Indexed OCR Text
Pages 61-80
https://arabessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد علو الهمة في صناعة الحياة ٦١ = وأفريقيا وآسيا لا تزال تستمد المعرفة من علمها، وهو أكبر دليل على قدرة المسلمين على الإبداع العلمي والقدرة على الخروج من المأزق الذي يعيشونه، ولم يقف هنتنجتون عند هذا الحد، بل واصل حديثه بالاعتراف بأنه أخطأ في تقدير قوة وبقاء الحضارة الإسلامية؛ مثلما أخطأ غيره عندما تصوَّر أن الإسلام سينهار بعد إلغاء أتاتورك للخلافة الإسلامية))(١). وفي نفس الشهر -أكتوبر ١٩٩٧ م- الذي عقدت فيه تلك الندوة عن الإسلام والغرب في العاصمة الألمانية ((بون))، عقدت كذلك ندوة أخرى عن نفس الموضوع في العاصمة القبرصية ((نيقوسيا))، وفيها قال ((صموئيل هنتنجتون)): ((إن عدم الاستقرار السياسي والصراع القادم خلال الأعوام الخمسة والعشرين القادمة، سيكون وراء صعود قوة الإسلام والنهضة الكبرى في الصين)) (٢). ٥٢- روبين كوك وزير خارجية بريطانيا: ■ في أكتوبر ١٩٩٨م، ألقى ((روبين كوك)» وزير الخارجية البريطانية خطابًا في أحد المراكز الإسلامية في لندن، جاء فيه: ((إن جذور ثقافتنا الإنجليزية ليست يونانية أو رومانية الأصل فحسب، بل هي إسلامية أيضًا، فالفن الإسلامي والعلوم والفلسفة الإسلامية قد ساعدت على تشكيل تطورنا، والأرقام الإسلامية ما زالت يعتمد عليها وهي التي علمتنا طريقة العد الصحيحة، ثم إن ثقافة الغرب مدينة للإسلام، ونحن (١) صحيفة الشعب ٣١/ ١٩٩٧/١٠. (٢) ((الحضارة الإسلامية)) للواء أحمد عبد الوهاب (ص١١٧ - ١١٨)، وصحيفة الأهرام ١/ ١١/ ١٩٩٧ م. تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ٦٢ صلاح الأمة في علو الهمة نقوم حاليًا بتطوير علاقتنا مع العالم الإسلامي بعد ما سمحنا للأيام أن تباعد بيننا، البعض يقول: إن الغرب بحاجة إلى عدو بعد انتهاء الحرب الباردة، وإن الإسلام هو العدو الجديد الذي سيأخذ مكان الشيوعية في الاتحاد السوفيتي، كما يقولون: إن صراع الحضارات قادم لا مفر منه. وأنا أقول: أنهم مخطئون، بل مخطئون خطأ فادحًا؛ فنحن لسنا بحاجة إلى الإسلام كعدو، بل نحن في حاجة إليه كصديق، والقرآن الكريم يقول في الآية ١٣ من سورة الحجرات: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْتَكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْتَّى وَجَعَلْتَكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوَ إِنَّ أَكْرَ مَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَنَّكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَليُ خَبِيرٌ ١٣ فالآية توضح أن نعمل معًا لتحسين التفاهم بيننا، وتوضيح تلك الصور الخاطئة والمشوهة لبعضنا البعض، وعلينا أن نتخلص كليةً من مشاعر عدم الثقة التي تضر الجميع، إن الغرب مدين للإسلام بالشيء الكثير؛ فالإسلام قد وضع الأسس الفكرية لمجالات عديدة مهمة وكبيرة في الحضارة الغربية. فأسس حضارتنا يعود الفضل فيها إلى الإسلام، لذلك من أكبر الأخطاء التي يمكن للغرب أن يرتكبها هو الظن بأن الثقافة الإسلامية شيء غريب عنا، فهي ليست كذلك، فإن ثقافتينا قد تشابكتا عبر التاريخ والأجيال، وما زالتا تتلاقيان أيضًا في وقتنا الحاضر)) (١). (١) (الحضارة الإسلامية)) للواء أحمد عبد الوهاب (ص١١٨ - ١٢٠)، صحيفة الأهرام ١٦/ ١٠/ ١٩٩٨. تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ٦٣ علو الهمة في صناعة الحياة شمس العرب تسطع على الغرب: ■ جاء في كتاب ((شمس العرب تسطع على الغرب)) للمستشرقة الألمانية ((زيغريد هونكه)): ((أنَّ ((جربرت)) الذي ارتقى كرسي البابوية سنة (٩٩٩م) قد تعلَّم الرياضيات والفلك على أيدي أساتذة من العرب في إسبانية، وأنَّه استمع إلى الأساتذة العرب، وتعلّم أشياء لم يكن أحدٌ في أوروبة لَيَحْلُم بأن يَسْمَع بها، وكان من أهم ما تعلّمه ((جربرت)) نظام الأرقام والأعداد العربية. وأنَّه حَيَّر بعلمه معاصريه، وأن قَوْمه نظروا إليه كساحر، وكفنَّاٍ غريب، ونسجوا حوله الإشاعات، حتَّى قيل: إنَّه كان