Indexed OCR Text

Pages 461-480

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الرابع
٤٦١
ربِّهم يتوكّلُون﴾ [النحل: ٩٩]، قال: أن يحملهم على ذنبٍ لا يُغفر (١).
إبراهيم بن أدهم :
قال رحمه الله : لا تجعل فيما بينك وبين الله عليك منعمًا، وَاعْدُد
النعمة عليك من غير الله مغرمًا .
قال علي بن بكّار : شكا رجل إلى إبراهيم بن أدهم كثرة عياله ، فقال
له إبراهيم : يا أخي ، انظر كلّ من في منزلك ليس رزقه على الله ، فحوّلْهُ
إلى منزلي .
الفضيل بن عياض :
قال الفضيل : التوكُّل قوامُ العبادة .
أخي ، قد قال الجواد عزَّ وجل : ﴿ وفي السماء رزقكم وما توعدون
[ الذاريات: ٢٢]، ثم أقسم على ذلك: ﴿فوربِّ السماء والأرض إنه حقٌّ
مِثْلَ ما أنكم تنطقون﴾ [ الذاريات: ٢٣]. فيا سبحان الله ! من ذا الذي
أغضب الجليل حتى حلف ؟! أفلم يُصدِّقوه - سبحانه - بقوله حتى ألجَعُوه
إلى اليمين ؟ !.
طلق بن حبيب :
وكان طلق بن حبيب يقول : أسألك خوف العالمين بك ، وعلمَ
الخائفين لك ، وتوكُّل الموقنين بك ، ويقين المتوكِّلين عليك ، وإنابة المُخبتين
إليك ، وإخبات المنيبين إليك ، وصبر الشاكرين لك ، وشكر الصابرين لك
وإلحاقًا بالأحياء المرزوقين عندك(٢).
(١) التوكل لابن أبي الدنيا ص ٦٠ .
(٢) التوكل . لابن أبي الدنيا صـ ٦٩ .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
٤٦٢
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الرابع
معروف الكرخيّ :
عن حماد بن محمد بن المبارك ، قال : قال رجل لمعروف - يعني
معروفًا الكرخي - : أوصني . قال : توكَّل على الله عز وجل حتى يكون
جليسَك وأنيسَك وموضعَ شكواك ، وأكثِر ذكْر الموت حتى لا يكون لك
جليس غيره ، واعلم أن الشفاء لما نزل بك كتمانه ، وأن الناس لا ينفعونك
ولا يضُرُّونك ولا يُعطونك ولا يمنعونك(١).
بشر بن الحارث :
قال رحمه الله : أما تستحي أن تطلب الدنيا ممَّن طَلَبَ الدنيا ؟! اطلب
الدنيا ممَّن بيده الدنيا(٢).
يحيى بن معاذ الرازي :
قال رحمه الله : مَنْ طلب الفضل من غير ذي الفضل ، غرم ، وإن
ذا الفضل هو الله عز وجل: ﴿إن الله لذو فضل على الناس ﴾ [ البقرة:
٢٤٣ ](٣).
أحمد بن حنبل رحمه الله :
قال الإِمام أحمد رحمه الله تعالى : وجملة التوكل : تفويضُ الأمر إلى الله
جلَّ ثناؤه والثقة به (٤).
سليمان الخوَّاص :
عن أبي قدامة الرَّمْلي قال: قرأ رجلٌ هذه الآية: ﴿وتوكّل على الحّ
(١) التوكل . لابن أبي الدنيا صـ ٧١ .
(٢، ٣) الجامع لشعب الإِيمان .
(٤) كتاب: ثلاث شعب من الجامع لشعب الإِيمان ٢ / ٧٢ .
:
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الرابع
٤٦٣
الذي لا يموت وسَبِّحْ بحمده وكفى به بذنوب عباده خبيرًا ﴾ [ الفرقان:
٥٨ ]. فأقبل علَّ سليمانُ الخَوَّاص فقال : يا أبا قدامة ، ما ينبغي لعبدٍ بعد
هذه الآية أن يلجأ إلى أحدٍ بعد الله في أمره ، ثم قال : انظر كيف قال الله -
تبارك وتعالى -: ﴿ وتوكل على الحِّ الذي لا يموت﴾ فأعلمك أنه لا يموت ،
﴾ ثم
وأنَّ جميع خلقه يموتون ، ثم أمرك بعبادته فقال: ﴿وسبخ بحمده
أخبرك بأنه خبير بصير ، ثم قال: والله يا أبا قدامة، لو عَامَل عبدُ اللهَ بحُسْن
التوكل وصِدْق النية له بطاعته ؛ لاحتاجت إليه الأمراء فمن دُونَهم ، فكيف
يكون هذا محتاجًا ومَوْئله ومَلْجُوُهُ إلى الغني الحميد ؟!(١).
جوامع الغِنَّى في التوكل :
اجتمع حذيفة المرعشي وسليمان الخواص ويوسف بن أسباط ، فتذاكروا
الفقر والغنى ، وسليمان ساكت ، فقال بعضهم: الغَنّي: من كان له بيت
يُكِنُّهُ ، وثوبٌ يستره ، وسداد من عيش يكفِّه عن فضول الدنيا . وقال
بعضهم : الغنّ: من لم يَحْتَجْ إلى الناس . فقيل لسليمان : ما تقول أنت يا أبا
أيوب ؟ فبكى ثم قال : رأيت جوامع الغنى في التوكل ، ورأيت جوامع الشّرّ
في القنوط ، والغنّي حق الغنى : من أسكن قلبه إلى الله من غناه يقينًا ،
ومن معرفته توكّلًا ، ومن عطائه وقسمته رضًا ، فذلك الغنّ حق الغنى ،
وإن أمسى طاويًا، وأصبح معوزًا. فبكى القوم جميعًا من كلامه .
عن جعفر بن محمد الخلدي قال: ((سمعت إبراهيم الخواص يقول :
أدبُ التوكل ثلاثة أشياء : صحبة القافلة بالزَّاد ، والجلوس في الزَّوْرق بالزاد ،
والجلوس في المجلس بالزاد ))(٢).
(١) التوكل لابن أبي الدنيا صـ ٧٠ .
(٢) ثلاث شعب من الجامع ٢ / ١٦٩.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
٤٦٤
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الرابع
وسُئل رحمه الله عن التوكل ، فأطرق ساعةً ثم قال : إذا كان المعطي
هو المانع فمن يُعْطي ؟!
أبو يعقوب النهرجوري :
قال أبو يعقوب النهر جوري: (( أدنى التوكل تركُ الاختيار .
قال : ولا يتوكَّل على الله إلا من عُرف بالولاية والكلاية والكفاية .
فلا تتعرّضوا لأهل التَّوكُّل ، فإنهم صفوة الله وخاصَّتَه ؛ استضافوه فأضافهم ،
ونزلوا عليه فأحسن ثُلَهم ، وتوكَّلوا عليه فكفاهم ، فهم أغنياء بفقرهم ،
وغيرهم فقراء بغناهم ، فمن أنكر التوكل على الله نُسب إلى قِلَّة العلم)) (١).
شقيق البلخي :
المتوكّلُ على الله قد وَجَدَ الاسترواح :
قال شقيق رحمه الله: ((لكل واحدٍ مقام ؛ فمتوكّل على ماله ، ومتوكل
على نفسه ، ومتوكل على لسانه ، ومتوكل على سيفه ، ومتوكل على سَلْطنته ،
ومتوكل على الله عز وجل . فأما المتوكل على الله عز وجل فقد وجد الاسترواح ،
نَوَّه الله به، ورفع قدره، وقال: ﴿وتوكّلْ على الحي الذي لا يموت ... ﴾
الآية [ الفرقان: ٥٨]، وأما مَنْ كان مستروحًا إلى غيره ، يوشك أن ينقطع
به فیشقی ))(٢).
قال رحمه الله : التوكل طمأنينةُ القلب بموعود الله عز وجل .
(١) ثلاث شعب من الجامع ٢ / ١٨١.
(٢) الجامع لشعب الإِيمان .
أ
i
!
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
ttps://weblessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الرابع
٤٦٥
حاتم الأصَمّ :
رِزْقِي لا يَأْكُلُهُ غَيْرِي :
قيل لحاتم الأصم : عَلَامَ بنيتَ أمرك هذا من التوكل ؟ قال : على أربع
خلال : علمتُ أن رزقي لا يأكله غيري ، فلست أهتم به . وعلمت أن عملي
لا يعمله غيري ، فأنا مشغولٌ به . وعلمت أن الموت يأتيني بغتةً، فأنا
أُبادِرُه . وعلمتُ أني بعين الله في كل حال، فأنا مُسْتحٍ منه(١).
قال رجل لحاتم الأصم : من أين تأكل ؟ فقال : ﴿ولله خزائن
السموات والأرض ولكنّ المنافقين لا يفقهون ﴾ [ المنافقون: ٧ ] .
الجُنيد رحمه الله :
قال رحمه الله : ليس التوكل الكَسْب ولا تَرْك الكسب ، التوكلُ
الشيءُ في القلوب .
وقال : إنما هو سكون القلب إلى موعود الله عز وجل .
أبو عثمان الخيري :
قال رحمه الله في مواعظه : (( يا عَبْدَ اللهِ، في ماذا تُتعب قلبك ،
وتنازع إخوانك ، وتعادي على طلب الرّئاسة والعز أَشْكالك وأَخْدَانك ،
وتعمل في هلكة حَسَناتك بالحسد لمن هو فوقك ، كأنك لم تؤمن بما أخبر
أنه يُعُّ من يشاء، ويُذلُّ من يشاء، ويؤتي الملك من يشاء ، ويَنْزِعُ الملك
ممن يشاء ، فاستعملِ العلمَ في ظاهرك ، إن كنت تاجرًا أو كاسبًا أو زارعًا ،
وأَجْمُلْ في الطَّلب ، واترك الحرام والشبهات جميعًا، فإن نفسًا لن تموت حتى
تستوفي رزقها وحظّها من عِزِّها ورياستها ورزقها . لو هرب العبد من رزقه
(١) الجامع لشعب الإِيمان .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
ttps://web lessam.blogspot.com/
٤٦٦
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الرابع
لأدركه رزْقُه، كما لو فَّ من الموت لأدركه الموت . قال : واليقين
لا يمنع المُوقنين من طلب الحظّ الوافي من الدنيا ، وإنما يدل على تّرْك
الفضول رضًا بالقليل ، وزهدًا في الكثير، اتباعًا لرسول رب العالمين عَ له
ولأصحابه ؛ فإنهم أئمة المتوكِّلين وِالزَّاهدين، مع ما وصفنا من الأُمْن بما
لَكَ ، والإِياس مما ليس لك ، وأنَّ ما أصابك لم يكن ليخطئك ، وما
أخطأك لم يكن ليصيبك ، ومن زعم أن اليقين يمنع طلب القوت والكفاف
فقد جهل اليقين ، وخالف سنن السَّف الصالحين ، فقد تقدَّم في ذلك -
مع صدق التوكل - الأنبياء وأتباعهم ، وخلافهم خلاف الحق ، وموافقتهم
موافقة الحق ، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم)).
البوشنجي :
قال أبو الحسن علي بن أحمد البوشنجي ، لمَّا سُئِل عن التوكل :
((الثَّبرئة من حَوْلِك وقوتك، وحولِ مِثْلك وقوة مثلك))(١).
الكتاني :
قال الكتاني : التوكل في الأصل اتِّباع العلم ، وفي الحقيقة استعمال
اليقين .
أسود بن سالم :
الثّقَةُ الوَرِع الفاضل . روى عن سفيان بن عيينة وحماد بن زيد . کان
رحمه الله يشتمر ، فإذا أصاب نصف دائقٍ ، قام وانصرف .
ابن الفرغاني أبو بكر الواسطي :
سئل عن ماهية التَّكَّل ، فقال : الصبر على طوارق المحن ، ثم التفويض ،
(١) ثلاث شعب من الجامع لشعب الإيمان للبيهقي صـ ١٧٣ تحقيق د / عبد الإله
ابن سلمان الأحمدي .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://web lessam.blogspot.com/
٤٦٧
صلاح الأمة في عُلوّ الهمة - المجلد الرابع
ثم التسليم ، ثم الرضا ثم الثقة .
وأمَّا صدق التَّوكُّل : فهو صدق الفاقة والافتقار ؛ يعني إلى الله عز
وجل .
أبو علي الرّوذباري ومرقاة التَّوكُّل:
قال رحمه الله : مرقاة التوكل ثلاث درجات :
الأول منها : إذا أُعطي شكر ، وإذا مُنِع صبر .
والثاني : المنع والعطاء عنده واحد .
والثالث : المنع مع الشكر أحبُّ إليه بعلمه باختياره ذلك له .
عبد الله بن إدريس بن يزيد :
قال : عجبتُ ممَّن ينقطع إلى رجلٍ ولا ينقطع إلى من له السموات
والأرض .
النهرجوري :
قال: المتوكّل على الحقيقة والصِّحة قد رفع مُؤنته عن الخلق، فلا يشكو
ما به ، ولا يذُمُّ مَنْ منعه ؛ لأنه يرى المَنْعِ والعطاء من الله عز وجل .
شميط بن عجلان :
قال رحمه الله : إن المؤمن يقول لنفسه : إنما هي ثلاثة أيام ، فقد مضى
أمس بما فيه ، وغدًا أمُّلْ لعَلَّك لا تدركه ، إنك إن كنت من أهل غدٍ فإن
غدًا يجيء برزقٍ غدٍ ، دون غدٍ يومٌ وليلة، تُخْترُ فيها أنفسٌ كثيرة، ولعلَّك
المُخْتَرَم فيها ، كفى كلّ يوم همَّه .
إبراهيم بن شيبان :
قال إبراهيم بن شيبان : حُسْن الظن بالله: هو الإِياس عن كل شيءٍ
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الرابع
٤٦٨
سوى الله عز وجل .
السَّرِيّ :
عن الجنيد بن محمد قال : سمعتُ السّريَّ يذمُّ الجلوس في المسجد ،
ويقول : جعلوا مسجد الجامع حوانيتَ ليس لها أبواب .
سهل بن عبد الله التُّسْتَرِيّ :
قال سهل رحمه الله : التَّوكُّل أن يكون العبد بين يدي الله عز وجل
كالميِّت بين يدي الغاسل يُقلِّبه كيف يريد .
ليستوطنا قلب المرء إن توكَّلَا
يجول الغِنَى والعُّ في كلِّ موطنٍ
وكان له فيما يُحاول معقلًا
وَمَنْ يتوكَّلْ كان مولاه حَسْبُهُ
تعالتْ وكانت أفضلَ الناس منزلً(١)
إذا رَضِيتْ نفسي بمقدور حظِّها
عن عون بن عبد الله قال : بينا رجل في بستان بمصر ، في فتنة ابن
الزبير ، مكتئبًا معه شيء ينكُت به في الأرض، إذ رفع رأسه فسنح(٢) له
صاحب مسحاةٍ(٣) ، فقال له: يا هذا، ما لي أراك مكتئبًا حزينًا ؟ قال :
فكأنه ازدراه (٤) ، فقال : لا شيء . فقال صاحب المسحاة : أللدنيا ؟! فإن
الدنيا عَرَضٌ حاضر ، يأكل منه البُرُّ والفاجر، والآخرة أجُلٌ صادق ، يحكم
فيها ملكٌ قادر ، يفصل بين الحق والباطل ؛ حتى ذَكَرَ أن لها مفاصل كمفاصل
اللحم ، من أخطأ شيئًا أخطأ الحقّ . فلما سمع ذلك منه كأنه أعجبه ، قال :
فقال: لما فيه المسلمون . قال : فإن الله - عز وجل - سيُنجِّيك بشفقتك
(١) التوكل على الله عز وجل، ابن أبي الدنيا صـ ٥٠ .
(٢) أي : عرض له .
(٣) المسحاة : المجرفة من الحديد .
(٤) أي : احتقره واستصغر شأنه .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
ttps://weblessam.blogspot.com/
٤٦٩
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع
على المسلمين ، وسَلْ ، فمن ذا الذي سأل الله - عز وجل - فلم يُعطه ،
ودعاه فلم يُجبه ، وتوكَّل عليه فلم يَكْفِهِ ، أو وثق به فلم يُنَجِّه ؟! قال :
فَعَلِقت(١) الدعاء: اللهم سلِّمْنِي وسلِّم مِنِّي. فتجلت(٢) ولم تُصب منه
أحدًا(٣).
بعض أهل العلم :
((عن محمد بن صالح التميمي ، قال : كان بعض أهل العلم إذا تلا :
ومن يتوكَّل على الله فهو حسبه ﴾(٤) ، قال : اللَّهمَّ إني سمعتك في كتابك
تندب عبادك إلى كفايتك ، وتشترط عليهم التوكَّل عليك ، اللهم وأجد سبيل
تلك الندبة سبيلًا قد انمحت دلالتها ، ودُرست ذكراها ، وتلاوة الحجّة بها ،
وأجد بيني وبينك مشبهات تقطعني عنك ، وعوقات تُقعدني عن إجابتك ،
اللهم وقد علمتُ أن عبدًا لا يرحل إليك إلا ونالك ؛ فإنك لا تحتجب عن
خلقك ، إلا أن تحجبهم الآمالُ دونك ، وعلمت أن أفضل زاد الراحل إليك
صبرٌ على ما يؤدِّي إليك ، اللهم وقد ناجاك بعزم الإِرادة قلبي ، وأفهمتني
حجتك بما تبيَّن لي من آياتك ، اللهم فلا أتحيَّنَّ دونك وأنا أُؤمِّلك ،
ولا أختلجنَّ عنك وأنا أتحرَّاك ، اللهم فأيّدني منك بما تستخرج به فاقة
الدنيا(٥) من قلبي ، وتُنعشني(٦) من مصارع أهوائها، وتسقيني بكأس للسُّلْوَة(٧)
(١) أي : فاغتنمته .
(٢)
أي : انكشفت .
التوكل على الله عزَّ وجلّ ، ابن أبي الدنيا صـ ٥٢ . وإسناده صحيح .
(٣)
(٤)
الطلاق : ٣ .
أي الحاجة إليها .
(٥)
(٦) أي تنقذني .
(٧) أي : لنسيانها .
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
ttps://weblessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الرابع
٤٧٠
عنها ، حتى تستخلصني لأشرف عبادتك ، وتورثني ميراث أوليائك الذين
ضربت لهم المنار (١) على قصدك ، وحثتْتَهُم حتى وصلوا إليك. آمين رب
(٢)
العالمين )) (٢).
حكيم :
قال بعض الحكماء : التوكل على ثلاث درجاتٍ ؛ أوَّلها : ترك الشكاية .
والثانية : الرضا . والثالثة : المحبة . فترك الشكاية درجةُ الصبر ، والرضا
سكون القلب بما قسم الله عز وجل له ، وهي أرفع من الأولى ، والمحبة أن
يكون حبه لما يصنع الله عز وجل به، فالأولى الزاهدين ، والثانية للصادقين ،
والثالثة للمرسلين(٣).
وعن السَّرِيّ بن يحيى ، عن وهيب بن الورد : أن رجلين كُسر بهما
في البحر (٤) فوقعا في الأرض ، فأتيا بيتًا مبنيًّا من شجر فكانا فيه ، فبينما هما
ذات ليلة ، أحدهما نائم والآخر يقظان ، إذ جاءت امرأتان فوقفتا على الباب ،
بهما من ◌ُبح الهيئة شيء لا يعلمه إلا الله عز وجل ، فقالت إحداهما للأخرى :
ادخلي . فقالت : ويحك ، إني لا أستطيع . قالت : ويحك ، لِمَهْ ؟ قالت :
أوَ ما ترين ما في الباب ؟ فإذا لوح في البيت فيه كتاب(*) : حسبي الله
وكفى ، سمع الله لمن دعا ، ليس من وراء الله مرمى (٧٠٦).
(١) أي العلامات .
كتاب التوكل ، ابن أبي الدنيا ، صـ ٨٢ ، هامش ٤٤ .
(٢)
(٣)
التوكل لابن أبي الدنيا صـ ٨٤ .
(٤)
كسر بهما سفينة في البحر .
(٥) أي مكتوب فيه .
(٦) في الحلية : منتهى .
(٧) التوكل ، لابن أبي الدنيا صـ ٦٨ وإسناده حسن .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://web lessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الرابع
٤٧١
زُهيْر البابّ :
عن ابن أبي الدنيا قال : قال زهير البابي : ما أقدرُ أنْ أقول : توكَّلتُ
على الله .
وفي الحلية: ((لا أعلم أني توكَّلْتُ على الله ساعةً قطُّ)). أي : ما
صحَّ له التوكل .
وعن الشعبي قال: تجالَس شتير ومسروق، فقال شتير: سمعت عبد الله-
هو ابن مسعود رضي الله عنه - يقول : إنَّ أشدَّ آيةٍ في القرآن تفويضًا :
﴿ وَمَنْ يتوكّل على اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾ [ الطلاق: ٣] ، فقال مسروقٌ :
صدقتَ(١).
وأنشد سعيد بن محمد بن سعيد العاقري من قوله :
ما الخرْصُ إلَّا مِنْ طريقِ الموقِ
( صدقَ الکذوبُ و لم یکنْ بصدوقٍ
فيها على المحرومِ والمرزوقِ
قد قدّر اللهُ الأمورَ بعلْمِهِ
وإذا اتّكَلْتَ فلا على مخلوقٍ
فإذَا طلبتَ فلا إلى متطلّبٍ
لا ما تحصَّل عندكَ الموثوقِ))(٢)
فإذَا اتكلتَ فكنْ بربِّك واثقًاً
وعن عُقبة بن أبي زينب، قال: مكتوبٌ في التوراة: ((لا توكَّلْ
على ابن آدم ؛ فإنَّ ابن آدم ليس له قوام ، ولكنْ توكل على الله الحي الذي
(١) كتاب ((التوكل)) لابن أبي الدنيا، صـ ٨٧، وإسناده جيد، وأخرجه الطبراني
في الكبير من طريق سعيد بن مسروق عن الشعبي به مطوّلًا، ولفظُه: أشدُّ
آيةٍ في كتاب الله تفويضًا: ﴿ومنْ يتَّقِ اللهَ يجعلْ لَهُ مَخْرجًا ... ) الآية
[ الطلاق: ٢]، وإسناده صحيح. ((كتاب التوكل)) لابن أبي الدنيا،
صـ ٨٧ ، هامش ٥٠ .
(٢) ((التوكل)) لابن أبي الدنيا صـ ٨٨.
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://web lessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الرابع
٤٧٢
لا يموت )»(١).
عن ابن مسعود، عن النبي معَّ له قال: ((الطِّيَرة مِن الشرك، ولكنَّ اللهَ
عز وجلّ يُذهبها بالتوكّل))(٢).
عن عبد الله قال: قال رسول الله عَّه: ((الطِّيّرة شرك - ثلاثًا -
وما منّا إلا ولكنّ الله يُذهبه بالتوكل))(٣).
عن العقار بن المغيرة، عن أبيه قال: قال رسول الله عَ له: ((مَنِ
استرقى واكتوى فقد بَرِئ من التوكُّل)»(٤).
(١) إسناده جيد، كتاب التوكل لابن أبي الدنيا صـ ٦٤ .
(٢) أخرجه الطيالسي ، وأحمد ، وابنه عبد الله في السنة ، والطحاوي في المشكل ،
وفي شرح المعاني ، والحاكم ، وابن بشران في الأمالي ، والبيهقي في السنن ،
والبغوي في شرح السنة من طريق شعبة به ، وإسناده صحيح ، وقد أخرجه
المزي في التهذيب من طريق المصنف ، وقال الحاكم : صحيحٌ سندُه ، ورواته
ثقات ، وأقَّه الذهبي . انظر كتاب التوكل ، ابن أبي الدنيا صـ ٧٨ هامش ٤١ .
(٣) أخرجه أحمد ، والبخاري في الأدب المفرد ، وأبو داود ، والترمذي وقال :
حسن صحيح . وابن ماجه ، والطحاوي في المشكل ، والبيهقي في السنن وفي
الشعب ، والمزي في التهذيب من طريق سفيان به ، وإسناده صحيح ، والحديث
صحَّحه العراقي في أماليه ، كما في الفيض ، والمناوي في التيسير .
واعلم أنَّ قوله: (( وما منا إلّا ولكنّ اللهَ يُذهبه بالتوكل)) - من كلام ابن
مسعود - مدرجٌ في الحديث غير مرفوع ، كما نصَّ على ذلك جماعة من الأئمة
الكبار ، وهم : سليمان بن حرب ، شيخ البخاري ، والمنذري وابن القيم
والهيثمي والحافظ ابن حجر والسيوطي. انظر: (( التوكل )) لابن أبي الدنيا ،
صـ ٧٩، هامش ٤٢، الجامع لشعب الإِيمان، للبيهقي، ٨٤ / ٢.
(٤) إسناده ضعيف ، ومع ذلك فقد حسّن الحديث البغوي، وصحَّحه المناوي في
التيسير ، انظر: كتاب التوكل، لابن أبي الدنيا صـ ٨٠، ٨١، هامش ٤٣، =
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع
٤٧٣
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما أُلقي إبراهيم عَّ له في النار،
قال : حسبنا الله ونعم الوكيل ، وقال محمد عَ لّه مثلها(١).
وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله عَ له: ((مَنْ قال: بسم الله،
توكّلتُ على الله ، لا حول ولا قوّة إلَّا بالله، فيُقال له حينئذٍ : كُفيتَ
ووُقيتَ، وتنخَّى له الشيطان))(٢).
وعن مجاهدٍ قال : كان يُقال: إذا خرج الرجل من المسجد فَلَيَقُلْ :
بسم الله، توكلتُ على الله، اللهمَّ إني أعوذُ بكَ مِن شِّ ما خرجتُ إليه (٣).
وقال رسول الله عَ لّه: ((لنْ يَلِجَ الدرجاتِ العُلَّى مَن تكهَّن، أو
استقسم، أو رجع من سَفَرٍ تطيُّرًا))(٤).
الجامع لشعب الإِيمان .
=
(١) أخرجه البخاري واللفظ له، ومن طريقه البغوي في تفسيره، والنسائي في الكبرى
وعمل اليوم والليلة ، والحاكم ، والبيهقي في الأسماء والصفات ، انظر : التوكل
على الله عز وجل ، ابن أبي الدنيا صـ ٦٦ .
(٢) أخرجه أبو داود ، والترمذي، والنسائي في عمل اليوم والليلة ، وابن حبان ،
وقال الترمذي : حديث صحيح حسن غريب ، لا نعرفه إلا من هذا الوجه ،
وقد ذكر الحافظ في تخريج الأذكار له شاهدًا مرسلًا ، من حديث عون بن
عبد الله . وقال عنه : ( قوي الإِسناد ) فلعلّه يتقوى به ، والله أعلم ، انظر :
التوكل على الله عز وجل ، ابن أبي الدنيا ، صـ ٥٥ .
(٣) إسناده صحيح، وانظر أذكارًا أُخرى في ((الأذكار)) و((الكلم الطيب))،
التوكّل على الله عز وجل ، ابن أبي الدنيا ، صـ ٥٧ .
(٤) حسن ، رواه الطبراني في الكبير عن أبي الدرداء، ورواه تمام ، وحسَّنه الألباني
في الصحيحة رقم ١١٦١ ، وصحيح الجامع رقم (٥١٠٢ ) .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://web lessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الرابع
٤٧٤
التوكُّل أوسعُ وأعلى مِن التفويض :
يرى شيخ الإِسلام الهروي أنَّ التفويض أعلى من التوكل ؛ فإنَّ التوكّل
بعد وقوع السبب ، والتفويض قبل وقوعه وبعده ، وهو ألطف إشارةً وأوسعُ
معنًى من التوكل .
والتفويضُ هو عين الاستسلام ، والتوكّل شعبة منه .
والتفويضُ براءةٌ من الحول والقوة ، وتسليم الأمر كلِّه إلى مالكه ،
فالمفوّض يتبَّأ من الحول والقوة ، ويفوّض الأمر إلى صاحبه من غير أن يقيمه
مقام نفسه في مصالحه ، بخلاف التوكل ؛ فإنّ الوكالة تقتضي أن يقوم الوكيل
مقام الموكّل .
ويرى شيخ الإسلام ابن قيم الجوزية أن التوكّل أوسع وأعلى من التفويض ،
فإنْ كان التفويض براءةً من الحول والقوة، ((كذلك التوكل أيضًا، وما قدحْتُمْ
به في التوكّل ، يردّ عليكم نظيره في التفويض سواء ، فإنّك كيف تفوّض
شيئًا لا تملكه ألبتة إلى مالكه ؟! وهل يصحّ أنْ يفوّض واحد من آحاد الرعيّة
المُلك إلى مَلِك زمانه ؟!
فالعلّة إذنْ فِي التفويض أعظمُ منها في التوكّل ، بل لو قال قائل :
التوكّل فوق التفويض ، وأجلّ منه وأرفع، لَكَانَ مصيبًا . ولهذا كان القرآن
مملوءًا به أَمْرًا، وإخبارًا عن خاصّة الله وأوليائه ، وصفوة المؤمنين ، بأنّ
حالَهم التوكُلُ . وأمر الله به رسوله في أربعة مواضعَ مِن كتابه(١)، رسماه
(١) بل أكثر من ذلك ؛ قال الله: ﴿فإذا عَزَمْتَ فَتَوكَّل على اللهِ ﴾ [ آل عمران:
١٥٩]. وقال: ﴿فَأعرِضْ عنْهُمْ وتوكَّل على الله وكفى بالله وكيلاً ﴾
[ النساء: ٨١]. وقال: ﴿وإِنْ جَنَحُوا للسَّلْم فاجْتَحْ لها وتوكَّل على اللهِ ﴾
[ الأنفال: ٦١]. وقال: ﴿وتوكّلْ على العزيزِ الرَّحِيمِ﴾ [ الشعراء : =
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الرابع
٤٧٥
((المتوكّل))، كما في صحيح البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله
عنهما قال: ((قرأتُ في التوراة صفة النبي عَ له: محمد رسول الله،
سَمَّيْتُهُ المتوكل ، ليس بِفظً، ولا غليظ، ولا سَخَّاب بالأسواق )).
وأخبر عن رسله بأنّ حالَهم كان التوكّل ، وبه انتصروا على قومهم .
وأخبر النبي عَّ ◌ُلّ عن السبعين ألفًّا الذين يدخلون الجنة بغير حساب،
(( أنهم أهل مقامِ التوكل )).
ولم يجىء التفويض في القرآن إلَّا فيما حكاه عن مؤمن آل فرعون ، من
قوله: ﴿ وَأَفَوِّضُ أَمْرِي إلى اللهِ﴾ [غافر: ٤٤]، وقد أمر الله رسوله عد اله
بأن يتّخذه وكيلًا. فقال: ﴿ربُّ المشرقِ والمغربِ لا إلهَ إلَّا هُو فَاتّخِذْهُ
وكيلًا﴾ [ المزمل: ٩]، وهذا يُطل قوْل مَن قال مِن جهلة القوم: إنّ توكيلَ
الربِّ فيه جَسَارة على الباري ؛ لأنّ التوكَّل يقتضي إقامة الوكيل مقام الموكّل ،
وذلك عيْن الجسارة .
قال : ولولا أنّ الله أباح ذلك وندَب إليه ، لمَا جاز للعبد تعاطيه .
وهذا من أعظم الجهل ؛ فإن اتخاذه وكيلًا هو محضُ العبودية ، وخالص
التوحيد ، إذا قام به صاحبه حقيقةً .
وللهِ دَّ سيد القوم ، وشيخ الطائفة سهل بن عبد الله التستري ، إذْ
يقول : العلم كلّه بابٌ من التعبُّد، والتعُّد كلُّه باب من الورَع، والورع
٢١٧] وقال: ﴿فتوكّل على اللهِ إِنَّكَ على الحقّ المُبِينِ﴾ [النمل: ٧٩].
=
وقال: ﴿وتوكّلْ على اللهِ وَكَفَى بِاللهِ وكيلًا﴾ [الأحزاب: ٣] وقال:
ودعْ أَذَاهُمْ وتوكَّلْ على اللهِ وكفى بالله وكيلاً﴾ [الأحزاب: ٤٨ ].
وقال: ﴿ فاعبدهُ وتوكّلْ عليهِ﴾ [ هود: ١٢٣] وقال: ﴿وتوكل على
الحي الذي لا يموت ﴾ [ الفرقان: ٥٨ ].
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
i
i
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الرابع
٤٧٦
كلّه باب من الزهد ، والزهد كله باب من التوكل .
فالذي نذهب إليه : أنّ التوكل أوسع من التفويض ، وأعلى وأرفع .
قوله : ((فإنَّ التوكّل بعد وقوع السبب ، والتفويض قبل وقوعه
وبعده)) .
