين ألفا . وكان أسد في هذه المعركة يحمل اللواء بيد ، والسيف بيده الأخرى ، وهو يدعو الله، فحمل على الروم، وحمل الناس معه، وهُزِم ((بلاته )) وجرح في هذه المعركة ، واستولى المسلمون على عِدَّة حصون من الجزيرة ، وانتصر المسلمون على جيش الروم المحلّي في صقلية . وحاصر أسد ((سرقوسة))، ومات وهو محاصرٌ لها، وأكمل الفتح تلميذه محمد بن أبي الحواري . يرحم الله الأسد القاضي الشهيد ؛ لمَّا أصابت المسلمين مجاعة في صقلية ، عرض أحد زعمائهم على أسد أن يرجع بالمسلمين إلى ((إفريقية))، فقال أسد : بعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد السادس ٤٢٦ (( ما كنتُ لأكسر غزوة على المسلمين ، وفي المسلمين خيرٌ كثير))(١). القاضي نصر بن ظريف اليحصبي : ((حكى أبو عمر بن عبد البر: أن حبيبًا القرشي دخل على الأمير عبد الرحمن بن معاوية ، فشكا إليه القاضي نصر بن ظريف اليحصبي ، وذكر أنه يريد أن يُسجِّل عليه في ضيعة يقيم فيها ، وادَّعى عليه الاغتصاب لها ، ولاذ بالأمير من إسراع القاضي إلى الحكم عليه من غير تثُبُّتٍ . فأرسل الأمير إليه وكلَّمه في حبيب ، ونهاه عن العجلة عليه ، فخرج ابن ظريف من يومه ، وعمل بغير ما أراد الأمير ، وأنفذ الحكم ، وبلغ الخبر حبيبًا ؛ فدخل إلى الأمير متَّغرًا غيظًا ، فذكر له ما عمله القاضي ، ووصفه بالاستخفاف بأمره والنقض له ، وأغراه ؛ فغضب الأمير على القاضي واستحضره ، فقال له : من أمرك أن تنفذ حكمًا ، وقد أمرتُك بتأخيره والأناة به؟ فقال له: قدَّمني عليه رسول الله عَ له ؛ فإنما بعثه الله بالحق؛ ليقضي به على القريب والبعيد والشريف والدنيء . وأنت أيها الأمير ، ما الذي حملك على أن تتحامل لبعض رعيَّتك على بعض ، وأنت تجد مندوحة بأن ترضي مِن مالك مَن تُعنى به ، وتمدَّ الحق لأجله ؟ فقال له : جزاك الله يا ابن ظريف خيرًا . وخرج القاضي ، فدعا بالقوم الذين صارت الضيعة إليهم بالاستحقاق ، وكلّمهم فوجدهم راضين ببيعها إن أجزل لهم الثمن ، فعقد فيها البيع معهم ، وصارت إلى حبيب ، فكان بعد ذلك يقول : جزى الله ابن ظريف عنا خيرًا ، كانت بيدي ضيعة حرام ، فجعلها حلالًا . وكان هذا القاضي من زهده وورعه إذا شُغِل عن القضاء يومًا واحدًا ، (١) بين العقيدة والقيادة. للواء محمود شيت خطاب. ٢٥٣ - ٢٧٧، طبع دار الفكر . ـبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ttps://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السادس ٤٢٧ لم يأخذ لذلك اليوم أجرًا)) (١) . قاضي قرطبة المصعب بن عمران ، ورَدّه الضَّيْعَةَ على الأيتام : عُرف هذا القاضي رحمه الله بصلابته في القضاء ، وبتنفيذه الأحكام يؤيِّده الأمير حكم بن هشام وأبوه ، ولا يسمح فيه بمقال ، ويجيز أفعاله ، وينفذ أحكامه ، وإن وقعت بغير المحبوب منه . ((وفي كتاب الحسن بن محمد: إن العباس بن عبد الملك المرواني اغتصب رجلاً من أهل جيَّان ضيعته ، فبينما هو يُنازعه فيها ، هلك الرجل وترك أيتامًا صغارًا ، فلمَّا ترعرعوا وسمعوا بعدل القاضي مصعب وقضائه ، قدموا قرطبة ، وأنهوا إليه مظلمتهم بالعباس ، وأثبتوا ما وجب إثباته ، فبعث القاضي إلى العباس ، وأعلمه بما دفعه إليه الأيتام ، وعَرَّفه بالشهود عليه ، وأعذر إليه فيهم ، وأباح له المدافع، وضرب له الآجال . فلمَّا انصرمت ، ولم يأت بشيء أعلمه أنه ينفذ الحكم عليه ، ففزع العباس إلى الأمير الحكم ، وسأله أن يوصي إلى القاضي بالتخلي عن النظر في قضيته ؛ ليكون هو الناظر فيها . فأوصل إليه الأمير ذلك مع خليفة له من أكابر فتيانه ، فلمَّا أَدَّى الوصية إليه ، اشتدَّت عليه ، وقال: ((إن القوم قد أثبتوا حقّهم، ولزمهم في ذلك عناءٌ طويل ، ونَصَبٌ شديد ؛ لِبُعْدِ مكانهم ، وضعْف حالتهم . وفي هذا على الأمير - أعزَّه الله - ما فيه ، فلستُ أتخلّى عن النظر وإنفاذ الحكم لوجهه ، فليفعل الأمير بعده ما يراه صوابًا من رأيه)). فرجع الرسول إلى الأمير بجوابه ، فوجم منه ، وجعل العباس يغريه بمصعب ، ويقول : قد أعلمتُ الأمير بشدّة استخفافه وغلطه في نفسه ، وتقديره له أن الحكم له ولا حكم للأمير عليه. وكَرّر الأمير الطلب إليه أن يكفّ عن إصدار الحكم في القضية ، فأمر القاضي الرسول بالقعود ، (١) تاريخ قضاة الأندلس صـ٤٤ - المكتب التجاري للطباعة والنشر . لبنان. بعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /ttps://arabessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد السادس ٤٢٨ وحكم للقوم بالضيعة ، ثم أنفذ الحكم وأشهد عليه ، وقال : قد حكمتُ بالعدل ، فلينقضه الأمير إن قدر. فاستشاط غيظًا، وأطرق مليًّا .. وأقَّ حُكْم القاضي))(١). القاضي غوث بن سليمان : ((قال غوث بن سليمان: بعث إلَّ أمير المؤمنين أبو جعفر، فحُملتُ إليه ، فقال لي : يا غوث ، إن صاحبتكم الحميرية خاصمتني إليك في شروطها . قلتُ : أيرضى أمير المؤمنين أن يحكّمني عليه ؟ قال : نعم . فقلت : إن الأحكام لها شروط أفيحتملها أمير المؤمنين ؟ قال : نعم . قال : يأمرها أمير المؤمنين أن تُوكِّل وكيلًا، وتُشْهِد على وكالته خادميْن حُرَّيْن، يُعدِّلهما أمير المؤمنين على نفسه . فجاء الوكيل ، فقلت : إن أمير المؤمنين يساوي الخصم في مجلسه . قال : فانحطَّ عن فراشه وجلس مع الخصم ، ودفع إلّي الوكيل بكتاب الصداق فقرأته عليه ، فقلتُ : يقُّ أمير المؤمنين بما فيه ؟ قال : نعم . قلت : أرى في الكتاب شروطًا مؤكّدة بها تمَّ النكاح بينكما ، أرأيت يا أمير المؤمنين لو خطبت إليهم ولم تشترط لهم هذا الشرط ، أكانوا يُزَوِّ جونك ؟! قال : لا . قلت : فبهذا الشرط تمَّ النكاح، وأنت أحقّ مَن وفَّى لها بشرطها . قال : علمتُ إذ أجلستني هذا المجلس أنك ستحكم علَّ))(٢) . القاضي أبو عُبيد بن حربويه : ((قاضي مصر المشهور بالعدل والهيبة، كان أمير مصر يركب إلى داره ولم يكن هو يركبُ إلى دار الأمير، ولم يكن يُؤمِّرُ أحدًا، بل إذا ذكر (تكين) أمير مصر قال أبو منصور : تكين . ولم يقل: الأمير . ومن شدَّته في إنفاذ الشريعة أن مؤنسًا الخادم - وكان أكبر أمراء الخليفة المقتدر وكان يُخطب له على المنابر مع الخليفة - ورد (١) تاريخ قضاة الأندلس صـ٤٦ - ٤٧ . (٢) كتاب ولاة مصر وقضاتها ٣٧٥ - ٣٧٦ . للكندي . بعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ٤٢٩ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد السادس إلى مصر في عسكر كثير ، فعرض له ضعْف ، فأرسل إلى القاضي يطلب منه شهودًا يُشهدهم عليه أنه أوصى بوقّف قرى كثيرة على سبيل البر ، وبِعْق ستمائة مملوك ، وبأنواع من الخير . فقال القاضي : حتى يثبت عندي أن مؤنسًا حُرّ . وقال : إنه إن لم يرد علّ كتاب من الخليفة بأنه أعتقه ، فلا أفعل . وكتب المقتدر إليه كتابًا ، فوصل الكتاب إلى مؤنس ، فاستدعى بعض الأمراء ليوصله إلى القاضي ، فامتنع هذا ؛ هيبةً منه ، فدعا تكين أمير مصر ، وحمله على أن يذهب إلى القاضي ويوصل إليه الكتاب ، فأتى تكينُ إلى القاضي ومعه الکتاب وناوله إياه ، فقال القاضي : ما هذا ؟ فقال : كتاب أمير المؤمنين . فقال : أَمِنْ يدك ؟ فقال : بل من أيدي شاهدين عدلين يشهدان أنه كتاب أمير المؤمنين))(١). قاضي المرية بالأندلس : أبو عبد الله محمد بن يحيى بن البراء : (( كتب إليه سلطان المرابطين يوسف بن تاشفين - فيمن كتب إليهم - بفرض معونة على الأهالي لأجل الجهاد ، فامتنع القاضي عن فرضها ، وكتب إلى أمير المسلمين بأنه لا يجوز له ذلك . فأجابه أمير المسلمين قائلًا له : إن القضاة عندي والفقهاء أباحوا فرضها ، وإن عمر بن الخطاب فرضها في زمانه . فراجعه القاضي بكتاب يقول له فيه : الحمد لله الذي إليه مآبنا وعليه حسابنا ، وبعد : فقد بلغني ما ذكره أمير المسلمين من اقتضاء المعونة وتُُّري عن ذلك ، وأن أبا الوليد الباجي وجميع القضاة والفقهاء بالعدوة والأندلس أفتوه بأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه اقتضاها ؛ فالقضاة والفقهاء إلى النار دون زبانية . فإن كان عمر اقتضاها؛ فقد كان صاحب رسول الله عَ له، ووزيره ، وضجيعه في قبره ، (١) مقدمة ((محاسن المساعي في مناقب الإمام الأوزاعي)) الأمير شكيب أرسلان صـ٢٩-٣٠، دار مكتبة الحياة . بيروت . ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٤٣٠ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد السادس ولا يُشُّ في عدله، وليس أمير المسلمين بصاحب رسول الله عَ ◌ّةٍ، ولا بوزيره ، ولا بضجيعه في قبره ، ولا ممَّن لا يُشكُّ في عدله . فإن كان القضاة والفقهاء أنزلوك منزلته في العدل ، فالله تعالى سائلهم وحسيبهم عن تقلَّدهم فيك . وما اقتضاها عمر رضي الله عنه حتى دخل مسجد رسول الله عَ لم ، وحضر من كان معه من الصحابة رضي الله عنهم ، وحلف أن ليس عنده في بيت مال المسلمين درهم ينفقه عليهم ؛ وحينئذ تجب معونته ... إلخ . فلمَّا بلغه هذا الكتاب وعظه الله بقوله ولم يُعِد عليه في ذلك قولًاً))(١) . الإِمام الشهيد قاضي برقة : محمد بن الحُبُلي : (( أتاه أمير برقة - وكان من الفاطميين العبيديين - فقال: غدًا العيد. قال : حتى نرى الهلال، ولا أُفطِّر الناس وأتقلَّد إثمهم . فقال : بهذا جاء كتاب المنصور . وكان هذا من رأي العُبيدية يفطرون بالحساب ، ولا يعتبرون رؤية ، فلم يُر هلال ، فأصبح الأمير بالطبول والبنود وأهبَة العيد . فقال القاضي : لا أخرج ولا أُصلِّي. فأمر الأمير رجلًا خطب، وكتب بما جرى إلى المنصور ، فطلب القاضي إليه ، فأحضر ، فقال له : تنصَّلْ ، وأعفو عنك . فامتنع ، فأمر ، فعُلِّق في الشمس إلى أن مات ، وكان يستغيث من العطش ، فلم يُسقَ ، ثم صلبوه على خشبةٍ . فلعنة الله على الظالمين))(٢). قاضي الجماعة بمراكش : أبو عبد الله بن علي بن مروان ، وحکایته مع أبي يوسف المنصور ملك الموحّدين : روى ابن خلكان عنه هذه الحكاية الرائعة وهي: (( أن الأمير الشيخ أبا محمد (١) مقدمة ((محاسن المساعي في مناقب الإمام أبي عمرو الأوزاعي)) لشكيب أرسلان صـ ٣٠ - ٣١. (٢) سير أعلام النبلاء ٣٧٤/١٥ . تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد السادس ٤٣١ عبد الواحد بن الشيخ أبي حفص عمر والد الأمير أبي زكريا يحيى بن عبد الواحد صاحب إفريقية ، كان قد تزوَّج أخت الأمير أبي يوسف المنصور ، وأقامت عنده ، ثم جرت