يهرب ليلاً من الدَّير إلى إسبانية ليتعلم على أيدي العرب علم الفلك والفنون الأخرى)) (١)اهـ. ■ وجاء فيه أيضًا قولها: ((فقد كان في مدينة قرطبة وحدها خمسون مستشفى في أواسط القرن العاشر الميلادي، فطغَتْ بهذا العدد على مدينة (بغداد)) عاصمة الدنيا آنذاك، ومضرب الأمثال في عصر الخليفة ((هارون الرشيد)) وكانت المستشفيات تتمتّع بموقع تتوافر فيه فيه كلّ شروط ٩ الصحة والجمال، وتُزَوَّد بماء جَارٍ للحَّمات مُدَّلها من نَهْر دجلة)(٢) اهـ. ■ وجاء فيه أيضًا قولها: ((قبل ٦٠٠ عام كان لكلية الطب الباريسية أصغر مكتبة في العالم، لا تحتوي إلّا على مؤلّف واحد، وهذا المؤلف كان لعربيٍّ کبیر. (١) ((شمس العرب تسطع على الغرب)) لزيغريد هونكه (ص ٨٠ - ٨١). (٢) المصدر السابق (ص٢٢٨ - ٢٢٩). تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ٦٤ صلاح الأمة في علو الهمة ولقد اعترف الباريسيون بقيمة هذا الكنز العظيم، وبفضل صاحبه عليهم وعلى الطب إجمالًا، فأقاموا له نُصُبًا في باحة القاعة الكبيرة في مدرسة الطب لديهم، وعلقوا صورته وصورة عربيٍّ آخر في قاعة أخرى كبيرة تقع في شارع (سان جرمان)) إنَّه أبو بكر محمد بن زكريا الرازي)» (١) هـ. ■ وقولها: «لم يكن الرازي ذلك الطبيب العظيم فحسب، بل كان أيضًا أحد الأوائل الذين جعلوا من الكيمياء علمًا صحيحًا))(٢). ■ وجاء فيه أيضًا ما خلاصته: ((أنَّ ((قسطنطين)) الأفريقي الأصل، الذي عاش في القرن الحادي عشر الميلادي، وعمل بالتجارة، وتاجر بالعقاقير والأدوية، واحتك بالطب العربي احتكاكًا مباشرًا، والتقى في ((بغداد)) وفي ((حلب)) وفي ((أنطاكية)) بابن بطلان. وكان يحمل العقاقير والأدوية من بلدان المسلمين، ويبيعها للإفرنج في ((سالرنو)) (٣) قد وعَدَ أصدقاءه الفرنجة بأن يزودهم في سفراته القادمات بكنوز من الطب العربي، بدلًا من عقاقيره وحدها. وأنَّه عاد إلى مصر، ودخل مدارس الطبّ، ليمضي فيها السَّنوات الطوال دارسًا، وهو في نضجه الكامل، وبعد سنين طوال عاد إلى (سالرنو)) ومعه مجموعة من الكتب المكتوبة باللسان العربي. وأنَّه أكَبَّ على ترجمة هذه الكتب، إلَّا أنَّه كان يُقدَّم مخطوطاته المترجمة (١) المصدر السابق (ص٢٤٣ - ٢٤٤). (٢) ((شمس العرب تسطع)) (ص٢٥١). (٣) سالرنو: مدينة في وسط إيطاليا على البحر التيراني، قرب مدينة نابلي. تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ https://arabessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد ٦٥ علو الهمة في صناعة الحياة إلى لاتينيةٍ ركيكة على أنَّها من تأليفه، وساعده الراهبان ((آتو)) و((يوحنّا)) على تنقيحها وإجلاء غوامضها، وصياغتها بأسلوب واضح. وأنَّ الناس تلقفوا مؤلفاته بإعجاب كبير، إذ كانت تنزل كالوحي على أطباء (سالرنو)). وأنَّ شهرته الكبيرة استمرَّت مدَّة أربعين سنة، ثم ظهَرَ فجأةً أنَّه كان تاجرًا غشاشًا، عرف كيف يُغَلفُ بضاعةً قديمة بغلاف جديدٍ بَهَرَ الأنظار، وأنَّه قد كان يترجم كُتُبًا مكتوبة باللّسان العربي وينسبها إلى نفسه»(١). ■ وجاء فيه أيضًا قولها: ((لقد انطلق الأوروبيون إلى مُدنٍ إسبانية، وخُلْجانٍ إيطاليّة، بل إلى مُدنِ المشرق، سعيًا وراء المعارف العربية. فاهتمام ((فريدريك الأول)) بعلم النجوم العربي، هو الذي حَدَا به إلى انتزاع ((جيرارد)) من قلْب مدينته الوفية («كريمونا)»(٢) وإرساله إلى إسبانيا، وقد أوصاه بهمة جلب ((المجسْطِي)) (٣) لـ ((بطليموس)) من مدينة ((طُليطُلة)) وكان ذلك في الوقت الذي تغَني به القوم بشهرة (سالرنو)) المتفتّحة تحْتَ شمس المعرفة العربية. ولكنَّه ما إن وصل إلى هذه القلعة السابقة للفكر العربي -أي: فكر المسلمين- ورأى هذه الكنوز الفكرية العظيمة، التي ظهرت للأعين فيها حتى قرَّر البقاء هناك. وبقي مدَّةً تزيد على العشرين سنة، جمع فيها أكثر (١) ((شمس العرب تسطع)) (ص ٢٩٣ - ٢٩٧). (٢) ((مدينة إيطالية)). (٣) المجِسطي: أقدم كتاب في الفَلَك أَلَّفه بطليموس. تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ٦٦ = صلاح الأمة في علو الهمة من ثمانين مخطوطة بالإضافة إلى كتاب ((المجِسْطِي)) وعاد بها إلى موطنه (کریمونا». وكانت هذه المخطوطات كنوزًا فكريَّة بِحَدِّ ذاتها، وثمراتٍ عظيماتٍ قيماتٍ وسافراتِ النضج))(١)هـ. ■ وجاء فيه أيضًا قولها: ((وتدفّق سيل الترجمة تدفّقًا متواصلًا لم يكن بوُسْع أحدٍ أن يمْنَعه، وانْطَلَقَ من إسبانيا، وصقلّية، وشمالي إيطالية، فمن مدينة ((بادوا)) جاءت ترجمة ((الكليات)) لابن رُشد، وترجمة كتاب ((التيسير)) لابن زهر، مرتين على التوالي. ومن ((صقلية)) جاءت ترجمة ((الحاوي)) أضخم كتابٍ للرازي، وقد أمضى اليهودي ((ابن سليم)) المتعلم في «سالرنو)) نصف حیاته في ترجمته. وظلَّت حركة الترجمة من العربية إلى اللاتينية على أَشُدَّها حتى القرن السادس عشر الميلادي، وأضيفت أشياء جديدة لم تكن معروفة، وأعيدت ترجمة كتُب أخرى مرّةً ثانيةً، کكتاب ((القانون)) لابن سينا، وکتاب ((زاد المسافرین» لابن الجزار، و کتُب أخری للرازي، ولا بن رُشد. وبهذا انطلقت حركةٌ فكريةٌ جبارة لم يَقْدِرْ أيٌّ من العلماء في القرون التي تَلَتْ إلَّا أن يتأثر بها))(٢). ■ وجاء فيه أيضًا قولها: ((إنَّ سَيْلًا عرِمًا من نتاج الفكر العربي ((تقصد من نتاج المسلمين)) ومواد الحقيقة والعلم قد نقحتْهُ أيدٍ عربية -أي: أيْدٍ مسلمة- ونظمته، وعرضته بشكل مثالي، قد اكتسح أوروبة -ولو في رداءٍ (١) ((شمس العرب)) (ص٣٠٣). (٢) المصدر السابق (ص٣٠٣ - ٣٠٤). تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد ٦٧ علو الهمة في صناعة الحياة ركيك من اللَّغة اللاتينيّة -وَغَمَر أرضها الجافَّة غَمْرًا، فأشْبَعها كما يُشْبع الماء الرَّمال الظمأی. وبعد الموجه الأولى التي سَمَتْ بـ ((سالرنو)) إلى ذُرى من الشهرة العالمية التي لا تُضَاهى، جاءت الموجة الثانية فبعثت الحياة النابضة في مدينة ((مونبليه)) الواقعة على مفترق الطرق بين إسبانيا وما تبقّى من بلاد الغرب، وأمَدَّتْ مدرسَةَ ((بولونية)) الإيطالية، وجامِعَتها، بدفعات جديدات من الذّخر العربي، وأعْطَتْ موادَّ الدراسة المثالية إلى ((بادوا)) و((باريس)) و((أكسفورد)). وفي مراكز العلم الأوروبية لم يكن هناك عالمٌ واحدٌ من بين العلماء، إلَّا ومَدَّ يَدَيْهِ إلى الكنوز العربية هذه يغترف منها ما شاء الله له أن يغترف، ويَنْهَلُ منها كما ينْهَلُ الظمآن من الماء العَذْب، رغبةً منه في سد الثغرات التي لدَيْه، وفي الارتقاء إلى مستوى عصره العلمي. ولم يكُنْ هناك كتابٌ واحدٌ من بين الكتب التي صَدَرتْ في أوروبة آنذاك إلَّا وقد ارتوت صفحاته بالري العميم من الينابيع العربية، وأخذ عنها .. وظهر فيه تأثير واضحًا كُلّ الوضوح، ليس فقط في كلماته العربية المترجمة، بل في محتواه وأفكاره)) (١) اهـ. ■ وجاء فيه قولها متحدثة عن صقليَّة التي حكمها المسلمون قرنين ونصفًا، وكانوا فيها سادة للجزيرة على طرف أوروبة الجنوبي، ثم طردهم منها الكونت ((روجر الاول)) النورماني: ((فمنذ مائتي سنة قدم العرب إلى صقلية من تونس، من المنطقة التي حول القيروان، وحوَّلُوا خرائب (١) ((شمس العرب تسطع)) (ص ٣٠٥ - ٣٠٦). تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ٦٨ صلاح الأمة في علو الهمة صقلية إلى حدائق غنّاء، واستوردوا لها من بلادهم أشجار النخيل، وزرعوا فيها أشجار البرتقال والفستق والموز والزعفران، فحولوا الجزيرة الفقيرة بالقطن وقَصَب السكر إلى بلد يزخر بالخيرات، وزينوها بالقصور والمساجد الرائعة التي كانت تعجّ بالشعراء والمغنين (١) والفلاسفة والأطباء وعلماء الرياضة والطبيعة، ويُحصيها ابن حوقل عام (٩٧٠م) في ((بالرمو)) فقط بثلاثمئة ما بين قصر ومسجد. واستخدم المتعلمون في صقليَّة في كتاباتهم ورقًا أبيض كان أوَّلَ ورقٍ عرفته أوروبة، وكان ذلك قبل أن تُصَدِّرَه إسبانية إلى الغرب بزمن طويل))(٢) اهـ. نماذج من علوم المسلمين في الحضارة الإسلامية وذكر علاة الهمم الروّاد و الأوائل للدنيا بأسرها : علم الطب في الحضارة الإسلامية (٣): يُعدُّ الطب من أوسع مجالات العلوم الحياتية التي كان للمسلمين