يعني بالسبب : الاكتساب . فالمُفوّض قد فوّض أمْره إلى الله قبل
اكتسابه وبعده ، والمتوكّل قد قام بالسبب ، وتوكّل فيه على الله ، فصار
التفويض أوسع .
فيقال : والتوكّل قد يكون قبل السبب ومعه وبعده ، فيتوكل على الله
أنْ يقيمَه في سببٍ يُوصله إلى مطلوبه ، فإذا قام به توكّل على الله حال
مباشرته ، فإذا أتمّه توكّل على الله في حصول ثمراته ، فيتوكل على الله
قبله ، ومعه ، وبعده .
فعلى هذا: هو أوسع مِن التفويض على ما ذُكر ))(١).
قال أبو سليمان الداراني : إذا بلغ العبد الغاية مِن الزهد ، أخرجه
ذلك إلى التوكّل .
ونختم بقوْل رسولنا عَ لِ: ((لو أنَّ ابنَ آدم هَرَب مِن رزقِهِ كما
يهَرَب من الموت ، لَأَدركه رزقُه كما يُدركه الموت))(٢).
والله دَرّ القائل :
(١) مدارج السالكين ٢ / ١٣٨ - ١٤١ .
(٢) حسن ؛ رواه أبو نعيم في الحلية عن جابر ، وحسّنه الألباني في السلسلة الصحيحة
رقم ٩٥٠ ، وصحيح الجامع رقم ٥١١٦ .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
ttps://weblessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع
٤٧٧
وأَنَّا لا نُضَيِّعُ مَنْ أَتَانًا
ويَزْعُمُ أَنَّهُ مِنَّا قريبٌ
كأنّا لا نراهُ ولا يَرانا
ويَسألُنَا على الإِقتار جُودًا
الثِّقَةُ باللهِ تعالى :
ومن علو الهمّة في التوكّل : الثقة بالله تعالى ، فالثقة سواد عيْن التوكل ،
ونقطةُ دائرة التفويض ، وسُويداء قلب التسليم .
والثقة خلاصةُ التوكّل ولبُّه ، كما أنّ سواد العين أشرف ما في العين .
والثقة هي النقطة التي يدور عليها التفويض ، فلو كان التفويض قلبًا ،
لَكَانت الثّقة سويداءَه، ولو كان عينًا لَكانت سوادَها . والثقة هي رُوح
التوكل ، ونسبتها إلى التوكل كنسبة الإحسان إلى الإِيمان .
وعنوانها : أُمْن العبد من فَوْتِ المقدور ، وانتقاض المسطور ، فيظفر
بروح الرضا ، وإلا فبعين اليقين ، وإلّا فبلطْف الصبر .
وذلك أنَّ مَن تحقّق بمعرفة الله ، وأنّ ما قضاه الله : فلا مردّ له ألبتة ؛
أمِن من فوْت نصيبه الذي قسّمه الله له ، وأمِن أيضًا من نقصان ما كتبه الله
له ، وسطّره في الكتاب المسطور ، فيظفر بروح الرضا ، أي براحته ولَدَّته
ونعيمه ؛ لأنّ صاحب الرضا في راحة ولَّذَّة وسرور ، كما في حديث عبد الله
ابن مسعود رضي الله عنه، عن النبي عَّه: ((إنّ الله - بعدْله وقسطه -
جعل الَّوْحِ والفَرَح في اليقين والرضا ، وجعل الهمَّ والحزن في الشَّكِّ والسخط)).
فإن لم يقدر العبد على ((روح الرضا))، ظفر ((بعين اليقين))، وهو قوة
الإِيمان، ومباشرته للقلب. فإن لم يحصل له هذا المقام، حصل على ((لطْف
الصبر )) وما فيه من حسْن العاقبة .
فإن استطعت أن تعمل لله بالرضا مع اليقين فافعل ، فإنّ لم تستطع ،
فإنَّ في الصبر على ما تكره النفس خيرًا كثيرًا .
ـبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
ttps://web lessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الرابع
٤٧٨
وخير مثال على الثقة بالله تعالى وعلوّ الهمة فيها : أُمُّ موسى رضي الله عنها ؛
قال تعالى: ﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ
فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيكِ وجاعِلُوهُ مِنَ المُرسَلِينَ ﴾
[ القصص: ٧]. قال ابن القيم: ((فإن فعْلَها هذا هو عيْن ثقتها بالله تعالى ،
إذ لولا كمال ثقتها بربِّها ، لَمَا ألقتْ بولدها وفِلِذَة كبدها في تيار الماء ،
تتلاعب به أمواجه، وجَرَيَانه إلى حيث ينتهي أو يقف))(١).
الله ما أشرفَ هذا المقام وأحلاه وأعلاه .. إنّ الأُمَّ إذا خافت على
ولدها ، ضمَّته إلى صدرها ... ولكنّ أَّ موسى يُلهمها اللهُ تعالى أن تُلقي
بولدها إلى النهر .. ثقةً منها بربِّها ... ويتهادى التابوتُ بالرضيع حتى يصل
إلى تحت قصر فرعون .. لتكون المعركة على أرضه .. إنّك تُرسل المئات
والآلاف بحثًا عن الرضيع ، وتُذبّح من أجْلِهِ الآلاف من الرجال ، وتستحيي
النساء ... فها هو الآنَ في قصرك ... وأطلَّتْ آسِيَةُ على الجمال المُوسَوِيّ
الذي زكّ صاحبه بقوله تعالى: ﴿وألقيْتُ عليكَ مُحِبَّةً مِنِي وَلِتُصْنَعَ عَلَّى
غَيْنِي﴾ [طه: ٣٩]، فألقى اللهُ محبّته في قلبِها، فقالت: ﴿قُرَّةُ عَيْنٍ لِي
وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهِ﴾ [ القصص: ٩]، لِهَوان فرعونَ على الله، لم يُرسل اللهُ
تعالى مع موسى لِحِفْظه طائفةً من الملائكة، وإنما حَمَاه بأرَقٌّ شيءٍ .. سِتْر
رقيق من المحبَّة يُغلّف قلبَ آسية ... ونفّذ فرعونُ أمْر آسية. فانظرْ كمْ قتلَ
فرعونُ للظفر بموسى ، ولسانُ القدر يقول له: ((لا نربِّيه إلّا في حِجْرك)) ...
ويُحرِّم اللهُ على موسى المراضعَ ، لِتُرْضِعَه أُمُّه، ليكون الرُّّ كاملًا ﴿ إِنَّا
رَادُّوهُ إِلَيْكِ ﴾ [ القصص: ٧] ... فانظرْ جزاءَ الثقةِ بالله تعالى ... الطمأنينة
[ القصص: ١٠] ... بعد أنْ كانت تُرضع ولدها على
رَبَطْنَا عَلَّى قَلْبِهَا ﴾.
(١) مدارج السالكين ٢ / ١٤٣ .
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
ttps://weblessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع
٤٧٩
خَوْف من فرعون وملَائه ، فالآنَ تُرضع بأَمْر فرعون ... وثِقَتْ بربِّها ...
فكانت تُرضع ولدها وتأخذ أجْرها ... وما كان هذا أبدًا لأَّمِّ غيرها ...
وردَّ الله إليها ولدها ... وأنعم عليه بالنبوة ، فإنَّ الهديَّة إذا جاءتْ
من عند الملك تُضمَّخُ بطِيبِهِ ...
ومن قبلها أُمُّ إسماعيل، تَثِقُ بربها ((إذن لا يضيِّعُنا)). فيرسل الله
سيد ملك السماء جبريل ، ليحفُر لها زمزم .
فهلًّا وثقتَ بربِّك، وملأتَ قلبك فرحًا به ... ولم تترك في قلبك
مكانًا خاليًا لمحبَّة سواه ، وردَّدتَ ما قال القائل :
مني مكانًا خاليًا لِسِوَاكَا
وملأتَ قلبي منكَ حتى لم تدعْ
والروحُ لا تَنفكُ عَنْ ذِكْرَاكَا
والقلبُ فيكَ هَيَامُه وغرامُهُ
علوُّ الهمَّة في التَّسْلِيمِ
(( وهو نوعان : تسليم لحكمه الديني الأمري ، وتسليم لحكمهِ الكوني
القدري .
فأمَّا الأول : فهو تسليم المؤمنين العارفين ؛ قال تعالى : ﴿ فلا وربِّكَ
لا يُؤمنونَ حتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَينِهِمْ ثُمَّ لا يَجدُوا في أنفسِهِمْ حَرَجًا ممَّا
قضيتَ ويسلِّمُوا تسليمًا ﴾ [ النساء: ٦٥ ]. فهذه ثلاث مراتب : التحكيم ،
وسَعَة الصدر بانتفاء الحَرَج ، والتسليم .
وأما التسليم للحكم الكوني : فمزلّة أقدام ، ومَضَلّة أفهام ، حيّر
الأنام ، وأوقع في الخصام . وهي مسألة الرضا بالقضاء .
والتسليم للقضاء يُحمَد إذا لم يُؤمر العبد بمنازعته ودفعه ، ولم يقدر
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
ttps://web lessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع
٤٨٠
على ذلك ، كالمصائب التي لا قُدرة له على دفعها .
وأمّا الأحكام التي أُمر بدفعها : فلا يجوز له التسليم إليها ، بل
العبودية: مدافعتها بأحكامٍ أُخَر، أحبَّ إلى الله منها)) (١).
إِيَّاك وعِلَّةَ التَّسْلِيم :
يقول الهروي: ((وفي التسليم والثقة والتفويض : ما في التوكُّل مِن
العلل )) .
ويقول ابن القيم شارحًا: ((يعني أنّ العلل التي في ((التوكل)) من
معاني الدعوى ، ونسبتُه الشيء إلى نفسه أولًا ، حيث زعم أنه وَكَّل ربَّه
فيه ، وتوكَّل عليه فيه ، وجعله وكيله القائم عنه بمصالحه التي كان يحصّلها
لنفسه بالأسباب والتصرفات ، وغير ذلك من العلل .
وليس في التسليم إلا عّة واحدة : وهي أن لا يكون تسليمُه صادرًا
عن مخْض الرضا والاختيار ، بل يَشُوبِه كْهٌ وانقباض ، فيلسم على نوع
إغماض . فهذه علة التسليم المؤثّرة . فاجتهد في الخلاص منها))(٢).
أَوَّلُ التَّسْلِيم :
((وأولُ التسليم: أنْ لا تطلب على الحقِّ دليلًا؛ قال تعالى: ﴿أَوَلِمْ
يَكْفِ بربِّكَ أنَّهُ على كلِّ شيءٍ شهيدٌ ﴾ [ فصلت: ٥٣ ]. فكيف تُحوِج ولَيَّك
وحبيبك إلى أنْ يُقيم لك الدليل على التوحيد والمعرفة ، بحيث لا تسير إليه
حتى يقيمَ لك دليلًا على وجوده ووحدانيته ، وقدرته ومشيئته ؟! ولو أنّ
رجلًا دعاك إلى داره ، فقلتَ للرسول : لا آتي معكَ حتى تُقيم لي الدليل
(١) مدارج السالكين ٢ / ١٤٦ .
(٢) مدارج السالكين ٢ / ١٤٧ .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/