Indexed OCR Text

Pages 241-260

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد السادس
٢٤١
وكانت خسائر النصارى في هذه المعركة العظيمة: (( مائة وستة
وأربعين ألف (١) قتيل، أُسْر ٣٠ ألفًا، وغنم من الخيام ١٥٠,٠٠٠ خيمة ،
والخيل ٨٠,٠٠٠، والبغال ١٠٠,٠٠٠، والحمير ٤٠٠,٠٠٠)) (٢) . وزاد
ابن خلكان : (( ٦٠,٠٠٠ درْع، وأمّا الدواب على اختلاف أنواعها ، فلم
يُحصر لها عدد )).
وأُذيع نبأ النصر من منابر المساجد في كلّ مكان: (( نجا الفنش -
ألفونسو - ملك النصارى إلى طليطلة في أسوأ حال ؛ فحلق رأسه ولحيته ،
ونكَّس صليبه ، وآلى أن لا ينام على فراش ، ولا يقرب النساء ، ولا يركب
فرسًا ولا دابَّةً، حتى يأخذ بالثأر، وصار يجمع من الجزائر والبلاد البعيدة
ويستعدّ ، ثم لقيه يعقوب وهزمه ، وساقه إلى طليطلة وحاصره ، ورمى عليها
بالمجانيق ، وضيق عليها))(٣) .
وجاء في ((نفح الطيب)) (٤١٩/١): وجاءت المنصور رسُلُ
ألفونسو - الفنش - سنة ٥٩٢ هـ . فصالحه ، وفيه يقول الشاعر :
ويُزار من أقصى البلاد على الرجا
أهْلٌ بأنْ يُسعى إليه ويُرتجى
وموشَّحا ومختَّما ومتوَّجا
مَنْ قد غدا بالمكرُمات مُقلدًا
وتعطّرتْ منه الرياحُ تأْرُّجا
عمرت مقاماتُ الملوك بذكْره
السلطان المظفَّر قطز ، بطل عين جالوت ، وصاحب الصيحة الشهيرة
((واإسلاماه)):
السلطان الشهيد الملك المظفّر : سيف الدين قطز بن عبد الله المُعِزِّي .
(١) ذكر ذلك ابن الأثير .
(٢) نفح الطيب ١٣٧/٢.
(٣) نفح الطيب ١٣٧/٢، وتاريخ الأندلس لأشياخ ٨٦/٢ وما بعدها .
ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
٢٤٢
صلاحِ الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد السادس
قال عنه الذهبي في ((السير)) (٢٠٠/٢٣ - ٢٠١): ((كان فارسًا
شجاعًا، سائسًا، ديّنًا، محببًا إلى الرعيّة؛ هزم التتار، وطهَّر الشام منهم
يوم ((عين جالوت))، وهو الذي كان قتل الفارس أقطاي. ويسلم له إن شاء الله
جهاده ، ويُقال: إنه ابن أخت خوارزم شاه جلال الدين ، وإنه حُّ واسمه
محمود بن ممدود )) .
وقال الذهبي في ((تاريخ الإِسلام)»: ((وله اليدُ البيضاء في جهاد التتار،
فعَوَّض الله شبابه بالجنَّة ورضي عنه )) .
وقال ابن كثير: ((كان شجاعًا بطلًا، كثير الخير، ناصحًا للإِسلام
وأهله ، وكان الناس يحبُّونه ويدعون له كثيرًا)).
لما بلغ المظفّر قطز ما كان من أمر التتار بالشام المحروسة ، وأنهم
عازمون على الدخول إلى ديار مصر بعد تمهيد مُلْكهم بالشام - بادرهم قبل
أن يُبادروه ، وبرز إليهم وأقدم عليهم ؛ فخرج في عساكره وقد اجتمعت الكلمة
عليه، وكان لقاؤه مع عسكر المغول وعليهم ((كتبغا نوين))، على ((عين
جالوت)) يوم الجمعة الخامس والعشرين من رمضان سنة ٦٥٨ هـ ، فاقتتلوا
اقتتالًا عظيمًا، فكانت النصرة - ولله الحمد - للإسلام وأهله ؛ فهزمهم المسلمون
هزيمة هائلة، وقُتل أميرُ المغول ((كتبغا نوين)) وجماعة من بيته . وقد قاتل
الملك المنصور - صاحب حماه - مع الملك المظفَّر قتالًا شديدًا. وقد أُسِر
من جماعة كتبغانوين ، الملك السعيد بن العزيز بن العادل ، فأمر المظفَّر بضْب
عنقه )) (١) .
(( يُذكر عن قطز أنه يوم عين جالوت ، لما أن رأى انكشافًا في المسلمين،
رمى عن رأسه الخوذة وحَمَل، ونزل النصر)) (٢).
(١) البداية والنهاية ٢٣٤/١٣.
(٢) السير ٢٠١/٢٣ .
https://weblessam.blogspot.com/
ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد السادس
٢٤٣
وفي ((البداية والنهاية)) (٢٣٨/١٣): ((ذُكر عنه أنه لما كان يوم
المعركة بعين جالوت ، قُتل جوادُه ، ولم يجد أحدًا - في الساعة الراهنة -
من الوشاقيّة الذين معهم الجنائب ، فترجَّل وبقي واقفًا على الأرض ثابتًا ، والقتال
عمَّال في المعركة ، وهو في موضع السلطان من القلب ، فلما رآه بعض الأمراء
ترجّل عن فرسه ، وحلف على السلطان لير كبنَّها ، فامتنع ، وقال لذلك الأمير :
ما كنت لأحرم المسلمين نفعك . ولم يزل كذلك ، حتى جاءته الوشاقية بالخيل
فركب ، فلامه بعض الأمراء ، وقال : يا خوند ، لم لا ركبت فرس فلان ؟
فلو أنّ بعض الأعداء رآك لقتلك وهلك الإِسلام بسببك. فقال: ((أمَّا أنا
فكنتُ أروح إلى الجنة ، وأما الإِسلام فله ربٌّ لا يضيِّعُه ، قد قُتل فلان وفلان
وفلان - حتى عدَّ خلْقًا من الملوك - فأقام للإِسلام مَن يحفظُه غيرهم ، ولم
يضيِّع الإِسلام)).
لله دَرُّه ، لما رأى عصائب التتار ، قال للأمراء والجيوش الذين معه :
لا تقاتلوهم حتى تزولَ الشمس ، وتفيء الظِّلال، وتهبَّ الرياح ، ويدعو لنا
الخطباء والناس في صلاتهم . رحمه الله تعالى .
لله درُّك يا سيف الدين حين أرحتَ العالم من هذا الخبيث ، الذي فَتَح
الأستاذه - هولاكو - من أقصى بلاد العجم إلى الشام ... لله درُّك حين ثأرتَ
لدماء المسلمين وأعراضهم - بالشام وببغداد - من الملعون ، لعنه الله لعنةً
تدخل معه قبره .
لما هزم المسلمون التتار بعين جالوت - تلك الهزيمة التي لا تُجبر أبدًا -
وأُسير ابن كتبغا فأحضر بين يدي المظفر قطز ، فقال له : أهربَ أبوك ؟ قال :
إنه لا يهرب . فطلبوه ، فوجدوه بين القتلى ، فلما رآه ابنه صرخ وبكى ، فلما
تحقَّقه المظفر سجد لله تعالى ، ثم قال : أنام طيِّبًا ؛ كان هذا سعادة التتار
وبقتله ذهب سعدُهم . وهكذا كان كما قال ، ولم يفلحوا بعده أبدا . وكان
الذي قتله الأمير ((آقوش الشمسي)) رحمه الله.
ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://web1essam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
٢٤٤
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد السادس
ودقّت البشائر من قلعة دمشق ، وفرح المؤمنون بنصر الله فرحًا شديدًا ،
وأَيَّد الله الإسلام وأهله تأييدًا، وكبت الله النصارى واليهود والمنافقين ، وظهر
دين الله وهم كارهون . فتبادر عند ذلك المسلمون إلى كنيسة النصارى التي
خرج منها الصليب ، فانتهبوا ما فيها ، وأحرقوها ، وألقوا النار فيما حولها ؛
فاحترق دور كثيرة للنصارى ، ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارًا .
(( وساق الملك المظفر قطز عساكر التتار وراءه ، ودخل بهم دمشق ،
وفرح به الناس فرحًا شديدًا، ودعوا له دعاءً كثيرًا))(١).
((كان جمال الدين التر كماني يخدم قطز وهو صغير ، وكان يهينه ويذمه ،
فقال له يومًا قطز : ويلك أيش تريد أن أُعطيك، إذا ملكت الديار المصرية ؟
فقلت له: أنت مجنون؟ فقال: لقد رأيت رسول الله عَ لّه في المنام، وقال لي :
((أنت تملك الديار المصرية، وتكسر التتار)). وقول رسول الله عَ ليه حق لا
شكّ فيه . فقلت له حينئذ : أريد منك إمرة خمسين فارسًا . فقال: نعم ، أبشر ...
فلما كان بعد النصر ، أعطاه المظفر إمرة خمسين فارسًا ، ووفّى له بالوعد )) ...
هذا يوم من أيام الإِسلام ، فأين نحن وواقعنا المُ منه ؟!
وقُطْز يغرسها غارًا ونسرينا
وعين جالوت هل أبصرت ساحتها
لكننا في زمان القحط نحصدُه لمَّا نسيناهُ أشواكًا وغِسْلينا
الملك الكامل .... يقول للتار: ((ما لكم عندي إلّ السيف)). ويبصُق في وجه
هولاكو :
هو الملك الكامل الشهيد ، ناصر الدين محمد بن الملك المظفر شهاب الدين
غازي بن السلطان الملك العادل أبي بكر محمد بن أيوب .
(١) البداية والنهاية ٢٣٥/١٣.
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٢٤٥
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد السادس
تملَّك، ((ميّافارقين)) وغيرها سنة خمس وأربعين، وكان شابًّا عاقلًا
شجاعًا مهيبًا ، محسنًا إلى رعيته ، مجاهدًا غازيًا ، ديًّا تقيًّا ، حميد الطريقة.
حاصره عسكر هولاكو ، نحوًا من عشرين شهرًا، حتى فَنِي الناس جوعًا
ووباءً ، حتى لم يبق بالبلد سوى سبعين رجُلًا فيما قيل .
وكان الكامل يبرز إلى التتار ويقاتلهم ويُنكي فيهم ؛ فهابوه ، ثم بَنَوا
عليهم سورًا بإزاء البلد ((بأبرجة)). ونفدت الأقوات، حتى كان الرجل يموت
فُيُؤْكَل . وكان الكامل شديدَ البأس ، قَوِّ النفس ، لم ينقهر للتتار ؛ بحيث
إنهم أخذوا أولاده من حصْنهم ، وأتوْهُ بهم إلى تحت سور ((ميّافارقين))،
وكَلَّموه أن يسلِّم البلد بالأمان ، فقال : ما لكم عندي إلّا السيف . ودخل
التتار البلدة، ودخلوا دار الكامل، وأتوا به ((هولاكو)) بالُها، فإذا هو يشرب
الخمر ، فناول الكامل كأسًا ، فأبى وقال : هذا حرام . فقال لامرأته : ناوليه
أنتِ . فناولته ، فأبى ، وشتم ، وبصق في وجه هولاكو - فيما قيل - وكان
الكامل ممَّن سار قبل ذلك ورأى ((القان)) الكبير ، وفي اصطلاحهم : مَن
رأى وجه ((القان)) لا يُقتل، فلمّا واجه هولاكو بهذا، استشاط غضبًا وقتله.
قال الذهبي: (( طِيف برأسه بدمشق بالطبول، وعلّق على باب الفراديس،
فلما انقلعوا وجاء المظفَّر ، دَفن الرأس))(١) .
الملك المُحسن ؛ محدِّث زاهدٌ :
هو المحدِّث الزاهد العالم : يمين الدين أبو العباس أحمد بن السلطان يوسف
ابن أيوب ، حدَّث عن ابن صدقة الحَّاني ، وهبة الله البوصيري ، وحنبل ، وخَلْق .
ونَسَخ وقرأ وحصَّل ، وكان صحيح النقل ، متواضعًا ، مفضّلًا على أهل الحديث وعلى
(١) السير ٢٠١/٢٣ - ٢٠٢.
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٢٤٦
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السادس
الرواة ؛ يتجمل به المحدِّثون . وقد ارتحل وسمع بمكة من ابن الحصري
وابن البنّاء ، وببغداد من عبد السلام الداهري وطائفة .
قال الضياء : حصَّل المحسنُ الكثير ، وانتفع الخَلْق بإفادته ، وطلب الحديث
على وجهه .
قال الذهبي: (( حدَّث عنه القاضي شمس الدين ابن الشيرازي - أحد
شيوخه - ومجد الدين ابن العديم ، وشيخُنا سُنْقر الزيني))(١).
الظاهر بيبرس ؛ قاهرُ الصليبيين :
لمَّا جاء الظاهر بيبرس كان كالشمس الساطعة ، التي صهرت ثلوج الغرب
الباردة ، وحوَّلتها إلى سراب ، قذفت به ريحُ الإِسلام القويّة إلى حيث قدمت .
قال ابن كثير : ((كان الملك الظاهر شهمًا شجاعًا، عالي الهمَّة بعيدَ الغور ،
مقدامًا جسورًا، معتنيًا بأمر السلطنة ، يشفق على الإِسلام ، متحليًا بالملك ،
له قصْد صالح في نُصْرة الإسلام وأهله وإقامة شعار الملك . وفتح في أيامه فتوحات
كثيرة ؛ قيساريَّة وأرسون ويافا، والشقيف وأنطاكية وبعراض ، وطبرية والقصير
وحصْن الأكراد ، وحصن عكا والغرين وصافتيا ، وغير ذلك من الحصون المنيعة
التي كانت بأيدي الفرنج . ولم يدع مع الإسماعيلية شيئًا من الحصون . وناصف
الفرنج على ((المرقب)) و((بانياس)) وبلاد ((أنطرسوس))، وسائر ما بقي بأيديهم
من البلاد والحصون. وفتح ((قيساريّة)) من بلاد الروم ، وأوقع بالروم والمغول
على ((البلستين)) بأسًا لم يُسمع بمثله من دهورٍ متطاولة . واستعاد من صاحب
((سيس)) بلادًا كثيرة ، وجاس خلال ديارهم وحصونهم ، واستردَّ من أيدي
المتغلِّبين من المسلمين بعلبك وبصرى وحمص وعجلون والصلت وتدمر والرحبة
(١) السير ٢٣/ ٢٠٣ - ٢٠٤ .
https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوٌّ الهمة - المجلد السادس
٢٤٧
وتل باشر وغيرها ، والكرك والشوبك . وفتح بلاد النوبة بكمالها من بلاد
السودان ، وانتزع بلادًا من التتار كثيرة ؛ منها شيرزور والبيرة . واَّسعت مملكنه
من الفرات إلى أقصى بلاد النوبة ، وعمَّر شيئًا كثيرًا من الحصون والمعاقل
والجسور على الأنهار الكبار وحفر أنهارًا كثيرةً وخلجانات ببلاد مصر ؛ منها
نهر ((السرداس))، وجدَّد بناء مسجد الرسول - عَ ◌ّه - حين احترق .
وله من الآثار الحسنة والأماكن ، ما لم يُينَ في زمن الخلفاء وملوك
بني أيوب ، مع اشتغاله في الجهاد في سبيل الله ، واستخدم من الجيوش شيئًا
كثيرًا ، وكان مقتصدًا في ملبسه ومطعمه وكذلك جيشه ، وهو الذي أنشأ
الدولة العباسية بعد دثورها ، وكان رحمه الله متيقِّظًا شهمًا شجاعًا لا يفتر
عن الأعداء ليلًا ولا نهارًا، بل هو مناجزٌ لأعداء الإسلام وأهله ، ولمّ شعثه
واجتماع شمله . وبالجملة أقامه الله في هذا الوقت المتأخر ، عونًا ونصْرًا
للإسلام وأهله ، وشجًا في حُلوق المارقين من الفرنج والتتار والمشركين ،
وأبطل الخمور ، ونفى الفُسَّاق من البلاد ، وكان لا يرى شيئًا من الفساد والمفاسد
إلّا سعى في إزالته بجهده وطاقته ... وله أوقاف وصلات وصدقات . تقبّل الله
منه الحسنات ، وتجاوز له عن السيئات ، والله سبحانه أعلم))(١).
سيذكر التاريخ لبيبرس قيادته في معركة المنصورة سنة ١٢٥٠ م ، حيث
دَوَّخ فرسان الفرنجة . وسيذكر التاريخ بكل فخر تولّي بيبرس قيادة المقدّمة
في عين جالوت ، وتُّعه لفلول التتار بعد المعركة .
((المسيح أصبح - فيما يظهر - مسرورًا لما حلَّ بالمسيحيين من ذلَّةٍ وهوان)):
زحف بيبرس على قلعة ((أرسوف))، وسقطت في ٢٦ أبريل سنة ١٢٦٥ م ،
بعد أن دمَّرت أدوات الحصار أسوار القلعة، ((ولم تمض أكثر من ثلاثة أيام حتى
(١) البداية والنهاية ٢٩١/١٣ - ٢٩٢ .
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد السادس
٢٤٨
استسلم قائد القلعة الذي فقَد ثلث عدد فرسانه ، مقابل الحصول على وعْدٍ
بالإِبقاء على حياة الذين نَجوا من القتل . وأثار سقوط هذا الحصْن الكبير
مشاعر الفرنج ومخاوفهم ، وهذا ما أوحى إلى شاعر الدَّاوِيَة الغنائي ((ريسو
بونوميل)) من التروبادور بأن ينظم قصيدة بالغة المرارة ، يشكو فيها من أن المسيح
أصبح - فيما يظهر - مسرورًا لما حلَّ بالمسيحيين من مذلَّةٍ وهوان)) (١).
وحين استولى بيبرس على ((صفد)» هاجم «تبنين)» فسقطت في قبضته ،
ودمّر قرية ((قارة)) المسيحية التي تقع بين دمشق وحمص ، وذلك بسبب اتصال أهلها
بالفرنج الصليبيين ، فأمر بقتْل البالغين من سكّانها واسترقاق الأطفال .
ولمَّا أرسل المسيحيون وفدًا من عكا يطلب منه السماح لهم بمواراة جُثث
القتلى ، أغلظ في رفض طلبهم ، وقال لهم بأنهم إذا كانوا يلتمسون جُثث القتلى ،
فسوف يجدونها في وطنهم . ولتنفيذ تهديده هبط إلى الساحل ، وقتل كلّ مَن
وقع في يديه من المسيحيين .
بيبرس يُهاجم قليقية ((أرمينية))، ويقتُل، ويأسر ابني ملكها :
كان على بيبرس أن يُنزل العقاب بالمسيحيين الذين تعاونوا مع المغول ،
وعلى رأسهم ((هيثوم)) ملك أرمينية ، وحاول هيثوم كسْب ودّ بيبرس بعد
موت ((هولاكو))، مستخدمًا أسلوب المساومة ؛ إذْ كانت البحرية المصرية
في حاجة للأخشاب من أجل بناء سفنها ، وكانت هذه الأخشاب متوافرة في
جنوب لبنان والأناضول ، وهما من الأماكن التي يسيطر عليها (( هيثوم)) وصهره
((بوهمند)) أمير أنطاكية. فلم يزد ذلك بيبرس إلّا إمعانًا في عزمه على القتال ،
وسيَّر بيبرس أكفأ أُمرائه ((قلاوون)) و((المنصور)) الأرمينية، ودارت رحى
(١) الظاهر بيبرس ونهاية الحروب الصليبية القديمة، لبسام العسيلي صـ ٢٨ - ٢٩، دار
النفائس .
https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /ttps://arabessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد السادس
٢٤٩
معركة حاسمة في ٢٤ أغسطس سنة ١٢٦٦ م ، وتعرّض الأرمن لهزيمة مدمِّرة ؛
فلقي ((ثوروس)) ابن ملك الأرمن مصرعه، بينما وقع أخوه (( ليو)) في الأسر ،
ودُمِّرت ((سيس)) عاصمة الأرمن ، وعاد الجيش المنتصر وفي حوزته أربعون
ألف أسير ، ولم تنهض أرمينية مطلقًا من هذه الكارثة ، وحينما عاد الملك هيثوم
من بلاط المغول الذين استنجد بهم وجد ولَّ عهده أسيرًا ، وعاصمته خرابًا ،
وبلاده بأكملها مستباحة .
وفي ٧ مارس سنة ١٢٦٨ ظهر بيبرس بجيشه أمام ((يافا)) فجأة، فاستسلمت
له بعد معركةٍ قاسيةٍ، لم تستمر أكثر من اثنتي عشرة ساعة . وتمَّت إبادة المقاومة
وتدمير القلعة ، وأرسل ما تحويه من خشبٍ ورخام إلى القاهرة لبناء مسجده
الكبير .
وحرَّر بيبرس قلعة ((الشقيف)) التي فرض الدَّاوِية سيطرتهم عليها،
فاستسلمت الحامية في ١٥ أبريل بعد أن تعرّضت القلعة للقصف المتواصل
بالمجانيق لمدَّة عشرة أيام ، ومنح بيبرس الحرية للنساء والأطفال ، أمّا الرجال
فاحتفظ بهم أرقَّاء .
تدمير أنطاكية ، وما من جنديٍّ من المسلمين إلّا كان له أسيرٌ مملوكٌ
من أهلها :
تولَّى قيادة جيش أنطاكية الكند سطبل ((سيمون مانسل))، وحمله الطَّيش
على أن يخرج للمسلمين بجماعة من عساكره خارج أسواره ، فوقع في أسْر المسلمين ،
ومع هذا صمَدت أنطاكية بأسوارها لهجوم جيش المسلمين .
وفي ١٨ مايو سنة ١٢٦٨، شنَّ المسلمون هجومًا عامًا على جميع القطاعات ،
وأحدثوا ثغرةً تدفّق منها المسلمون إلى داخل المدينة ، وتفجَّر الغضب دفعةً واحدةً ،
ودارت رحى مذبحة رهيبة ؛ إذ أمر السلطان بيبرس بإغلاق أبواب المدينة ، حتى
لا يهرب أحد من المقاتلين ، فتمَّت إبادة المقاومات بالشوارع، وامتدَّت الإبادة
بعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السادس
٢٥٠
لأولئك الذين هربوا من القتال فالتجئوا إلى بيوتهم ، ووقع بقيَّة الرجال في قبضة
الأَسْر .
وفي ١٩ مايو ، أمر بيبرس بجمْع الغنائم وتوزيعها ، وتوافر بها من النقود
ما صار يُوزَّع بالطاسات أمّا عدد الأسرى ، فكان بالغ الضخامة ؛ فما من جنديّ
من جنود المسلمين لم يَحُز مملوكًا ، وبلغ الفائض من الوفرة ما جعل ثمن
الغلام ينخفض إلى اثني عشر درهمًا ، بينما لم يتجاوز ثمن الجارية خمسة
دراهم .
كانت إمارة أنطاكية الصليبية ، أوّل إمارة أقامها الفرنج في بداية حروبهم
الصليبية ، وعاشت تحت حُكْم الفرنج مائة وإحدى وسبعين سنة ، ولهذا فقد
كان تحريرها ضربةً قويةً لهيبة الصليبيين ووجودهم ، ولنصارى الإِمارة الذين
تعاونوا مع الفرنج الصليبيين والمغول ، ولم تنهض أنطاكية بعد ذلك ، وتحوّلت
إلى مجرّد قلعة على طرف حدود البلاد الإِسلامية .
جيشك ليس في كثرة العدد يُضارع أسرى الإِفرنج في القاهرة :
أمام هذه الانتصارات الهائلة، وقع الرعب في قلب ((هيو)) الوصيّ على
عكا، فأرسل يطلب هدنة، فأرسل إليه بيبرس السفير ((محيي الدين)). وحاول هيو
أن يحصل على بعض الامتيازات، فاستعرض قوَّاته في تعبئة القتال أمام ((محيي
الدين ))، فاكتفى محيي الدين بإجابته الرائعة التي تنزل على قلوب المؤمنين بردًا
وسلامًا .... قال له: ((إن كلّ هذا الجيش ليس في كثرة العدد ما يُضَارع الأسرى
الفرنج في القاهرة )).
حصْن الأكْراد - قلعة الحصن - يُسقطها بيبرس بعد صمودها أمام صلاح
الدين :
ولله درّ بيبرس حين يُسقط حصن الأكراد الضخم - أو قلعة الحصن -
ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السادس
٢٥١
والتي كانت تحكمها طائفة الأسبتارية الصليبيين ، بعد أن صمد الحصن أمام صلاح
الدين الأيوبي ، وبذا سيطر بيبرس على الطرق المؤديَّة إلى طرابلس .
واستولى بيبرس على حصن ((مونتفورت))، الذي كان تحت سيطرة
الألمان ، بعد حصار أسبوع واحد .
بيبرس يغزو بلاد الأناضول ، ويسحق الحامية المغولية هناك :
وفي سنة ١٢٧٧ ، غزا بيبرس بلاد الأناضول ، وانتصر على الحامية المغولية
التي أرسلها الأيلخان ((أباقا)) إمبراطور المغول انتصارًا هائلًا في البستان .
فللَّه درُّ بيبرس ... يوم تولّى السلطنة كانت ممتلكات الفرنج ، تمتدُّ على
الساحل من غزة إلى قليقية ، مع ما يتبعها من الحصون الداخلية التي تحميها من
الشرق .
وأمكن لبيبرس خلال فترة حُكْمِه - التي امتدّت سبع عشرة سنة - تحرير
مناطق كثيرة ، بحيث لم يبق في قبضة الفرنج الصليبيين ، أكثر من بضعة مدن
ساحلية ؛ هي عكا وصور وصيدا وطرابلس وجبيل وطرطوس ، بالإِضافة إلى
مدينة اللَّذقّة المعزولة وقلعتي عثليت والمرقب، ولم يعش بيبرس ليشهدَ اختفاءها
التام ، غير أنه جعل ذلك أمرًا لا مفرّ منه .
فرحم الله ركن الدين أبو الفتح بيبرس البندقداري ، التركي ، كبير المماليك
البحرية في عصره .
الملك المنصور ، سيف الدين قلاوون ؛ يهزم المغول ، ويهدم طرابلس :
الملك المنصور سيف الدين قلاوون الألفي العلائي ، من المماليك البحرية .
قال عنه ابن كثير في ((البداية والنهاية)) (٣٦٦/١٣): ((كانت عليه
أُبُّهة السلطنة، ومهابة الملك ، عالي الهمة ، شجاعًا وقورًا، سامحه الله)).
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
٢٥٢
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد السادس
في يوم الخميس الرابع عشر من رجب سنة ٦٨٠ هـ أكتوبر سنة ١٢٨١ م،
التقى جيش المغول في ظاهر حمص بجيش المسلمين . وكان على قلب جيش
المغول ((منجو)) شقيق الأيلخان ((أباقا)) إمبراطور المغول، وعلى الميسرة
أمراء من المغول، وعلى الميمنة ((بليو الثالث)) ملك أرمينيا ومعه الأسبتارية
وعساكر الكرج، وكان المنصور قلاوون على قلب الجيش الإسلامي ، والمنصور
حاكم ((حماة)) على ميمنة الجيش، وعلى الميسرة سُنْقر الأسقر وجنود الشام .
وهزمهم المنصور قلاوون هزيمةً شنيعة وكبَّدهم خسائر فادحة .
قال ابن كثير عن وقعة حمص في ((البداية والنهاية)) (٣١٢/١٣ ):
((اقتلوا قتالًا عظيمًا، لم يُر مثله من أعصار متطاولة ، فاستظهر التتار أول النهار ،
وكسروا الميسرة ، واضطربت الميمنة أيضًا، وكُسر جناح القلب الأيسر ،
وثبت السلطان ثباتًا عظيمًا جدًّا في جماعة قليلة ، وقد انهزم كثير من عسكر
المسلمين ، وأشرف المسلمون على خطّة عظيمة من الهلاك. ثم إن أعيان
الأمراء من الشجعان والفرسان ، لما رأوا ثبات السلطان ردّوا إلى السلطان ،
وحملوا حملات متعدِّدة صادقة، وقتلوا من التتار مقتلةً عظيمةً جدًّا. ورجع
التتار الذين اتَّبعوا المنهزمين من المسلمين ، فوجدوا أصحابهم قد كُسروا ،
والعساكر في آثارهم يقتلون ويأسرون ، والسلطان ثابت في مكانه تحت السناجق ،
والكوسات تضرب خلفه ، وما معه إلّا ألف فارس ، فطمعوا فيه ، فقاتلوه ،
فثبت لهم ثباتًا عظيمًا ، فانهزموا من بين يديه ، فلحقهم فقَتَل أكثرهم ، وجرح
((منكوتمر)) قائد جيش التتار، وكان ذلك تمام النصر. ودخل السلطان إلى
دمشق وبين يديه الأسارى بأيديهم الرماح عليها شقف رؤوس القتلى ، وكَثُرت
للسلطان المحبّة والأدعية . وأما التتر - الذين أتوا في المعركة في مائة ألف مقاتل
أو يزيدون - فإنهم انهزموا في أسوأ حال وأتعسه ؛ يُتخطّفون من كلّ جانب ،
ويُقْتلون من كلّ فجّ ، حتى وصلوا إلى الفرات فغرق أكثرهم ، ونزل إليهم
أهل (( البيرة)) فقتلوا منهم خَلْقًا كثيرًا وأسروا آخرين ، والجيوش في آثارهم
https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد السادس
٢٥٣
يطردونهم عن البلاد ، حتى أراح الله منهم الناس )) .
وفي سنة أربع وثمانين وستمائة، توجَّه قلاوون حتى نازل حصن ((المرقب))
ثمانية وثلاثين يومًا ، وأخذه عَنوة من الفرنج ، وخرج فرسان الأسبتارية من
حصنهم يعلوهم ذلُّهم . وأثار تحرير حصن المرقب شعور الذُّعر في وسط الفرنج
الصليبيين الذين يحتلون عكا .
قلاوون يحرِّر اللّاذقيّة وطرابلس :
أرسل السلطان قلاوون مجموعة قتاليّة بقيادة الأمير حسام الدينَ طرنطاي ،
فسقطت اللاذقية في قبضته سنة ٦٨٦ هـ . ثم سار السلطان قلاوون في سنة ثمان
وثمانين لغزو الفرنج بطرابلس ، فنازلها أربعة وثلاثين يوما حتى فتحها عنوة في رابع
ربيع الآخر ، وهدمها جميعها ، وأنشأ قريبًا منها مدينة طرابلس الموجودة الآن .
واستقبل الإفرنج والسكان في عكا أنباء تحرير طرابلس بالذهول ، فقد كانت
الصدمة كبيرة .