فيها إسهامات بارزة على مدار عصور حضارتهم الزاهرة، وكانت تلك الإسهامات على نحو غير مسبوق شمولًا وتميُّزًا وتصحيحًا للمسار، حتى ليُخيّل للمطّلع على هذه الإسهامات الخالدة كأن لم يكن طبّ قبل حضارة المسلمين. (١) الغناء حرام في شرعنا وهذا البعد عن تعاليم الإسلام أدى إلى سقوط الأندلس وانهيار حضارته بعد ذلك، وطرد المسلمين من أسبانيا. (٢) ((شمس العرب)) (ص ٤١٠). (٣) هذا المبحث مأخوذ ومُلخَّص من كتاب ((العلم وبناء الأمم)) للدكتور راغب السرجاني (ص ١٠٠ - ١٢٦). تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ https://arabessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد ٦٩ علو الهمة في صناعة الحياة ولم يقتصر الإبداع على علاج الأمراض فحسب، بل تعدَّاه إلى تأسيس منهج تجريبي أصيل انعكست آثاره الراقية والرائعة على جميع جوانب الممارسة الطبيّة وقاية وعلاجًا، أو مرافق وأدوات، أو أبعادًا إنسانية وأخلاقية تحكم الأداء الطبي. وتتجلى روعة الإسهامات الإسلامية في الطب في تخريج هذا الحشد من العبقريات الطبية النادرة التي كان لها -بعد الله - الفضل الكبير في تحويل مسار الطب اتّجاهًا آخر تابعت المسير على نهجه أجيالُ الأطباء إلى يوم الناس هذا. وقد تميز علماء الطب المسلمون بأنهم أول من عرف التخصص؛ فكان منهم: أطباء العيون، ويسمّون ((الكخَّالين))، ومنهم الجراحون، والفاصدون ((الحجّامون))، ومنهم المختصون في أمراض النساء وهكذا. وكان من سمات هذا العصر إنشاء المستشفيات النظامية، وبروز الشخصيات الإسلامية في ميدان علم الطب، وكانت عائلة أبي الحكم الدمشقي هي المسيطرة على هذه المهنة في العصر الأموي، وكان من هذه الشخصيات أيضًا: تياذوق، وقد كان قريبًا من الحجاج بن يوسف الثقفي، وأحمد بن إبراهيم الذي كان طبيب الخليفة الأموي يزيد بن عبدالملك))(١). وما كادت عجلة الأيام تدور العباسي حتى أجاد المسلمون في كل فرع من فروع الطب، وصححوا ما كان من أخطاء العلماء السابقين تجاه نظريات بعينها، ولم يقفوا عند حد النقل والترجمة فقط وإنما واصلوا (١) ((عيون الأنبياء في طبقات الأطباء)) (٤٠٥/١ - ٤١٠). تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ٧٠ صلاح الأمة في علو الهمة البحث وصوَّبوا أخطاء السابقين. ■ وكان من عمالقة هذا العصر المبهرين أبو بكر الرازي عمله، والذي يعتبر من أعظم علماء الطب في التاريخ قاطبة، وله من الإنجازات ما يعجز هذا الكتاب عن ضِّه. طب العيون ((الكحالة)): كما تطوَّر عند المسلمين طب العيون ((الكحالة)) ولم يُطاوِلهم فيه أحدٌ؛ فلا اليونان من قبلهم، ولا اللاتين المعاصرون لهم، ولا الذين أتوا من بعدهم بقرون بلغوا فيه شأوهم؛ فقد كانت مؤلفاتهم فيه الحجة الأولى خلال قرون طوال، ولا عجب أن كثيرين من المؤلفين كادوا يعتبرون طب العيون طبًّا عربيًّا، ويقرَّر المؤرخون أن علي بن عيسى الكحال (ت٤٠٠ هـ) كان أعظم طبيب عيون في القرون الوسطى برمتها، ومؤلفه -التذكرة- أعظم مؤلفاته (١). أبو القاسم الزهراوي أعظم الجرّاحين في التاريخ: وإذا طوينا تلك الصفحة المشرقة للرازي وابن عيسى الكحال، فإننا نجد أنفسنا أمام عملاق آخر يعتبر من أعظم الجراحين في التاريخ-إن لم يكن أعظمهم على الإطلاق- وهو أبو القاسم الزهراوي (ت٤٠٣ هـ) الذي تمكن من اختراع أولى أدوات الجراحة كالمشرط والمقص الجراحي، كما وضع الأسس والقوانين للجراحة، والتي من أهمها ربط الأوعية لمنع نزفها، واخترع خيوط الجراحة، وتمكن من إيقاف النزف بالتخثير. (١) المصدر السابق (ص ٢/ ٢٦٣). تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://web1essam.blogspot.com/ https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد ٧١ علو الهمة في صناعة الحياة وقد كان الزهراوي هو الواضع الأول لعلم ((المناظير الجراحية))، وذلك باختراعه واستخدامه للمحاقن والمبازل الجراحية والتي عليها يقوم هذا العلم، وقام بالفعل بتفتيت حصوة المثانة بما يشبه المنظار في الوقت الحاضر، إلى جانب أنه أول مخترع ومستخدم لمنظار المهبل. ويعتبر