بينهما منافرة فجاءت إلى بيت أخيها ، فسيّر الأمير عبد الواحد لطلبها فامتنعت عليه ، وشكا الأمير عبد الواحد ذلك إلى قاضي الجماعة بمراكش أبي عبد الله بن علي بن مروان ، فاجتمع القاضي بأبي يوسف المنصور وقال له : إن الشيخ أبا محمد عبد الواحد يطلب أهله . فسكت الأمير أبو يوسف المنصور ، ومضى على ذلك أيام ، ثم إن الشيخ عبد الواحد اجتمع بالقاضي في قصر الأمير بمراكش، وقال له: أنت قاضي المسلمين، وقد طلبت أهلي فما جاءوني . فاجتمع القاضي بأبي يوسف المنصور وقال له : يا أمير المؤمنين ، الشيخ عبد الواحد قد طلب أهله وهذه الثانية . فسكت الأمير يعقوب ، ثم بعد ذلك بمدة لقي الشيخ عبدُ الواحد القاضي بالقصر المذكور ، وقد جاء إلى خدمة الأمير أبي يوسف المنصور ، فقال له : يا قاضي المسلمين ، قد قلتُ لك مرتين وهذه الثالثة ، وأنا أطلب أهلي وقد منعوني عنهم . فاجتمع القاضي بالأمير وقال له : يا مولانا ، إن الشيخ عبد الواحد قد تكَّر طلبه لأهله ، فإمّا أن تسيِّر إليه أهله ، وإلا فاعزلني عن القضاء . فسكت الأمير يعقوب أبو يوسف المنصور ، ثم قال : يا أبا عبد الله ، ما هذا إلا جدّ كبير . ثم استدعى خادمًا وقال له في السّرّ : تحمل أهل الشيخ عبد الواحد إليه . فحُمِلت إليه في ذلك النهار ))(١) . فللَّهَ دُرُّه من قاض يبالغ في إقامة منار العدل . القاضي المنذر بن سعيد البلوطي ، لله درّه : ((وَلَي قضاء الجماعة بقرطبة أيام عبد الرحمن الناصر ، وناهيك من عدلٍ أُظهر ، ومن فضْل أُشهر ، ومن جَوْرٍ قُبض ، ومن حَقٌّ رُفع ، ومن باطلٍ خُفض . (١) وفياتُ الأعيان ٧/ ١٠ - ١١. ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد السادس ٤٣٢ كان مهيبًا صليبًا، غير جبان ولا عاجز ، ولا مراقب لأحدٍ من خَلْق الله في استخراج حقٍّ ورفع ظلم ، استعفى مرارًا من القضاء فما أُعفي))(١). ((كان المنذر قاضي قرطبة وخطيب مسجدها الكبير ، وعندما أخذ الخليفة الناصر في بناء الزهراء ، انهمك في الإشراف عليها ، حتى تأخّر عن حضور صلاة الجماعة - في يوم الجمعة - ثلاث جمع متواليات ، فأراد القاضي منذر أن يغضَّ منه بما يتناوله من الموعظة بفصل الخطاب والحكمة ، والتذكُّر بالإِنابة والرجوع ، فابتدأ في أول خطبته بقوله تعالى: ﴿أَتبنون بكلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَكُون وتَتَّخِذُون مصانعَ لِعَلَّكُمْ تَخْلُدُون وإذا بطشتُم بطشتم جَبَّارين فاتَّقُوا اللهَ وأطيعون واتَّقوا الذي أمدَّكُم بما تعلمون أمدَّكُم بأنعامٍ وبنين وجناتٍ وعيون إني أخافُ عليكم عذابَ يوم عظيم قالوا سواءٌ علينا أوعظتَ أم لم تكن من الواعظين [ الشعراء: ١٢٨ - ١٣٦]، ثم وصله بقوله: فمتاع الدنيا قليل، والآخرة خيرٌ لمن اتقى ، وهي دار القرار ، ثم مضى في ذمِّ تشييد البنيان والاستغراق في زخرفته إلى أن وصل إلى قوله تعالى: ﴿ أفمن أسَّس بنيائه على تقوى من الله ورضوانٍ خيرٌ أم من أسَّس بنيائه على شفا ◌ُف هار فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القومَ الظالمين﴾ [ التوبة: ١٠٩]، ثم خوَّف بالموت ، ودعا إلى الزهد حتى خشع الناس ورقّوا وبكَوْا ، وضجُّوا ودعَوْا وأعلنوا التضُّع إلى الله في التوبة والابتهال في المغفرة ، وأخذ خليفتُهم من ذلك بأوفر حظّ ، وقد علم أنه المقصود به ، فبكى وندم على ما سلف له من فرطه ، واستعاذ بالله من سخطه ، إلا أنه وَجَد - غضب - على منذر لغلظ ما قَرّعه به ، فشكا ذلك لولده الحكم بعد انصراف منذر ، وقال : والله لقد تعمَّدني منذر بخطبته ، وما عَنَى بها غيري ، فأسرف علَّ وأفرطَ في تقريعي ، ولم يُحسن السياسة في وعْظي، فزعْزَع قلبي ، وكاد بعصاه يقرعُني. واستشاط غيظًا عليه ، فأقسم أن لا يصلّي خلفه صلاة الجمعة خاصة، فجعل يلتزم صلاتها وراء أحمد بن مطرف صاحب الصلاة بقرطبة، (١) نفح الطِّيب ٣٧٥/١. https://weblessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد السادس ٤٣٣ ويُجانب الصلاة بالزهراء . وقال الحكم : فما الذي يمنعك من عَزْل منذر عن الصلاة بك والاستبدال بغيره منه إذا كرهته ؟! فزجره وانتهره ، وقال له : أُمِثل منذر بن سعيد في فضله وخيره وعلمه - لا أُمَّ لك - يُعَزَل لإِرضاءِ نفسٍ ناكيةٍ عن الرّشد ، سالكة غير القصد ؟! هذا ما لا يكون ، وإني لأستحيي من الله أن لا أجعل بيني وبينه في صلاة الجمعة شفيعًا مثل منذر في ورعه وصدقه ، ولكنه أحرجني فأقسمتُ ، ولوددت أني أجد سبيلًا إلى كفارة يميني بملكي ، بل يُصلِّي بالناس حياته وحياتنا إن شاء الله تعالى ، فما أظنُّنا نعتاضُ منه أبدًا ))(١) . ((وطلب الخليفة الناصر مرة إلى المنذر ((الاستسقاء)) واشتدَّ عزمه عليه ، فتسابق الناس للمصلَّى ، فقال للرسول - وكان من خواصِّ الناس -: ليت شعري ما الذي يصنعه الخليفة سيدنا ؟ فقال له : ما رأينا قط أخشع منه في يومنا هذا ، إنه منتبذ حائر منفرد بنفسه ، لابس أخشن الثياب ، مفترش التراب ، وقد رقد به على رأسه وعلى لحيته ، وبكى واعترف بذنوبه وهو يقول : هذه ناصيتي بيدك ، أتراك تعذب بي الرعية وأنت أحكم الحاكمين ، لن يفوتك شيءٌ مني؟ فتهلَّل وجه المنذر عندما سمع ذلك وقال : يا غلام احمل الممطرة(٢) معك، فقد أذن الله بالسقيا ؛ إذا خشع جبار الأرض فقد رحم جبَّر السماء . وكان كما قال ، فلم ينصرف الناس إلا عن السقيا))(٣). قال ابن عفيف : من أخباره المحفوظة : أن أمير المؤمنين - الناصر - عمل في بعض سطوح الزهراء قَّة بالذهب والفضة ، وجلس فيها ، ودخل الأعيان ، فجاء منذر بن سعيد ، فقال له الخليفة كما قال لمن قبله : هل رأيتَ أو سمعتَ أن (١) عبد الرحمن الناصر، لبسام العسيلي صـ ١٠٦ - ١٠٨ . (٢) الممطرة أو المِمطَر: ثوْب من صوف يُلبس في المطر، يُتوقَّى به من المطر . (٣) سير أعلام النبلاء ١٧٦/١٦ - ١٧٧، وعبد الرحمن الناصر العسيلي صـ ١٠٩ - ١١٠. https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ٤٣٤ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السادس أحدًا من الخلفاء قبلي فعل مثل هذا ؟ فأقبلت دموع القاضي تتحدَّر ، ثم قال : والله ما ظننتُ يا أمير المؤمنين أن الشيطان - لعنه الله - يبلغ منك هذا المبلغ ، ولا أن تمكِّنه من قيادك هذا التمكين ، مع ما آتاك الله من فضله ونعمته وفضَّلك به على العالمين ، حتى يُنزلك منازل الكافرين . فانفعل عبد الرحمن لقوله : وقال : انظر ما تقول ، وكيف أنزلني منزلتهم ؟ قال : نعم ، أليس الله تعالى يقول : ﴿ ولولا أن یکون الناس أُمَّة واحدة لجعلنا لمن یکفُرُ بالرحمن ليُوتهم سُقُفًا مِن فضةٍ ومعارجَ عليها يظهرون ) إلى قوله: ﴿ والآخرة عند ربِّك للمتقين ﴾ [الزخرف: ٣٣ - ٣٥] . فنكِّس الناصر رأسه طويلًا ودموعه تتساقط ، ثم قال : جزاك الله عنا خيرًا وعن المسلمين ، والذي قلتَ هو الحق . وأمر بنقض سقْف القُبَّة . ووقف مرة إلى جانب الخليفة الناصر ، واستمع إلى ما قيل في مدح الزهراء ، فاهتَّ الناصُرُ وابتهج ، أما القاضي منذر فأطرق ، ثم قال منشدًا : يا باني الزهراء مستغرقًا أوقاتَهُ فيها أما تمهلْ لله ما أحسنها رونقًا لو لم تكن زهرتُها تذبُلْ فقال الناصر : إذا هبَّ عليها نسيم التذكار والحنين ، وسقتْها مدامع الخشوع ، لا تذبل إن شاء الله تعالى . فقال منذر : اللهمَّ اشهد أني قد بثثتُ ما عندي ولم آل نُصْحًا (١). القاضي الحافظ ابن أبي عاصم : قال ابن أبي عاصم رحمه الله : وصل إلّ منذ دخلتُ إلى أصبهان من دراهم القضاء زيادة على أربع مائة ألف درهم ، لا يحاسبني الله يوم القيامة أني شربتُ منها شربة ماء ، أو أكلتُ منها ، أو لبست . (١) السير ١٧٧/١٦، وعبد الرحمن الناصر للعسيلي صـ ١١٠ - ١١١. تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://web lessam.blogspot.com/ ttps://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد السادس ٤٣٥ رحمك الله من قاضٍ ورع ، مجاب الدعوة ، إمام في الورع . قال الكسائي : كنت عنده - يعني ابن أبي عاصم - فقال واحد : أيُّها القاضي ، بَلَغَنا أن ثلاثةَ نَفَر كانوا بالبادية ، وهم يقلبون الَّمل ، فقالَ واحدٌ منهم : اللَّهم إِنَّك قادرٌ على أن تطعمنا خبيصًا(١) على لون هذا الرَّمل. فإذا هم بأعرابي بيده طَبِقٌ ، فَوَضَعَه بينهم ، خبيصٌ حارٌّ . فقال ابن أبي عاصم : قد كان ذاك . كان الثَّلاثة: عُثمان بن صَخْر الَّاهد ، وأبو تراب ، وابن أبي عاصِم ، وكان هو الذي دعا . قال ابن أبي عاصم : صحبتُ أبا تراب ، فقطعوا البادية ، فلم يكن زاد إلا هذين البيتين : فبئسَ المطَّة للراكبِ رويدك جانبْ ر کوب الهوی وحسبُك بالله من مؤنسٍ وحسبُك بالله من صاحبٍ قال ابن أبي عاصم : ذهبت كتبيٍ ، فلم يبق منها شيء ، فأعدتُ عن ظهر قلبي خمسين ألف حديث ، كنتُ أَمُّ إلى دُكَّان البقال ، فكنتُ أكتب بضوء سراجه ، ثم إني تفكّرتُ أني لم أستأذن صاحب السراج ، فذهبت إلى البحر فغسلتُه ، ثم أعدتُه ثانيًا(٢) . كان رحمه الله قاضيًا ثلاث عشرة سنة ، وكثُرت الشهود في أيامه . القاضي الخَيَّاط : أبو عبد الله محمد بن علي المروزي : أحد السادات الأولياء، عُرف بـ((الخيّاط))؛لأنه كان يخيط على الأيتام والمساكين حسبة . (١) الخبيص : الحلواء المخبوصة من التمر والسمن . (٢) السير ١٣/ ٤٣٣. بعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد ttps://arabessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السادس ٤٣٦ ولي قضاء القضاة بنيسابور في سنة ثمان وثلاثمائة ، إلى أن استُعفي سنة إحدى عشرة ، فما شرب لأحدٍ ماءً ، ولا ظُفِر له بزلَّة، وكان لا يدعُ سماع الحديث أيام قضائه ، ويحضر مجلس أبي العباس السَّاج . قال محمد بن عبدان خادم الجامع : كان محمد بن علي الحاكم يجيء في كلٍّ أسبوع ليلة إلى الجامع ، فيتعبَّد إلى الصباح من حيث لا يعرف غيري ، فصادفتُه ليلةً يتلو: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هُمُ الكافرون ﴾ [ المائدة : ٤٤ ] وكلما تلا آيةً منها ، ضرب بيده على صدره ضربةً أسمعُ صوتَها من شدَّته. رحمه الله تعالى . قال الحاكم : سمعتُ أبي يقول : كان القاضي محمد بن علي المروزي طول أيامه يسكنُ دار ابن حمدون بحذاء دارنا ، وكنتُ أعرفه يخيط بالليل وإذا تفرّغ بالنهار للأيتام والضعفاء ، ويعدُّها صدقة(١). القاضي أحمد بن بقّ بن مخلد : أبو عمر القرطبي ، كبير علماء الأندلس وقاضي قرطبة . قال ابن عبد البر: كان وقورًا حليمًا، كثير التلاوة ليلًا ونهارًا، قوي المعرفة باختلاف العلماء، ولي القضاء عشرة أعوام ما ضرب فيها- فيما قيل- سوى واحد مُجْمَعٌ على فسقه ، وكان يتوقّف ويتثبت ، ويقول: التأني أخلص؛ إن النبي عَنّ لمَّا أشكل عليه أمر حديث حُوَيِّصة ومُحيِّصة وَدَى القتيل من عنده(٢). قاضي القيروان محمد بن أبي المنظور الأنصاري : كان رحمه الله من كبار أصحاب الحديث ، قد لقي إسماعيل القاضي والحارث سير أعلام النبلاء ٥٦٤/١٤ - ٥٦٥ . (١) أخرجه البخاري في الجهاد ، وفي الأدب ، وفي الديات باب القَسَامة ، وفي الأحكام . (٢) وأخرجه مسلم. انظر السير ٨٣/١٥-٨٤ . بعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد السادس ٤٣٧ ابن أبي أسامة. ولَّاه المنصور الفاطمي قضاء القيروان، فقال: بشرط أن لا آخُذ رزقًا ، ولا أركب دابَّةً. فولَّاه ليتأَّف الرعية، فأُحضر إليه يهودي قد سبَّ النبي عٍَّ، فبطحه ، وضربه إلى أن مات تحت الضرب . وأتى يوما فوجد سلاف داية السلطان تشفع في امرأةٍ نائحة فاسقة ؛ لِيُطْلِقِها من حبسه فقال: ما لك ؟ قالت : قضيب(١) محبوبة المنصور تطلب منك أن تُطْلِقَها . فقال: يا مُنْتِنَة ، لولا شيء لضربتُك، لعنك الله ولعن مَن أرسلك. فوَلْوَلتْ ، وشقَّتْ ثيابها ، ثم ذكرت أمرها للمنصور ، فقال : ما أصنع به؟ ما أخذ منَّا صِلَةً، ولا نقدر على عزله؛ نحن نُحِبُّ إصلاح البلد(٢) . قاضي القضاة شيخ الشافعية : الحموي : أبو بكر محمد بن المظفر الشامي الحموي الزاهد . قال السمعاني : هو أحد المتقنين للمذهب ، وله اطلاع على أسرار الفقه ، وكان وَرِعًا زاهدًا مُتَّقيًّا شديد الأحكام . قال أبو علي الصَّدفي : هو وَرِعٌ زاهد . وأما الفقه ، فكان يُقال : لو رُفع مذهب الشافعي لأمكنه أن يمليه من صدره . قال السبكي في طبقات الشافعية (٢٠٣/٤ - ٢٠٥): ((كان من قضاة العدل ، واتَّفقت منه محاسن أيام قضائه . امتنع الشامي من قبول القضاء فما زالوا به حتى تقلَّده، وشرط أن لا يأخذ رزقًا، ولا يقبل شفاعةً، ولا يُغيِّر ملبوسه ؛ فأجيب إلى ذلك . قال عبد الوهاب الأنماطي : لم يكن الشامي يبتسم في مجلسه قط و کان له کراء بيت في الشهر بدينار ونصف ، وكان منه قوته ، فلمَّا ولي القضاء جاء إنسان ، (١) اسم جارية أخرى للمنصور ليس عنده أعزّ منها . (٢) السير ١٥٧/١٥ - ١٥٨. تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ٤٣٨ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السادس فدفع فيه أربعة دنانير ، فأبى وقال : لا أُغيِّر ساكني ، وقد ارتبت بك ، لِمَ لا كانت هذه الزيادة قبل القضاء ؟! وكان يشدُّ في وسطه مئزرًا ، ويخلع في بيته ثيابه ثم يجلس . قال ابن النجار : ما استناب أحدًا في القضاء ، وكان يُسوِّي بين الوضيع والشريف في الحكم ، ويقيم جاه الشرع ، فكان هذا سبب انقلاب الأكابر عنه ، فألصقوا به ما كان منه بريئًا . قال ابن الآبنوسي : كان له كيسان ؛ أحدهما يحمل فيه عمامته وقميصه - والعمامة كتان ، والقميص قطن خشن - فإذا خرج لبسهما ، والكيس الآخر فيه فتيت ، فإذا أراد الأكل جعل منه في قصعة ، وقليل من الماء ، وأكل منه . وكان يقول : ما دخلتُ القضاء حتى وجب علَّ ، ويقول : أعصي إن لم ألِ القضاء . وقعت حادثة للسلطان ملكشاه ، فحُمِل قاضي القضاة الشامي إلى دار السلطان ليقضي في تلك الحادثة ، فجاء المشطّب بن محمد بن أسامة الفرغاني أحد فحول المناظرين من الحنفية - وكان ذا جاهٍ عريض ، وملازمة للسلطان - فشهد بين يديه ، فقال الشامي على رؤوس الخلائق : لا أقبل شهادته. فقالوا : لِمَ ؟ قال : لأنه فاسق . وكان على المشطّب ثوب حرير ، فخجل المشطب من ذلك . وجاء أمير من الأتراك وادَّعى على واحدٍ شيئًا ، فقال الشامي للأمير : ألك بيِّنَة ؟ قال : بلى . قال : من هما ؟ قال: فلان والمشطّب . فقال الشامي : لا أقبل شهادة المشطب ؛ لأنه يلبس الحرير. فقال المشطّب: تردّني ، والسلطان ووزيره نظام الملك يلبسانه ؟! فقال الشامي : لو شهدا عندي ما قبلتُ شهادتَهما . وفي المنتظم (٩٦/٩)، وابن الأثير (٢٥٣/١٠) : لو شهدا عندي في باقة بقْل ، ما قبلتُ شهادتهما )). https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السادس ٤٣٩ القاضي الحافظ أبو أحمد العسَّال : أحد الأئمة في علم الحديث ، ((وكان يحفظ في القرآن سبعين ألف حديث ، وما كان يجلس لإملاء الحديث ولا يمس جزءًا إلا على طهارة . وإنه كان مرة مع صهره ، فدخل مسجدًا ، وشرع في الصلاة ، وختم القرآن في ركعة. كان رحمه الله لا يُغلق بابه عن أحد ، ولي القضاء بأصبهان وكان إذا توجّه على الخصم یمین لا يُحلِّفه ما أمكنه ، بل يُغرم عنه ما لم يبلغ مائة دينار ، فإذا بلغ المائة أو جاوزها ، كان يتثبَّتِ ويُدافع ويُمهل إلى المجلس الثاني ، ويُحذِّر المدعى عليه وَبَالَ اليمين ، ويُخوِّفه يوم الدين ، ويذكِّره الوقوف بين يدي ربِّ العالمين، ثم يُحلِّقه على كُرْه))(١) . الإِمام القاضي أبو سعيد السِّيرافي : الحسن بن عبد الله النحوي البغدادي . كان من أعلم الناس بنحو البصريين ، وألفَّ كتاب ((شرح كتاب سيبويه))، ولم يشرح أحد كتاب سيبويه أحسن منه ، ولو لم يكن له غيره فضلًا لكفاه . كان زاهدًا لا يأكل إلا من کَسْب يده ، ولا يخرج من بيته إلى مجلس الحُكم ولا إلى مجلس التدريس كل يوم إلا بعد أن ينسخ عشر ورقات ، يأخذ أجرها عشرة دراهم ، تكون قَدْر مئونته ، ثم يخرج إلى مجلسه(٢) . العز بن عبد السلام : بائع الملوك والأمراء : ولا يزال بسمع الأيام ما فعل سلطان العلماء وبائع الملوك والأمراء ، (١) السير ٩/١٦ - ١٠ . (٢) صفحات من صبر العلماء لأبي غدة صـ٢٠٢ - ٢٠٣. تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السادس ٤٤٠ القاضي العز بن عبد السلام مع أمراء مصر وبَيْعهم ، وقد مَرَّت من قبل هذه الحادثة الفريدة في تاريخ القضاء . وكم من قضاةٍ زيَّنوا وجه التاريخ ، لا يسع المقال هنا لذكرهم، فهو يحتاج إلى مجلدات : ابن جماعة ، والماوردي ، وابن دقيق العيد، وغيرهم وغيرهم . القاضي جُميع بن حاضر الباجي ؛ يحكم بطرد المسلمين من سمر قند؛ واقعة صحيحة أشبه بالأساطير وأطيب من الشهد : (( قال أبو عبيدة وغيره : لما استُخلِف عمر بن عبد العزيز - رحمه الله - وفد عليه قوم من أهل سمرقند ، فعَّفوا إليه أن قتيبة دخل مدينتهم وأسكنها المسلمين على غذرٍ ، فكتب عمر إلى عامله يأمره أن ينصب لهم قاضيًا ، ينظر فيما ذكروا ، فإن قضى بإخراج المسلمين أُخرجوا ، فنصب لهم جميع بن حاضر الباجي ، فحكم بإخراج المسلمين على أن ينابذوهم على سواء ، فكَرِه أهل مدينة سمرقند الحرب ، وأقُرُوا المسلمين فأقاموا بين أظهرهم))(١) . (١) كتاب فتوح البلدان للبلاذري صـ ٤١١. https://web lessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد