Indexed OCR Text

Pages 81-100

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /ttps://arabessam.blogspot.com
٨١
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد السادس
نَفْسِهِ حين خرج من دمشق إلى مرج دابق ، لمَّا جهّز الجيوش إلى مدينة
الروم العُظمى المسمّاة بالقسطنطينية ، أن لا يرجع إلى دمشق حتى يفتح
أو يموت ، فمات هنالك فحصل له بهذه النّيّة أجْرُ الّباط في سبيل الله ،
فهو إن شاء الله ممَّن يُجرى له ثوابه إلى يوم القيامة، رحمه الله))(١).
هارون الرشيد، الخليفة المُفْتَرَى عليه: سَلُوا عنه ((نقفور )) كَلْبَ الروم:
هارون الرشيد أمير المؤمنين ((كان من أنبل الخلفاء وأحْشَم الملوك ،
ذا حجّ وجهاد وغزوٍ ، وشجاعةٍ وَرَأْي))(٢).
(( لما أفضتْ إليه الخلافة في سنة سبعين ، كان من أحسن الناس سيرةً ،
وأكثرهم غزوًا وحجًّا ، ولهذا قال فيه أبو السعلي :
فبالحَرَمَيْنِ أو أقصى الثُّغُورِ
فمن يطلُبْ لقاءَك أو يُرِدْهُ
وفي أرضٍ التََّقُّهِ فوق كُورٍ (٣
ففي أرضِ العدوِّ على طِمِرِّ
من المتخلِّفين على الأمورِ
وما حازَ الثُّغُورَ سواك خَلْقٌ
وكان يتصدَّق من صُلب ماله كلّ يومٍ بألف درهم، وإذا حجَّ أحَجَّ
معه مائة من الفقهاء وأبنائهم ، وإذا لم يَحُجّ أحَجَّ ثلاثمائة بالنفقة السَّابِغة
والكسوة التامَّة .
وكان يصلِّي في كلّ يومٍ مائة ركعة تطوُّعًا إلى أن فارق الدنيا ، إلا
أن تعرض له علَّةٌ ))(٤).
(١) سنختم هذا الفصل بمسك الختام ، بعلوّ همَّة عمر بن عبد العزيز .
(٢)
سير أعلام النبلاء ٩ / ٢٨٧ .
(٣) الطِّمِرَ: الفَرَس الجواد الشديد العَدْو. والكُور: الرّحْل، أو الرَّحْل بأداته .
البداية والنهاية ١٠ / ٢٢٢ - ٢٢٣ .
(٤)
بعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٨٢
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد السادس
الرشيد يحب العلماء ويُعظّم حرماتِ الدين ويبغض الجدال :
((كانت أيام الرشيد كلّها خيرًا، كأنها من حُسْنِهَا أعراسٌ))(١).
كان رحمه الله يحبُّ العلماء ، ويعظِّم حرمات الدين ، ويبغض الجدال
والكلام ، ويبكي على نفسه ولهوه وذنوبه ، لا سيّما إذا وُعِظ .
بلغه عن بشر المريسي القوْل بخَلْق القرآن فقال : لَئِن ظفرتُ به ،
لأضربنَّ عُنُقَهُ .
وَلَمَّا بَلَغَهُ مِوتُ ابن المبارك، حزنَ عليه ، وجلس للعزاء ، فعَّاه الأكابر .
قال أبو معاوية الضرير ((محمد بن حازم)): ما ذكرتُ النبي عَّ ◌ُالمِ بين
يَدَي الرشيد، إلَّا قال: صلى الله على سيِّدي. ورويتُ له حديثه: ((وددت
أني أُقاتل في سبيل الله، فأُقْتَل، ثُمَّ أحيا، ثم أُقْتَل)) (٢) . فبكى حتى انتحب .
حدَّث أبو معاوية الرشيدَ بحديث: ((احتجَّ آدمُ وموسى))(٣) وعنده
رجل من وجوه قريش ، فقال القرشي : فأين لَقِيَهُ ؟ فغضب الرشيد وقال :
النِّطْعِ والسيف ؛ زنديقٌ يطعن في الحديث . فما زال أبو معاوية يُسكِّنه ويقول :
بادرة منه يا أمير المؤمنين ؛ حتى سَكَّنَ (٤).
وعند ابن كثير في ((البداية والنهاية)) (١٠ / ٢٢٤): ((فقال عمُّ
الرشيد : أين التقيا يا أبا معاوية ؟ فغضب الرشيد من ذلك غضبًا شديدًا
وقال : أتعترض على الحديث ؟ علَّ بالنّطْع والسيف . فأُحضر ذلك ، فقام
(١) تاريخ الخلفاء للسيوطي صـ ٢٨٤ .
(٢) رواه البخاري ومسلم وأحمد وابن ماجه .
(٣) رواه البخاري ومسلم وأحمد وأبو داود والترمذي من طريق أبي هريرة .
تاريخ بغداد ١٤ / ٧ - ٨، و((المعرفة والتاريخ)) للفسوي ، والبداية والنهاية،
(٤)
والسير ، وتاريخ الخلفاء .
ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٨٣
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السادس
الناس يشفعون فيه ، فقال الرشيد : هذه زندقةٌ . ثم أمر بسجنه ، وأقسم
أن لا يخرج حتى يخبرني مَنْ ألقى إليه هذا، فأَقْسَمَ عمُّه بالأيمان المغلَّظة ؛
ما قال هذا له أحد ، وإنما كانت هذه الكلمة بادرة مني ، وأنا أستغفر الله
وأتوب إليه منها . فأَطْلَقَهُ)).
وقال بعضُهم : دخلتُ على الرشيد وبين يديه رجلٌ مضروب العنق ،
والسَّيَّاف يمسح سيفَهُ في قفا الرجل المقتول ، فقال الرشيد: قتلْتُهُ؛ لأنه
قال : القرآن مخلوقٌ ، فقتلتُهُ على ذلك قُربةً إلى الله عز وجل .
وفي مرض موته ، حُمِل إليه الزنديق الثائر رافع بن الليث ، فقال
الرشيد: ((والله لو لم يَبْقَ من أجلي إلَّ أن أُحَرِّكَ شفتي بكلمةٍ، لقلتُ :
اقتلوه )). ثم دعا بقصَّاب، فقال: (( لا تَشْحَذ مُداك، اتركها على حالها ،
وفصِّل هذا الفاسق ابن الفاسق ، وعجِّل ، لا يحضُرنَّ أجلي وعضوان من
أعضائه في جسمه)). ففصلت حتى جَعَلَهُ أشلاء، فقال: ((عُدَّ أعضاءه)).
فعدُّوا له أعضاءَهُ ، فإذا هي أربعة عشر عضوًا ، فرفع يديه إلى السماء ،
فقال: ((اللهمَّ كما مكَّنْتني من ثأرك وعدوِّك، فبلغتُ فيه رضاك ، فمكِّنِّي
من أخيه)). ثم أغمي عليه وتفرّق مَنْ حضره (١).
وأخرج ابن عساكر قال: ((أخذ هارون الرشيد زنديقًا، فأمر بضْرْب
عنقه ، فقال له الزنديق : لم تضربُ عنقي ؟ قال له : أُريح العباد منك .
قال: فأين أنت من ألفٍ حديثٍ وضعتُها على رسول الله عَّهِ، كلُّها ما
فيها حرفٌ نَطَقَ به ؟ قال : فأين أنت يا عدوّ الله من أبي إسحاق الفزاري
(١) الرشيد القائد صـ ١٢٢ لبسام العسيلى - دار النفائس .
ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
٨٤
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السادس
وعبد الله بن المبارك، ينخُلانها فُيُخرجانها حرفًا حرفًا))(١).
وعن أبي معاوية الضرير قال : صَبَّ على يديَّ بعد الأكْل شخصٌ
لا أعرفه ، فقال الرشيد : تدري مَنْ يَصُبُّ عليك ؟ قلت : لا . قال : أنا ،
إجلالاً للعِلْم .
وقد كان الفُضَيْل يعظ الرشيد ويُبَكّيه حتى يُغشى عليه ، وكان الرشيد
يمشي إلى بيت الفُضيل ، وكان الفُضيل يُجِلُّ الرشيد لشدَّته على أهل البِدَع
والزندقة: ((فعن عبد الرزاق قال: كنت مع الفضيل بمكة ، فمرَّ هارون ،
فقال الفضيل : الناس يكرهون هذا ، وما في الأرض أعزّ علَّ منه ، لو مات
لرأيت أمورًا عظامًا .
وقال عمار بن ليث الواسطي : سمعت الفضيل بن عياض يقول :
ما من نفسٍ تموت ، أشدّ علَّ مونًا من أمير المؤمنين هارون ، ولوددتُ
أن الله زاد من عمري في عمره . قال: فكَبُرَ ذلك علينا ، فلمَّا مات هارون ،
وظهرتِ الفِتَنُ ، وكان من المأمون ما حَمَلَ الناس على خلْق القرآن ، قُلنا :
الشيخ كان أَعْلَمَ بما تكلّم ))(٢).
هارون الرشيد البگَّاء :
قال منصور بن عمَّار : ما رأيتُ أَغْزَرَ دمعًا عند الذِّكْر من ثلاثة :
الفُضَيْل بن عياض ، وهارون الرشيد ، وآخر(٣).
((دخل عليه مرّةً ابنُ السَّمَّاك الواعظ ، فبالَغَ في إجلالِهِ فقال : تواضُعك
(١) تاريخ الخلفاء للسيوطي صـ ٢٨٥ .
تاريخ بغداد ١٤ / ٢٢، والسير ٩ / ٢٨٩ .
(٢)
(٣) تاريخ الخلفاء للسيوطي صـ ٢٨٥ .
ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

ttps://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السادس
٨٥
فِي شَرَفِكَ ، أشرفُ من شرفِك . ثم وَعَظَهُ فأبكاه .
ووعظه الفُضَيْل مَرَّةً حتى شهق في بكائه ))(١).
قال أبو معاوية الضرير عن الرشيد : كان إذا سمع موعظةً ، بكى
حتى يبّ الثَّرَى(٢).
وكم من مَرَّاتٍ ومَّاتٍ يعظه العمرتُّ والبهلول المجنون حتى يُغشى
عليه .
(( وروى ابن عساكر قال : قال إبراهيم المهدي : كنت يومًا عند
الرشيد ، فدعا طبَّاخَهُ فقال: أعندك في الطعام لحم جَزُورٍ ؟ قال : نعم ،
ألوان منه . فقال : أحضِرْهُ مع الطعام . فلمَّا وُضِع بين يديه ، أخَذَ لقمةً
منه فوضعها في فيه ، فضحك جعفرٌ البرمكُّي ، فترك الرشيد مَضْغَ اللقمة ،
وسأل البرمكَّي عن سرِّ ضحكه فقال : يا أمير المؤمنين ، بكم تقول : إن
هذا الطعام من لحم الجُزُور يقوّم عليك ؟ قال : بأربعة دراهم . قال :
لا والله يا أمير المؤمنين ، بل بأربعمائة ألف درهم . قال : وكيف ذلك ؟
قال : إنك طلبت من طبّاخك لحم جَزُورٍ قبل هذا اليوم بمدَّةٍ طويلة ، فلم
يُوجَد عنده ، فقلت : لا يخلُونَّ المطبخ من لحم جزُورٍ ، فنحن ننحر كلّ
يومٍ جزورًا لأجْلٍ مطبخ أمير المؤمنين ؛ لأنّا لا نشتري من السوق لحم
جزورٍ ، فصُرِفَ في لحم الجزور من ذلك اليوم إلى هذا اليوم أربعمائة ألف
درهم ، ولم يطلُب أمير المؤمنين لحم جزورٍ إلَّا هذا اليوم . قال : فضحكت
لأن أمير المؤمنين إنما ناله من ذلك : هذه اللقمة ، فهي على أمير المؤمنين
(١) السِّير ٩ / ٢٨٧ .
(٢) البداية والنهاية ١٠ / ٢٢٣.
بعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
٨٦
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد السادس
بأربعمائة ألف . قال: فبكى هارون الرشيد بكاءً شديدًا، وأمر برفْع السِّماط
من بين يديه ، وأَقْبَلَ على نفسه يوبِّخها ويقول : هلكت والله يا هارون .
ولم يزل يبكي حتى آذنه المؤذِّنون بصلاة الظهر ، فخرج فصلّى بالناس
ثم رجع بيكي ، حتى آذَنَّهُ المُؤذّنون بصلاة العصر ، وقد أمَرَ بألفي ألفٍ
تُصَرَف إلى فقراء الحرمين : في كُلِّ حرمٍ ألف ألف صدقة ، وأمر بألفّي
ألفٍ يُتصدَّق بها في جانبْ بغداد الغربي والشرقي ، وبألفَيْ ألفٍ يتصدَّق
بها على فقراء الكوفة والبصرة . ثم خرج إلى صلاة العصر ، ثم رجع يبكي
حتى صلَّى المغرب ، ثم رجع ، فدخل عليه أبو يوسف القاضي فقال :
ما شأنك يا أمير المؤمنين باكيًا في هذا اليوم ؟ فذكر أمْرَهُ، وما صَرَفَ
من المال الجزيل لأجل شهوته ، وإنما ناله منها لقمة . فقال أبو يوسف
لجعفر : هل كان ما تذبحونه من الجُزُر يفسد ، أو يأكله الناس ؟ قال :
بل يأكله الناس . فقال : أبشر يا أمير المؤمنين بثواب الله فيما صرفتَهُ من
المال الذي أُكَلَه المسلمون في الأيام الماضية ، وبما يسَّره الله عليك من
الصَّدَقة ، وبما رزقك الله من خشيته وخوفه في هذا اليوم ، وقد قال تعالى :
ولمن خاف مقام ربِّه جنتان﴾. [الرحمن: ٤٦]. فأمر الرشيد له بأربعمائة
ألف ، ثم استدعى بطعامٍ، فكان غذاؤه في هذا اليوم عشاءً))(١).
هذا هو الخليفة المُفْتَرَى عليه .. الخليفة البكَّاء الذي يدخل عليه
أبو العتاهية فيقول له :
ولوْ تمَّعْتَ بالحُجَّاب والحَرَسِ
لا تأمَنِ الموتَ في طَرَّفٍ ولا نَفَس
إن السَّفينةَ لا تجري على اليَبَسِ
ترجو النجاةَ ولم تسلُكْ مسالكَهَا
فخَرّ الرشيد مغشيًّا.
(١) البداية والنهاية ١٠ / ٢٢٤ - ٢٢٥ .
ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

ttps://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد السادس
٨٧
عليه(١).
وقد حبس الرشيد مرَّةً أبا العتاهية ، وأَرْصَدَ عليه مَنْ يأتيه بما يقول ،
فكتب مرةً على جدار الحبس :
وما زال المسيءُ هو الظَّلُومُ
أَمَا واللهِ إن الظُّلْمَ شُومُ
وعند الله تجتمعُ الخُصُومُ
إلى ديَّانِ يومِ الدِّينِ نمضي
قال : فاستدعاه واستعجلَهُ في حلٍّ ، ووهبَهُ ألف دينارٍ وأطلقَهُ .
ودخل عليه سفيان بن عيينة ، فقال له الرشيد : ما خَبِرُكَ ؟ فقال :
فقد طال الثَّحمُّلُ والسُّكوتُ
بعينِ اللهِ ما تُخفي البيوتُ
فقال : يا فلان ، مائة ألفٍ لابن عيينة تُغنيه وتُغني عَقِبَهُ ، ولا تضرُّ
الرشيد شيئًا .
هذا هو الرشيد ... أعطى أبا بكر بن عيّاش ستة آلافٍ درهم .
هذا هو الرشيد: (( بينا هو في طريق الحجِّ ، يمُرُّ على وادٍ فإذا امرأةٌ
بين يديها قصعةٌ ، وهي تسأل وتقول :
فارحموا غُربتي وذُلَّ مقامي
مَنْ رَآني فقد رآني وَرَحْلي
فأمر مسرورًا الخادم أن يملأ قصعتها ذهبًا))(٢).
جوادٌ يسابق الريح في كرمه ، وشديد البأس ؛ إذا أعْطَى أغْنَى ، وإذا
حاربَ أَقْنَى .
(١) البداية والنهاية ١٠ / ٢٢٦ - ٢٢٧ .
(٢) البداية والنهاية ١٠ / ٢٢٧.
بعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
٨٨
صلاحِ الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد السادس
الرشيد يقضي على البرامكة وأتباعهم الزنادقة :
لَمَّا وجد الزنادقةُ والملحدون في مظلَّةِ البرامكة حمايةً لهم ، كان هذا
عاملاً أساسيا وحاسمًا في قتل الرشيد للبرامكة ونَكْبَتهم ، وتتُّع الزنادقة
ومطاردتهم في خراسان وفي أقاليم المشرق .. إنه الغضب لله .. فللَّه دَرُّهُ .
كان أنس بن أبي شيخ أحد أصحاب البرامكة ، وكان الرشيد قد علم
أنه على الزندقة ، فلمَّا كان صُبْح الليلة التي قُتل فيها جعفر بن يحيى ، أحْضَرَهُ
الرشيد ، فدار بينهما حديثٌ ، تأكَّد فيه الرشيد من زندقة أنس بن أبي شيخ ،
فأخرج سيفًا من تحت فراشه ، وأمر أن تُضرب به عنقُه ، وتمثَّل الرشيد
عندما أخرج السيف لقتْل أنسٍ :
تَلَمَّظَ السیفُ من شوقٍ إلی أنسٍ
فالسيفُ يَلْحَظُ والأقدَارُ تنتظرُ
فضَرَبَ عنقَهُ، فسَبَقَ السيف الدَّم ، فقال الرشيد: (( رحم الله عبدَ الله
ابن مصعب)). وكان هو الذي أعْلَمَ الرشيدَ بزندقةِ أنسٍ، وكان السيف الذي أُخْرَجَهُ
الرشيد هو سيف الزبير بن العوام(١).
هارون يفتدي أسرى المسلمين ولا يُبقي منهم أسيرًا واحدًا :
نظَّم الرشيد أوَّل عملية فِداءٍ بين الروم والمسلمين سنة ١٨١هـ، فقُودي
بكلِّ أسيرٍ في بلاد الروم ، وكان عدَّة الأسرى ثلاثة آلاف وسبعمائة .
ثم أُعيدت عمليّة الفداء ثانيةً سنة ١٩٢هـ بين المسلمين والروم ، وكان
عدَّةُ الأسرى من المسلمين ألفين وخمسمائة أسير : فكانت عملية الفداء الأُولى
ثم الثانية هما أُولَى عمليّات الفداء أيام بني العبّاس ، وَنَجَمَ عن عمليّة الفداء
أنه لم يَبْقَ مسلمٌ أسيرٌ في بلاد الروم .. فللَّه دَرُّ الرشيد .
(١) الرشيد القائد صـ ٩٩ - ١٠٠، تاريخ الطبري ٨ / ٢٩٦ - ٢٩٧.
ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٨٩
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السادس
مجالسُ ما فيها حميٌ يزورها
وفُكَّتْ بك الأسرى التي شُيِّدَتْ لها
وقالوا سجونُ المسلمين قبورُها (١)
على حين أعْيَا المسلمین فِکاكُها
فتح حصن الصَّفْصَاف عَنْوَةً سنة ١٨١هـ :
حاولَ ملكُ الروم قسطنطين بن ليون تحدِّي سلطان المسلمين ، فسار
إليه الرشيدُ بنفسه ، وقاد جيشًا قويًّا انتصر به على الروم ، وافتتح (حِصْن
الصَّفْصاف ) عَنوةً ، ودمَّره مع حاميته .
ثم وجَّه الرشيدُ مجموعةً قتاليَّةً بقيادة عبد الملك بن صالح ، فأوْغَلَ في
بلاد الروم حتى بلغَ أنقرة ، وافتتح مطمورة ، وعاد الرشيد ظافرًا .
قد تَرَكَ الصَّفْصَافَ قاًا صَفْصَفَا
إن أمير المؤمنين المصطفى
هارون يقول لنقفور: ((الجواب ما تراهُ دُونَ ما تسمعُ)) ويفتح هرقلة :
لمَّا انتصر الرشيد على ملك الروم ، ثار الرومُ على ملكهم قسطنطين ،
وسَمَلُوا عينيْه، ونصبوا مكانه أُمَّه ((ريني)) - أو: ((رينيه)) - ومنحوها
لقب (( أوغسطه))، غير أن هذه كانت أعْجَزَ من أن تتصدَّى للرشيد ،
فقرَّرَتْ مصالحة الرشيد على جزيةٍ معلومة تُؤدِّيها له في كلّ سنةٍ ، وغضب
الرومُ ، واتَّهموا ملكتهم بالضَّعف، وثاروا ضدَّها وعزلوها ، ونصبوا مكانها
ملكًا اسمه ((نقفور))، فلمَّا مَلَك، ودان له الروم بالطاعة ، كتب إلى
الرشيد : ( من نقفور ملك الروم ، إلى هارون ملك العرب . أمَّا بعدُ ، فإن
الملكة التي كانت قبلي ، أقامتْك مقام الرَّحِ ، وأقامت نفسها مقام البَيْدَق ،
فحملتْ إليك من أموالها ما كنتَ حقيقًا بحمْلِ أمثالها إليها ، ولكنَّ ذاك ضعفُ
النساء وحُمْقُهنّ ، فإذا قرأتَ كتابي ، فارْدُدْ ما حَصَلَ قِبَلَكَ من أموالها ،
(١) الكامل لابن الأثير ٥ / ١٢٢، والرشيد القائد صـ ٣٣ - ٣٤.
تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
٩٠
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد السادس
وافْتَد نَفْسَكَ بما يقع به المصادرةُ لك، وإلّا فالسيفُ بيننا وبينك ). ولمَّا
قرأ الرشيدُ الكتابَ ، استفزَّه الغضب ، حتى لم يُمكِّن أحدًا أن ينظر إليه
دون أن يخاطبه ، واستعجَمَ الرَّأَيُ على الوزير ، ودعا الرشيد بدواةٍ ، وكتب
على ظهر الكتاب : (( بسم الله الرحمن الرحيم . من هارون أمير المؤمنين
إلى نقفور كلب الروم . قد قرأتُ كتابَكَ يا ابنَ الكافرةِ ، والجوابُ ما تراه
دُونَ أن تسمَعَهُ . والسلام )) (١). وَشَخَصَ الرشيدُ من يومه، وسار حتى
نزل باب هِرَقْلَةً، فَفَتَحَ وَغَنَمَ ، واصطفى وأفاد ، وخرب وحرق ، فطلب
نقفور الموادعةَ على خراجٍ يُؤدِّيه في كلِّ سنةٍ ، فأجابَهُ إلى ذلك ، فلمَّا
رجعَ من غزوته وصار بالرَّقَّة ، نَقَضَ نقفور العهدَ ، وحان الميثاق ، وكان
البرد شديدًا ، فَيَئِسَ نقفور من رجْعته إليه ، وجاء الخبر بارتداده عمَّا أُخذ
عليه ، فلمَّا علم الرشيد بذلك كَّ راجِعًا في أشدِّ محنةٍ وأعْظَمِ كُلْفَةٍ ،
وبثَّ الجيوش والسرايا بأرض الروم ، وكان جيش الرشيد يضمُّ مائة ألفٍ
وخمسةً وثلاثين ألف مُرْتَزِقٍ ، سوى الأتباع ، وسوى المطوّعة ، وسوى
مَنْ لا ديوانَ له. وأنزل عبد الله بن مالك لحصار ((ذي الكلاع )) ، ووجّه
قوةً من سبعين ألفًا بقيادة ((داود بن عيسى )) بمهمَّة اجتياح بلاد الروم ،
وتدمير كلٌّ ما تُصادفه ، وافتتَح شراحبيل بن معن بن زائدة حصنَ الصقالبة
ودبسة ، وافتتح يزيد بن مخلد الصّفصافَ ومطقوبية ، وأقام الرشيد على
هرقلة ثلاثين يومًا حتى أمكن له فَتْحُها ، فسَبَى أهلَها ، ودمَّر حصونها .
وبعث نقفور إلى الرشيد بالخراج والجزية عن رأسه وولِّي عهده وبطارقته
وسائر أهل بلده خمسين ألف دينار ، منها عن رأسه أربعة دنانير ، وعن
رأس ابنه ( إستبراق ) دينارين ، وعاد الرشيد بجيشه الظافر إلى بغداد .
(١) الكامل لابن الأثير: أحداث سنة ١٨٧هـ . وتاريخ الطبري : أحداث سنة
١٨٧، ١٩٠ هـ .
https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /ttps://arabessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد السادس
٩١
وكان الرشيد قد اشترط على نقفور ألا يَعْمُرَ هرقلةَ ، وعلى أن يحمل
نقفور ثلاثمائة ألف دينار .
من المَلِكِ الموفَّقِ بِالصَّوابِ
ألا نادتْ هِرَقْلَةُ بِالخَرَابِ
ويَبْرُقُ بِالمُذَكَّرَةِ القَضَابِ
غدا هارونُ يَرْعَدُ بالمنايا
تمرُّ كأنَّها قِطَعُ السَّحابِ
وراياتٍ يحلُّ النصرُ فيها
الله دَرُّكَ يا هارون .
جُودًا وأُخِرى تُعطي بالسيفِ الدَّمَا
كفاكَ كَفِّ ما تلیقُ دِرْهما
الله دَرُّكَ يا هارون :
ملكٌ مجرَّدُ للجهادِ بِنَفْسِهِ
نَقَضَ الذي أعطيتَهُ نقفُورُ
فَعَدُوُّهُ أبدًا به مقهورُ
وعليه دائرةُ البوارٍ تَدُورُ
حَذَرَ الصّوارِمِ والرَّدَى مَحْذُورُ
أعطاك جِزْيَتَهُ وَطَأْطَأْ خَدَّهُ
الله دَرُّكَ يا هارون، وما أعْظَمَ أَيَامَك وفتوحاتِك .
في سنة ١٨٨هـ غزا إبراهيم بن إسرائيل الصائفة ، فدخَلَ بلاد الروم ،
فخرج نقفور للقائه ، فجُرح النقفور ثلاث جراحٍ ، وانهزم ، وقُتل من
أصحابه أكثر من أربعين ألفا ، وغنموا أكثر من أربعة آلاف دابَّة .
وفي سنة ١٩١هـ ألزمَ الرشيد أهلَ الذِّمَّة بتمييز لباسهم وهيئاتهم في
بغداد وغيرها من البلاد .
وأرسل حميد بن معيوف إلى سواحل الشام ومصر ، فدخل جزيرة
قبرص ، فَسَبَى أهلها ، وَحَمَلَهم حتى باعهم بالرافقة ، فبلغ ثمن الأسقف
ألفي دينار ، باعهم أبو البختريّ القاضي . فللَّه دَرُّكَ يا هارون، لقد كنتَ
منارةٌ للهمَّة الرفيعة .
(( قال القاضي الفاضل في بعض رسائله : ما أعلمُ أن لملكٍ رحلةً
بعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
ttps://arabessam.blogspot.com/
٩٢
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد السادس
قطُّ في طلب العلم إلَّا للرشيد ، فإنه رحل بولديْه : الأمين والمأمون لسماع
الموطَّأ على مالكٍ رحمه الله . قال : وكان أصل الموطّأ بسماع الرشيد
في خزانة المصريين . قال : ثم رحل لسماعه السلطان صلاح الدين بن
أيّوب إلى الإِسكندرية ، فسمَّعه علي بن طاهر بن عوف ، ولا أعلم لهما
ثالثًا ))(١).
قال ابن حزم : أراه كان يشرب النبيذ المختَلَف فيه ، لا الخمر
المتَّفَق على حُرمتها(٢).
ومن العجائب أن هذا الملك الذي مَلَكَ الدنيا كان له ولدٌ يُسمَّى
أحمد السّبتي ؛ أحمد بن هارون ((كان زاهدًا عابدًا قد تنسَّك ، وكان
لا يأكل إلَّا من عَمَل يده في الطين ، كان يعمل فاعلًا فيه ، وليس يملك
إلَّا مروًّا وزنبيلًا - أي مجرفة وقُقَّة - وكان يعمل في كلِّ جمعةٍ بدرهمِ
ودانِقٍ ، يتقوَّتُ بهما من الجمعة إلى الجمعة ، وكان لا يعمل إلّا في يوم
السبت فقط ، ثم يُقبل على العبادة بقيَّة أيام الجمعة ، وكان من امرأةٍ كان
الرشيد قد أحبَّها فتزوَّجها فحملتْ منه بهذا الغلام ، ثم إن الرشيد أرسلها
إلى البصرة وأعطاها خاتمًا من ياقوتٍ أحمر ، وأشياء نفيسة ، وأمرها إذا
أفضتْ إليه الخلافةُ ، أن تأتِيَهُ ، فلمَّا صارتِ الخلافة إليه ، لم تأتِهِ ولا ولدُها ،
بل اختفيا ، وبلغَهُ أنهما ماتا ، ولم يكن الأمر كذلك ، وفحص عنهما فلم
يطّلِع لهما على خبرٍ ، فكان هذا الشاب يعمل بيده ويأكُل من كدِّها ،
ثم رجع إلى بغداد ، وكان يعمل في الطين ويأكُل ، هذا وهو ابن أمير
(١) تاريخ الخلفاء صـ ٢٩٤ للسيوطي - تحقيق : محمد محيي الدين عبد الحميد -
مطبعة السعادة .
(٢) السير ٩ / ٢٩٠ .
بعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

ttps://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السادس
٩٣
المؤمنين ، ولا يذكر للناس مَنْ هو ، إلى أن اتَّفق مرضُهُ في دارٍ مَنْ كان
يستعمله في الطين ، فمرض عنده ، فلمَّا احْتُضِر ، أخرج الخاتمَ وقال
لصاحب المنزل : اذهب بهذا إلى الرشيد ، وقُل له : صاحب هذا الخاتم
يقول لك : إياك أن تموت في سكرتك هذه ، فتندم حيث لا ينفع نادمًا
ندمُهُ ، واحذر انصرافك من بين يدي الله إلى الدارين ، وأن يكون آخر
العهد بك ، فإن ما أنت فيه لو دامَ لغيرك لم يصل إليك ، وسيصير إلى
غيرك، وقد بَلَغَكَ أخبار مَنْ مضى))(١).
ولما أخبر الرجُلُ الرشيدَ بعد أن وصل إليه بكلام أحمد (( قام فَضَرَبَ
بِنَفْسِهِ الأرض ، وجعل يتمَّغ ويتقلّب ظهرًا لبطنٍ ويقول : والله لقد
نصحتني يا بُنَّ)) . ثم بكى ووقف على قبره ، فلم يزل يبكي حتى أصبح ،
ثم أمر لذلك الرجل بعشرة آلاف درهم ، وكتب له ولعياله رزقًا .
دولةُ العِزِّ والعُلا العامراتُ
ثم تملأُّ مسامعَ الأرضِ شَدْوًّا
بالأماجِيدِ دُونَهُ مُرْهَفَاتٌ
مِنْبِرٌ في سماءِ بغدادَ يعلو
قِفْ بِبَعْدَادَ وَهَْ فوقَ الَّوابِي
ذاك هارونُ قِفْ وَحَي ◌َلِيًّا
زَلْزَلَ الرُّومَ بالهزائِمِ حتى
مُشْرَئِبًّا إلى انتصارٍ جديدٍ
كُلَّمَا أَمَّ وِجهةً بِخَمِيسٍ
قد تحدَّى الغَمامَ في الجوِّ يسعى
قالوا هوِّنْ فسوف تنزلُ فينا
دَوْحَةَ العَزِّ قد سَقَتْكِ الغَوَادِي
تَخْتَلِسُ فوقَ رَوْضِهَا الوطئاتُ
هو عِقْدٌ تَزْهُو به حلقاتُ
زهدُوا من جوارِيهِ حيث باتوا
والعوالي في نَصْرِهِ مُعْلَنَاتُ
رحَّبتْ كي يزورهُنَّ جِهاتُ
ظنَّ أَن البعيرَ عنه فَواتُ
فلنا البحرُ والفَضَا والفَلَاةُ
فوق أوراقِكِ الدُّمَى هامِعاتٌ
(١) البداية والنهاية ١٠ / ١٩١.
بعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
ttps://arabessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد السادس
٩٤
حيث طابتْ أبناؤها والبناتُ
فَلَكَمْ قد جَنَاكِ دینٌ ودنيا
تتغنَّى بِلَحْنِهَا الأبياتُ
يا قصيدَ الإِسلامِ ردِّدْ لُحُونًا
الخليفة المعتصم : فاتح عمورية :
قال السيوطي : كان المعتصم ذا شجاعةٍ وقوَّةٍ وهمَّةٍ .
وقال الذهبي : كان المعتصم من أعظم الخلفاء وأهيبهم ، لولا ما شان
سؤدده بامتحان العلماء بِخَلْق القرآن .
تشكو ((لمعتصمٍ)) ظُلْمَ المُغيرِينَا
أَمَا سمعتَ بأرض الرُّومَ مسلمةٌ
وتملاً الكونَ صيحاتُ المُلَبِّينَا
فتسبقُ الخيلُ أصواتَ استغاثتها
فهل سمعتَ سوى أحزانِ باكينَا
وتصرخُ اليومَ آلافّ مُؤْلَّفَةٌ
وليس نسمِعُهَا إلَّا أغانينَا
ونحن نسمعُ أصواتَ استغاثَتِهَا
سُودٌّ وقائِعُنَا حُمْرٌ مواضِينَا))
(( خُضْرٌ مَرَابِعُنَا بِيضٌ صنائِعُنَا
ونحنُ نسبحُ في أحلامِ ماضِينَا
وَيَسْبَحُ الطُّهْرُ - طُهْرُ الْبِكْرِ - فِي دَمِهِ
في سنة ٢٢٣هـ أوقع ملكُ الروم توفيل بن مخائيل بأهل ملطية من
المسلمين وما والاها ملحمةً عظيمةً ، قتل فيها خَلْقًا كثيرًا من المسلمين ،
وأَسَرَ ما لا يحصون كثرةً ، ومثّل بِمَنْ وَقَعَ في أَسْرِهِ من المسلمين ، فقطع
آذانهم وأُنوفهم وَسَمَلَ أعيُنَهم، قَبَّحه الله، وكان جملة مَنْ أَسَرَ ألف امرأةٍ
من المسلمات .
فلمَّا سمع بذلك المعتصمُ ، انزعج لذلك جدًّا ، وصرخ في قصره بالنَّفير ،
ثم نهض من فوره ، وأمَرَ بتعبئة الجيوش ، واستدعى القاضي والشُّهود ،
فأشهدهم أن ما يملكه من الضِّياع: ثُلُثُه صَدَقَةٌ ، وثلثه لِوَلَدِهِ ، وثلثه لمواليه .
وقال للأمراء : أيّ بلادِ الرومِ أمْنَعُ ؟ قالوا : عمورية ، لم يعرِض لها أحدٌ
مذ كان الإِسلام ، وهي أشرفُ عندهم من القسطنطينية . فاستدعى الجيوش
https://weblessam.blogspot.com/
ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٩٥
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السادس
بين يديه ، وتجهّز جهازًا لم يجهِّزه أحدٌ كان قبْلَهُ من الخلفاء، وأَخَذَ معه
من آلات الحرب والأحمال والجِمال والقِرَب والدَّوابِّ والنِّفْط والخيل
والبغال ، شيئًا لم يُسمع بمثله ، وسار إلى عمورية في جحافل أمثال الجبال ،
فأنكاهم نكايةً عظيمةً لم يُسمع بمثلها لخليفةٍ ، وقتل منهم ثلاثين ألفًا وسَبَى
مِثْلَهم .
مِلْءَ أفواهِ الصَّبَايَا الْيَُّّمِ
رُبَّ وامُعْتَصِمَاهُ انطلقتْ
لم تُصادِفْ نخْرةَ المُعْتَصِمِ
صادفتْ أَسماعَهُمْ لكنَّها
عفا الله عن المعتصم .
عفا عنه ابنُ حنبلٍ يومَ فتْحه لعمورية .
قال السيوطي عن المعتصم: ((لم يجتمع الملوك ببابِ أحدٍ قطُّ
اجتماعَها بباب المعتصم ، ولا ظَفِرَ مَلِكٌ قطُّ كَظَفَرِهِ ؛ أسَرَ مَلِكَ أذربيجان ،
وملكَ طبرستان ، وملكَ استيسان وملكَ الشياصح، وملكَ فرغانة ، وملك
طخارستانَ ، وملك الصّفة ، وملكَ كابِل )).
تحكي أفاعيلَهُ في كلِّ نائبةٍ
اللَّيْثُ والغَيْتُ والصَّمْصَامَةُ الذَّكَرُ
المتوكِّل ونَصْرُه للسَُّّة :
قال ابن كثير في ((البداية والنهاية)) (١٠ / ٣٦٥ - ٣٦٦ ):
((كان المتوكّل مُحبَّبًا إلى رعيَّته، قائمًا في نُصرة أهل السُّنَّة ، وقد شبَّهه
بعضُهم بالصِّدِّيق في قتْله أهل الرُّدَّة؛ لأنه نَصَرَ الحقّ وردّه عليهم، حتى
رجعوا إلى الدين ، وبعمر بن عبد العزيز حين ردّ مظالم بني أُميَّة ، وقد أظهر
السُّنَّةَ بعد البدعة ، وأَحْمَدَ أهلَ البدع وبدعتهم بعد انتشارها واشتهارها ،
فرحمه الله . وقد رآه بعضهم في المنام بعد موته وهو جالس في نورٍ ، قال :
فقلت : المتوكِّل ؟ قال : المتوكِّل . قلتُ : فما فَعَلَ بِكَ رَبُّك؟ قال: غَفَرَ
https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد السادس
٩٦
لي. قلت : بماذا ؟ قال: بقليلٍ من السُّنَّة أحييتُها)).
قال السيوطي في ((تاريخ الخلفاء)) صـ ٣٤٦: ((أَظْهَرَ الميلَ إلى
السُّنَّة ، ونَصَرَ أهلها ، وَرَفَعَ المحنةَ ، وكتب بذلك إلى الآفاق ، وذلك في
سنة أربع وثلاثين ، واستقدم المحدِّثين إلى سامرًا، وأْزَلَ عطاياهم وأكرمهم ،
وأمرهم أن يحدِّثوا بأحاديث الصِّفات والرُّؤية ، وجلس أبو بكر بن أبي شيبة
في جامع الرّصافة ، فاجتمع إليه نحوٌ من ثلاثين ألف نفس ، وجلس أخوه
عثمان في جامع المنصور ، فاجتمع إليه نحو من ثلاثين ألف نفس ، وتوفّر
دعاء الخلق للمتوكّل ، وبالغوا في الثناء عليه والتعظيم له ، حتى قال قائلُهم :
الخلفاءُ ثلاثةٌ : أبو بكر - رضي الله عنه - في قَتْل أهل الرِّدَّة ، وعمر بن
عبد العزيز في ردِّ المظالم ، والمتوكّل في إحياء السُّنَّة وإماتة التَّجهُّم)).
بعثَ رحمه الله إلى نائب مصر ، أن يحلق لحيةَ قاضي القضاة بمصر
أبي بكر محمد بن أبي الليث ، وأن يضربه ، ويطوف به على حمارٍ ، ونِعْمَ
ما فَعَلَ ؛ فإنه كان ظالمًا من رؤوس الجَهْمِيَّة .
قال أبو بكر بن الخبازة :
مُعَزَّزَةً حتى كأنْ لمْ تُذَلَّلِ
وبعدُ فإن السُّنَّةَ اليومَ أصبحتْ
وحُطَّ منارُ الإِفك والُّورِ من عَلِ
تصُوُلُ وتسطُو إذْ أُقِيمَ منارُها
إلى النارِ يهوي مُدبّرًا غَيْرَ مُقِبِلٍ
وَوَلَّى أخو الإِبداع في الدِّينِ هاربًا
خليفِتِهِ ذي السُّنَّةِ المتوكّلِ
شَفَى الله منهمْ بالخليفةِ جعفٍ
وجامِعِ شَمْلِ الدِّينِ بعدَ تشكُّتٍ
أطالَ لنا رَبُّ العبادِ بقاءَهُ
وبوَّاهُ بالنصرِ للدِّينِ جَنَّةٌ
وفاري رؤوس المارقين بِمُنْصُلِ
سليمًا من الأهوالِ غَيْرَ مبدَّلِ
يُجَاوِرُ في روضاتها خَيْرٌ مُرْسَلٍ(١)
(١) تاريخ الخلفاء صـ ٣٤٦ - ٣٤٧.
https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /ttps://arabessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد السادس
٩٧
قال الذهبي في (السير)) (١٢ / ٣١ - ٣٤): ((قال خليفة بن
خياط : استُخْلِفَ المتوكِّل ، فأظهر السُّنَّة ، وتكلّم بها في مجلسه ، وكتب
إلى الآفاق برفْع المحنة ، وبسْط السُّنَّة ونصْر أهلها)).
(( وكان قاضي البصرة إبراهيم بن محمد التيمي يقول : الخلفاء ثلاثة :
أبو بكر يومَ الرِّدَّة ، وعمر بن عبد العزيز في ردِّ المظالم من بني أُميَّة ،
والمتوكّل في مَحْوِ البدع وإظهار السُّنَّة )» (١).
وغضب المتوكّلُ على أحمد بن أبي دُوَّاد ، وصادرَهُ ، وسجَنَ أصحابَهُ .
وقال يزيد بن محمد المهلبي : قال لي المتوكِّل : إن الخلفاء كانت
تتصعَّب على الناس ليُطيعوهم، وأنا ألين لهم لُيُحُّوني ويُطيعوني .
وفي سنة ٢٣٥هـ ألزم المتوكّل النصارى بلُبْس العَسَلّ.
وفي الكامل لابن الأثير: ((ألزَمَ النصارى بُلُبْس الطَّيالسة العَسَلِيَّة،
وشدِّ الَّنانير، وركوب السُّرُوج بالُّكُب الخَشَب، وعَمَلِ كرتين في مؤخّر
السُروج))(٢).
الخليفة المهتدي بأمر الله : من أحسن الخلفاء وَرَعًا وعبادة :
كان وَرِعًا صالحًا متعبِّدًا بطلًا شجاعًا، قويًّا في أمر الله، خليقًا
للإِمارة ، لكنَّه لم يَجِدْ مُعينًا ولا ناصرًا ، والوقتُ قابِلْ للإِدبار .
نَقَلَ الخطيبُ عن أبي موسى العباسي: أنه ما زالَ صائمًا منذ استُخْلِفَ
إلى أن قُتل(٣).
فوات الوفيات ١ / ٢٩٠، والنجوم الزاهرة ٢ / ٣٧٥ .
(١)
(٢)
الكامل ٧ / ٥٢ .
تاريخ بغداد ٣ / ٣٤٩ ، وتاريخ الخلفاء ٣٦١ .
(٣)
بعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
٩٨
صلاح الأمة في عُلُوْ الهمة - المجلد السادس
وقال أبو العبّاس هاشمُ بن القاسم : كنتُ عند المهتدي عَشِيَّةً في
رمضان، فقمتُ لأَنصرف ، فقال : اجلسْ . فجلستُ ، فصلَّى بنا ، ودعا
بالطعام ، فأحضر طَبَقَ خِلَافٍ(١) عليه أرغفةٌ ، وآنيةً فيها ملحٌ وزيتٌ وَخَلّ ،
فدعاني إلى الأكل ، فأكلتُ أُكْلَ مَنْ ينتظر الطبيخَ . فقال: ألم تكُن صائمًا ؟
قلتُ : بلى . قال : فكُلْ واسْتَوْفٍ ، فليس هنا غيرُ ما ترى ؟! فعجبتُ ،
ثم قلتُ : ولِمَ يا أمير المؤمنين ، وقد أنعم اللهُ عليك ؟! قال: إني فَكَّرْتُ
أَنَّه كان في بني أُميَّةَ عُمر بن عبد العزيز ، فغِرْتُ على بني هاشمٍ ، وأخذتُ
نفسي بما رأيتَ(٢).
قال جعفر بن عبد الواحد : ذاكرتُ المهتديّ بشيءٍ ، فقلتُ له :
كان أحمدُ بن حنبل يقولُ به ، ولكنَّه كان يُخالفُ. كأنِّي أشرتُ إلى
آبائه، فقال: رَحِمَ الله أحمدَ بن حنبل ، لو جاز لي لَتَبَّأْتُ من أبي ، تَكَلَّمْ
بالحقِّ وَقُلْ به ، فإنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بالحقِّ، فَيَنْبُ في عيني(٢).
قال نِفطويه : أَخْبَرَنَا بعضُ الهاشميِّين أنه وُجِد للمهتدي صَفَطٌ فيه
جُبَّةُ صوفٍ ، وكساء كان يلبسه في الليل، ويُصَلِّي فيه ، وكان قد اطَّرح
الملاهي ، وحَّم الغناءَ ، وحَسَمَ أصحابَ السُّلطان عن الظُّلم ، وكان شديدً
الإِشراف على أُمْرِ الدَّوَاوِين ، يجلسُ بِنَفْسِهِ، ويُجْلِس بين يديْهِ الكُتَّابَ ،
يعملون الحسابَ، وَيَلْزَمُ الجلوسَ يومي الخميس والاثنين ، وقد ضربَ
جماعةً من الكِبارِ ، ونَّفَى جعفر بن محمود إلى بغداد لِرَفْضٍ فيه .
ولمَّا دخل عليه موسى بن بغا وأصحابُه ليخلعوه ، خرج إليهم وهو
(١) صنف من الصَّفْصَاف ، ومن عيدانه تُصنع الأطباق .
(٢) تاريخ بغداد ٣ / ٣٥٠، وتاريخ الخلفاء ٣٦١.
(٣) السير .
بعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد السادس
٩٩
متقلّدٌ سيفًا وقال لهم : قد بلغني ما تَمَالَأُتُمْ عليه من أمري ، وإني والله ما خرجتُ
إليكم إلَّ وأنا متحنِّطٌ ، وقد أوصيتُ أخي بولدي ، وهذا سيفي ، والله
لأضربنَّ به ما استمسك قائمُهُ بيدي ، والله لَئِنِ سَقَطَ من شعري شعرةٌ ،
ليهلكنَّ بَدَلها منكم، أو ليذهبنَّ بها أكثُرُكُم، أمَا دِينٌ؟ أما حياءٌ ؟ أما
تَسْتَحْيُون ؟ كم يكون هذا الإِقدامُ على الخلفاء والجرأة على الله عز وجل ،
وأنتم لا تُبصرون ؟ سواءٌ عندكم مَنْ قَصَدَ الإِبقاءَ عليكم والسِّيرةَ الصالحة
فيكم ، ومن كان يدعو بأرطال الشراب المُسكِر ، فيشربُها بين أظهركم
وأنتم لا تُنكرون ذلك ، ثم يستأثر بالأموال عنكم وعن الضعفاء ، هذا
منزلي فاذهبوا فانظروا فيه وفي منازل إخوتي ومَنْ يتَّصل بي ، هل تَّرَوْنَ
فيها من آلات الخلافة شيئًا ، أو من فرشها أوْ غير ذلك ؟ وإنّما في بيوتنا
ما في بیوت آحادِ الناس .
قَتَلَ الأتراكُ المهتديّ .. أرادوا منه أن يخلع نفسه ، فأبى ، رحمة الله
عليه .
(( قال الخطيب : كان من أحسن الخلفاء مذهبًا ، وأجودهم طريقةً ،
وأكثرهم وَرَعًا وعبادةً وزهادةً .
وَرَوى الخطيب أن رجلًا استعان المهتدي على خصمه ، فَحَكَمَ
بينهما بالعدل ، فأنشأ الرجل يقول :
أَبْلَجُ مِثْلَ القمرِ الَّاهِرِ
حكَّمْتُمُوهُ فقضى بينكمُ
ولا يُالِي غَبْنَ الخَاسِرِ
لا يقبلُ الرِّشْوَةَ في حُكمِهِ
فقال له المهتدي : أمَّا أنت أيها الرجل ، فأَحْسَنَ الله مقالتك ،
ولست أغتُّ بما قلتَ ، وأمَّا أنا ، فإني ما جلستُ مجلسي هذا ، حتى
قرأتُ: ﴿ ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تُظلم نفسٌّ شيئًا وإن
https://weblessam.blogspot.com/
ـبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد السادس
١٠٠
كان مثقال حبَّةٍ من خردلٍ أتينا بها وكفى بنا حاسِبِين ﴾ [الأنبياء: ٤٧ ].
قال : فبكى الناس حوله ، فما رُئِي أكثر باكيًا من ذلك اليوم .
وقال بعضهم : سَرَدَ المهتدي الصومَ من حين تولَّى إلى حين قُتِل ،
وكان يحبُّ الاقتداءَ بما سلكَهُ عمر بن عبد العزيز الأمويّ في خلافته ؛ من
الوَرَعِ والتَّقشُّف وكثرة العبادة وشدَّة الاحتياط ، ولو عاش ووجد ناصرًا
لسار سيرتَهُ ما أمكنه ، وكان من عزمه أن يُبيد الأتراك الذين أهانوا الخلفاء
وأذلُّوهم، وانتهكوا منصبَ الخلافة ))(١).
الخليفة المُعْتَضِد ، قَاتِلُ الأسد :
هو أحمد بن الأمير أبي أحمد الموفَّق الملقّب بناصر دين الله .
قال عنه ابن كثير: ((كان أمر الخلافة قد ضعُف في أيام عمِّه المعتمد ،
فلمَّا وَلِي المعتضدُ أقام شعارَها ورفَعَ منارها، وكان شجاعًا فاضلا من رجالاتٍ
قريشٍ حَزْمًا وجُرأةً وإقدامًا وحزمة )) .
وكان رحمه الله يقول: ((إن الرَّعيَّة وديعة الله عند سلطانها ، وإنه
سائلُهُ عنها )). ولهذه النّيّة لَمَّا وُلِّي الخلافة، كان بيت المال صفرًا من المال،
وكانت الأحوال فاسدة ، والعرب تعيثُ في الأرضِ فسادًا في كُلِّ جهةٍ ،
فلم يَزَلْ برأيهِ وتسديده ، حتى كَثُرتِ الأموالُ وصلُحت الأحوال في سائر
الأقاليم والآفاق .
قال جعيف السَّمر قندتُ الحاجبُ : كنت مع مولاي المعتضد في بعض
مُتَصَيّداته ، وقد انقطعَ عن العسكر ، وليس معه غيري ، إذ خرج علينا
أسدٌ ، فَقَصَدَ قصْدنا ، فقال لي المعتضدُ : يا جعيف ، أفيك خيرٌ اليوم ؟
(١) البداية والنهاية ١١ / ٢٦ .
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/