كتاب الزهراوي: ((التصريف لمن عجز عن التأليف))- والذي قام بترجمته إلى اللاتينية العالم الإيطالي جيراردوا (١) تحت اسم ALTASRIF" موسوعة طبية متكاملة لمؤسسي علم الجراحة بأوروبا وهذا باعترافهم، ((تتألف هذه الموسوعة من ثلاثين مجلدًا مقسمة إلى ثلاثة أقسام: الأول في ((الطب))، والثاني في ((الكيمياء))، والثالث في ((الجراحة والأدوات الجراحية))، ويذهب مؤرخو الطب على أن الزهراوي كان أول من خص الجراحة بدراسة متميزة، وفصلها عن سائر الأمراض التي تعتري جسم الإنسان. ولقد حلّ مبحث أبي القاسم الزهراوي في الجراحة محل كتابات القدماء، وظل مبحثه هذا العمدة في فن الجراحة حتى القرن السادس عشر ((أي: لما يزيد على خمسة قرون من زمانه))، ويشتمل على صور توضيحية للعديد من آلات الجراحة ((أكثر من مئتي آلة جراحية !! )) كان لها أكبر الأثر فيمن أتى من بعده من الجراحين الغربيين، وكانت بالغة (١) جيراردوا دا كريمونا (١١١٤ - ١١٨٧ م) مستشرق إيطالي. مولده ووفاته في (كريمونا)) من مدن إيطاليا الشمالية أقام زمنًا في طليطلة بـ ((الأندلس)) فترجم عن العربية إلى اللاتينية أكثر من سبعين كتابًا من كتب الهيئة وأحكام النجوم والهندسة والطب والطبيعة والكيمياء والفلسفة. https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد ٧٢ صلاح الأمة في علو الهمة الأهمية على الأخص بالنسبة لأولئك الذين أصلحوا فن الجراحة في أوروبا في القرن السادس عشر، يقول عالم وظائف الأعضاء الكبير هالر: ((إن جميع الجراحين الأوروبيين الذين ظهروا بعد القرن الرابع عشر قد نهلوا واستقوا من هذا المبحث))(١). ابن سينا الطبيب الرئيس: ■ وكانت قد برزت كذلك شخصيات إسلامية أخرى لامعة في ميدان علم الطب من أمثال ابن سينا (٢) (ت٤٢٨هـ)، الذي استطاع أن يقدم للإنسانية أعظم الخدمات بما توصل إليه من اكتشافات، وما يسره الله له من فتوحات طبية جليلة؛ فقد كان أول من اكتشف العديد من الأمراض التي ما زالت منتشرة حتى الآن، فهو الذي اكتشف لأول مرة طفيل ((الإنكلستوما)) وسماها الدودة المستديرة، وهو بذلك قد سبق العالم الإيطالي (دوبيني)) بنحو ٩٠٠ سنة، كما أنه أول من وصف الالتهاب السحائي، وأول من فَرَّق بين الشلل الناجم عن سبب داخلي في الدماغ والشلل الناتج عن سبب خارجي، ووصف السكتة الدماغية الناتجة عن كثرة الدم، مخالفًا بذلك ما استقر عليه أساطين الطب اليوناني القديم، فضلًا عن أنه أول من فرَّق بين المغص المعوي والمغص الكلوي (٣). ■ كما كشف ابن سينا -لأول مرة أيضًا- طرق العدوي لبعض (١) ((حضارة العرب)) لجوستاف لوبون (ص٥٩١). (٢) شيعي إسماعيلي، ومن فلاسفة المسلمين، رأس في البدعة، بل كفّره جمع كبير من علماء المسلمين على رأسهم شيخا الإسلام: ابن تيمية وابن قيم الجوزية. (٣) في ((تاريخ الطب في الدولة الإسلامية)) لعامر النجار (ص ١٣٢، ١٣٣). تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ https://arabessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد ٧٣ علو الهمة في صناعة الحياة الأمراض المعدية كالجدري والحصبة، وذكر أنها تنتقل عن طريق بعض الكائنات الحية الدقيقة في الماء والجو، وقال: ((إن الماء يحتوي على حيوانات صغيرة جدًّا لا تُرى بالعين المجردة، وهي التي تسبب بعض الأمراض .. ))(١) وهو ما أكده ((فان ليوتهوك)) في القرن الثامن عشر والعلماء المتأخرون من بعده، بعد اختراع المجهر. ■ ولهذا فإن ابن سينا يعد أول من رأي ((علم الطفيليات)) الذي يحتل مرتبة عالية في الطب الحديث؛ فقد وصف لأول مرة ((التهاب السحايا الأولي)) وفَرَّقه عن ((التهاب السحايا الثانوي)) - وهو الالتهاب السحائي- وغيره من الأمراض المماثلة، كما تحدث أيضًا عن طريقة استئصال ((اللوزتين))، وتناول في آرائه الطبية أنواعًا من السرطانات كسرطان الكبد، والثدي، وأورام العقد الليمفاوية، وغيرها (٢). ■ ويُظهر ابن سينا براعة كبيرة ومقدرة فائقة في علم الجراحة؛ فقد ذكر عدة طرق لإيقاف النزيف، سواء بالربط أو إدخال الفتائل أو بالكي بالنار أو بدواء كاوٍ، أو بضغط