ولما انتهك أهل عكا الهدنة مع المسلمين سار إليها السلطان قلاوون على
رأس جيشه بعد أن أقسم في رسالةٍ بعث بها إلى النصارى ، ألّا يترك في المدينة
مسيحيا على قيد الحياة ... لكنه لم يكد يبدأ بالمسير ، حتى سقط مريضًا ، وبعد
ستة أيام فقط قضى نَحْبه وهو في طريقه للجهاد ، فاستدعى ابنه الأشرف وهو
على فراش الموت ، وحَمَله على أن يقطع وغْدًا بأن يواصل حملته ، ويحقِّق هدفه .
الملك الأشرف خليل ، يفتح عكا ، ثم يدمِّرها سنة ٦٩٠ هـ :
سار الملك الأشرف لفتح عكا بجيش يضمُّ ستين ألف فارس ، ومائة وستين
ألفًا من المشاة، ومعهم العرَّادات، والمجانيق التي اشتُهرت باسم ((الثيران
السوداء )) .. واحتشد النصارى - من الدَّاوِيَة والأسبتارية - وفئة من الإنكليز
والألمان ومقاتلي قبرص، وانضمَّ إليهم بعد مدّة ملك قبرص ((هنري))، وكانت
تبعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٢٥٤
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد السادس
تحصينات المدينة قويّة ومتينة .
ونصب السلطان الأشرف على عكا اثنين وتسعين منجنيقًا ، وقاتل مَن
بها من الفرنج أربعةً وأربعين يومًا حتى فتحها عَنوة ، في يوم الجمعة السابع
عشر جمادى الأولى ، وهدمها كلَّها بما فيها وحرقها .
ولله دُرُّ الأشرف ، حين أرسل إليه الملك هنري - أثناء الحصار - فارسين
من الدَّاوِيَة لمحاولة عقد هدنة ، فاستقبلهما الأشرف خارج خيمته ، وسألهما
في إيجاز ما إذا كانا قد أحضرا معهما مفاتيح المدينة؛ فلما أنكرا، قال لهما:
إن ذلك هو الموضع الذي يطلبه ، ولا يهمُّه مصير سكان المدينة ، غير أنه
تقديرًا منه لشجاعة الملك ؛ بقدومه للقتال وهو لا زال حَدَثًا ، فضلًا عن مرضه -
فإنه سوف يُبقي على حياتهم إذا ما استسلموا له . وفي أثناء حديثه لهما ،
قذفت عرَّادة من الأسوار حجرًا سقط قُرْب الجماعة ، فاستشاط السلطان غضبًا ،
وسلَّ سيفه وهمَّ بقتل السفيرين، ولكن الأمير ((الشجاعي)) تدخّل فمنعه من
ذلك ، وقال له بأنه لا يصحّ أن يدنِّس سيفه بدماء الخنازير . ثم سمح للفارسين
بالعودة إلى ملكهما .
ولم تكد عكا تقع في قبضة الأشرف ، حتى شرع في تدميرها ، واستباحة
دورها وأسواقها، ثم إشعال الحريق بها ، كما تمَّ تدمير الأبراج والقلاع المنيعة ؛
إذا عَزَم على ألّا تكون مرة أخرى رأس حربة لِمَا يقوم به الفرنجة الصليبيون
من اعتداء على بلاد الشام .
تحريرُ بقيّة بلاد الشام : ثمن الفتاة في سوق الرقيق درهم واحد :
وجَّه الأشرف جيشًا لتحرير مدينة صور ، وكانت من أمنع المدن على
سواحل بلاد الشام ، وقاوم الداوية في صيدا ، واحتلّ السلطان حيفا وجبل الكرمل
وطرسوس وعثليت .
جابت جيوش الأشرف بلاد الشام من أقصاها إلى أقصاها لمدة شهور
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٢٥٥
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد السادس
كاملة ، مدمّرةً كلّ ما تعتبره ذا أهمية للفرنج الصليبيين ، إذا ما حاولوا مرةً
أخرى النزول إلى البر. وتقرّر اجتثاثُ الأشجار ، وتعطيل أدوات الري ، وتطبيق
ما يُعرف حديثًا باستراتيجية الأرض المحروقة .
بلغ عدد الأسرى عددًا كبيرًا ، وهبط ثمن الفتاة في سوق الرقيق إلى
درهم واحد فقط .
كانت هناك مقاومة ضارية من فرسان الداوية والأسبتاريّة ، وكذلك
البنادقة والبيازنة ، ولكن ما تجدي هذه المقاومة أمام حماس المجاهدين في
سبيل الله .
فتح قلعة الروم ، ١١ رجب سنة ٦٩١ هـ :
سار الملك الأشرف إلى قلعة الروم، فافتتحها بالسيف قهرًا في يوم السبت حادي
عشر رجب ، وجاءت البشارة بذلك إلى دمشق ، وزُيِّنت البلد سبعة أيام ،
وبارك الله لجيش المسلمين في سعيهم ، وكان يوم السبت إليًا على أهل يوم الأحد ،
وكان الفتح بعد حصار عظيم جدًّا مدة ثلاثين يومًا ، وكانت المنجنيقات تزيد
على ثلاثين منجنيقًا ، وقد قُتل من أهل البلد خَلْقٌ كثير ، وغنم المسلمون منها
شيئًا كثيرًا .
وعاد السلطان إلى دمشق ، فاحتفل الناس لدخوله ودعَوْا له وأحبُّوه .
