Indexed OCR Text
Pages 101-120
https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد السادس ١٠١ قلت : لا والله . قال : ولا أن تُمسك فَرَسي وأنزل أنا ؟ فقلت : بلى . قال : فنزل عن فرسه وغرزَ أطراف ثيابه في مِنْطَقِهِ ، واستَلَّ سيفَهُ ورمى بِقِرابِهِ إِلَّي، ثم تقدَّم إلى الأسد ، فوثَبَ الأسدُ عليه ، فضربَهُ بالسيف فأطارَ يدَهُ، فاشتغل الأسدُ بيده ، فضربَهُ ثانيةً على هامَتِهِ فَفَلَقَها ، فخَرّ الأَسدُ صريعًا ، فدنا منه فمسح سيفه في صُوفِهِ ، ثم أقبل إِلَّي فَأَغْمَدَ سيفَهُ في قِرابه ، ثم ركبَ فرسَهُ ، فذهبْنا إلى العسكر . قال : وصَحِبْتُهُ إلى أن مات ، فما سمعتُهُ ذَكَرَ ذلك لأحدٍ ، فما أدري من أي شيءٍ أَعْجَبُ ؛ من شجاعتِهِ ، أم من عَدَمِ احتفاله بذلك ، حيث لم يَذْكُرُه لأحدٍ ، أم من عدم عَتْبِهِ علَّ حيث ضننْتُ بنفسي عنه ؟! والله ما عاتبني في ذلك قطُّ . أَبْطَلَ رحمه الله الاحتفال بالنَّيْرُوز . ((أسقَطَ المعتضدُ المَكْس، ونَشَرَ العدل، وقلَّل من الظُّلم ، وكان يسمَّى السَّفَاحِ الثاني ، أحيا رميمَ الخلافة التي ضعفتْ من مقتل المتوكِّل . وكان ملكًا مهيبًا، شجاعًا ، شديد الوطأةِ ، من رجال العالم ، يُقدم على الأسد وحده )»(١). قالوا في رثائه : صلاحَ مُلْكِ بني العِبَّاسِ إِذ فسدًا ؟ أين الوثوبُ إلى الأعداءِ مُبتغيًا وَتَخْبِطُ العالي الجِبَّار مُعتِمِدا ما زلتَ تَفْسِرُ منهم كُلّ قَسْوَرَةٍ أين اللُّيُوثُ التي صَيَّرَتَهَا بُعْدًا(٢) أين الأعادي الأُلَى ذَلَّلْتَ مُصْعَبَهُمْ (١) السير ١٣ / ٤٦٣ - ٤٦٩ . (٢) في ((البداية)): ((صيَّرتها نقدًا)) وفي ((تاريخ الخلفاء)): ((صيَّرتها بردًا)). تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://web lessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ١٠٢ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السادس الخليفة المُتَّقِي لله ، كان كاسْمِهِ : أبو إسحاق : إبراهيم بن المقتدر بن المعتضد . قال ابن كثير عنه: ((كان كاسمه المتقي الله ، كثير الصيام والصلاة والتَّعُبُّد ، وقال: لا أُريد جليسًا ولا مُسامِرًا، حسبي المصحف نديمًا، لا أُرِيد نديمًا غيره ))(١). القادر بالله ، المتهجِّد العالم : الخليفة أبو العبّاس أحمد بن إسحاق بن المقتدر . كان ديّنًا عالمًا متعبِّدًا وقورًا، من جِلَّة الخلفاء وأمْتَلِهِم، عدَّهُ ابنُ الصَّلاح في الشافعيَّة . (( قال الخطيب : كان من الدِّين وإدامة التَّهجُّد، وكثرة الصَّدَقات ، على صفةٍ اشتُهرتْ عنه . وصنَّف كتابًا في الأُصول ، ذكر فيه فَضْلَ الصحابة وإكفار من قال بخلق القرآن ، وكان ذلك الكتاب يُقرأ في كلِّ جمعةٍ في حلْقةِ أصحاب الحديث ، ويحضره الناس مدَّةَ خلافته ، وهي إحدى وأربعون سنة وثلاثة أشهر))(٢). وكان رحمه الله يلبس زئَّ العامَّة . واستتاب القادرُ فقهاءَ المعتزلة، فتبَرُّوا من الاعتزال والرّفْض، وأُخذت خطوطُهم بذلك . وامْتَثَلَ ابن سبكتكين أمْرَ القادر ، فبثَّ السُّنَّة بممالكه، وتهدَّد بقتْل (١) البداية والنهاية ١١ / ٢١١ . (٢) تاريخ بغداد ٤ / ٣٧ - ٣٨ . https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد ttps://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد السادس ١٠٣ الرّافِضة والإسماعيليّة والقرامطة، والمشبِّهة والجهميَّة والمعتزلة ولُعنوا على المنابر(١). السلطان الملك الكبير يمين الدولة ، فاتح الهند : أبو القاسم محمود بن سبكتكين ، صاحب خراسان والهند : قال ابن كثيرٍ عنه: (( يمين الدولة ، وأمينُ المِلَّة ، وصاحب بلاد غزنة وما والاها ، وجيشه يُقال لهم : السَّامانية . سار فيهم وفي سائر رعاياه سيرةً عادلةً ، وقام في نصْر الإِسلام قيامًا تامًّا ، وفتح فتوحاتٍ كثيرةً في بلاد الهند وغيرها ، وعظُم شأنُه، واتَّسعتْ مملكتُه، وامتدَّتْ رعاياه ، وطالت أيامُه لعدله وجهاده ، وما أعطاه الله إياه ، وكان يخطب في سائر ممالكه للخليفة القادر بالله ، وكانت رُسُل الفاطميِّين من مصر تَّفِدُ إليه بالكتب والهدايا لأجل أن یکون من جهتهم ، فیحرق بهم ، ويحرق کتبهم وهدایاهم ، وفتحَ في بلاد الكفار من الهند فتوحاتٍ هائلةً ، لم يتَّفِقْ لغيره من الملوك ، لا قَبْلَه ولا بَعْدَهُ ، وَغَنمَ مغانمَ منهم كثيرةً لا تنحصر ولا تنضبط ، من الذهب واللآلئ والسَّبِّي ، وكَسَرَ من أصنامهم شيئًا كثيرًا، وأخَذَ من حليتها . ومن جملة ما كَسَر من أصنامهم صنم يُقال له: ((سومنات )) ، بلغ ما تحصَّل من حليته من الذهب عشرين ألف ألف دينار، وكَسَر ملكَ الهند الأكبر الذي يُقال له: ((صينان))، وقَهَرَ ملكَ التُّرك الأعظم الذي يُقال له: ((إيلك خان))، وأباد مُلك السامانية، وقد ملكوا العالم في بلاد سمرقند وما حولها ثم هلكوا ، وبنى على جيحون جسرًا تعجز الملوك والخلفاء عنه ، غرم عليه ألفي ألف دينار ، وهذا شيءٌ لم يتَّفِق لغيره ، وكان في جيشه أربعمائة فيل تُقاتل، وهذا شيءٌ عظيم هائل ، وكان مع هذا في غاية الدِّيانة والصِّيانة وكراهة المعاصي وأهلها ، لا يحبُّ (١) السير ١٥ / ١٢٧ - ١٣٥ . بعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد ttps://arabessam.blogspot.com/ ١٠٤ صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد السادس منها شيئًا ، ولا يَأْلَفُه ، ولا أن يسمع به ، ولا يجسُر أحدٌ أن يُظهر معصيةً ولا خمرًا في مملكته ، ولا غير ذلك ، ولا يحبُّ الملاهي ولا أهلها ، وكان يحبُّ العلماء والمحدِّثين ، ويُكرمهم ويُجالسهم ، ويحبّ أهلَ الخير والدِّين والصَّلاح ، ويُحسن إليهم ، وكان حنفيًّا، ثم صار شافعيًّا على يدي أبي بكر القفّال الصغير، على ما ذَكَرَهُ إمامُ الحرمين وغيرُه . وكان على مذهب الكَرَّاميَّة في الاعتقاد ، ونقم على ابن فورك كلامَهُ ، وأَمَرَ بطرده وإخراجه ، لموافقته لِرَأي الجهميّة. وكان عادلًا جيِّدًا، اشتكى إليه رجلٌ أن ابن أُخت الملك يهجم عليه في داره وعلى أهله ، في كلِّ وقت ، فُيُخرجه من البيت ويختلي بامرأته ، وقد حارَ في أمره ، وكُلَّما اشتكاه لأحدٍ من أُولي الأمْرِ ، لا يجسُر أحدٌ عليه ، خوفًا وهيبةً للملك . فلمَّا سمع الملكُ ذلك ، غضب غضبًا شديدًا ، وقال للرجل : ويحك ، متى جاءك فَأْتِنِي فَأَعْلِمْني ، ولا تسمعنَّ من أحدٍ مَنَعَك من الوصول إلَّي ، ولو جاءك في الليل فأتِنِي فأعلمني . ثم إن الملك تقدَّم إلى الحَجَبَة وقال لهم : إن هذا الرجل متى جاءني لا يمنعه أحدٌ من الوصول إلَّي من ليل أو نهار . فذهب الرجل مسرورًا داعيًا ، فما كان إلَّا ليلة أو ليلتان حتى هَجَمَ عليه ذلك الشَّابُّ ، فأخرجه من البيت ، واختلى بأهله ، فذهب باكيًا إلى دار الملك ، فقيل له : إن الملك نائم . فقال : قد تقدَّم إليكم أن لا أُمنع منه ليلًا ولا نهارًا. فنبَّهُوا الملك ، فخرج معه بنفسه وليس معه أحد ، حتى جاء إلى منزل الرجل فنظر إلى الغلام وهو مع المرأة في فراشٍ واحدٍ ، وعندهما شمعةٌ تَقِدُ، فتقدّم الملك فأطفأ الضوءَ، ثم جاء فاحتَّ رأس الغلام ، وقال للرجل : ويحك ، الحقني بشربة ماءٍ . فأتاه بها فشرب ، ثم انطلق الملك ليذهب ، فقال له الرجل : بالله ، لِمَ أطفأتَ الشمعة ؟ قال : ويحك ، إنه ابن أختي ، وإني كرهتُ أن أُشاهِدَهُ حالةَ الذَّبح . https://web1essam.blogspot.com/ بعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السادس ١٠٥ فقال : وَلِمَ طلبتَ الماءِ سريعًا ؟ فقال الملك : إني آليتُ على نفسي منذ أخبرتَنِي ، أن لا أطعم طعامًا ولا أشرب شرابًا حتى أنصرك ، وأقوم بحقّك ، فكنتُ عطشان هذه الأيام كلّها ، حتى كان ما كان ممَّا رأيتَ . فدعا له الرجل، وانصرف الملك راجعًا إلى منزله ، ولم يشعر بذلك أحد)) (٢٠١). سنة ٤١٨هـ كَسْر ((سومنات)) صنم الهند الأكبر: قال ابن كثير في أحداث سنة ثمان عشرة وأربعمائة: ((وفيها ورد كتابٌ من محمود بن سبكتكين ، يذكر أنه دخل بلاد الهند أيضًا ، وأنه كَسَرَ الصنم الأعظم الذي لهم ، المُسمَّى بسومنات ، وقد كانوا يفدون إليه من كُلِّ فجّ عميقٍ ، كما يفد الناس إلى الكعبة البيت الحرام وأعظم ، ويُنفقون عنده النفقات والأموال الكثيرة التي لا تُوصَف ولا تُعَدّ ، وكان عليه من الأوقاف عشرة آلاف قرية ، ومدينة مشهورة ، وقد امتلأت خزائنه أموالًا ، وعنده ألف رجلٍ يخدمونه ، وثلاثمائة رجل يحلقون رؤوسَ حجيجه ، وثلاثمائة رجل يُغنُّون ويرقصون على بابه ، لما يضرب على بابه الطبول والبوقات ، (١) البداية والنهاية ١٢ / ٣٢ - ٣٣. (٢) قال السبكي في طبقات الشافعية (٥ / ٣٢١): ((قلت: وفي هذه الواقعة من هذا السلطان ، ما يدلّ على حُسْن ◌ِيَّته ، وتحَرِّيه العدل غير أنها ممزوجٌ عدْلُها بالجهل بالشريعة ، فلم يكن له لو ثَبَتَ عنده أنه زنى بعد الإِحصان أن يتعدَّى الرَّجْم إلى حَز الرقبة ، ثم ليس في الحكاية ما يقتضي ثبوتَ الزّنا عنده ، فإنه لم يُشاهده يزني ، ولو فُرِضت مشاهدتُه إياه زانيًا ، وأنه علم زناه وتحقّقه بالقرائن ، فهي مسألة القضاء في الحدود بالعلم . ومِن هذا وأشباهه يُعْرَف سُِّ الشريعة ، في اشتراط كون السلطان مجتهدًا ؛ لأن غيرَ العالم إذا تحَّى العدل لا يتأتَّى له إلا بصعوبةٍ شديدةٍ ، بخلاف العالِم ، فإنه يعرف ما يأتي وما يَذَر )). تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ١٠٦ صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد السادس وكان عنده من المجاورين أُلوفٌ يأكلون من أوقافه ، وقد كان البعيد من الهنود يتمنَّى لو بلغَ هذا الصنمَ ، وكان يعوقه طُولُ المفاوز وكثرةُ الموانع والآفات ، ثم استخار اللهَ السلطانُ محمود، لَمَّا بَلَغَهُ خبرُ هذا الصنم وعُبّاده ، وكثرة الهنود في طريقه، والمفاوز المُهلكة ، والأرض الخطرة ، في تجثُّم ذلك في جيشه ، وأن يقطع تلك الأهوال إليه ، فَنَدَبَ جيشَهُ لذلك ، فانْتَدَبَ معه ثلاثون ألفًا من المُقاتلة ، ممَّن اختارهم لذلك ، سوى المتطوِّعة ، فسلّمهم الله حتى انتهوا إلى بلد هذا الوثن ، ونزلوا بساحة عُبّادِهِ ، فإذا هو بمكانٍ بقدْر المدينة العظيمة . قال : فما كان بأسرع من أن مَلَكْناهُ ، وقتلْنا من أهله خمسين ألفًا، وقلعْنا هذا الوثنَ ، وأوقدْنا تحته النار . وقد ذَكَرَ غيرُ واحدٍ أن الهنود بذلوا للسلطان محمود أموالًا جزيلة ؛ ليترك لهم هذا الصنم الأعظم ، فأشار مَنْ أشار من الأمراء على السلطان محمود بأخذ الأموال ، وإبقاء هذا الصنم لهم ، فقال : حتى أستخير الله عز وجلَّ . فلمَّا أصبح قال : إني فكّرتُ في الأمر الذي ذُكِر ، فرأيتُ أنه إذا نُودِيتُ يوم القيامة : أين محمود الذي كسر الصَّنَمَ ؟ أحبُّ إلَّي مِنْ أن يُقال: الذي تَرَكَ الصَّنم لأَجْلِ ما يناله من الدنيا. ثم عَزَمَ فَكَسَرَهُ ، رحمه الله ، فوجد عليه وفيه من الجواهر واللآلئ والذهب والجواهر النفيسة ما ينيف على ما بذلوه له بأضعافٍ مضاعفة ، ونرجو من الله له في الآخرة الثواب الجزيل ، الذي مثقالُ دائقٍ منه خيرٌ من الدنيا وما فيها ، مع ما حصَلَ له من الثناء الجميل الدنيوي، فرحمه الله وأُكْرَمَ مثواه )»(١). يقول الدكتور عدنان علي رضا النحوي: ((لَمَّا جاء السلطان محمود الغزنوي ، كان همُّه الأَوَّل هو نشر الإِسلام ، وإزاحة الشرك والوثنية ، (١) البداية والنهاية ١٢ / ٢٤ - ٢٥. تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /ttps://arabessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السادس ١٠٧ واستمرّ جهادُه في الهند خمسًا وعشرين سنةً فَهَزَمَ الملكَ ((جيبال))، وفتح السلطانُ قلعة ((كواكير)) وحطّم أصنامها التي بلغت ستمائة صنم ، وهزم الملك (( أنندبال)) في صحراء بيشاور ، وأبلتِ النساءُ المسلماتُ في الحرب بلاءً عظيمًا، وفَتَحَ قلعةَ ((نكركوت)) وحطّم صنمهم الأعظم هناك. وكذلك اتّجه إلى تهانسير ليحطّم الصنم الذي كانوا يُعظِّمونه كثيرًا، وحاول أحدُ ملوك الهندوس ثَنْيَهُ عن عَزْمِهِ هذا بإغرائه بالمال الوفير ، فأجابه السلطان محمود: ((إنَّنا مسلمون ، نعمل لنشر الإسلام وهدم الأصنام ومعابدها ، وبذلك نجد أضعافًا مضاعفةً من الأجْرِ والثواب عند الله ، ولا حاجةً لنا بهذا المال)». وعندما توجَّه السلطان محمود إلى كشمير ، أسلم ملكُها على يديه. ثم توجَّه إلى كجرات ، وقصد معبد (( سومنات )) فيها ، حيث كان يوجد صنم من أعظم أصنام الهند ، وكان الوثنيون يحجُّون إليه كل ليلة خسوف ، وحاول الوثنُّون إقناعَهُ بالعدول عن عزمه ذلك، وعرضوا عليه الأموال الطائلة، فأبى وقال: (( ما خرجت إلّا لتحطيم الأصنام وإعلاء كلمة الله )). وَفَتَحَ أماكن عدَّة في الهند ، وينتقل من نصرٍ يَمُنُّ الله عليه به إلى نصرٍ ، ويدعو إلى الإِسلام ويحطّم الوثنيَّة بكل صورها . ولقد نشر السلطانُ محمود الغزنويّ العلومَ في مملكته ، وقَرَّب العلماءَ والتقاة الصالحين))(١). قال الدكتور عدنان النحوي: ((لقد قام السلطان محمود الغزنوي من غزنة عاصمة مُلكه في أفغانستان ، فتابَعَ حملاته إلى داخل الهند ، وقاد سبع عشرة حَمْلَةً على شبه القارة الهنديّة بين سنتي ٣٨٩هـ - ٤١٦هـ. (١) ملحمة الإِسلام في الهند ، للدكتور عدنان علي رضا النحوي صـ ١٣٥ - ١٣٦ - طبع دار النحوي . بعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ١٠٨ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد السادس وتوفي وترك دولةً مسلمةً واسعةً تَضُمُّ : زابلستان ، وخوارزم ، خراسان ، طبرستان ، أصفهان ، كرمان ، ومكران ، والسند، والبنجاب ))(١). وطيوفُ ((غَزْنَةَ )) لم تَزَلْ في ساحها أصداءُ فرسانٍ وَخَفْقُ مُهَنَّدٍ للهِ أفئدةٌ وَلَهْفَةُ أَكْبُدٍ أَبْلَى بها ((محمودُ )) حتى أسلمتْ جَمَعَ الأئمةَ في وَغِى أو مسجدٍ طُوبى لسلطانٍ أُبَّ مجاهدٍ ماضٍ لملحمةٍ وأَكْرَمِ مَوْرِدٍ (١) جَمَعَ الأئمةَ حولَهُ في موكبٍ الذهبُّ يُثني على ابن سبكتكين : قال الذهبي في ((السير)) عن ابن سبكتكين: ((خافَتْهُ الملوكُ، واستولى على إقليم خراسان ، ونَّفَّذ القادرُ بالله خِلَعَ السَّلْطَنة ، ففرضَ على نفسِهِ كُلِّ سنةٍ غَزْوَ الهندِ ، فافتتح بلادًا شاسعةً ، وكسر الصَّنَّم سُومنات ، الذي كان يعتقدُ كَفَرَةُ الهند أنه يُحِي ويُميت ، ويَحُجُونه ، ويُقَرِّبون له النفائسَ ، بحيثُ إنَّ الوقوفَ عليه بلغتْ عشرةَ آلاف قرية ، وامتلأتْ خزائنُه من صُنُوف الأموالِ ، وفي خدمته من البَرَاهمة ألفا نَفْسٍ ، ومائَةُ جَوْقَة مغاني رجال ونساء، فكان بين بلاد الإِسلام وبينَ قلعة هذا الصَّنَم مفازةٌ نَحْوَ شهرٍ ، فسار السلطانُ في ثلاثين ألفًا ، فيسَّرَ اللهُ فتحَ القلعةِ في ثلاثة أيام ، واستولى محمود على أموالٍ لا تُحصى ، وقيل: كان حَجَرًا شديدَ الصَّلَابَةِ طولُه خمسةُ أُذْرُع، مُنَزَّلٌ منه في الأساس نحو ذراعين ، فأحرقه السلطانُ ، وأخذ منه قطعةً بناها في عَتَبَة بابِ جامعٍ غَزْنة ، ووجدوا في أُذُن الصنم نَيِّفًا وثلاثين حَلْقَةً؛ كُلُّ حلقةٍ يزعمُون أنها عبادَتُه ألفَ سنة(٢). (١) ملحمة الإِسلام في الهند صـ ٧٧ ، ١٦٥ . (٢) الكامل ٩ / ١٣٠ - ١٣١، ١٣٩، ١٤٦، ١٤٨، ٢٠٦، ٢٠٧، ٢٤٤، ٣٤٢ - ٣٤٦. وطبقات السبكي ٥ / ٣١٧، ٣١٨. ووفيات الأعيان ٥ / ١٧٦ - ١٧٩ . ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السادس ١٠٩ وكان السلطانُ مائلًا إلى الأثر إلا أنَّه من الكَرَّامِيَّة . قال أبو النَّضر الغامُي: لمَّا قَدم التَّاهَرْتُّي الداعي من مصر على السُّلطان يدعُوه سِّا إلى مذهبِ الباطنيّة، وكان التَّاهَرْتُّي يركَبُ بَغْلًا يَتَلَوَّنُ كُلَّ ساعةٍ من كلِّ لونٍ، ففهم السلطانُ سِرَّ دعوتِهِم ، فغضبَ ، وقَتَلَ التَّاهَرتَّ الخبيثَ ، وأهدى بغلَهُ إلى القاضي أبي منصور محمدٍ بن محمد الأُزْدِي ؛ شيخ هَرَاة، وقال: كان يَرْكَبُه رأسُ المُلْحِدِينِ، فَلَيَركَبْه رأسُ المُوحِّدين(١). قال عبدُ الغافر الفارسُي في ترجمة محمود : كان صادقَ النِّيّة في إعلاءِ الدِّين، مُظَفِّرًا كثيرَ الغَزْوِ ، وكان ذكيًّا بعيدَ الغَور ، صائبَ الرَّأْي، وكان مجلسُه مَوْرِدَ العُلماء . قال أبو علي بنُ البنّاء : حكى علّ بنُ الحسين العُكْبَرُ ، أنه سمع أبا مسعود أحمدَ بنَ محمد البَجَلَّ قال : دخلَ ابنُ فُورَك على السلطان محمود ، فقال : لا يجوزُ أن يُوصف اللهُ بالفوقَّة ؛ لأنَّ لازمَ ذلك وَصْفُه بالتحتيّة ، فمَن جازَ أن يكونَ له فوقٌ ، جاز أن يكونَ له تحتٌّ . فقال السلطانُ : ما أنا وصفتُه حتى يلزمَني ، بل هو وصفَ نفسَه . فَبُهِتَ ابن فُورَك ، فلما خرج من عنده مات . فيقال : انشقَّتْ مرارَتُه . قال عبدُ الغافر : قد صُنِّف في أيام محمود وأحوالِه لحظة لحظة ، وكان في الخيرِ ومصالحِ الرعيّة، يُسِّرَ له الإِسارُ(٢) والجنودُ والهيبةُ والحشمةُ ، مِمَّا لم يَرَهُ أحد . (١) طبقات السبكي ٥ / ٣١٩ - ٣٢٠ . (٢) القوة . ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ١١٠ صلاحِ الأمة في عُلُوُّ الهمة - المجلد السادس وقال أبو النضر محمدُ بنُ عبد الجبار العُثْبي في كتاب ((اليميني))(١) في سيرة هذا الملك ، قيل فيه : على أنْجُمِ سَامَانِ أَظَلَّتْ شَمْسُ محمودٍ عَبيدًا لابنِ خاقانِ وأمسى آلُ بِهْرامٍ إلى سَاحَةِ جُرْجَانِ فمِنْ واسِطَةِ الِهِنْدِ إلى أَقْصَى خُراسانٍ وَمِنْ قاصِيَةِ السِّدِ وَيَوْمًا رُسُل الخانِ فَيَوْمًا رُسُلِ الشَّاهِ كانت غَزَواتُ السلطان محمودٍ مشهورةً عديدةً ، وفتوحاتُه المبتكرة عظيمة . قرأتُ بخَطِّ الوزير جمال الدين بن علي القِفْطي في سيرته : قال كاتبُه الوزيرُ ابنُ الميمندي: جاءنا رسولُ الملكِ ((بَيدا)) على سريرٍ كالنَّعش؛ بأربع قوائم يحمِلُه أربعةٌ ، وكان السلطانُ يُعظّم أَمَرَ الرُّسُل لِما يفعلُه أصحابُهم بُرُسُله . قال: فَحُمِلَ على حالته حتى صار بين يديه ، فقال له الهندُ : أَّ رجلٍ أنتَ ؟ قال: أدعُو إلى الله، وأُجاهِدُ مَنْ يُخالف دينَ الإِسلام . قال : فما تُريد منا ؟ قال: أن تتركُوا عبادة الأصنام، وتلتَزِمُوا شُرُوط الدين ، وتأكُلُوا لحم البَقَر . وتردَّد بينهما الكلامُ ، حتى خوَّفه محمودٌ وهدَّده ، وقال الحاجبُ للهنْدي : أتدري لمَنْ تُخاطِبُ ؟ وبين يَدَيْ أَّ سُلطانٍ أَنتَ ؟ فقال الهندُّ: إن كان يدعو إلى اللهِ كما يزعمُ ، فليس هذا من شُرُوط ذلك ، وإن كان سُلطانًا قاهرًا لا يُنصفْ ، فهذا أمرٌ آخر . فقال الوزيرُ: دَعُوه . ثم ورد الخبرُ بتشويش ◌ُراسان ، وضاقَ على صاحب الهندِ الأمرُ، ورأى أنَّ بلادَه تَخْرَبُ ، فنفَّذَ رسولًا آخر، وتلطّف ، وقال : (١) نسبة إلى يمين الدولة ، وهو لقب السلطان محمود . ـبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com صلاحِ الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السادس ١١١ إِنَّ مُفارقة ديننا لا سبيل إليه ، وليس هنا مال نُصالِحُكَ عليه ، ولكن نجعلُ بيننا هُدْنَةً ، ونكونُ تحت طاعَتِك. قال: أُريد ألفَ فيلٍ وألف مَنَّا ذهبًا. قال : هذا لا قُدرة لنا عليه . ثم تقرّر بينهما تسليمُ خمسمائة فيلٍ وثلاثةِ آلاف من فِضَّة، واقترحَ محمودٌ على الملك بَيْدا أن يلبس خِلْعَتَه ، ويَشُدَّ السيفَ والمِنْطَقَةِ(١) ، ويضرب السِّكَّةَ باسمه . فأجابَ ، لكنّه استعفى من السِّكَّة ، فكانت الخِلْعَةُ قَبَاءً نُسِجَ بالذَّهَبِ ، وعمامةَ قَصَبٍ ، وسيفًا مُحَلَّى، وفرسًا وخُفًّا، وخائَمًا عليه اسمُه ، وقال لرسوله : امضٍ حتى يَلْبَس ذلك ، وينزِلَ إلى الأرضِ ، ويقطعَ خائَمَه وأُصْبُعَه، ويُسَلِّمها إليكَ ، فذلك علامةُ التَّوْثِقَة . قال : وكان عند محمودٍ شيءٌ كثيرٌ من أصابع المُلُوك الذين هادَنَهم . قال ابنُ الميمندي الوزيرُ : فذهبْتُ في عشرةٍ مماليك أتراك ، وجئنا وصحنا : رسولٌ رسولٌ. فكفُّوا عن الرَّمْي، فَأُدخِلنا على المَلِكِ ، وهو شابٌ مليحُ الوجه على سرير فضة ، فخدمتُه بأن صفقْتُ بيدَيَّ ، وانحنيتُ عليهما ، وقلتُ : جُوْ. فكان جوابه : بَاهْ. وأجلسني ، وقَرَّبَنِي ، وأخذ يشكو ما لَحِقَ البلادَ من الخَرَابِ ، ثم لبس الخِلْعَةَ بعد تَمنُّع ، وتعمّم له تركّ، وطالبتُه بالحَلِف ، قال: نحلِفُ بالأصنام والنار ، وأنتم لا تَقنعون بذلك . قلتُ : لا بدَّ. وأحجمتُ عن ذكر الأُصْبْعُ، فأخرج حديدةً قطع بها أَصْبُعَه الصغرى ولم يكتَرِثْ ، وعمل على يده كافُورًا ، وَدُفِعَتْ إِلَّي، وقال : قُل لصاحِبِكَ: اكفُفْ عن أذى الرعيَّة . فرجع السُّلطانُ إلى خُراسان ، ونفَّذَ إليه ابنُ مروان صاحبُ ديار بكر هديَّةٌ ، فردَّها وقال : لم أردَّها استقلالًا، ولكن علمتُ أنَّ قصدكَ المخالطةُ والمصادقةُ ، ويقبُحُ بي أن (١) كلّ ما شدّ في الوسط. تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ١١٢ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السادس أَصَادِق مَن لا أقدِرُ أن أَنصُره ، وربما طرقَكَ عدوٌّ وأنا على ألف فرسخٍ منك ، فلا أتمكَّنُ من نُصرتك . ثم بلغ السلطانَ أنَّ الهنودَ قالوا: أَحْرَبَ أكثرَ بلادِ الهند غضبُ الصنمِ الكبيرِ سُومَنات على سائر الأصنام ومَنْ حولها . فَعَزَمَ على غَزْو هذا الوَثْن، وسار يَطوي القِفَار في جَيْشِه إليه، وكانوا يقولون: إنه يَرِزُق ويُحيي ويُميت ويسمع ويَعي. يَحُجُّون إليه ، ويُتْحِفونه بالنفائس، ويتغالَون فيه كثيرًا ، فتجمَّع عند هذا الصنمِ مالٌ يتجاوزُ الوصْفَ ، وكانوا يَغْسِلُونه كُلِّ يوم بماءٍ وعَسٍ ولبنٍ ، وينقُلُون إليه الماءَ من نهرٍ ((حيل)) مسيرةً شهر ، وثلاثمائة يَحِلِقُون رؤُّوس حُجّاجِه ولِحَاهم، وثلاثمائة يُغَنُّون . فسار الجيشُ من غَزْنة ، وقطعُوا مَفازةً صعبةً ، وكانوا ثلاثين ألف فارس وخلْقًا من الرَّجَّالة والمُطَّوِّعة، وَقَوَّى المُطَّوِّعةَ بخمسين ألف دينار ، وأنفقَ في الجيش فوقَ الكِفَاية، وارتحل من (( المُليا)) ثاني يوم الفطر سنة ٤١٦، وقاسَوْا مَشَاقٌّ ، وبِقُوا لا يجدون الماءَ إلا بعد ثلاثٍ ، غطّاهُم في يومٍ ضبابٌ عظيم ، فقالت الكَفَرةُ : هذا مِنْ فعل الإِله سُومَنات . ثم نازل مدينةَ أَنْهَلْوارة ، وهرب منها مَلِكُها إلى جزيرة ، فأخرب المسلمون بلدَهُ ، ودكُوها ، وبينها وبين الصنم مسيرةُ شهرٍ في مفاوز ، فساروا حتى نازَلُوا مدينة دَبُولوارة ؛ وهي قَبْل الصَّنَمِ بيومين ، فَأُخِذَتْ عَنْوَةً ، وكُسِرتْ أصنامُها ، وهي كثيرةٌ الفواكِه ، ثم نازلوا سُومنات في رابع عشر ذي القعدة ، ولها قلعةٌ منيعةٌ على البحر ، فوقع الحصارُ ، فُنُصِبت السَّلالمُ عليها ، فهرب المُقاتِلةُ إلى الصَّنَم، وتضرَّعُوا له ، واشتدَّ الحالُ، وهم يَظُنُّون أنَّ الصنم قد غضب عليهم ، وكان في بيتٍ عظيمٍ منيع ، على أبوابه السُُّورُ الدِّيباجُ، وعلى الصنم من الحُلِّ والجواهر ما لا يُوصَف ، والقناديل تُضِيُ ليلًا ونهارًا، على رأسِهِ تاجٌ لا يُقَوَّم ، يندهِشُ منه الناظُرُ ، ويجتمعُ عنده في عيدهم https://weblessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السادس ١١٣ نحوُ مائة ألف كافر ، وهو على عرشٍ بديعِ الَّخرفة ؛ علوّ خمسةٍ أذرع ، وطولُ الصنم عشرةُ أَذْرُع ، وله بيتُ مالٍ فيه من النفائسِ والذهبِ ما لا يُحصى ، ففرَّق محمودٌ في الجند مُعْظَمَ ذلك ، وزعزعَ الصنمَ بالمعاوِل ، فخَّ صريعًا. وكانت فرقةٌ تعتقِدُ أنه مَنَاةُ ، وأنه تحوَّلَ بنفسِهِ في أيام النُّبُوة من ساحل جُدَّة ، وحَصَلَ بهذا المكان ليُقْصَد ويُحَجَّ ، مُعَارَضَةً للكعبة ، فلمَّا رآه الكفارُ صريعًا مهينًا، تحسّرُوا ، وسُقِط في أيديهم، ثم أُحرِقَ حتى صار كِلْسًا ، وأُلقيت النيرانُ في قصور القلعة ، وقُتل بها خمسون ألفًا، ثم سار محمودٌ لأُسْرِ المَلِك ((بهيم))، ودخلوا بالمراكب ، فَهَرَبَ ، وافتتح محمودٌ عدةَ حصون ومدائن ، وعاد إلى غَزْنة ، فدخلها في ثامن صفر سنة سبع عشرة ، ودانت له الملوكُ ، فكانت مدةُ الغَيبة مائةً وثلاثة وستين يومًا . وفي سنة ثمان عشرة سار إلى بَلْخ، وجهَّز جيشَه إلى ما وراء النهر في نُصرة الخانيَّة ، وكان علّي بنُ تكين قد أغار على بُخارى ، فضاق قدر خانُ به ذرعًا ، واستنجد محمودًا ، ففَّ ابنُ تكين ، ودخل البِرِّيَّة . ثم حارب محمودٌ الغَُّ ، وقبضَ على ابن سلجوق مُقَدَّمِهم ، فثارت الغُرُّ ، وأفسدوا ، وتفرّغُوا للأذى، وتعبتْ بهم الرَّعِيَّةُ، واستحْكَمَ الشَّ، وأقام محمودٌ بنيسابور مدَّةً ، ثم في عشرين قصدَ الرَّ، وأخَذَها ، وقبضَ على مَلِكِها مجدِ الدولة بنِ بُوَيْه ؛ وكان ضعيفَ التدبير ، فضُرِبَ حتى حَمَلَ ألفَ ألفِ دينار ، وصَلَبَ محمودٌ أُمراءَ من الدَّيْلَم، وجرتْ قبائحُ وظُلم ، ثم جَهَّزَ محمودٌ ولدَه مسعودًا ، فاستولى على أصْبَهان ، ثم رجع السلطانُ إلى غَزْنة عليلًا ، فمات في ربيع الأول سنة إحدى ، وأمسى وقد فارَقَتْهُ الجُنُود، وتنكَّسَتْ لحُزنه البُنود ، وناح عليه الوالد والمولودُ، وسَكَنْ ظُلمةَ اللُّحُود . https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ١١٤ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السادس وقد خُطب له بالغُور وبخُراسان والسِّند والهِند ، وناحية خوارزم وبلخ ؛ وهي من خُراسان ، وبجُرْجان وطَبَرِستان والّ والجِبَالِ، وَأَصْبَهَان وَأَذْرَ بِيجان ، وهَمْدانٍ وأَرمِينية . وكان مُكرِمًا لأمرائه وأصحابِه ، وإذا نَقَمَ عاجَلَ ، وكان لا يفتُر ولا يكاد يَقُرُّ . سار مرةً في خمسين ألف فارس ، وفي مائتيْ فيل ، وأربعين ألف جَمَّازة(١) تحمِل ثِقْل العساكر، وكان يعتقدُ في الخليفة ؛ ويخضَعُ لجَلَالِهِ ، ويحملُ إليه قناطيرَ من الذَّهب ، وكان إلْبًا على القرامطة والإسماعيلَّة وعلى المتكلِّمين، على بدعةٍ فيه فيما قيل ، ويغضَبُ للكَّامِيَّةِ))(٢). وَرَدَ إليه الداعي من الحاكم ( الخليفة الفاطمي ) يدعوه إلى طاعته ، فَخَرَقَ كتابَهُ وبَصَقَ عليه(٣). قال عنه السبكي في طبقات الشافعية: ((أَحَد أئمة العدل ، ومَنْ دانت له البلاد والعباد وظهرتْ محاسنُ آثاره . كان إمامًا عادلًا شجاعًا ، مفرطًا، فقيهًا فَهِمَّا، سمحًا جوادًا. وهو أحد أربعة لا خامسَ لهم في العدل بعد عمر بن عبد العزيز : نور الدين محمود زنكي وصلاح الدين ونظام المُلك . وممَّا كتبه إلى أمير المؤمنين القادر بالله : لقد كان العبد يتمنَّى قلْع هذا الصنم ، ويتعرَّف الأحوال، فتُوصَف له المفاوز إليه ، وقلّة الماء ، وكثرة الرمال ، فاستخار العبد الله في الانتداب لهذا الواجب طلبًا للأجْر ، ونَهَضَ في شعبان سنة ست عشرة في ثلاثين ألف فارس ، سوى (١) الجَمَّازة: ناقة تعدو الجَمَّزَى، وهو ضَرْب من العَدْوِ دون الحُضْرِ الشديد، وفوق العَنَق . (٢) سير أعلام النبلاء ١٧ / ٤٨٤ - ٤٩٢. (٣) المنتظم ٧ / ٢٦٢، والسير ١٥ / ١٣٣. ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السادس ١١٥ المُطَّوِّعة ، وفَّق في المطّوّعة خمسين ألف دينارٍ معونةً ، وقضى الله بالوصول إلى بلد الصنم ، وأعان ، حتى مُلِكَ البلد وقُلِع الوثنُ ، وأُوقِدتْ عليه النار حتى تقطّع ، وقُتل خمسون ألفًا من البلد . وقد كان محمود افتتحَ قبل ذلك من الهند أماكنَ منيعةً ، وغَنم أموالًا كثيرة ، وكتبَ إلى أمير المؤمنين: إن كتاب العبد صدر في غَزْنة ، لنصف المحَّم سنة عشر ، والدين مخصوصٌ بمَزيد الإِظهار ، والشّرك مقهورٌ بجميع الأقطار ، وانْتَدَبَ العبدُ لتنفيذ الأوامر ، وتابع الوقائع على كُفَّار السِّند والهند ، فرتَّب بنواحي غَزْنة العبدَ محمدًا ، مع خمسة عشر ألف فارس ، وعشرة آلاف راجلٍ ، وشحن بَلْخ وَطَخَارِسْتان بِأَرْسِلان الحاجب ، مع اثني عشر ألف فارس ، وعشرة آلاف راجلٍ ، وانضمَّ إليه جماهير المُطَّوِّعة ، وخرج العبد من غَزْنة ، في جُمادَى الأولى ، سنة تسع ، بقلبٍ منشرحٍ ، لِطَّلَب السعادة ، ونفسٍ مشتاقةٍ إلى دَرَك الشهادة ، ففتح قِلَاعًا وحصونًا، وأسلم زُهاءُ عشرين ألفًا، من عُبّاد الوَثَن، وسلَّموا قدر ألف ألفٍ من الوَرِق، ووَقَعَ الاحتواء على ثلاثين فِيلًا ، وبلغَ عددُ الهالكين منهم خمسين ألفًا ، ووافى العبدُ مدينةً لهم ، عاينَ فيها زُهاءَ ألفِ قَصْرٍ مَشِيدٍ، وألفَ بيتٍ للأصنام ، ومبلغُ ما في الصنم ثمانيةٌ وتسعون ألف مِثْقال ، وقُلع من الأصنام الفضّة زيادة على ألف صنمٍ ، ولهم صنمٌ معظّم يؤرِّخون مُدَّته بجهالتهم العظيمة بثلاثمائة ألف عام ، وقد بَنَوْا حول تلك الأصنام المنصوبة زُهاء عشرة آلافٍ بيتٍ ، فَعُنِي العبد بتخريب تلك المدينة اعتناءً تامًّا، وعَمَّها المجاهدون بالإِحراق ، فلم يَبْقَ منها إلا الرُّسوم ، وحين وجدَ الفراغ لاستيفاء الغنائم ، حصَّل منها عشرين ألف ألف درهم ، وأفردَ ◌ُمْس الرَّقيق ، فبلغ ثلاثًا وخمسين ألفًا، واستعرض ثلاثمائة وستة وخمسين فِيلًا)). قال السبكي في ((طبقات الشافعية)) (٥ / ٣٢٢ - ٣٢٧): ((في https://weblessam.blogspot.com/ ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ١١٦ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السادس سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة غزا بلاد الهند ، وقصد ملكها ((جيبال))، في جيشٍ عظيم ، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، وفتح الله على يديه ، وَكَسَرَ الهنودَ وأسر مَلِكَهم، وأخذَ مِن عنقه قِلادة ، قيمتها ثمانون ألف دينار، وَغَنِم المسلمون منهم أموالًا عظيمةً ، وفتحوا بلادًا كثيرةً ، ثم أطلق محمودٌ مَلِكَ الهند ، احتقارًا له واستهانةً بأمره ، مع شدَّة بأسه وَعِظَم اسمه ، فوصل ذليلًا مكسورًا إلى بلاده ، وقيل: إنه لَمَّا وصل ألقى نَّفْسَهُ في النار التي يعبدونها من دون الله ، فهلكَ . ثم غزا الهند أيضًا في سنة ستٍّ وتسعين وثلاثمائة ، فافتتح مدنًا كثيرةً كبارًا، وغنم ما لا يُحْصَى من الأموال ، وأَسَرَ بعضَ ملوكهم ، وهو ملك كراسي ، حين هرب منه لَمَّا افتتحها ، وكسرَ أصنامها ، فألْبسه مِنْطَقة شَدَّها على وسطه ، بعد تَمنُّعٍ شديد ، وقطع خِنْصَره ، ثم أطلقه إهانةً له ، وإظهارًا لعظمة الإسلام وأهله . ثم غزا عَبَدَةَ الأصنام ثالثًا ، في سنة ثمان وتسعين ، وفتح حصونًا كثيرة ، وأخذ أموالًا جَمَّةً ، وجواهرَ نَفيسةً ، وكان في جملة ما وُجد بيتٌ طوله ثلاثون ذراعًا، وعَرْضه خمسة عشر ذراعًا، مملوءٌ فِضَّةً، ولمَّا رجع إلى غَزْنة بَسَطَ الحَواصِل في صَحْن داره ، وأُذِنَ لرسل الملوك ، فدخلوا عليه ، فرأوا ما هالهم . وفي سنة اثنتين وأربعمائة أو سنة إحدى ، غزا الكفّارَ أيضًا ، وقَطَعَ مَفازةً عظيمة ، أصابه فيها عطش مُفْرِط ، كاد يُهْلِك عسكره ، ثم مَنَّ اللّه بمطرٍ عظيمٍ رَوَاهم، ووصلوا إلى الكفار ، وهم خلائقُ لا يُحْصَون ، ومعهم ستمائة فيل ، فُنُصِر عليهم ، وغنم شيئًا عظيمًا ، وعاد . ثم غزا في سنة ست وأربعمائة ، فغَرَّه أدلّتُه وأضلُّوه عن الطريق ، فحصل في مائية فاضت من البحر ، وغَرِق كثيرٌ ممَّن كان معه ، وخاض الماءَ بنفسه أيامًا ، ثم تخلَّص وعاد إلى خُراسان . ثم غزا في سنة ثمانٍ وأربعمائة ، وافتتح بلادًا كثيرة . ثم أعاد الغزو في سنة تسعٍ وأربعمائة ، وجال في بلاد الكفّار https://weblessam.blogspot.com/ ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ١١٧ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السادس مَسِيرةَ ثلاثة أشهر عن غَزْنة . وفي هذه السنة افتتحَ المدينتين العظيمتين : مَهَرَّة ، وقِنَّوْج، وكان فتحًا عظيمًا عزيزًا. قال أبو النصر الفامي : وقِنَّوْج هي التي أعيتْ الملوكَ غير كشتاسب على ما زعمتْه المجوس ، وهو ملك الملوك في زمانه ، فزحَفَ السلطان محمودٌ بعساكره ، وعبرَ مياه سَيْحون وتلك الأودية التي تجِلُّ أعماقها عن الوَصْفَ ، ولم يَطَأَ مملكةً من تلك الممالك، إلا أتاه الرسول واضعًا خَدَّ الطاعة ، عَارِضًا في الخدمة كُنْه الاستطاعة ، إلى أن جاءه جِنْكِي بن سَمَّهِي ، صاحب درب قِشْمِير ، عالمًا بأنه بَعْتُ اللهِ الذي لا يُرضيه إلا الإِسلام أو الحُسام، فضمن إرشاد الطريق، وسار أمامه هادِيًّا ، فما زال يفتتح الصَّاصِي والقِلاع ، حتى مرّ بقلعة هَرْدَب ، فلما رأى مَلِكُها الأرضَ تموج بأنصار الله ، ومِن حولها الملائكة، زُلْزِلَتْ قَدَمُه، وأشفق أن يُراق دَمُه ، ونزل في عشرة آلاف ، مُنادِين بدعوة الإِسلام . ثم سار بجنوده إلى قلعة كُلْجَنْد ، وهو من رؤوس الشياطين ، فكانت له معه مَلْحَمة عظيمة ، هلك فيها من الكفار خمسون ألفًا ، من بين قتيلٍ وغريقٍ ، فَعَمَدَ كُلْجَنْد إلى زوجته ، فَقَتَلَهَا ثم ألحقَ بها نَفْسَهُ، وَغَنِمَ السلطان مائة وخمسة وثلاثين فِيلًا. ثم عطفَ إلى البلد الذي يُسمَّى المُتَعَبَّد، وهو مَهَرَّة الهند ، يُطالع أبنيَتها التي ذَكَرَ أهلها أنها من بناء الجانّ ، فرأى ما يخالف العادات ، وهي مشتملة على بيوت أصنام ، بنقوش مبدعة ، وتزاويق تَخْطف البَصَر ، وكان فيما كتب به السلطان، أنه لو أراد مريد أن يبني ما يُعادِل تلك الأبنية ، لَعَجَزَ عنها بإنفاقٍ مائة ألف ألف درهم في مائتي سنة ، على أيدي عَمَلَةٍ كَمَلَة ، ومَهَرَةٍ سَحَرَة . وفي جملة الأصنام خمسةٌ من الذهب ، معمولةٌ طولَ خمسة أذرع ، عينا واحدٍ منها ياقوتتان ، قيمتهما أَزْيَدُ من خمسين ألف دينار ، وعلى آخر ياقوتةٌ زرقاء ، وزنها أربعمائة وخمسون مِثقالًا ، وكان جملة https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ١١٨ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السادس الذَّهَبِيّات الموجودة على الأصنام ، ثمانيةً وسبعين ألف مثقالٍ . قال : ثم أمر السلطان بسائر الأصنام فضُرِبت بالنِّفْط ، وحاز من السَّبايا والنِّهاب ما يعجز عنه أنامِلُ الحُسَّب. ثم سار إلى قِنَّوْج، وخلّف معظم العسكر ، فوصل إليه في شعبان سنة تسع ، وقد فارقها الملك راجيال منهزِمًا ، فتَبَّع السلطان قِلاعها ، وكانت على سيف البحر ، وفيها قَرِيبٌ من عشرة آلاف بيتٍ للأصنام ، يزعُم المشركون أنّها مُتَوَارَثَة منذ مائتي ألف سنة إلى ثلاثمائة ألف سنة ، كذِبًا وزُورًا، فَفَتَحَهَا كلَّها في يومٍ واحد ، ثم أباحها لجيشه ، فانتهبوها ، ثم رَكَضَ منها إلى قلعة البَراهِمة ، فافتتحها ، وقتلَ بها خَلْقًا كثيرًا . ثم افتتح قلعة جَنْدْرَاي ، وهي التي تُضْرَب الأمثال بحصانتها . وهذا هو الفتح العزيز من فتوحاته ، ساقه صاحب (( اليميني )) بأفصح عبارةٍ وأحلاها ، فَلْيَنظُرْه فيه مَنْ أراده ، وهو الذي عاد منه في سنة عشرٍ ، وأرسَلَ كتابه إلى القادر أمير المؤمنين ، وقد ذكرْنا بعضَهُ . ثم كان له في سنة أربع عشرة فَتْحٌ أعظمُ من هذا ، أَوْغَلَ فيه في بلاد الهند ، حتى جاء إلى قلعة فيها ستمائة صنم ، وقال : أتيتُ قلعةً ليس لها في الدنيا نظير ، وما الظَّنُّ بقلعةٍ تَسَعُ خَمْسَمائة فيل وعشرين ألف دأبَّة ، ومَنْ يقوم بعَلَف هؤلاء، ومَنْ يحملونه ! وأعان الله، حتى طلبوا الأمان، فأمَّنْتُ مَلِكَهم ، وأقررتُ على ولايته ، بخَراجِ ضُرِب عليه)). ومن مناقبه رحمه الله: (( أن العراقيين لم يخرج رَكْبُهم إلى الحج في سنة عشر وأربعمائة ، وسنة إحدى عشرة ، فلمَّا كانت سنة اثنتي عشرة ، قصد طائفةٌ يمينَ الدولة محمودًا ، وقالوا : أنت سلطان الإِسلام ، وأعظم ملوك الأرض ، وفي كل سنة تفتح من بلاد الكفر ناحيةً ، والثواب في فتح طريق الحجِّ عظيم . فاهتمَّ بهذا الأمر ، وتقدَّم إلى قاضِيهِ بالتَّأُهُّب للحَجّ ، ونادى في أعمال خراسان بذلك ، وأطلق للعرب في البادية مِن خاصِّ ماله تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السادس ١١٩ ثلاثين ألف دينار)). القائم بأمر الله يستغيث بالله ، فَيَرُدّ اللهُ عليه مُلْكَه : أمير المؤمنين ، القائم بأمر الله أبو جعفر عبد الله بن القادر بالله . كان ذا دينٍ وخيرٍ وبِّ وعلْمٍ وعدلٍ ، عالمًا مهيبًا ، نُكب سنة خمسين في كائنة البساسيري ، ففرّ إلى البِّيَّة، ورفعَ قصتهُ إلى ربِّ العالمين، مُستعديًا على من ظَلَمَهُ ، ونفَّذ بها إلى البيت الحرام ، فنفعتْ، وأخذَ اللهُ بيده ، وردّهُ إلى مقرِّ عزّه ، فكذلك ينبغي لكلِّ من قُهر وبُغي عليه أن يستغيث بالله . وكان ذا حظٍّ من تعبّد وصيامٍ، وتهجّدٍ ، لَمَّا أن أُعيد إلى خلافته ، قيل : إنه لم يستردّ شيئًا مما نُهب من قصره ، ولا عاقَبَ مَنْ آذاه ، واحتسَبَ وصبر ، و کان تاركًا للملاهي ، رحمه الله . المُقتدي بأمر الله يأمُر بِنَفْي المُغنّات والخواطئ : أبو القاسم ، عُبيد الله بن ذخيرة الدين محمد بن القائم بأمر الله . ٠٠ تسلّم الخلافة وهو ابن عشرين سنة . ((كان حَسَن السِّيرة، وافر الحُرمة، أمَرَ بِنَفْي الخواطئ والقَيْنات، وأن لا يدخل أحدٌ الحمّام إلَّا بِمِثْزَرٍ، وأخْرَبَ أبراجَ الحمام . وفيه ديانةٌ ونجابةٌ وقوَّةٌ وعلوّ همّةٍ. وكان ((مَلكشاه)) قد صمَّم على إخراجه من بغداد ، فَحَارَ ، والتجأ إلى الله ، فدفع عنه ، وهلك ملكشاه ))(١). قال السيوطي في ((تاريخ الخلفاء)) ص ٤٢٣: ((كانت قواعد الخلافة في أيامه باهرة ، وافرة الحُرمة ، نفى المغنّات والخواطئ ببغداد، وخرَّب (١) السير ١٨ / ٣١٨ - ٣١٩ . ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السادس ١٢٠ أبراج الحمام صيانةً لحرم الناس ، وكان ديّنًا خيّرًا قويّ النَّفْس عالي الهمَّة من نُجَباء بني العباس )). السلطان الكبير ألب أرسلان، قائد جيش الأكفان ((يبيع إمبراطور الروم بكلب !! )) : هو السلطانُ الكبير ، الملكُ العادل ، عَضُدُ الدولة ، أبو شجاع ، ألْب أَرْسِلان ، محمدُ بنُ السلطان جَغْرِيبَك داود بن ميكائيل بن سلجوق بن تُقاق ابن سلجوق التركماني ، الغُزّي . من عظماء ملوك الإِسلام وأبطالهم . وَعَظُمَ أمر السلطان ألب أرسلان ، وخطب له على منابر العراق والعَجَم وخراسان ، ودانتْ له الأمم، وأحبّتْهُ الرعايا، ولا سيَّما لمَّا هزمَ العدوَّ ، فإن الطاغيةَ عظيمَ الروم أرمانوس حَشَدَ ، وأَقْبَلَ في جمْعِ ما سُمع بِمِثْلِهِ ، في نحوٍ من مائتي ألف مقاتلٍ من الرّوم والفِرِنْج والكْج وغير ذلك وصل إلى مَنَازْكِرْد(١)، وكان السلطان بـ ((خُوَئِّ)) (٢) قد رجع من الشام في خمسة عشر ألف فارس ، وباقي جُيوشه في الأطراف ، فصمَّم على المصافّ ، وقال : أنا ألتقيهم، وحسبي الله، فإن سَلِمْتُ، وإلا فابني ((مَلِكْشاه)) وَلِّي عهدي . وسار، فالتقى يَزَكُه (٢) وَيَزَكُ القوم، فَكَسَرَهم يَكُه ، وأسروا مُقَدَّمهم ، فَقَطَعَ السلطانُ أنفَهُ ، ولمَّا التقى الجمعان ، وتراءى الكفرُ والإِيمان ، واصطدم الجَبَلان ، طَلَبَ السلطانُ الهُدْنَةَ، قال أرمانوس: لا هُدْنَةَ إلَّا ببذْل الرَّ. فَحَمِيَ السلطانُ ، وشاط ، فقال إمامُه : إنك تُقاتِلُ عن دينٍ وَعَدَ اللهُ بنصره ، (١) منازجرد، أو : منازكرد: بلد مشهور بين خلاط وبلاد الروم ، يعدّ في أرمينية ، وأهله أرمن وروم . (٢) خُوي : بلد بأذربيجان . اليزك : كلمة فارسية معناها : مقدمة الجيش . (٣) ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/