اللحم فوق العرق، كما تحدث عن كيفية التعامل مع السِّهام واستخراجها من الجروح، وحذّر المعالجين من إصابة الشرايين أو الأعصاب عند إخراج السهام من الجروح، كما نبّه إلى ضرورة أن يكون المعالج على معرفة تامة بالتشريح (٣). ويعتبر ابن سينا أول من اكتشف ووصف عضلات العين (١) ((رُوَّاد علم الطبِّ في الحضارة الإسلامية)) (ص٢٩٨). (٢) ((في تاريخ الطب في الدولة الإسلامية)) لعامر النجار (ص١٣٣). (٣) ((الطب عند العرب والمسلمين)) (ص١١٨). تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ٧٤ صلاح الأمة في علو الهمة الداخلية، وأول من قال بأن مركز البصر ليس في الجسم البلوري كما كان . يُعتقد من قبل، وإنما هو في العصب البصري (١). ■ وكان ابن سينا جرَّاحًا بارعًا؛ فقد قام بعمليات جراحية دقيقة للغاية مثل استئصال الأورام السرطانية في مراحلها الأولى(٢) وشقَّ الحنجرة والقصبة الهوائية، واستئصال الخرَّاج من الغشاء البلوري بالرئة، كما عالج البواسير بطريقة الربط، ووصف -بدقة- حالات البواسير البولية، إلى جانب أنه توصل إلى طريقة مبتكرة لعلاج الباسور الشرجي لا تزال تستخدم حتى الآن! وتعرَّض لحصاة الكلى وشرح كيفية استخراجها والمحاذير التي يجب مراعاتها، كما ذكر حالات استعمال القسطرة، وكذلك الحالات التي يُحذر استعمالها فيها (٣). ■ كما كان له باع كبير في مجال الأمراض التناسلية؛ فوصف بدقة بعض أمراض النساء مثل: الانسداد المهبلي والإسقاط، والأورام الليفية. ■ وتحدث عن الأمراض التي يمكن أن تصيب النفساء، مثل: النزيف، واحتباس الدم، وما قد يسببه من أورام وحميات حادة، وأشار إلى أن تعفن الرحم قد ينشأ من عسر الولادة أو موت الجنين، وعزاها إلى الرجل دون المرأة، وهو الأمر الذي أكده مؤخرًا العلم الحديث (٤). ] وإلى جانب كل ما سبق، كان ابن سينا على دراية واسعة بطب (١) ((المسلمون علماء حكماء)) لحسن الشرقاوي (ص١٦٠). (٢) ((الطب عند العرب والمسلمين)) لمحمود الحاج قاسم (ص١٤٨). (٣) ((القانون)) لابن سينا (١٦٥/٣). (٤) المصدر السابق (٢ / ٥٨٦). تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد ٧٥ علو الهمة في صناعة الحياة الأسنان، وكان واضحًا دقيقًا في تحديده للغاية والهدف من مداواة نخور الأسنان حين قال: ((الغرض من علاج التآكل منع الزيادة على ما تآكل؛ وذلك بتنقية الجوهر الفاسد منه، وتحليل المادة المؤدية إلى ذلك .. )). ونلاحظ أن المبدأ الأساسي لمداواة الأسنان هو المحافظة عليها، وذلك بإعداد الحفرة إعدادًا فنيًّا ملائمًا مع رفع الأجزاء النخرة منها، ثم يعمد إلى ملئها بالمادة الحاشية المناسبة لتعريض الضياع المادي الذي تعرضت له السن، مما يعيدها بالتالي إلى أداء وظيفتها من جديد (١). ■ ولم تكن تلك حالات استثنائية للعبقرية الإسلامية في مجال الطب، فقد حفل سجل الأمجاد الحضارية الإسلامية بالعشرات، بل المئات من الرواد الذين تتلمذت عليهم البشرية قرونا طويلة وشهد بفضلهم وسبقهم الأعداء قبل الأصدقاء؛ فكان منهم أيضًا ابن النفيس. ابن النفيس الفقيه الشافعي مكتشف الدورة الدمويّة الصغرى (٦٠٧ - ٦٨٧هـ/١٢١٠-١٢٨٨ م): أعلم الناس في عصره، وأعظم وأشهر عالم بوظائف الأعضاء في القرون الوسطى برمتها، والرَّائد الذي مهَّد الطريق أمام وليام هارفي، العالم الفسيولوجي الإنجليزي مكتشف الدورة الدموية الكبرى سنة ١٦٢٨ م؛ حيث استطاع ابن النفيس اكتشاف الدورة الدموية الصغرى، وأن يصفها لأول مرة ليكون رائدًا لمن أتوا بعده !!. وبحق كان مثالًا للعالم الورع التقي المنقطع إلى العلم، وواحدًا من أكبر الأطباء العرب والمسلمين الذين حققوا اكتشافات عظيمة وجليلة، (١) المصدر السابق (١/ ١٩٢). . تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد ٧٦ صلاح الأمة في علو الهمة يفتخر بها الطب الإسلامي والحضارة الإسلامية إلى يومنا هذا. ■ قال عنه السبكي: ((وأما الطب فلم يكن على وجه الأرض مثله قبلُ، ولا جاء بعد ابن سينا مثله، قالوا: وكان في العلاج أعظم من ابن سینا)). ■ وقال الإسنوي: ((كان إمام وقته في فنه شرقًا وغربًا بلا مدافعة، أعجوبة فيه وفي غاية الذكاء)) (١). وكان قد أُشكِل على ((جالينوس)) فادَّعى أنّ في الحاجز الذي بين الجانب الأيمن والجانب الأيسر في القلب ثقوبًا غير منظورة يتسرب فيها الدم من الجانب الواحد إلى الجانب الآخر، وما وظيفة الرئتين إلّا أن ترفرفا فوق القلب فتبردا حرارته وحرارة الدم، ويتسرب شيء من الهواء فيها بواسطة المنافذ التي بينهما وبين القلب فيغذي ذلك القلب والدم. فجاء هو وعارض هذه النظرية معارضة شديدة، وأثبت بما لا يدع مجالا للشك أن اليونان لم يفهموا وظيفة الرئتين والأوعية التي بين القلب والرئتين، وأنه فهم وظيفتها وأوعيتها وتركيب الرئة والأوعية الشَّعْرية التي بين الشرايين والأوردة الرئوية، وشرح الفُرَج الرئوية شرحًا واضحًا، كما فهم أيضًا وظائف الأوعية الإكليلية، وأنها تنقل الدم ليتغذى القلب به، ونفى التعليم القائل بأن يتغذى من الدم الموجود في البطين الأيمن. ثم كرَّر تعاليمه في الدورة الدموية الصغرى وطريقة عملها؛ ذلك أنه كرَّر هذه التعاليم في خمسة مواضع متفرقة، ذاكرًا آراء ابن سينا، ومكررًا أقوال ((جالينوس)) التي اعتمد عليها ابن سينا، ثم عارضها بمنتهى (١) ((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة (١ / ١٠٧). تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com https://arabessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد ٧٧ علو الهمة في صناعة الحياة الحماسة .. وكان حقيقًا بعدُ بأن يصفه ((جورج سارتون)) بأنه أول من اكتشف الدورة الدموية، ليكون بذلك الرائد لـ ((وليام هارفي)) يُنسب إليه هذا الاكتشاف (١). إنه الفقيه الطبيب العلامة علاء الدين علي بن أبي الحزم، القَرْشي ((نسبة إلى قرية قَرْش)) الدمشقي، الملقّب بابن النفيس، وهو سوري ولد في قرية ((قَرْش)) بالقرب من دمشق سنة (٦٠٧هـ / ١٢١٠م) (٢). نشاة ابن النفيس العالِم: ■ كغيره من علماء المسلمين بدأ ابن النفيس حياته العلمية بحفظ القرآن الكريم، وكذا درس النحو واللغة، والفقه والأصول والحديث، والمنطق والسيرة وغيرها، ثم في سنة (٦٢٩هـ / ١٢٣١ م) وهو في الثانية والعشرين من عمره اتجه إلى دراسة الطب، وذلك بعد أزمة صحية ألمت به .. وتراه يحكي ذلك فيقول: «قد عرض لنا حميات مختلفة، وكانت سِنُنا في ذلك الزمان قريبة من اثنتين وعشرين سنة، ومن حين عُوفينا من تلك المرضة سوء ظنِّنا بأولئك الأطباء (الذين عالجوه)) على الاشتغال بصناعة الطب لنتفع بها الناس)). وكان تعليمه الطب في دمشق على يد طبيب العيون البارع مهذب (١) ((حضارة الإسلام وأثرها في الترقِّي العالمي)) لجلال مظهر (ص ٣٤٦، ٣٤٧)، و(«رواد علم الطب في الحضارة الإسلامية)) لعلي عبد الله الدفاع (ص٤٥١) و((مسلمون علَّموا العالم)) لمحمد علي عثمان (ص ٥١، ٥٢). (٢) ((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة (١٠٧/١)، و((معجم المؤلفين)) لكحالة (٥٨/٧)، و((الأعلام) للزِّركلي (٤/ ٢٧١). تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com https://arabessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد ٧٨ صلاح الأمة في علو الهمة الدين عبد الرحمن المشهور باسم الدخوار، وهو أحد كبار الأطباء في التاريخ الإسلامي، وكان في ذلك الوقت كبير الأطباء في البيمارستان النوري العظيم، الذي أنشأه نور الدين محمود واحتذب إليه أمهر أطباء العصر الذين توافدوا عليه من كل مكان. وكان من أساتذته في الطب أيضًا عمريان الإسرائيلي، ورضي الدين الرجي. وكان رفيق دراسته ابن أبي أُصَيْبعة ((صاحب طبقات الأطباء))، وقد رحلا معًا إلى القاهرة سنة ٦٣٣ هـ، وعملا في البيمارستان الناصري الذي شغل فيه ابن النفيس منصب الرئاسة، وعميدًا للمدرسة الطبية الملتحقة به، وشغل ابن أبي أصيبعة رئيس قسم الكحالة. ■ ولم يكتفِ ابن النفيس بما درسه على أساتذة عظام في البيمارستان النوري، بل إنه انكبَّ أيضًا على كتب ابن سينا وأبقراط وجالينوس وغيرهم، وقال البعض: ((إنه كان يحفظ كتاب القانون في الطب لابن سينا عن ظهر قلب)). كما أنه أهتم