Indexed OCR Text
Pages 241-260
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ttps://web lessam.blogspot.com/ ٢٤١ صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الرابع اللهم ، إنا لنسْتَحيي منك أن تعلمَ مِن قلوبنا أنَّا ظنًّا أنَّ رحمتك عَجَزَتْ عنا . لله درُّ أحمد بن العباس النمري حين قال : وإني لأرجو اللهَ حتَّى كأنَّني أُرَى بجميل الظَّنِّ ما اللهُ صانِعُ قال ابن المبارك : جئتُ إلى سفيان الثوري عشيَّةً عرفة وهو جاثٍ على ركبتيْه ، وعيناه تهملانٍ ، فقلت له : مَنْ أسوأُ هذا الجمعِ حالًا ؟ قال : الذي يظنُّ أنَّ الله لا يغفر لهم . ونظر الفضيل بن عياض إلى تسبيحِ الناس وبكائهم عشيّةً عرفة ، فقال: أرأيتم لو أنَّ هؤلاء صاروا إلى رجلٍ فسألوه دانقًا - يعني: سُدُس درهم - أكان يردّهم ؟ قالوا: لا . قال : واللهِ ، لَلْمغفرةُ عند الله أهونُ مِن إجابة رجلٍ لهم بدانِقِ . وأعلمُ أنَّ اللهَ يعفُو ويغفرُ وإني لأدعو اللهَ أطلبُ عفوَهُ وإِنْ عظمتْ في رحمةِ اللهِ تصْغُرُ لِئِنْ أعظمَ الناسُ الذنوبَ فإنَّها وقال إبراهيم بن الأشعث : سمعتُ الفضيل بن عياض رحمه الله يقول : لو أدخلني النارَ فصرتُ فيها ما أُيِسْتُه(١). وقال أبو حازم المديني : مِن أعظم خَصلة ترجى للمؤمن أن يكون أشدَّ الناسِ خوفًا على نفسه ، وأرجاه لكلِّ مسلمٍ . وكان عمر بن ذر يقول: اللهمَّ ارحمْ قومًا أطاعوك في أحبُّ طاعتك إليك : الإِيمانِ بك والتوكُّل عليك، وارحمْ قومًا أطاعوك في تَرْكِ أَبْغضِ المعاصي إليك : الشِّركِ بك والافتراء عليك . قال : فكان بعضهم يقول : إنْ كان كلُّ ما عُصِيَ اللهُ به عظيمًا ، فإنه في سَعةِ رحمته صغيرٌ . (١) حسن الظن بالله ص٩٥ . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ttps://web lessam.blogspot.com/ ٢٤٢ صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الرابع وقال أبو شيبةَ الزّبيدي : خفتُ نفسي ورجوتُ ربِّي، فأنا أُحبُّ أن أُفارق مَن أخافُ إلى مَن أرجوه . وعن عبد الواحد بن زيدٍ قال : قلتُ لزياد النميريّ : ما منتهى الخوفٍ ؟ قال : إجلالُ اللهِ عن مقامِ السَّوْءات . قال : قلت : فما منتهى ١ الرجاء ؟ قال : تأَميلُ اللهِ عز وجلّ على كلِّ الحالات . قال سليمان التيمي : قال لقمانُ لابنه : أي بُنَّي ، عَوِّدْ لسانَك : (( اللهمَّ اغفر لي )) ، فإن للهِ ساعاتٍ لا يَردُّ فيهنَّ سائِلًا . عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَ له: ((إن الله عُتَقَاء مِن النار في كلّ يومٍ وليلةٍ، ولكِلِّ عبدٍ منهم دعوةٌ مستجابةٌ ))(١). وعن عطاء بن السائب قال : دخلنا على أبي عبد الرحمن نعوده ، فذهب بعض القوم يُرَجِّيه ، فقال : إني لأرجو ربي ، وقد صمتُ له ثمانين رمضان(٢). (( وقال عوْنُ بن عبد الله: إنّ مِن أغّ الغُرّة؛ انتظار تمام الأماني ، وأنت أيُّها العبد مقيمٌ على المعاصي ، لقد خاب سعي المعرضين عن الله . وقال : ما نُؤَّمِّل إلا عفوه. وغلبه البكاء ، فقام))(٣). قال زيد بن علّ: إنما سمَّى نفسَه ((المؤمن))؛ لأنه آمَنَهُم من العذاب . وقال الثوري في قوله تعالى: ﴿وأحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحبُّ المحسنينَ [ البقرة: ١٩٥]، قال: أحسِنُوا بالله الظَّن . (١) صحيح بشواهده: رواه أحمد، وأبو نعيم، والبيهقي في شعب الإِيمان ، واللفظ له ، وأورده الألباني في صحيح الجامع ، وذكر له شاهدًا من حديث جابر ، وأشار إلى أن ((سمويه)) أخرجه في فوائده ٢٣٢/١٢. (٢) حسن الظن بالله ص١١٣ . (٣) حسن الظن بالله ص١١٥ . https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ttps://web lessam.blogspot.com/ ٢٤٣ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الرابع قال محمود الورّاق : ربِّ جميلٌ وأنتَ مالكُ أمري حُسْنُ ظَنّي بحسْنِ عفوِكَ يا أهلِ جميعًا وكنتَ موضعَ سِرّي صُنْتُ سرِّي عنِ القرابة والْـ ـرٍ فَلا تُخْزِني يومَ نشْري ثقة بالذي لديْكَ مِنَ السَّتْـ ـبِ فلا تَهْتكنَّ للناس ستْرِي ربِّ لي حجّة ولا