وقد امتدح (( الشهاب محمود)) الملك الأشرف خليل على فتحه قلعة الروم
بقصيدة هائلة فاضلة أوّلها :
فمِنْ كيقبادان رآها وكيخَسرُو
لك الرايةُ الصفراء يقدمها النصرُ
هوى الشّركُ واستعلى الهُدى وانجلى الثَّغْرُ
إذا خفقتْ في الأرض هدَّتْ بنورها
سماءٌ بدتْ تَتْرَى كواكبُها الزهرُ
وفَتْحٌ أتى في إثْرٍ فتح كأنَّما
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٢٥٦
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد السادس
فكم فطمت طوعًا وكرها معاقلًا
بذلتَ لها عزْمًا فلولا مهابةٌ
قصدتَ حمّ من قلعةِ الرومِ ولم يُتَحْ
ووالوهم سرًّا ليُخفوا أذاهمُ
صرفتَ إليها همَّةً لو صرفتَها
وما قلعةُ الرومِ التي حُزْتَ فَتْحَها
طليعةُ ما يأتي من الفتح بعدها
فصبحتها بالجيش کالروض بهجةً
ليوثٌ مِن الأتراك آجامُها (٢) القنا
عيونٌ إذا الحرب العَوانُ(٣) تعرَّضتْ
إذا صدَموا شُمَّ الجبال تزلزلتْ
ولو وردتْ ماءَ الفرات خيولُهم
كأنَّ المجانيقَ(٥) التي قُمْنَ حولها
أقامت صلاة الحرب ليلًا صخورها
وشبّتْ بها النيرانُ حتى تمَّقتْ
فلاذوا بذيل العفو منك فلم تُجبْ
وما كره المغْلُ اشتغالك عنهمُ
فأحرزتها بالسيف قهرًا وهكذا
مضى الدَّهُرُ عنها وهْي عانسةٌ بِكْرُ
كساها الحيا جاءتْك تسعى ولا مهْرُ
لغيرك إذْ غَرَّتهم المَعْلُ(١) فاغتُّوا
وفي آخِرِ الأمر استوى السُّ والجَهْرُ
إلى البحرِ لاستولى على مدِّه الجزرُ
وإن عظمتْ إلا إلى غيرها جسْرُ
كما لاح قبل الشمس في الأفق الفجرُ
صوارمُه أنهارُه والقَنَا الُّهْرُ
لها كلّ يومٍ في ذرا ظفرٍ ظفّرُ
لُخُطَّابها بالنفس لم يُعْلِها مَهْرُ
وأصبح سهلًا تحت خيلهمُ الوَعْرُ(٤)
لِقِيل هنا قد كان فيما مضى نَهْرُ
رواعدُ سُخْطٍ وَبْلُها النارُ والصَّخْرُ
فأكثرُها شفعٌ وأكبرُها وِتْرُ
وباحتْ بما أخفتْهُ وانهتك السِّتْرُ
رجاءَهُمُ لو لم يَشُبْ قَصْدَهم مكرُ
بها عندما فرّوا ولكنَّهم سرّوا
فتوحك فيما قد مضى كلّه قَسْرُ
(١) المغل : المغول .
(٢) آجامُها : جمع الجمع من أجمة ، وهي الشجر الكثير المُلْتَف ، ومأوى الأسد .
(٣) الحرب العوان : أشدُّ الحروب .
(٤) الوعُرُ : الأرض الصعبة المسالك .
(٥) المجانيق: آلة لقذْف الحجارة والنار إلى مسافات بعيدة ، كالمدفعية.
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
صلاحِ الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد السادس
٢٥٧
تبيد الليالي والعدى وهو مفترُّ
فأضحتْ بحمد الله ثغرًا مُمنَّعًا
تحصَّل منها الفتح والذِّكْرُ والأجْرُ
فيا أشرفَ الأملاكِ فُزْتَ بغزوةٍ
توالى له في يُمْن دولتك النصرُ
لِيَهْنِيكَ عند المصطفى أنَّ دينَه
وإن غضب اليعفورُ من ذاك والكفرُ
وبُشْراكَ أرضْيتَ المسيحَ وأحمدًا
تطيعك والأمصار أجمعها مصرُ
فسِرْ حيث ما تختار فالأرضُ كلُّها
ويزهى على ماضي العصور بك العصرُ(١)
ودُم وابق للدنيا ليحيا بك الهدى
سيذكر التاريخ بكل فخر للملك الأشرف صلاح الدين خليل بن قلاوون ،
علوَّ همَّته على اقتلاع آخر مواقع الفرنج ، الذين بقوا - وعلى امتداد مائتي سنة -
جسمًا غريبًا في كيان العالم الإسلامي ، مما أدّى في النهاية إلى لفظِهم وطردهم ،
وتحرير البلاد الإسلامية من وجودهم .
وانهار كلُّ ما أقامه الفرنج ، وما جهدوا لتصنيعه دفعةً واحدة ، وكأنه
بناء فوق الرمال ، أو بناء من الثلج لم تلبث أن صهرته حرارة الشمس .
قبرص .. قبرص .. قبرص :
وفي سنة ١٢٩٢، أرسل ملك قبرص ((هنري)) خمس عشرة سفينة ، تساندها
عشر سفن من لدى البابا ، فأغارت على الإسكندرية ، وارتكبت مذابح رهيبة ،
ولكن مقاومة المسلمين الضارية أرغمت الحملة على الانسحاب .
((وأُدَّت هذه المحاولة الفاشلة، إلى زيادة تصميم السلطان الأشرف خليل
على فتح الجزيرة، فأمر بعمارة مائة سفينة، وكان يتابع الاستعدادات وهو يهتفُ:
((قبرص، قبرص، قبرص)) . كما كانت لديه مخطّطات أكبر تزيد في أهميتها على
ما كانت تحتلُّه قبرص من أهمية في تفكيره وعمله ؛ إذ كان لا بدّ له قبل كل شيء
من سَحْق المغول ، وتحرير حاضرة الإِسلام من طغيانهم .
(١) البداية والنهاية ٣٤٧/١٣ - ٣٤٩.
تبعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٢٥٨
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السادس
وفيما كان السلطان الأشرف يمضي قُدُمًا في استعداداته الطموحة ،
قُتِلِ غِيلةً ، وجاء اغتيالُه ضربةً قاصمةً للمسلمين ، كما جاء بمثابة مكافأة
حقيرة لهذا الشابِّ قوي العَزِيمة ، والذي أتمَّ رسالة صلاح الدين وقطز وبيبرس
وقلاوون ، فطرد آخر ما تبقّى من الفرنج من بلاد الشام))(١) .
الملك الناصر محمد بن قلاوون؛ ((له في موقعة شَقحب اليدُ البيضاء من
الثبات)) (٢) ، وبها انتهى أمر التتار إلى الأبد :
الملك الناصر أبو الفتح محمد بن قلاوون ، من كبار ملوك دولة المماليك .
وفي عصره كانت معركة ((شَقحب)) أو معركة ((مرج الصُفْرْ)) في اليوم الثاني
من رمضان سنة ٧٠٢ هـ ، وكان عدد الجيش المغولي الذي اشترك في هذه
الموقعة كبيرًا ، يقدِّره بعضهم بخمسين ألف مقاتل ، وهناك مَن يقول : إن عدده
يصل إلى مائة ألف . وقد كان في عداد هذا الجيش فرقتان من نصارى الكرج والأرمن .
والسبب في سير هذه الحملة التتارية، هي رغبة ((قازان)) ملك التتار في
تحطيم سلطان المسلمين في مصر، واسترداد الأرض المقدَّسة وتسليمها إلى النصارى،
وأناب عنه في هذه الحملة ((قطلوشاه)) الذي تعاون مع النصارى تعاونًا كبيرًا .
وانزعج الناس لمسير التتار ، واشتدَّ خوفهم جدّا - كما يقول ابن كثير - وقام
شيخ الإسلام ابن تيمية بمهمَّةٍ جسيمةٍ في إشراك الخليفة والسلطان في مواجهة هؤلاء
الغزاة ، بعد أن راح المثبطُون يُوهنون عزائم المقاتلين ؛ بأن لا طاقة لجيش الشام
مع هؤلاء المصريين بلقاء التتار .
وفي يوم المعركة نظّم المسلمون جيشهم أحسن تنظيم ، وكان السلطان
الناصر في القلب، ومعه الخليفة ((المستكفى بالله)) والقضاة والأمراء.
(١) الظاهر بيبرس ونهاية الحروب الصليبية القديمة صـ١٢٩ - ١٣٠ .
(٢) من كلام الحافظ ابن حجر في الدرر الكامنة عن الناصر .
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد السادس
٢٥٩
وقبل بدء القتال ، مَّ السلطان ومعه الخليفة والقرّاء بين صفوف جيشه ،
بقصْد تشجيعهم على القتال، وبثّ روح الحماسة فيهم. وكانوا يقرءون آيات
القرآن التي تحضُّ على الجهاد والاستشهاد ، وكان الخليفة يقول : دافعوا
عن دينكم، وعن حريمكم. ووُضعت الأحمال وراء الصفوف، وأُمِرَ الغلمان بقتْل
من يحاول الهرب من المعركة .
ولمّا اصطفَّت العساكر والتحم القتال، (( ثبت السلطان ثباتًا عظيمًا ،
وأمر بجواده فقُيِّد حتى لا يهرب ، وبايع الله تعالى في ذلك الموقف)) (١) ،
يريد إحدى الحسنيين ؛ إمّا النصر ، وإمّا الشهادة في سبيل الله . وصَدَقَ اللهَ
فصدقه اللهُ .
واحتدمت المعركة ، وحمي الوطيس ، واستحرَّ القتل ، واستطاع المغول
في بادئ الأمر أن ينزلوا بالمسلمين خسارةً ضخمةً ، فقُتِل من قُتِل من الأمراء ،
ولكنَّ الحال لم يلبث أن تحوّل بفضل الله عز وجل ، وثبت المسلمون أمام المغول ،
وقتلوا منهم مقتلةً عظيمةً، (( فلمّا جاء الليل، لجأ التتار إلى اقتحام التلول والجبال
والآكام ؛ فأحاط بهم المسلمون يحرسونهم من الهرب ، ويرمونهم عن قوس واحدة
إلى وقت الفجر ، فقتلوا منهم ما لا يعلم عدده إلّ الله عز وجل ، وجعلوا يجيئون
بهم من الجبال فتُضرب أعناقُهم)) (٢)، ثم لحق المسلمون أثر المنهزمين إلى
((القريتين)) يقتُلون منهم ويأسرون.
ووصل التتار إلى الفرات وهو في قوة زيادته ، فلم يقدروا على العبور ،
والذي عبر فيه هلك ، فساروا على جانبه إلى بغداد ، فانقطع أكثرهم على شاطئ
الفرات ، وأخذ العرب منهم جماعة كثيرة .
(١) البداية والنهاية ٢٧/١٤ .
(٢) البداية والنهاية ٢٦/١٤ .
ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://web lessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
٢٦٠
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد السادس
وكان فرح المسلمين والسلطان بهذه المعركة فرحًا كبيرًا. ودخل السلطان
مصر دخول الظافر المنتصر ، يتقدَّم موكبه الأسرى المغول يحملون في أعناقهم
رؤوس زملائهم القتلى ، واستُقبل استقبال الفاتحين .
على هلاكهم الطغيانُ والأشَرُ
إن البغاةً بني خاقانَ أقدمَهم
وحاولوا النصرَ تضليلًا فما نُصِروا
راموا - وقد حشدوا - غَلَبًا فما غَلَبوا
بك الوقائعُ في الآفاق والعصُرُ
يا وقعةَ المرجِ مَرْجِ الصُّفّر افتخرت
جرّدتِ للشرك كسرًا ليس ينجبرُ
رفعتٍ بالنصر أعلام الهدى ولقد
لقد كانت هذه الحملة التتارية ، هي آخر الحملات الكبرى التي قام
بها هؤلاء المتوخِّشون .
فما نجا سالمٌ منها وقد زحفوا
دارتْ عليهم من الشجعانِ دائرةٌ
ونكَّصوهم على الأعلام فانقصَفوا
ونكّسوا منهم الأعلامَ فانهزموا
وقُثِّلوا في البراري حيثما ثُقفوا (١).
قّوا من السيف ملعونين حيث سَرُوْا
قال ابن حجر في ((الدرر الكامنة)) عن السلطان الناصر: (( فُتحت
في أيامه قلعة ((جعبر)) و((ملطية)) و((دارندة)) و((آياس)) و((طرسوس))،
وسمع من ستِّ الوزراء وابن الشحنة ، وكان مطاعًا مَهيبًا عارفًا بالأمور ، يعظِّم
أهل العلم والمناصب الشرعية ، لا يقرِّر فيها إلّا من يكون أهلًا لها ، ويتحرّى
لذلك ويبحث عنه ويبالغ، وأسقط من مملكته مَكْس الأقوات))(٢).
كانت للناصر سيرة محمودة، ولو لم يكن له إلّا قتل ((بيبرس الجاشنكير))
الحلولي الاتحادي عدو ابن تيمية اللَّدود ؛ لكفاه . واعتنى بالعمران حتى أضحتْ
القاهرة زينة الدنيا ، واقتدى الناس به فتباروا في العمران ، يقول المقريزي :
(١) معركة شَقحب أو معركة مرج الصفر لمحمد لطفي الصباغ - المكتب الإسلامي .
(٢) الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، للحافظ ابن حجر العسقلاني ٢٦٤/٤ ، طبع
أم القرى . ومَكْسُ الأقوات : هي الضريبة التي تُفرض على الأقوات .
ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/