أيضًا بدراسة الفلسفة والمنطق والبيان، وتعمق في دراسة الفقه، وعلوم الشريعة، حتى إنه أصبح أستاذًا لفقه الشافعي في المدرسة المسرورية بالقاهرة، إلى جانب نبوغه وعبقريته في الطب (١). العالم المغمور: لم يكن ابن النفيس مجهولًا في عصره؛ فقد أطنب في الحديث عنه العمري في مسالك الأبصار، والصفدي في الوافي بالوفيات، وابن أبي أصيبعة في إحدى مخطوطاته ((طبقات الأطباء))، إلّا أنّ ابن النفيس لم يأخذ (١) ((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة (١/ ١٠٧). تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ https://arabessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد ٧٩ علو الهمة في صناعة الحياة حقه من الذيوع والشهرة بما يوازي ويضارع إنتاجه واكتشافاته، ولعلَّ ذلك بسبب عدم التقدير أو عدم الإحاطة بهذه الاكتشافات في ذلك الوقت. وقد تناول ابنَ النفيس من المستشرقين الأجانب لكلير في كتابه (الطب العربي))، والمستشرق الألماني ((مايرهوف)) في كثير من مقالاته، ووضع الدكتور ((بول غليونجي)) كتابًا وافيًا، يُعَدَّ أجمعَ كتاب عن ابن النفيس (١). ويقرِّر ((بول)) في كتابه هذا أنَّ أول من كشف عن ابن النفيس في وقتنا الحاضر، ورَدَّ إليه اعتباره، هو الطبيب المصري الدكتور محيي الدين التطاوي؛ حيث عثر على نسخة من مخطوطة ((شرح تشريح القانون)) لابن النفيس في مكتبة برلين، وقام بإعداد رسالة في الدكتوراه عنها، وعُنِيَ فيها بجانب واحد من جوانب هذا الكتاب العظيم، ألا وهو موضوع: (الدورة الدموية تبعًا للقرْشي))، وذلك سنة ١٣٤٣ هـ/ ١٩٢٤ م. وقد ذُهل أساتذتُه والمشرفون على الرسالة، وأصابتهم الدهشة حين اطّلعوا على ما فيها، وما كادوا يصدقونه !!. ولجهلهم باللغة العربية بعثوا بنسخة من الرسالة إلى الدكتور ((مايرهوف)) المستشرق الألماني الذي كان آنذاك يقيم بالقاهرة، وطلبوا رأيه فيما كتبه الباحث، وكانت النتيجة أن أيد ((مايرهوف)) الدكتور التطاوي، وأبلغ حقيقة ما كشفه من جهود ابن النفيس إلى المؤرِّخ ((جورج سارتون))، فنشر هذه الحقيقة في آخر جزء من كتابه المعروف ((تاريخ (١) انظر: ((ابن النفيس)) - ((سلسلة أعلام العرب)) رقم (٥٧). تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ https://arabessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد ٨٠ صلاح الأمة في علو الهمة العلم))، ثم بادر (مايرهوف)) إلى البحث عن مخطوطات أخرى لابن النفيس وعن تراجم له، ونشر نتيجة بحوثه في عدة مقالات .. ومنذ ذلك الحين بدأ الاهتمام بهذا العالم الكبير وإعادة اكتشافه (١) !!. ابن النفيس والدورة الدموية : اقترن اسم ابن النفيس باكتشاف الدورة الدموية الصغرى، والتي سجلها بدقة في كتابه ((شرح تشريح القانون))، غير أن هذه الحقيقة ظلت مختفية قرونًا طويلة، ونُسِبت وهمّا إلى الطبيب الإنجليزي ((وليام هارفي)) (ت١٠٦٨ هـ / ١٦٥٧م) الذي بحث في دورة الدم بعد وفاة ابن النفيس بأكثر من ثلاثة قرون، وظل الناس يتداولون هذا الوهم حتى أبان عن الحقيقة الدكتور محيي الدين التطاوي في رسالته كما أشرنا سابقًا. ■ وكان الطبيب الإيطالي ألباجو قد ترجم في سنة ٩٥٤هـ/ ١٥٤٧ م أقسامًا من كتاب ابن النفيس ((شرح تشريح القانون)) إلى اللاتينية، وهذا الطبيب أقام ما يقرب من ثلاثين عامًا في ((الرَّها)) وأتقن اللغة العربية لينقل منها إلى اللاتينية، وكان القسم المتعلق بالدورة الدموية في الرئة ضمن ما ترجمه من أقسام الكتاب، غير أن هذه الترجمة فُقِدَت، واتفق أن عالمًا إسبانيًّا ليس من رجال الطب كان يدعى ((سيرفتوس)) كان يدرس في جامعة باريس اطّلع على ما ترجمه ألباجو من كتاب ابن النفيس، ونظرًا لاتهام ((سيرفيتوس)) في عقيدته، فقد طُرِد من الجامعة، وتشرَّد بين المدن، وانتهى به الحال إلى الإعدام حرقًا هو وأكثر كتبه في سنة (١٠٦٥ هـ/ ١٥٥٣ م). (١) ((تطور الفكر العلمي عند المسلمين)) لمحمد الصادق عفيفي (ص٢٠٨)، و((رُوَّاد علم الطب في الحضارة الإسلامية)) (ص ٤٥١). تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/