وجْه عُذرٍ يومَ هْكِ السُُّورِ عنْ حُجُبِ الغيـ لَقِّنِّي حُجَتي وإنْ لمْ تكُنْ يا وقال : وتنالُني بالعفوِ والغفرانِ ما زلتُ أُغرقُ في الإِساءَةِ دائبًا حتَّى كأنَّ إساءَتي إحسانُ لم تنتقصْني إذْ أسأتُ وزدْتَني يُرضيكَ مِنِّي الزُّورُ والبُهْتَانُ تُولي الجميلَ عنِ القبيحِ كأنّما تعاليْتَ مِن عظيمِ حِلْمك بعد علمك ، ورحمتِك قبل غضبك .. قال أبو حازم الأعرج لما حضره الموت : أجدني بخيرٍ ، أجدُني راجيًّا لله عزَّ وجل حسنَ الظنِّ به ، إنه - والله - لا يستوي مَن غدا وراح يعمرُ عقْدَ الآخرة لنفسِهِ، فيُقدمُها أمامَه قبل أن ينزل به الموتُ حتَّى يقدم عليها ، فيقوم لها وتقوم له ، ومَن غدا وراح في عقّد الدنيا يعمرها لغيره ، ويرجع إلى الآخرة ، لا حظَّ له فيها ولا نصيبَ . ونختم بما قال فتح الموصلي: (( كبُرت علّ خطاياي وكثرتْ ، حتى لقد آيَسَتْني من عظيمِ عفو الله . ثم قال: وأنَّى آيَسُ منكَ ، وأنت الذي جُدتَ على السَّحَرة بعد أنْ غَدَوْا كفرةً فجرةً؟! وأنَّى آيَسُ منك، وأنت ولُي كُلِّ نعمةٍ وخيرٍ ؟! وأُنَّى آيسُ منك، وأنت المغيثُ عند الكرب ؟! فلم يزلْ يقول: وأنَّى آيس منك. حتى سقط مغشيًّا عليه)). نضّر الله هذه الأوجُهَ ... ورحِمَ غربتَها ، جزاءً ما قدَّموا لدينهم ، https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ٢٤٤ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع وربّوْا أجيالًا وأجيالًا من بعدهم ، بعاطرٍ وصادق مواعظِهِم وكلماتِهِم ، ورحمَ اللهُ مَن قال: ((كلام السَّلِفِ قليلٌ كثيرُ البَرَكَةِ، وكلامُ الخَلَفِ كثيرٌ قليلُ البركةِ)). ((وليستِ النائحةُ الشَّكْلِى كالمُسْتَعَارَة)). https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ttps://web lessam.blogspot.com/ الفصْلُ الثَّالث عُلوُ الهِمَّةِ في الزُّهْدِ ((صلاحُ أَوَّلِ هَذِهِ الأَمَّةِ بِالزُّهْدِ واليقِين )) ( حَديثٌ شريف ) https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد ttps://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الرابع ٢٤٧ عُلوُ الهِمَّةِ في الزُّهْد اعلمْ يا أخي أنّ ((الدنيا عدوّةٌ اللهِ عز وجل ، بغُرورِها ضَّلَّ مَن ضَلّ ، وبمكْرها زلّ مَن زلّ، فحبُّها رأسُ الخطايا والسَّيِّئَاتِ ، وَبُعْضها والُّهُدُ فيها أُّ الطاعاتِ، وأُسُّ الْقُرُبات، ورأْسُ المُنْجِيَات)) (١). قال الله تعالى: ﴿ مَا عِندَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللهِ بَاقٍ ﴾ [ النحل : ٩٦]، وقال تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّما الحياةُ الدُّنيا لَعِبٌ ولَهْوٌ وزينةٌ وتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وتَكَاثُرُ فِي الأَموالِ والأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الكُفَّارَ نباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرا ثُمَّ يَكُونُ حُطامًا وفي الآخرةِ عَذابٌ شديدٌ وَمَغْفِرةٌ مِنَ اللهِ ورِضْوانٌ وَمَا الحياةُ الدُّنيا إلّا مَتَاعُ الغُرُورِ ﴾ [ الحديد: ٢٠]. وقال تعالى: ﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنَيا قليلٌ والآخرةُ خيرٌ لمن اتَّقَى ... ﴾ [ النساء: ٧٧]، وقال تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحياةَ الدُّنيا والآخرةُ خيرٌ وأبْقَى ﴾ [ الأعلى: ١٦ - ١٧]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تمُدَّنَّ عيْنَيْكَ إِلى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الحَيَاةِ الدُّنيا لِنَفْتِهُمْ فِيهِ ورِزْقُ رَبِّكَ خِيرٌ وأَبْقَى ﴾ [ طه: ١ ((والقرآنُ مملوءٌ من التَّزْهِيد في الدنيا، والإِخبارِ بخِسَّتِها وقَلَّتِهَا ، وانْقِطَاعِهَا وسُرْعَةٍ فَنائها ، والترغيبِ في الآخرة ، والإِخبارِ بشَرَفِهَا ودَوامِها ، فإذا أرادَ اللهُ بعبدٍ خيرًا، أقامَ في قلبِه شاهدًا يُعاينُ به حقيقةَ الدنيا والآخرة ، ويُؤْثِر منهما ما هو أوْلى بالإِيثار . قال الإِمامُ أحمد بن حنبل : الزهدُ على ثلاثةِ أَوْجُهٍ : الأول : تْكُ الحرامِ : وهو زهدُ العوامّ . (١) الإِحياء . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ٢٤٨ صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الرابع والثاني : تركُ الفضولِ مِنَ الحلال : وهو زهْدُ الخواصِّ. والثالث : تركُ ما يَشْغَلُ عَنِ اللهِ: وهو زهد العارفين . وهذا الكلامُ من الإِمام أحمد من أجمع الكلام ، وهو يدلُّ على أنّه رضي الله عنه من هذا العلم بالمحلِّ الأعلى ، وقد شهِدَ الشَّافعُّ رحمه الله بإمامتِه في ثمانيةِ أشياء ، أحدُها : الزهد . وسمعتُ شيخ الإسلام ابن تيمية - قدّس الله روحه - يقول : الزهدُ : تركُ ما لا ينفعُ في الآخرة ، والوَرَعُ تركُ ما تخاف ضَرَرَه . وهذه العبارة من أحسن ما قيل في (( الزهد والورع))، وأجمعها . والذي أجمع عليه العارفون : أنَّ الزهد سفَرُ القلب من وطنِ الدنيا ، وأخْذُه في منازِلِ الآخرة . وقال ابن المبارك : هو الثّقة بالله مع حبِّ الفقر . وهو قول شقيق ويوسف بن أسباط . وقال أبو سليمان الداراني : هو ترك ما يشغُلُ عنِ الله . وقال ذو النون: حقيقته هو الزهد في النفس))(١) (٢). ((ومتعلَّقُ الزهدِ ستةُ أشياء، لا يستحقُّ العبدُ أَسمَ ((الزهدِ )) حتى يُزْهَد فيها، وهي: المالُ، والصُّور، والرّياسة، والناس، والنفس، وكلّ ما دون الله . وليس المرادُ رفضَها مِن الملك ، فقد كان سليمانُ وداودُ عليهما السلام من أزهدِ أهلِ زمانهما ، ولهما مِنَ المال والمُلْك والنِّساء ما لهما ، وكان نُبِينا عَظُلِّ مِن أزهد البشر على الإطلاق، وكان له تِسْعُ نسوةٍ ، وكان علّ بن أبي طالبٍ وعبد الرحمن بن عوف والزبير وعثمان رضي الله عنهم من الزُّهَّاد ، (١) مدارج السالكين ٩/٢ - ١٢. (٢) لي جمع تحت الطبع، وهو: ((رائِقُ الشَّهد منْ حديثِ الزهدِ))، وفيه تكلَّمنا بالتفصيل عن الزهد وفضله . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://web lessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع ٢٤٩ معَ ما كان لهم مِنَ الأموال ، وكان الحسن بن عليّ رضي الله عنه من الزهاد ، مع أنَّه كان من أكثر الأمَّة محبةً للنِّساء ونكاحًا لهُنَّ ، وأغناهم . وكان عبد الله بن المبارك مِنَ الأئمة الزُّهادِ ، مع مالٍ كثير . وكذلك الَّيْثُ ابن سَعدٍ من أئمة الزهاد ، وكان له رأسُ مالٍ، يقول: لولا هو لَتَمَنْدَل بنا هؤلاءِ . ومن أحسن ما قيل في الزهد : كلام الحسن البصري ، أوْ غيره : ليس الزهد في الدنيا بتحريم الحلال ، ولا إضاعة المال ؛ ولكن أن تكونَ بما في يد الله أوثقَ منكَ بما في يدك ، وأن تكون في ثواب المصيبة - إذا أُصِبْتَ بها - أرغبَ منك فيها لو لم تُصبْكَ . فهذا من أجمع كلام في الزهد وأحسنِه ))(١). قال رسول الله عَ له: ((ازهد في الدنيا يُحبَّك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يُحبكَ الناسُ))(٢). وقال عَّ ◌ُله: ((طوبى لمن هُدي للإِسلام، وكان عيشُهُ كَفَافًا، وقَنَعَ به))(٣). وقال عَّلِ: ((قد أفلحَ مَن أَسْلَمَ ورُزِقَ كَفافًا، وقَّعَهُ اللهُ بما آتاه)) (٤). وقال عَّةٍ: ((البَذَاذَةُ مِنَ الإِيمان))(٥). وقال عَّةِ: ((صلاحُ أَوَّلِ هذه الأمَّةِ بالزهد واليقين ، ويَهْلَكُ آخرُها (١) مدارج السالكين ١٢/٢ - ١٣. (٢) صحيح : رواه ابن ماجه ، والطبراني في الكبير، والحاكم ، والبيهقي في شعب الإِيمان ، عن سهل بن سعد، وصحَّحه الألباني في صحيح الجامع رقم ٩٢٢ . (٣) صحيح : رواه الترمذي ، وابن حبان ، والحاكم ، عن فضالة بن عبيد ، وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم ٣٩٣١ . (٤) صحيح : رواه الإمام أحمد في مسنده ، ومسلم ، والترمذي ، وابن ماجه ، عن ابن عمرو . (٥) صحيح : رواه أحمد في مسنده ، وابن ماجه ، والحاكم ، عن أبي أمامة الحارثي ، وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم ٢٨٧٩ . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://web lessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الرابع ٢٥٠ بالبخلِ والأمَلِ))(١). وقال رسول الله عَ له: ((مَنْ كانت الآخرة همَّهُ، جعل الله غِنَاه في قلبه ، وجمع له شَمْلَه ، وأَتْه الدنيا وهي رَاغِمَةٌ، ومن كانت الدنيا همَّهُ ، جَعل اللهُ فقْرَهُ بَيْنِ عَيْنَيْه، وفّق عليه شمْلَه، ولم يأتِهِ مِنَ الدنيا إلّا ما قُدِّر له))(٢). وقال عَّهِ: ((اللهمَّ أَحْيني مِسْكِينًا، وأَمْنِي مسكينًا، واحشرني في زُمْرَةِ المساکین )»(٣). وقال عَّلِ: ((ربَّ ذي طِمْرَيْنِ لا يُؤْبَهُ له، لو أُقْسَمَ على الله لَأَبَرَّهُ)). وقال عَّلِ: ((ربَّ أَشْعتَ مدفوعٍ بالأبوابِ، لو أقسمَ على الله لَأَبّهُ)). وقال عَّةٍ: ((يدخل فقراءُ المسلمين الجنة قبل أغنيائهم بنصْفٍ يوم ، وهو خمسمائة عامٍ ))(٤). وقال عَّهِ: ((مَنْ أصبح منْكُمْ آمِنًا في سربه، معافَّى في جسده، عنده قوتُ يومِهِ ، فكأنَّما حِيزَتْ له الدنيا بِحَذَافِيرها »(٥). وعالي الهمَّة ينظر إلى كلام الأئمة ، ولا يرضَى بالُّونِ من درجاتِ الزهد : قال الهروي عن الزهد : (( وهو على ثلاثِ درجاتٍ : (١) حسن: رواه الإِمام أحمد في الزُّهْد، والطبراني في الأوسط ، والبيهقي في شعب الإِيمان ، عن ابن عمرو ، وحسَّنه الألباني في صحيح الجامع رقم ٣٨٤٥ . (٢) صحيح: رواه الترمذي عن أنس، وصحَّحه الألباني في صحيح الجامع برقم ٦٥١٠. (٣) صحيح : رواه عبد بن حميد، وابن ماجه ، عن أبي سعيد ، ورواه الطبراني في الكبير ، والضياء ، عن عبادة بن الصامت ، وصحَّحه الألباني في صحيح الجامع رقم ١٢٦١ . (٤) صحيح : رواه أحمد في مسنده ، والترمذي ، وابن ماجه ، عن أبي هريرة ، وصحَّحه الألباني في صحيح الجامع رقم ٨٠٧٦ . (٥) حسن : رواه البخاري في الأدب المفرد ، والترمذي ، وابن ماجه ، عن عبد الله بن محصن ، وحسّنه الألباني في صحيح الجامع رقم ٦٠٤٢ . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ttps://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع ٢٥١ الدرجة الأولى : الزهد في الشُّبهة ، بعد ترك الحرام ، بالحذّر من المَعْتَبَة ، والأنَفَةِ من المنْقَصَة، وكراهة مشاركة الفُسَّاق)). قال ابن القيم : ((أمَّا الزهد في الشُّبهة: فهو تْكُ ما يَشْتبهُ على العبد: هل هو حلالٌ أمْ حرامٌ ؟ فالشُّبُهات برزتٌ بين الحلال والحرام . ولا يكون تركُ الشبهة إلّا بعد ترك الحرام، وتركُهُ للشبهة حذرًا مِن توجُّه عَْبِ الله عليه ، وأنفه لنفسه من نقّصِه عند ربه ، وسقوطه من عينه ، لا أنَّفَتِهِ من نقصه عند الناس ، وسقوطه من أعينهم . ((وكراهة مشاركة الفسّاق)): يعني أن الفسَّاق يزدحمون على مواضع الرغبة في الدنيا ، ولتلك المواقف بهم كظيظٌ مِنَ الزِّحام ، فالزاهد يأنفُ من مشاركتهم في تلك المواقف ، ويرفع نفسَه عنها ، لخِسَّةِ شركائه فيها ، كما قيل لبعضهم : ما الذي زهّدك في الدنيا ؟ قال : قِلَّةُ وفائها ، وكثرةُ جَفَائها ، وخِسَّةُ شركائها . تركتُ لكثرةِ الشُّرَكَاءِ فِيهِ إذا لمْ أتركِ الماءَ اتَّقَاءً رفعتُ يدي ونفسي تشتهيهِ إذا وقعَ الذبابُ على طَعَامٍ إِذَا كانَ الكلابُ يَلَغْنَ فِيهِ ))(١) وتجتَنبُ الأسودُ وُرُودَ ماءٍ الدرجة الثانية: (( الزهد في الفضول: وهو ما زاد على المُسْكة والبلاغ مِن القوت ، باغتنامِ التفرّغ إلى عِمَارة الوقت ، وحسْمِ الجأشِ ، والتحلّي بحِلْيَة الأنبياء والصِّدِّيقين)). قال ابن القيم: (((الفضول): ما يفضل عن قدْر الحاجة. و (المُسْكة): ما يُمسك الإِنسان من القوت والشراب واللِّاس والمسكن والمَنْكَح ، إذا احتاج إليه . و ( البلاغ ) : هو البُلْغَةُ من ذلك الذي يَتَبَلَّغُ به المسافر في منازل السفر ، فيزهد فيما وراءَ ذلك، اغتنامًا لتفرغه لعمارة وقته )) . (١) المدارج ١٥/٢ - ١٧ . ـبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ttps://weblessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الرابع ٢٥٢ قال عَّه: ((إنَّ أمامكم عَقَبَةً كَئُودًا، لا يجوزُها المُثْقَلُونَ))(١). وقال عَّهِ: ((إنما يكفي أحدَكْم ما كان في الدنيا مثل زادٍ الراكب))(٢). وقال عَّهِ: ((كُنْ في الدنيا كأنَّك غريبٌ أَوْ عابر سبيلٍ))(٣). قال ابن القيم: ((الزهدُ لأهلٍ هذه الدرجة أعلى وأرفع ، وهو اغتنام الفراغ لعمارة أوقاتهم مع الله ؛ لأنه إذا اشتغل بفضول الدنيا ، فاتَّهُ نصيبُه من انتهاز فرصة الوقت ، فالوقت سيفٌ إن لم تقطعْهُ وإلّا قطعك . وأما حسْمُ الجأش : فهو قطْع اضطرابِ القلب ، المتعلِّق بأسباب الدنيا ، رغبةً ورهبةً وحُبًّا وبغضًا وسعيًّا، فلا يصحُّ الزهد للعبد حتى يقطعَ هذا الاضطراب من قلبه ، بأنْ لا يلتفت إليها ، ولا يتعلّقَ بها في حالتي مُبَاشَرَتِهِ لها وتْكِه ، فإنّ الزهد زهدُ القلب ، لا زهد الترك من اليد ، فهو تخلّ القلب عنها ، لا خلوّ اليد منها . وأمَّا التحلِّي بحلية الأنبياء والصدِّيقين : فإنهم أهل الزهد في الدنيا حقًّا ؛ إذْ هُمْ مُشمِّرون إلى عَلَم قد رُفع لهم غيرها ، فهم زاهدون ، وإنْ كانوا لها مباشرين)). والدرجة الثالثة: ((الزهد في الزهد : وهو بثلاثة أشياء : استحقار ما زهدتَ فيه، واستواءُ الحالاتِ فيه عندك، والذهاب عن شهودِ الاكتساب ، ناظرًا إلى وادي الحقائق)). قال ابن القيم: ((وقد فسَّر الشيخ مراده بالزهد في الزهد بثلاثة أشياء : أحدها : احتقاره ما زهد فيه: فإنَّ مَنِ امتلأ قلبُه بمحبة الله وتعظيمه ، لا يرى أنَّ ما تركه لأجْلِهِ من الدنيا يستحقّ أن يُجْعَلَ قربانًا؛ لأنَّ الدنيا (١) صحيح: رواه الحاكم ، والبيهقي في شعب الإيمان ، عن أبي الدَّرداء، وصحَّحه الألباني في صحيح الجامع برقم ٢٠٠١ . (٢) صحيح : رواه الطبراني في الكبير ، والبيهقي في شعب الإيمان ، عن خبّاب ، وصحَّحه الألباني في صحيح الجامع رقم ٢٣٨٤ . (٣) صحيح : رواه البخاري عن ابن عمر . https://arabessam.blogspot.com/ ـبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://web lessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد صلاح الأمة في عُلْوَ الهمة - المجلد الرابع ٢٥٣ لا تساوي عند الله جَناحَ بعوضةٍ . فالعارف لا يَرى زهده فيها كبير أمرٍ يُعْتَدُّ بِهِ ويُحتَفَلُ له ، فيستحي مَنْ صَحّ له الزهدُ أن يجعل لما تركَهُ للهِ قدْرًا يلاحِظ زهْدَه فيه ، بلْ يفنى عن زهْدِه فيهِ كما فَنِي عنه ، ويستحي مِن ذكْرِه بلسانه ، وشهوده بقلبه . وأمَّا استواءُ الحالاتِ فيه عنده : فهو أَنْ يرى ترْكَ ما زهِد فيه وأَخْذَهُ : متساويين عنده ، إذْ ليس له عنده قَدْرٌ ، وهذا مِن دقائق فقّهِ الزهد ، فيكون زاهدًا في حال أخْذِه ، كما هو زاهدٌ في حالٍ تركه ، إذ همتُه أعلى عن ملاحظته أخذًا وتْكًا، لصِغَرِه في عيْنِه . وأمّا الذهابُ عن شهود الاكتساب : فمعناه : أَنَّ مَنِ استصغر الدنيا بقلبه ، واستوتْ الحالاتُ في أخذها ، وتركها عنده ، لم يرَ أنه اكتسبَ بتركها عند الله درجةً ألبتة ؛ لأنها أصغر مِنْ أن يَرَى أنه اكتسب بتركها الدرجات . وفيه معنى آخر : وهو أنْ يشاهد تفُّدَ الله عز وجل بالعطاء والمنْعِ ، فلا يرى أنه تَرَكَ شيئًا ، ولا أخَذَ شيئًا ، بل الله وحدَه هو المُعْطِي المانع ، فما أخذه فهو مَجْرِّى لعطاءِ الله إيّاه كمجرى الماء في النهر ، وما تركه الله ، فالله سبحانه وتعالى هو الذي مَنَعَهُ منه ، فيذهب بمشاهدة الفَعَّال وحده عن شهود كَسْبه وتركه ، فإذا نظر إلى الأشياء بعيْن الجمع ، وسلك في وادي الحقيقة، غاب عن شهود اكْتِسَابه، وهو معنى قولهِ: ((ناظرًا إلى وادي الحقائق))، وهذا أَلْيَقُ المعنَيَيْنِ بكلامه ، فهذا زهْدُ الخاصَّة . قال الشاعر : إذا زَهَّدَتْني في الهَوَى خَشْيَةَ الرَّدَى جَلَتْ لي عن وجهٍ يُزَهِّد في الزُّهِدِ ))(١) (١) مدارج السالكين ١٩/٢ - ٢٠ . https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ttps://web lessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع ٢٥٤ لله درّ الغزالي : يقول الغزالي رحمه الله: ((اعلمْ أن الزهد في نفسه يتفاوت بحَسَبِ تفاوت قوَّتِه ، على درجاتٍ ثلاثٍ : الدرجة الأولى ، وهي السفلى منها : أن يزهد في الدنيا وهو لها مُشْتَهٍ ، وقلبُه إليها مائِلٌ، ونفسُه إليها مُلْتَفِتَةٌ ، ولكنه يجاهدُهَا ويكُفُّها، وهذا يسمَّى المُتَزَهِّد، وهو مبدأ الزهد ، والمتزهِّد على خطرٍ ؛ فإنه رُبَّما تغلبُه نفسه وتجذبُه شهوتُه ، فيعود إلى الدنيا . الدرجة الثانية : الذي يترك الدنيا طوْعًا لاستحقارِه إِيَّاها ، بالإِضافة إلى ما طمع فيه ، كالذي يترك درهمًا لأجْل درهميْن ؛ فإنه لا يشقّ عليه ذلك . لكن هذا الزاهدَ يرى لا محالةَ زُهْدَه ويلتفتُ إليه ، فيكادُ يكون معجبًا بنفسه وبزهده ، ويظنُّ في نفسه أنه ترك شيئًا له قدْرٌ لِمَا هو أعظمُ قدرًا منه ، وهذا أيضًا نقصَانٌ . والدرجة الثالثة ، وهي العليا : أن يزهَدَ طوْعًا ، ويزهد في زهْدِه فلا يرى زهدَه ، إذْ لا يرى أنه ترك شيئًا، إذْ عَرَف أنَّ الدنيا لا شيءَ ، فيكون كمن ترك خزفةً وأخَذ جوهرةً ، فلا يرى ذلك مُعَاوَضَةً ، ولا يرى نفسَه تاركًا شيئًا ، والدنيا بالإِضافة إلى الله تعالى ونعيم الآخرة؛ أخَسُّ من خَرَفَةٍ بالإِضافة إلى جوهرةٍ ، فهذا هو الكمال في الزهد . وأمّا انقسام الزهد بالإِضافة إلى المرغوب فيه ، فهو على ثلاث درجاتٍ : الدرجة السُّفْلى : أن يكون المرغوبُ فيه هو النجاة من النار ، ومن سائر الآلام ، كعذاب القبر ، ومناقشة الحساب ، وخَطَر الصراط ، فهذا زهدُ الخائفين، وكأنهم رضُوا بالعَدَمِ ؛ فإنَّ الخَلَاصَ من الألم يحصل بمجَّدِ العَدَمِ . https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع ٢٥٥ والدرجة الثانية : أنْ يُزْهَدَ رغبةً في ثواب اللهِ ونعيمه ، واللذات الموعودة في جنته ، من الحور والقصور ، وهذا زهْدُ الرَّاجينَ ؛ فإنّ هؤلاءِ ما تركوا الدنيا قناعَةً بالعَدَمِ والخلاص مِنَ الألم ، بل طمِعُوا في وجودٍ دائمٍ ونعيمٍ سرمدٍ لا آخِرَ له . الدرجة الثالثة ، وهي العليا : أنْ لا يكون لهُ رغبةٌ إلا في الله وفي لقائه ، فهو مُستَغرِقُ الهَمِّ بالله تعالى، وهذا زهْدُ المُحِبِّين))(١). سيِّدُ الزاهِدِين رسولُ اللهِ عَ لِ : عَرَض الله سبحانه الدنيا ، وعَرَض مفاتيحَ كُنوزها على أحبِّ الخلق إليه وأكرمِهم عليه، عبده ورسوله محمدٍ عَ ◌ّ فلم يُرِدْهَا ولم يَخْتَرْهَا ، ولو آثرها وأرادها، لكانَ أَشكرَ الخلق بما أخذه منها ، بل اختارَ التقلَّلَ منها وصبر على شِدَّة العيش بها . عن عائشة رضي الله عنها قالت : دخلتْ علَّ امرأةٌ من الأنصار ، فرأَتْ فِرَاشَ رسول الله عَ لِ عَبَاءَة مثنَّةً، فرجعتْ إلى منزلها ، فبعثتْ إلّ بفراشٍ حَشْوُهُ الصوفُ ، فدخل علّ رسول الله عَ لّه، فقال: ((ما هذا؟)) فقلتُ : فلانةٌ الأنصارية دخلتْ علّ ، فرأتْ فراشَك ، فبعثتْ إلّ بهذا . فقال: ((رُدّيهِ )) فلم أردّه، وأعجبني أنْ يكونَ في بيتي ، حتى قال ذلك ثلاثَ مَرَّاتٍ، فقال: (( يا عائشة، رُدِّيه، واللهِ لو شِئْت، لأَجْرَى اللهُ معي جبالَ الذهبِ والفضةِ))(٢). وعَرَض عليه مفاتيحَ كُنوزٍ الدنيا فلم يأخذْها، وقال: ((بل أجوعُ يومًا، وأشبَعُ يومًا)). (١) إحياء علوم الدين ٢٣٩/٤ - ٢٤١. (٢) صحيح : رواه الإِمام أحمد . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد https://web lessam.blogspot.com/ ٢٥٦ صلاح الأمة في عَلْوَ الهمة - المجلد الرابع وسأل ربّه أنْ يجعل رِزْقَ أهلِه قونًا ، كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَ ليه: ((اللهم اجعلْ رزقَ آلِ محمَّدٍ قونًا)). وفيهما عنه، قال : (( والذي نفسُ أبي هريرة بيده ، ما شَبعَ نبي الله وأهلُه ثلاثة أَيَّام ◌ِبَاعًا من خُبْزِ حِنْطَةٍ، حتى فارق الدنيا)). وفي صحيح البخاري ، عن أنسٍ رضي الله عنه : ما أعلم أنَّ رسول الله عَ لّه رأى رغيفًا مُرقّعًا، ولا شاةً سميطًا قطُّ ، حتى لحِقَ بربِّه . وفي صحيحه أيضًا عنه، قال: خرج رسول الله عَّةٍ ، ولم يشبع من خبز الشعير . وفي الصحيحين ، عن عائشة رضي الله عنها: (( ما شبع آلُ محمدٍ منذُ قدِمَ المدينة من طعامِ البُرِّ ثلاثَ ليالٍ تباعًا ، حتى قُبض )). وفي صحيح مسلمٍ ، عن عمر رضي الله عنه: (( لقد رأيتُ رسول الله عَ لِّ يظلّ اليومَ ما يجد دَقَلًا(١) يملأُ بطنَه)). وعن ابن عباس رضي الله عنهما: كان رسول الله عَلّم يبيتُ الليالي المتابعاتِ طاوِيًّا ، وأهلُه لا يجدون عَشاءُ(٢) . وفي المسندِ ، عن عائشة رضي الله عنها : والذي بعث محمدًا بالحق ، ما رأى منْخَلًا ، ولا أكل خبزًا منخولًا ، منذ بعثه الله عز وجلّ إلى أن قُبِض . قال عروة : فقلت : فكيف كنتم تأكُلُون الشعير؟ قالت : كُنَّا نقول : أُفْ - أي : تنفُخُه - فيطيرُ ما طار ، ونعجنُ الباقي . وعن أنسٍ رضي الله عنه، قال: لقد رهَنَ رسول الله عَ لِّ دِرْعَه بشعيرٍ ، ولقد سمعتُه يقول: (( ما أصبح لآلِ محمدٍ صاعٌ ولا أمْسَى ، وإنهم (١) الدَّقل: هو رديء التمر . (٢) صحيح : رواه أحمد والترمذي . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الرابع ٢٥٧ لَتِسْعَةُ أبياتٍ))(١). ((وعن جابر رضي الله عنه قال: لمّا حفر رسول الله عَ لّمِ الخندقَ، أصابهم جُهْدٌ شديدٌ، حتى ربَطَ النبّي عَّ على بطنه حجرًا من الجوع )) (٢). ولقد توفّاه اللهُ، وإنَّ دِرْعَه مَرهونَةٌ عند يهوديّ على طعامٍ أخذه لأهله ، وقد فتح الله عليه بلادَ العرب ، وجُبيتِ الأموال ، ومات ولم يترك درهمًا واحدًا، ولا دينارًا، ولا شاةً، ولا بعيرًا، ولا عبدًا، ولا أمَّةً . (( وعن عروة أنه سمِعَ عائشة تقول : كان يمُرُّ بنا هلالٌ وهلالٌ ما يوقد في بيتٍ من بُيوتِ رسول الله عَ لِّ نارٌ. قلت: يا خالة ، فعلى أيّ شيءٍ كنتم تعيشون ؟ قالت : على الأسودَيْن: التمر والماء )). رواه أحمد . (( ومن حديث مسروقٍ ، قال: دخلتُ على عائشة، فَدَعتْ لي بطعام ، وقالت : ما أشْبَعُ من طعام ، فأشاء أن أبكي إلا بكيتُ . قال : قلت: لِمَ ؟ قالت: أذكر الحال التي فارق عليها رسولُ الله عَ لّله الدنيا، واللهِ ما أُشبِعَ في يومٍ مَرَّتين من خبزِ البُّرِّ، حتى قُبِض))(٢). وفي المسند ، عنها: ما أُشبعَ رسول الله عَ لِّ من خبزٍ شعيرٍ يَوْمَّيْن متتابعين ، حتى قُبض(٤). ((وفي الصحيحين، عن أبي هريرة: ما شبِعَ رسول الله عَ ◌ّلمه وأهله ثلاثًا أتباعًا مِن ◌ُخُبْزِ البُرِّ، حتى فارق الدنيا)). وعن أبي طلحة رضي الله عنه قال: شكوْنَا إلى رسول الله عَ ليه (١) رواه البخاري . (٢) صحيح ، رواه أحمد في مسنده . (٣) صحيح ، رواه أحمد . (٤) صحيح، أخرجه أحمد، وصححه ابن القيم في ((عُدَّة الصابرين)) ص١٩٤ . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ! ! تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ٢٥٨ صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الرابع الجُوعَ، ورفعنا عن بطوننا حَجَرًا حَجَرًا، فرفع رسول الله عَ لِ عن بطنه حَجَرَيْنِ . وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : دخلتُ على رسول الله عَّمِ فإذا هو مُتَّكِىءٌ على رِمْل حَصِيرٍ، فرأيتُ أَثَرَهُ في جنْبِه (١). ورَاوَدَتْهُ الجبالُ الشُّمُّ مِن ذَهَبٍ عَنْ نفسِهِ فَأَرَاهَا أَيُّما شَمَمٍ مُوسَى عليه السلام : قال الحسن البصريّ: ((وأمَّا موسى عليه السلام ، فُرُئي خضرة البَقْل مِنْ صِفَاقِ بطنه من هُزاله ، ما سأل الله تعالى يومَ أَوَىُ إلى الظِّ إلّا طعامًا يأكله ، من جوعه ، ولقد جاءتِ الروايات عنه أن الله تعالى أوحى إليه ؛ أن يا موسى ، إذا رأيتَ الفقر مقبلًا، فقُلْ: مرحبًا بشعار الصالحين ، وإذَا رأيتَ الغِنَى قد أقبل، فقل: ذَنْبٌ عجِّلَتْ عُقُوبَتُه))(٢). (( وفي حديث مناجاةِ موسى الذي رواه الإِمام أحمد في كتاب الزهد : ولا تُعجِبْكُمَا زينتُه ولا ما مُتِّعَ به ، ولا تمدَّانِ إلى ذلك أعينَكما؛ فإنها زهرةٌ الحياةِ الدنيا ، وزينةُ المترفين ، وإني لو شِئْتُ أنْ أُزِيِّنَكُما مِنَ الدنيا بزينة - يعلم فرعون حين ينظر إليها أنَّ مَقْدِرَتَه تعجز عن مِثْل ما أُوتِيتما - فعلت ، ولكني أرغب بكما عن نعيمها ذلك ، وأزْوِيه عنكما ، وكذلك أفعل بأوليائي ، وقديمًا ما خِرْتُ لهم في ذلك ؛ فإني لَأُذُودهم عن نعيمها ورخائها، كما يَذُود الراعي الشفيقُ غَنَمَه عن مراعي الهَلَكَةِ ، وإني لأَجْنُبُهم سَلْوَتَها وعيشها كما يجْنُبُ الراعي الشفيقُ إبلَه عن مَبَارِك الغِرَّة ، وما ذلك لَهَوَانِهِم علّ، ولكن ليستكملوا نصيبَهم مِن كرامتي سَالِمًا مُوفّرًا، لم تَكْلَمْه الدنيا ولم يُطِعِهِ الهَوَىُ . واعلمْ أنه لمْ يتزيَّنْ لي العبادُ بزينةٍ هي أبلغ (١) صحيح ، أخرجه الترمذي في صفة القيامة، وقال الأرناؤوط: إسناده صحيح. (٢) الحلية ١٣٧/٢. تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ٢٥٩ صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الرابع من الزهد في الدنيا ، فإنها زينةُ المتقين ، عليهم منها لباسٌ يُعرفون به من السَّكِينة والخشوع ، سيماهُم في وجوههم من أثرِ السجود ، أولئك أوليائي حقًّا ، فإذا لقيتَهم فاخفضْ لهم جناحك وذلّلْ لهم قلبَك ولسائَك)) (١). عِيسىُ بنُ مريمَ عليه السَّلام : عن ثابت البناني قال : قِيل لعيسى بن مريم : يا رسولَ الله ، لو اتخذتَ حِمَارًا تركبُه لحاجتك؟ قال: أنا أَكْرَمُ على الله مِن أن يجعل لي شيئًا يَشْغَلُني به . وقال : اجعلوا كنوزكَم في السماء ؛ فإنَّ قلب المرءِ عند كَثْزِه . وقال : اتَّقُوا فضولَ الدنيا ، فإنَّ فضولَ الدنيا عند الله رِجْزٌ . وقال : يا بني إسرائيلَ ، اجعلوا بيوتكم كمنازل الأضياف ، فما لكم في العالم مِن مَنْزِلٍ، إنْ أنتم إلّا عابري سبيل . وقال : يا معشر الحواريِّين، أَيُكم يستطيع أن يبني على موج البحر دارًا ؟ قالوا : يا روُحَ الله ، مَن يقدر على ذلك ؟! قال: إِيَّاكم والدنيا ، فلا تتخذوها قرارًا . وقال : أَكْلُ الخبز البُرِّ، وشرْبُ ماءٍ عذبٍ ، ونومٌ على المَزابلِ مع الكلاب ، كثيرٌ لِمَن يريد أن يرث الفِرْدَوْس . وقال : يا بني إسرائيل، تهاونُوا بالدنيا تَّهُنْ عليكم ، وأهينوا الدنيا تَكْرُم عليكم الآخرةُ ، ولا تُكْرِمُوا الدنيا تَهُن عليكم الآخرة ؛ فإن الدنيا ليستْ بأهلِ الكرامة وكلّ يومٍ تدعو إلى الفتنة والخسارة . (( وعن وهبٍ، قال: قال الحواريُّون: يا عيسى، مَن أولياءُ الله الذين لا خَوْفٌ عليهم ولا هم يَحْزَنُون ؟ قال : الذين نظروا إلى باطِنِ الدنيا حين (١) عُدَّة الصابرين ص٢١٣ . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ٢٦٠ صلاح الأمة في عُلْوَ الهمة - المجلد الرابع نظر الناس إلى عاجِلها ، فأماتوا منها ما يخشَوْن أن يُمِيتَهم ، وتركوا ما علموا أنْ سيتركهم ، فصار استكثارُهم منها استقلالًا ، وذكرهم إيَّها فواتًا ، وفرحُهم بما أصابوا منها حزنًا ، فما عرضهم مِن نائلها رفضُوه ، وما عارضهم مِن رفعتها بغير الحقِّ وضعوه ، خَلِقَت الدنيا عندهم فليسوا يُجدِّدونها، وخربت بينهم فليسوا يعمِّرُونها ، وماتتْ في صدورهم فليسوا يحيونها ، يهدمونها فيبنون بها آخرتَهم ، ويَبيعونها فيشترون بها ما بقي لهم ، رفضوها فكانوا بها هُمُ الفَرِحِين ، ونظروا إلى أهلها صرعى قد حَلَّتْ بهم المَثُلَات ، فَأَحَيَوْا ذِكْرَ الموت ، وأماتُوا ذكْر الحياة ، يُحبُّون اللهَ ويُحبُّون ذكرَه ، ويستضِيئُون بنوره ويُضيئون به ، لهم خبرٌ عجيبٌ ، وعندهم الخبرُ العجيبُ ، بهم قام الكتابُ وبه قامُوا ، وبهم نطَق الكتابُ وبه نطقُوا ، وبهم عُلِّم الكتابُ وبه عَمِلُوا ، ليسوا يَرون نائلًا مع ما نالوا ، ولا أمانًا دون ما يرجون ، ولا خوفًا دون ما يحذرون ))(١). ((وقال في كتابه لعمر بن عبد العزيز - بعد حديثه عن رسول الله وموسى عليهما الصلاة والسلام -: ((وإنْ شْتَ ثَلْتُه بصاحبِ الرُّوح والكلمة ؛ ففي أمره عجيبةٌ: كان يقول: أَدَمِي: الجوعُ، وشِعاري: الخوف، ولباسي: الصوفُ، وداَّتي: رجْلي، وسِراجي بالليل: القمرُ، وصلايتي في الشتاء: الشمس، وفاكهتي ورَيْحاني: ما أنبتتِ الأرضُ للسِباعِ والأنعام، أبيتُ وليس لي شيءٌ، وليس أحدٌ أغنى منِّي))(٢). يحيى بنُ زَكريًّا عليهما السلام: قال مجاهدٌ : كان طعامُ يحيى بن زكريًّا عليهما السلام العُشْبَ ، وإنْ كان لَيبكي مِن خشيةِ اللهِ ، ما لو كان القارُّ على عَيْنِيْه لَخرفتْه دموعه ، ولقد (١) ((عُدَّة الصابرين وذخيرة الشاكرين)) لابن قيم الجوزية ص ٢١٣، ٢١٤. (٢) الحلية ١٣٧/٢ . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/