Indexed OCR Text
Pages 301-320
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://web lessam.blogspot.com/ ٣٠١ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الرابع الحفري )) . أبطأ يومًا في الخروج إلى الجماعة ، ثم خرج فقال : أعتذرُ إليكم ، فإنه لم يكن لي ثوبٌ غير هذا ، صلَّيتُ فيه، ثم أعطيته بناتي حتى صَلَّيْن فيه ، ثم أخذتُه وخرجتُ إليكم . قال محمد بن عبد الرحمن الجوهري: (( رأيتُ أبا داود الحفري ، وكان لا يُرى أديمُ جسده من الشعر ، وعليه خِرقتان: إزار ورداء فيه عدَّة رِقاعٍ)). تزوّج أبو داود بامرأةٍ فأصدقها ثلاثة دنانير ، وكان قُوته كلّ ليلةٍ قرصين ويِفِلْسٍ فجل أو هِنْدِبا . قال أبو حمدون الطّب المقرىء : دفنًّا أبا داود الحفري رحمه الله ، وتركنا بابه مفتوحًا ، ما كان في البيت شيء)) (١). الإِمام أحمد بن حنبل : حَمَى نَفْسَهُ الدنيا وقد سنحتْ له فمنزلُه إلَّا مِنَ القُوتِ مُقْفِرُ رحم الله إمام أهل السنة وزاهدهم ، القائل : عزيزٌ علَّي أن تذيب الدنيا أكبادَ رجالٍ وعتْ صدورُهم القرآن(٢). وقال رحمه الله : ما أعدلُ بفضل الفقر شيئًا ، تدري إذا سألك أهلُك حاجةً لا تقدر عليها ، أيّ شيءٍ لك من الأجر(٢). خرج - رحمه الله - وهو إمام الدنيا إلى عبد الرزاق فانقطعتْ به النفقة ؛ فأكْرَى نَفْسَه من بعض الحمّالين إلى أن وافى صنعاء . وكان رحمه الله ربما احتاج ، فنسخ بأجرة . وربما احتاج ، فخرج إلى اللّقاط ؛ أي المزارع بعد استئذان أصحابها ؛ ليلتقط السّنبل الذي تخطئه (١) السير ٤١٦/٩ - ٤١٧، وتهذيب الكمال . (٢) مناقب الإِمام أحمد ص٢٥٩ . (٣) المناقب ص٢٥٧ . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الرابع ٣٠٢ المناجل . قال رحمه الله : قد خرجت إلى طرسوس على قدمي ، وقد كنّا نخرج في اللّقاط(١). ورَهَن إمامُ الدنيا نعلَهُ عند خبّارٍ ، على طعامٍ أخذه منه عند خروجه من اليمن ؛ قال بحر البقال - وكان من قرية عبد الرزاق -: كان عندنا ها هنا ، فلمّا خرج أصحابه تخلّف من بعدهم ، فمَّ بي فقال : يا بحر ، لك عندي درهم ، خُذ هذه النعل ، فإن بعثت إليك من صنعاء بالدرهم ، وإلّا فالنَّعل لك، أرضيتَ؟ قلت: نعم. ومضى(٢). قال سليمان بن الأشعث : ما رأيت أحمد بن حنبل ذَكَرَ الدنيا قطُّ . وقال عبد الله بن عبد الرحمن : أحمد بن حنبل صبر على الفقر سبعين سنة . وقال ابنُ أبي القدور أبو جعفر القطان : كان أيامَ الغلاء يجيئني أبو عبد الله بغزلٍ ويستره ، أبيعه ، فكنت ربما بعتُه بدرهم ونصف ، وربما بعته بدرهمين ، فتخلّف يومًا ، فلمّا جاء قلت : يا أبا عبد الله ، لم تجىء أمس ، فقال : أُمّ صالحِ اعتلَّتْ. ودفع إلَّي غزلًا ، فبعته بأربعة دراهم ، فجئت بها فأنكر ذلك وقال : لعلّك زدتَ فيه من عندك ؟ قلت : لا ؛ ما زدتُ فيه من عندي، كان غزلًا دقيقًا(٢) . وقال صالح : واشتريتُ جاريةً ، فاشتكتْ إليه أهلي ، فقال : قد كنتُ أكره لهم الدنيا ، وقد بلغني عنك الشيء . فقالت له : يا عمّ ، ومَنْ يكره الدنيا غيرُك . قال لها : فشأنُكِ إذَنْ . (١) المناقب ص٢٨٩ - ٢٩١ . (٢) المناقب ص ٢٩٢ . (٣) المناقب ص٣١١ . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ttps://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الرابع ٣٠٣ وقال أبو بكر المروزي : رأيت أحمد بن عيسى المصري ومعه قوم من المحدِّثين ، دخلوا على أبي عبد الله ونحن بالمعسكر ، فقال له أحمد ابن عيسى : ما هذا الغمُّ يا أبا عبد الله ؟! الإِسلام حنيفيَّةٌ سمحة ، بيتٌ واسع . فنظر إليهم وكان مضطجعًا ، فلمّا خرجوا قال لي : انظر إلى هؤلاء ، ما أريد أن يدخل علَّ منهم أحدٌ . وقال إسحاق بن هانىء النيسابوري : قال لي أبو عبد الله : بكِّر يومًا حتى تعارضني بشيءٍ من الزهد . فبكّرتُ إليه ، وقلت لأُمّ ولده : أعطني حصيرًا ومخدَّة . فبسطتُه في الدّهليز ، فخرج أبو عبد الله ومعه الكتب والمحبرة ، فنظر إلى الحصير والمخدة فقال : ما هذا ؟ فقلت : لتجلس عليه . فقال : ارفعْه ، الزهد لا يحسُن إلَّ بالزهد. فرفعتُه ، وجلس على التراب(١) . وقال الإِمام أحمد الشجاع بن مخلد العطار : يا أبا الفضل ، إنما هو طعامٌ دُونَ طعام ، ولباس دون لباس ، وإنها أيام قلائل . وقال رحمه الله : أَسُ أيامي إلَي يوم أصبح وليس عندي شيء . أمَّا بيت أحمد ، فكان كبيتِ سويد بن غفلة ، كما قال ابن المديني . قال عبد الملك الميموني : كان منزل أبي عبد الله ضيِّقًا صغيرًا، وقد رأيتُ موضع مضجعه ، وفيه شَاذَكونة وبرذعة (٢). وقال الحسن بن محمد بن الحارث : دخلت دار أحمد فرأيت في بهوه حصيرًا خَلِقًا ومسورة ، وكتبه مطروحة حواليه ، وحُبّ خزف . وقال أبو داود : رأيت لبابِ دار أبي عبد الله سترًا خلقًا ملبّدًا، ورأيت بقُربه شيئًا نحوًا مما تُعلّق به الأداوى في الأسفار ، عليه عدَّة (١) مناقب الإِمام أحمد ص٣١٢ - ٣١٣. (٢) مناقب الإِمام ص٣١٦ . https://arabessam.blogspot.com/ ـبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ttps://web lessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الرابع ٣٠٤ قلال(١) . وقال محمد بن موسى : كان باب أبي عبد الله بابًا كبيرًا من لبن ، ثم جئت بعدُ وعلى الباب ستر شعر . وقال أحمد بن الحسن : دخلت على أبي عبد الله غير مرةٍ وهو متربِّع ، بين يديه كانون من طين ، وله ثلاث قوائم فيه جمر ، وتحته لبيدٌ له (٢). وقال صالح بن أحمد : كان أبي كثيرًا ما يأتدِم بالخلّ ، وكان يُشترى له شحم بدرهم ، فکان یاکل منه شهرًا(٣). وقال أبو بكر المروزي : قال لي النيسابوريُ - صاحبُ إسحاق بن إبراهيم -: قال لي الأمير : إذا جاءوا بإفطاره فأرنيه . قال : فجاءوا برغيفين خبز وخيارة ، فأريته الأمير ، فقال: هذا لا يُجيبنا (٤) إن كان هذا يُقنعه(٥). وقال إمام الزُّهّاد أحمد بن حنبل : قد وجدت البرد في أطرافي ، ما أراه إلّا من إدامي؛ أكل الخّ والملح . أمَّا لباسه : فقال حميد بن زنجويه: رأيت على أحمد بن حنبل جُبّةً خضراء ، فيها رقعة بيضاء من صوف . وقال حمدان بن علي : رأيت على أبي عبد الله جبة وعليها رقعة بغير لونها . وقال المروزي : أراد أبو عبد الله أن يرقِّع قميصه ، فلم يكن عنده رقعة ، فقال : أُرقّعه من إزاري . فقطعنا من إزاره فرقّعناه ، ولقد احتاج (١) المناقب ص٣١٦. المناقب ص٣١٧ . (٢) المناقب ص٣١٨ . (٣) (٤) أي إلى القول بخلق القرآن . (٥) المناقب ص٣١٨ . https://arabessam.blogspot.com/ ـبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد ttps://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع ٣٠٥ غير مرةٍ إلى خرق ، فكان يقطع من إزاره ، وأعطاني ◌ُفًّا له لأرمّه ، قد لبسه سبع عشرة سنة ، فإذا خمسة مواضع ، أو ستة مواضع ، الخَّرْز فيه من بَرًّا . وقال أبو بكر المروزي : استعمل لأبي عبد الله ◌ُفّ ، فجئته به فبات عنده ليلة ، فلما أصبح قال : تفكّرت في أمر هذا الخفّ - أراه قال : عامَّة الليل - قد شغل علّ قلبي قد عزم لي أن لا ألبسه ، كم ترى بقي ؟ الذي مضى أكثر مما بقي . فدفع إلَّي خُفًّا له خَلقًا ، فقال : اضرب على هذا الخف ، وسدّد خروقه . ثم قال : تدري منذ كم هذا الخف عندي ؟ نحو من ست عشرة سنة ، وإنما صار إلّ وهو لبيس ، وهذا قد شغل قلبي - يعني الجديد -(١) . رحم الله ابن حنبل ، وأيّ أمره لم يكن فوق الغريب . قال حسن بن يسار : دخلت على أحمد بن حنبل وأنا صبِّ مع أستاذي ، يُحصِّص له بيتًا ، فقال له أحمد : جصِّصه باليد ولا تمسحه بالمالَج (٢). ثم فرشناه بالطوابيق، فلمّا فرغنا استحسنه وقال : هذا نظيف يُصلّي عليه الرجل وليس فيه بارِيَّة ولا حصير . ودفع إلَّ كفّ تمرٍ (٣). قال صالح : قال لي أبي : جاءني أمس رجل كنت أحب أن تراه ، بينا أنا قاعد في نحر الظهيرة ، إذا برجل سلّم بالباب ، فكأن قلبي ارتاح ، ففتحت فإذا أنا برجل عليه فروة ، وعلى رأسه خرقة ، ما تحت فْوِه قميص ، ولا معه ركوة ، ولا جراب ولا عكّاز، قد لوّحَتْهُ الشمس ، فقلت : ادخل . فدخل الدّهليز ، فقلت : من أين أقبلت ؟ قال : من ناحية المشرق (١) مناقب الإمام أحمد ص٣٢٤، ٣٢٥. (٢) المالج : الذي يطّيَّن به . (٣) مناقب الإِمام ص٣١٦. https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد https://web lessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الرابع ٣٠٦ أريد الساحل ، ولولا مكانك ما دخلتُ هذا البلد ؛ نويتُ السلام عليك . قلت : على هذه الحال ؟! قال : نعم ، ما الزهد في الدنيا ؟ قلت : قصر الأمل . قال : فجعلت أعجب منه ، فقلتُ في نفسي : ما عندي ذهب ولا فضة . فدخلتُ البيت ، فأخذت أربعة أرغفة ، فخرجت إليه فقال : أوَ يسُرُك أن أقبل ذلك يا أبا عبد الله ؟ قلت : نعم . فأخذها فوضعها تحت حِضنه ، وقال : أرجو أن تكفيني إلى الرَّقَّة ، أستودعك الله . فكان يذكره كثيرًا . وقال عبد الله بن أحمد : سمعت أبي - وذَكَرَ الدنيا - فقال : قليلها يُجزىء ، وكثيرها لا يُجزىء . وقال أبي - وقد ذُكر عنده الفقر - فقال : الفقر مع الخير . وقال صالح : ربما رأيت أبي يأخذ الكِسَر ، ينفض الغبار عنها ، ويصيِّرها في قصعةٍ ويصبُ عليها ماءً ، ثم يأكلها بالملح . وما رأيته اشترى رمّانًا ولا سفرجلًا، ولا شيئًا من الفاكهة ، إلّا أن تكون بِطِّيخة فيأكلها بخبزٍ، وعنبًا وتمرًا . وقال أبي : كانت والدتك في الظلام تغزل غزْلًا دقيقًا ، فتبيع الأستار بدرهمين ، أقلّ أو أكثر ، فكان ذلك قُوتنا ، وكنّا إذا اشترينا الشيء نستره عنه كي لا يراه فيوبِّخنا ، وكان ربما خُبز له ، فيجعل في فخّارة عدسًا وشحمًا وتمرات شهريز، فيجيء الصِّبيان فيصوّت ببعضهم فيدفعه إليهم ، فيضحكون ولا يأكلون ، وكان يأتدم بالخل كثيرًا . قال : وقال أبي : إذا لم يكن عندي قطعة ، أفرح . رحمك الله يا إمام أهل السنة .. حتى الصِبيان يعافون أكلك ، ويضحكون أن قدَّمتَ لهم مثل هذا الطعام . ((قال صالح: وكان ربما خرج إلى البقّال، فيشتري الجُرْزة تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الرابع ٣٠٧ الحطب والشيء فيحمله بيده ))(١) . قال المروزي : قدم رجل من الزُّهّاد ، فأدخلته على أحمد وعليه فرو خَلَق، وخُريقة على رأسه ، وهو حافٍ في بردٍ شديدٍ ، فسلّم وقال : يا أبا عبد الله قد جئت من موضعٍ بعيد ، وما أردت إلّا السلام عليك ، وأريد عبادان ، وأريد إن أنا رجعت أُسلّم عليك. فقال: إنْ قُدِّر . فقام الرجل وسلّم وأبو عبد الله قاعد ، فما رأيت أحدًا قام من عند أبي عبد الله حتى يقوم هو إلّا هذا الرجل ، فقال لي أبو عبد الله : ما ترى ، ما أشبهه بالأبدال . أو قال : إني لأَذْكُر به الأبدال . وأخرج إليه أبو عبد الله أربعة أرغفة مشطورة بكامَخ وقال : لو كان عندنا شيء لواسيناك(٢). قال الإِمام أحمد : الزهد في الدنيا قصر الأمل . وعنه رواية أخرى : أنه عَدَمُ فَرَحِه بإقبالها ، ولا حزنه على إدبارها ، فإنه سُئل عن الرجل يكون معه ألف دينار ، هل يكون زاهدًا ؟ قال : نعم ، على شريطة أن لا يفرح إذا زادت ، ولا يحزن إذا نقصت (٣). محمد بن أسلم الطوسي : قال الحاكم : قام محمد بن أسلم مقام وكيع ، وأفضل من مقامه ؛ الزهده وورعه وتتبُّعه للأثر . قال محمد بن القاسم : سمعت أبا يعقوب المروزي ببغداد وقلت له : قد صحبتَ محمد بن أسلم وأحمد بن حنبل ، أيّهما كان أرجح وأكبر وأَبْصَر بالدين ؟ فقال : يا أبا عبد الله ، لِمَ تقول هذا ؟! إذا ذكرتُ محمدًا في (١) السير ٢٠٧/١١ - ٢٠٩ . (٢) السير ٢١٠/١١. (٣) مدارج السالكين ١١/٢ . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الرابع ٣٠٨ أربعة أشياء فلا تقرن معه أحدًا : البصر بالدين ، واتّباع الأثر ، والزهد في الدنيا ، وفصاحته بالقرآن والنحو . وقال محمد بن القاسم : دخلت على ابن أسلم قبل موته بأربعة أيام بنيسابور ، فقال : يا أبا عبد الله ، تعال أُبشِّرك بما صنع الله بأخيك من الخير ، قد نزل بي الموت ، وقد منَّ الله علَّ أنه ما لي درهم يحاسبني الله عليه . ثم قال : أغْلِق الباب ، ولا تأذن لأحدٍ حتى أموت ، وتدفنون كتبي ، واعلم أني أخرج من الدنيا ، وليس أدَع ميراثًا غير كسائي ولبدي وإنائي الذي أتوضأ فيه ، وكتبي هذه ، فلا تكلَّفوا الناس مُؤْنَة . وكان معه صّة فيها نحو ثلاثين درهمًا ، فقال : هذا لابني ، أهداه قريبٌ له ، ولا أعلم شيئًا أحلّ لي منه؛ لأن النبي عَ لّم قال: ((أنت ومالك لأبيك))، وقال: (( أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإنّ ولده من كسبه ))، فكفِّنوني منها ، فإن أصبتم لي بعشرة ما يستر عورتي فلا تشتروا بخمسة عشر ، وابسطوا على جنازتي لبدي ، وغطّوا عليها كسائي ، وأعطوا إنائي مسكينًا . وقال أيضًا : كان يقول لي : اشتر لي شعيرًا أسود فإنه يصير إلى الكنيف ، ولا تشتر لي إلّا ما يكفيني يومًا بيوم. واشتريت له مَّة شعيرًا أبيض ، ونقّيْته وطحنته ، فرآه فتغيّر لونه فقال : إنْ كنتَ تنوّقت فيه ، فأطعمه نَفْسَك ، لعلّ لك عند الله أعمالًا تحتمل أن تُطعم نفسك النقّ ، وأمَّا أنا ، فقد سرتُ في الأرض ، ودُرتُ فيها ، فبالله ما رأيت نفسًا تُصلِّي أَشَرّ عندي من نفسي ، فبما أحتجُّ عند الله إن أطعمتُها النقّ ، خذ هذا الطعام ، واشترٍ لي كلّ يومٍ بقطعة شعيرًا رديئًا، واشتر لي رحِّى حتى أطحن بيدي وآكل ، لعلِّي أبلغ ما كان فيه علِّي وفاطمة رضي الله عنهما (١). (١) السير ١٩٧/١٢ - ٢٠١. تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ttps://weblessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع ٣٠٩ فرضي الله عن ربّاني هذه الأمة - كما قال ابنُ خزيمة - محمد ابن أسلم الطوسي . أبو سهل الصعلوكي ، شيخ الشافعية : (( قال الذهبي : مناقب هذا الإِمام جَمَّة . قال السلمي : سمعتُ أبا سهل يقول : ما عقدت على شيءٍ قط ، وما كان لي قفل ولا مفتاح، ولا صررتُ على فضة ولا ذهبٍ قط)) (١). الإِمام القدوة العارف ابن خفيف : قال ابن باكويه : سمعتُ ابن خفيف يقول : ما وجبت علّ زكاة الفطر أربعين سنة(٢). الشيخ الإِمام القدوة العابد الزاهد شيخ العارفين ، أبو العباس أحمد الرفاعي: كان يجمع الحطب ويجيء به إلى بيوت الأرامل ، ويملأ لهم بالجرّة . قيل : أحضر بين يديه طبق تمر ، فبقي يُنقّي لنفسه الحَشَف يأكله ، ويقول : أنا أحقُّ بالدُّون ، فإني مثله دُون . وكان لا يجمع بين لُبس قميصيْن ، ولا يأكل إلّا بعد يومين أو ثلاثة أَكْلةً ، وإذا غسل ثوبه ينزل في الشّطّ كما هو قائم يفرُكه ، ثم يقف في الشمس حتى ينشف ، وإذا ورد ضيفٌ ، يدور على بيوت أصحابه يجمع الطعام في (٣) مئزر(٣). يوسف بن أسباط : قال رحمه الله : إني لأشتهي من الله ثلاث خصالٍ : أن أموت حين (١) السير ٢٣٧/١٦ . (٢) السير ٣٤٦/١٦. (٣) السير ٧٩/٢١ - ٨٠ . https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع ٣١٠ أموت وليس في ملكي درهم ، ولا يكون علَّ دَيْن ، ولا على عظمي لحم . فأُعْطِي ذلك كلّه (١). القاسم بن مخيمرة : قال القاسم رحمه الله : لم يجتمع على مائدتي لونان من طعامٍ قطُّ ، وما أغلقتُ بابي قط ولي خَلْفَه هَمُّ (٢). هكذا يكون الزهد : عن إبراهيم بن شبيب بن شيبة قال : كنّا نتجالسُ في الجمعة ، فأتى رجل عليه ثوب واحد ، مُلتحِف به ، فجلس إلينا ، فألقى مسألة ، فما زلنا نتكلّم في الفقه حتى انصرفْنا ، ثم جاءنا في الجمعة المقبلة ، فأحببناه وسألناه عن منزله فقال : أنزل الحربية . فسألناه عن كُنيته فقال : أبو عبد الله ، فرغبْنا في مجالسته ، ورأينا مجلسنا مجلس فقهٍ ، فمكثنا بذلك زمانًا ثم انقطع عنّا ، فقال بعضنا لبعضٍ : ما حالنا ، قد كان مجلسنا عامرًا بأبي عبد الله ، وقد صار موحشًا . فوعد بعضنا بعضًا إذا أصبحنا أن نأتي الحربية ، فنسأل عنه ، فأتينا الحربية ، وكُنّا عددًا، فجعلنا نستحي أن نسأل عن أبي عبد الله، فنظرنا إلى صبيانٍ قد انصرفوا من الكُتّاب ، فقلنا : أبو عبد الله ؟ فقالوا : لعلّكم تعنُون الصّاد؟ قلنا : نعم . قالوا: هذا وقته ، الآن يجيء . فقعدْنا ننتظره ، فإذا هو قد أقبل مثتزرًا بخرقةٍ وعلى كتفه خرقة ، ومعه أطيار مذبَّحة وأطيار أحياء ، فلمّا رآنا تبسَّم إلينا وقال : ما جاء بكم ؟ فقلنا : فقدْناك ، فقد كنت غمرت مجلسنا ، فما غيّبك عنا ؟ قال : إذن أَصْدُقكم ، كان لنا جار ، كنت أستعير منه كل يومٍ ذلك الثوب الذي كنت آتيكم فيه ، وكان غريبًا ، فخرج إلى وطنه ، فلم يكن لي ثوب آتيكم فيه . هل لكم أن تدخلوا (١) الإِحياء ٢٣٨/٤. (٢) السير ٢٠٣/٥ . https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد ttps://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الرابع ٣١١ المنزل فتأكلوا مما رزق الله عز وجل ؟ فقال بعضنا لبعض : ادخلوا منزله . فجاء إلى الباب فسلّم ، ثم صبر قليلًا ، ثم دخل فأذن لنا ، فدخلنا ، فإذا هو قد أتى بقطعٍ من البواري ، فبسطها لنا ، فقعدنا ، فدخل إلى المرأة فسلّم إليها الأطيار المذبّحة ، وأخذ الأطيار الأحياء ، ثم قال : أنا آتيكم إن شاء الله عن قريب ، فأتى السوق فباعها واشترى خبزًا ، وقد صنعت المرأةُ ذلك الطير ، وهيَّأَتْه ، فقدّم إلينا خبزًا ولحم طيرٍ ، فأكلْنا، فجعل يقوم فيأتينا بالملح والماء ، فكلّما قام ، قال بعضنا لبعض : رأيتم مثل هذا ، ألا تُغيِّرون أمره وأنتم سادة أهل البصرة ؟ فقال أحدهم : علّ خمسمائة . وقال الآخر : علّ ثلثمائة . وقال هذا وقال هذا، وضمن بعضهم أن يأخذ له من غيره ، فبلغ الذي جمعوا في الحساب خمسة آلاف درهم ، فقالوا : قوموا بنا نذهب فنأتيه بهذا ، ونسأله أن يُغيّر ما هو فيه . فقمنا فانصرفنا على حالنا ركبانًا ، فمررنا بالمربد(١) فإذا محمد بن سليمان أمير البصرة قاعد في منظرةٍ(٢) له فقال: يا غلام، ائتني بإبراهيم بن شبيب ابن شيبة من بين القوم . فجئتُ فدخلت عليه ، فسألني عن قصتنا ومن أين أقبلنا ، فصَدَقْتُه الحديث ، فقال: أنا أسبقكم إلى بّه ، يا غلام ، ائتني ببدرة دراهم . فجاء بها ، فقال : ائتني بغلام فرّاش . فجاء ، فقال : احمل هذه البدرة مع هذا الرجل ، حتى تدفعها إلى من أمرناه. ففرحتُ ثم قمت مسرعًا ، فلمّا أتيت الباب سلّمت ، فأجابني أبو عبد الله ، ثم خرج إلّ ، فلمّا رأى الفّاش والبدرة على عنقه ، كأني سفَّيْتُ(٣) في وجهه الرماد ، وأقبل علَّ بغير الوجه الأول ، فقال : ما لي ولك يا هذا ؟ أتريد أن (١) من أسواق العرب المشهورة في البصرة . (٢) ما ارتفع من البناء مُشرفًا على ما تحته ((شرفة)). (٣) ذَرَوْتُ . https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ttps://weblessam.blogspot.com/ ٣١٢ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع تفتنني ؟! فقلت : يا أبا عبد الله ، اقعد حتى أُخبرك أنه من القصة كذا وكذا ، وهو الذي تعلم أحد الجبّارين - يعني محمد بن سليمان - ولو كان أمرني أن أضعها حيث أرى ، لرجعتُ إليه ، فأخبرته أني قد وضعتها ، فالله الله في نفسك . فازداد علّ غيظًا ، وقام فدخل منزله ، وأصفق الباب في وجهي ، فجعلت أُقدِّم وأُؤخّر ، ما أدري ما أقول للأمير ، ثم لم أجد بدًّا من الصدق ، فجئت فأخبرته الخبر ، فقال: حَرُورِيٌّ والله ، يا غلام ، علَّ بالسيف . فجاء بالسيف ، فقال له : خُذ بيد هذا الغلام حتى يذهب بك إلى هذا الرجل ، فإذا أخرجه إليك ، فاضرب عنقه وائتني برأسه . قال إبراهيم : فقلت : أصلح الله الأمير ، الله الله ، فوالله لقد رأينا رجلًا ما هو من الخوارج ، ولكني أذهب فآتيك به . وما أريد بذلك إلّا افتداءً منه . قال : فضمَّتَنِيه فمضيت حتى أتيت الباب ، فسلّمتُ ، فإذا المرأة تحنُّ وتبكي ، ثم فتحتِ الباب ، وتوارثتْ ، فأذنتْ لي ، فدخلتُ ، فقالت : ما شأنكم وشأن أبي عبد الله ؟! فقلت : ما حاله ؟ قالت : دخل فمال إلى الرِّكَى، فنزع منها ماءً ، فتوضأ ، ثم سمعته يقول : اللهم اقبضني إليك ، ولا تفتنِّي. ثم تمدَّد وهو يقول ذلك ، فلحقتُه ، وقد قُضي ، فهو ذاك ميتٌ ، فقلت : يا هذه ، إن لنا قصةً عظيمة ، فلا تُحدثوا فيه شيئًا . فجئت محمد بن سليمان وأخبرته الخبر فقال : أنا أركب فأُصلِّي على هذا . قال : وشاع خبره بالبصرة ، فشهده الأمير ، وعامّة أهل البصرة ، رحمة الله عليه(١). عن سلام بن أبي حمزة : قال أيوب : الزهد في الدنيا ثلاثة أشياء ، أحبُّها إلى الله وأعلاها عند الله ، وأعظمها ثوابًا عند الله تعالى : الزهد في عبادةٍ مَنْ عُبد دون الله من كلِّ ملكٍ وصنمٍ وحجرٍ ووثنٍ ، ثم الزهد فيما حرم الله تعالى من الأخذ والإِعطاء . ثم يقبل علينا فيقول : زهدكم هذا (١) https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ttps://weblessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع ٣١٣ يا معشر القُرّاء فهو والله أخسُّه عند الله ، الزهد في حلال الله عز وجل . وعن عمارة بن غزيّة قال : سمعت رجلًا سأل ربيعة فقال: يا أبا عثمان ، ما رأس الزهادة ؟ قال : جمع الأشياء من حلِّها، ووضعها في حقِّها . وقال سلام بن أبي مطيع : الزاهد على ثلاثة وجوه : واحد:أن تُخلص العمل لله ، والقول ، ولا يُراد بشيءٍ منه الدنيا . والثاني: تركُ ما لا يصلُح، والعمل بما يصلح . والثالث : الحلال ، وهو أن يزهد فيه ، وهو تطوُّع ، وهو أدناها . قال سفيان بن عيينة : الزهد في الدنيا الصبرُ ، وارتقاب الموت . وقال الفضيل : عامّة الزهد : في الناس . يعني إذا لم يحب ثناء الناس عليه ، ولم يُبالٍ بمذمَّتهم . وقال : إن قدرتَ أن لا تُعرف فافعل ، وما عليك إن لم يُثْنَ عليك ، وما عليك أن تكون مذمومًا عند الناس إذا كنت عند الله محمودًا . وقال : من أحبَّ أن يُذكر لم يُذكر ، ومن كره أن يُذكر ذُكِر . أخي : لو سقطت قلنسوة من السماء ما سقطت إلا على رأس من يقول بها هكذا وهكذا - يعني لا يريدها -. وقال وهيب بن الورد المكي : الزهد في الدنيا أن لا تأسَى على ما فاتك منها ، ولا تفرح بما آتاك منها . قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: أنتم أكثر صيامًا وأكثر صلاةً ، وأكثر اجتهادًا من أصحاب رسول الله عَ ◌ّم، وهم كانوا خيراً منكم . قالوا : لِمَ يا أبا عبد الرحمن؟ قال: هُمْ كانوا أَزْهَدَ في الدنيا، وأَرْغَب في الآخرة . وقال حذيفة بن اليمان رضي الله عنه ، في مرضه الذي مات فيه : لولا أني أرى أن هذا اليوم آخر يومٍ من الدنيا ، وأوَّل يوم من الآخرة ، تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ttps://weblessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الرابع ٣١٤ لم أتكلّم به ، اللهم إنَّك تعلم أني كنت أحبُّ الفقر على الغنى ، وأحب العُزلة على العزّ ، وأحب الموت على الحياة ، حبيبٌ جاء على فاقةٍ ، لا أفلحَ مَنْ ندم . ثم مات رضي الله عنه . قال الحسن البصري يعظ أصحابه : والله لقد صحبْنا أقوامًا كانوا يقولون : ليس لنا في الدنيا حاجة ، ليس لها خُلِقْنا . فطلبوا الجنة بغدوهم ورواحهم ، نعم والله ، حتى أهراقوا فيها دماءهم ، فأفلحوا ونجوا ، هنيئًا لهم ، لا يطوي أحدهم ثوبًا، ولا يفترشه ، ولا تلقاه إلّا صائمًا ذليلًا، متبائسًا خائفًا، إذا دخل إلى أهله إن قُرْب إليه شيءٌ أكله ، وإلا سكت، لا يسألهم عن شيء، ما هذا وما هذا . ثم قال : ليس مَنْ مات فاستراحَ بِمَيْتٍ إنما المَيْتُ مَيِّتُ الأحياءِ داود الطائي : عن أحمد بن ضرار العجلي قال : أتيتُ داود الطائي وهو في دارٍ واسعةٍ خربة ليس فيها إلّا بيت ، وليس على بيته باب ، فقال له بعض القوم : أنت في دار وحشة ، فلو اتخذتَ لبيتك هذا بابًا ، أما تستوحش ؟ فقال : حالت وحشةُ القبر بيني وبين وحشةِ الدنيا . أحمد بن حنبل : عن علي بن المديني قال : دخلت منزل أحمد بن حنبل ، فما في بيته إلّا بما وُصِف به بيت سويد بن غفلة ، مِن زهده وتواضعه . طاووس : عن سفيان بن عيينة قال : جاء ابنٌ لسليمان بن عبد الملك ، فجلس إلى جنب طاووس ، فلم يلتفت إليه ، فقيل له : جلس إليك ابن أمير المؤمنين فلم تلتفت إليه . قال : أردتُ أن يعلم أن الله عبادًا يزهدون فيما في يديه . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://web lessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الرابع ٣١٥ زهدهم في الطعام : عن أبي الأبيض المدني رضي الله عنه ، أنه قال : إن أقَّ أيامي لعينّ ، يومَ أرجع إلى أهلي وهم يشكون الحاجة . وقال عبد الواحد بن زيد: ما للعاملين والبِطْنة ، إنما العامل تجزيه العُلْقَة التي تقوم بَرَمَقه . وقال الحسن : والله أدركت أقوامًا ، إنْ كان أحدهم ليأكل غداءً ، فما عسى أن يُقارب شبعه ، فيمسك . وقال : والله لأن ينبذ رجل طعامه للكلب ، خيرٌ له من أن يأكل فوق شبعه . قالوا لحكيم : فلانٌ يأكل في اليوم ثلاث مرات . قال : قولوا لأهله بينوا له معلقًا . قال ( أبو بكر بن عياش ) : من عظّم صاحبَ دنيا ، فقد أحدثَ حدثًا في الإِسلام . الحسن : وعن محمد بن معاوية الأزرق قال : كتب عمر بن عبد العزيز إلى الحسن: ((عظني وأوجز)). فكتب إليه ((أن رأس ما هو مصلحك ومصلح به على يديك : الزهد في الدنيا ، وإنما الزهد باليقين ، واليقين بالتفكّر ، والتفكّر بالاعتبار ، فإذا أنت فكّرت في الدنيا لم تجدها أهلًا أن تتبع بها نفسك ، ووجدت نفسك أهلا أن تُکرمها بهوان الدنيا ، فإن الدنيا دار بلاءٍ ومنزل قُلْعَةٍ(١))). (١) أي انقطاع وارتحال . https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://web lessam.blogspot.com/ ٣١٦ صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الرابع وكتب الحسن أيضًا إلى عمر : أما بعد ، فإن الدنيا مشغلةٌ للقلب والبدن ، وإن الزهد راحةٌ للقلب والبدن ، وإن الله سائلنا عن الذي نعمنا في حلاله ، فكيف بما نعمنا في حرامه ! وعن الحسن قال : والله لقد أدركتُ أقوامًا ، إن كان أحدهم لتكون به الحاجة الشديدة وإلى جنبه المال الحلال ، لا يأتيه فيأخذ منه ، فيُقال له : رحمك الله ، ألا تأتي هذا ؛ فتستعين به على ما أنت فيه ؟ فيقول : لا ، والله إني أخشى أن يكون فساد قلبي وعملي(١). السّرِيّ : قال السريّ : خمسٌ من أخلاق الزُّهّاد: الشكر على الحلال ، والصبر عن الحرام ، ولا يُبالي متى مات ، ولا يُبالي من أكل الدنيا ، ويكون الفقر والغنى عنده سواء(٢). الزّهْرِي : قال سفيان بن عيينة : سمعت الزهريّ ، وقد سأله رجل ، فقال : يا أبا بكر ، مَنِ الزاهد ؟ قال : الذي لا يغلب الحرامُ صبره ، ولا يمنع شكرَهُ . قال ابن عيينة : ما سمعت في الزهد قط شيئًا أحسن من هذا(٣). يحيى بن معاذ الرازي : قال يحيى بن معاذ الرازي : الزهد يُورث السَّخاء بالملك ، والحب يورث السخاء بالُّوح . وقال : لا يبلغ أحدٌ حقيقة الزهد حتى يكون فيه ثلاث خصال : عملٌ بلا علاقة ، وقولٌ بلا طمع ، وعزّ بلا رياسة . (١) الزهد الكبير ص ٩٥ . الزهد الكبير للبيهقي ص ٩٧ . (٢) (٣) الزهد الكبير ص٩٧، وجامع بيان العلم وفضله ٢٠/٢ . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ttps://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد صلاحِ الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الرابع ٣١٧ وقال : الزاهد يُسْعِطك الخلّ والخَرْدَل، والعارف يُشِمُّك المسك والعنبر . وقال رجل ليحيى : متى أدخُلُ حانوت التَّوكُّل ، وألبس رداء الزاهدين ، وأقعد معهم ؟ فقال : إذا صرت من رياضتك لنفسك إلى حدّ لو قطع الله الرزق عنك ثلاثة أيامٍ ، لم تضعف نفسك ، فأمّا ما لم تبلغ إلى هذه الدرجة ، فجلوسك على بساط الزاهدين جهل ، ثم لا آمن عليك أن تفتضح(١). قال يحيى : الزاهد الصادق: قُوتُه ما وجد ، ولباسه ما سَتَر ، ومسكنه حيث أدرك ، الدنيا سجنه ، والقبر مضجعه ، والخلوة مجلسه ، والاعتبار فِكرته ، والقرآن حديثه ، والرَّبُّ أنيسُه، والذِّكْر رفيقه ، والزهد قرينه ، والحزن شأنه ، والحياء شعاره ، والجوع إدامه ، والحكمة كلامه ، والتراب فراشه ، والتقوى زاده ، والصمت غنيمته ، والصبر معتمده ، والتوكُّل حسْبه ، والعقل دليله ، والعبادة حرفته ، والجنة مبلغه إن شاء الله تعالى(٢). وقال رحمه الله : الزهد ثلاثة أشياء : القلة والخلوة والجوع . فتأسّ يا أخي بنبيك الأطهر عَّ له، فإن فيه أُسوةً لمن تأسَّى، وعزاءً لمن تعَّى ، وأحب العباد إلى الله المُتأسِّ بنبيه والمُقتصّ لأثره . فَضَم الدنيا قضْمًا ولم يُعِرْها طرْفًا ، كان يأكل على الأرض ، ويجلس جلسة العبد ، ويخصف بيده نعله ، ويرقّع بيده ثوبه ، ويركب الحمار العاري ، ويُردف خَلْفَهُ ، أعرض عن الدنيا بقلبه ، وأمات ذكرها من نفسه ، وأحبّ أن تغيب زينتُها عن عينه ، لكي لا يتّخذ منها رِياشًا ، ولا يعتقدها (١) المدارج ١١/٢ - ١٢. (٢) الإِحياء ٢٤٦/٤ . ـبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ttps://weblessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الرابع ٣١٨ قرارًا ، ولا يرجو فيها مقامًا ، فأخرجها من النفس ، وأشخصها(١) عن القلب ، وغيّبها عن البصر ، وكذلك من أبغضَ شيئًا ، أبغض أن ينظر إليه ، وأن يُذكر عنده . جاع رسول الله عَ ◌ِّ مع خاصّته(٢)، وزُوِيت عنه زخارفُها مع عظيم زلفته ، فلينظر ناظرٌ بعقله: أكرم الله محمدًا عَِّ بذلك أم أهانه ؟ فإن قال : ((أهانه))، فقد كذب وأتى بالإِفك العظيم. وإن قال: ((أكرمه))، فليعلم أن الله قد أهان غيره حيث بسط الدنيا له ، وزواها عن أقرب الناس منه ، فتأسّى مُتَأَسٌّ بنبيه عَ ◌ّمه، واقتص أثره وولج مولجه ، وإلا فلا يأمن الهلكة ، خرج من الدنيا خميصًا ، وورد الآخرة سليمًا ، لم يضع حجرًا على حجر ، حتى مضى لسبيله ، وأجاب داعي ربه . فما أَعْظَمَ منَّة الله عندنا حين أنعم علينا به سَلَفًّا نتَّبعه، وقائدًا عظيمًا نطأ عَقِبَهُ(٣) . قال ذو النون المصري : ((تَجَّعْ، وتخلّ، وتفرّد ، واضجرْ، ترى العَجَب ))(٤) .. وقال أيضًا، رحمه الله: (( ما رجع من رجع إلّا من الطريق ، ولو وصلوا إلى الله ما رجعوا ، فازهد يا أخي ترَ العجب ))(٥). (١) أَبْعَدَها . (٢) أي مع خصوصيته وفضله عند ربه . (٣) العقب : مؤخر القدم ، ووطء العقب: مبالغة في الاتّباع والسلوك على طريقه، نقفوه خطوةً خطوةً ، حتى كأننا نطأ مؤخر قدمه . (٤) الزهد الكبير ص ١٠١ . (٥) الزهد الكبير ص٨٨ . https://arabessam.blogspot.com/ ـبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ٣١٩ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الرابع ونختم بما قاله علي ، رضي الله عنه : والله لقد رقّعت مِدْرَعتي(١) هذه حتى استحييتُ من راقعها ، ولقد قال لي قائل : ألا تنبذها عنك ؟ فقلت : اغُرُب عني ، فعند الصباح يحمد القومُ السُّرَى . (١) المِدْرَعَة : ثوب من صوف . https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد