Indexed OCR Text

Pages 221-240

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
ttps://weblessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الرابع
٢٢١
داود الطائي :
قال رحمه الله : إن للخوف حركاتٍ تَعْرَفُ في الخائفين ، ومقاماتٍ
تُعَرَف في المحَبِّين ، وإزعاجاتٍ يُعرف بها المشتاقون ، وأين أولئك ؟! أولئك
هم الفائزون(١) .
رأى - رحمه الله - امرأةً تبكي على رأسٍ قبر والدها ، وهي تقول :
يا أبتاه ، ليتَ شعري! أَّ خَذَّيْكَ بدأ به الدُّودُ أوَّلًّا ؟! فصعِقِ داودُ ،
وسقَطَ مكانَه(٢).
((قال شقيق البلخي: ليسَ للعبدِ صاحبٌ خيرًا من الهمّ والخوف :
همٍّ فيما مضى من ذنوبه ، وخوفٍ فيما لا يدري ما ينزل به .
وقال سهل بن عبد الله التستري : لا يبلغ حقيقة الخوف ، حتى يخاف
مواقع علم الله فيه ، ويحزن على ذلك))(٣).
فتحّ المؤصلّ يتقرَّب إلى الله بطول خوفه وحُزْنه :
خرج فتح الموصلي إلى المصلَّى يوم الأضحى ، قال : فرجع فنظر إلى
القتار(٤)، ثم رفع رأسه إلى السماء فقال: إلهي، تقرّب المتقرِّبون إليك بقربانهم ،
وإني متقرِّبٌ إليك بطول حزني يا محبوب . قال : ثم سقط مغشيًّا عليه ،
فلما أفاق قال : إلى كمْ تردّدني في أزِقّة الدنيا محزونًا (٥)؟!
(١) الحلية ٣٣٦/٧ .
(٢)
الإحياء ١٩٦/٤ .
(٣) ثلاث شعب من الجامع ٢١٥/١ .
(٤) القتار : دخان ذو رائحة خاصَّةٍ ، ينبعث من الطبخ أوْ الشواء ، أو العظم
المحروق .
(٥) الهُمُّ والحزن لابن أبي الدنيا ١٢/أ، وصفة الصفوة لابن الجوزي ١٨٨/٤.
ـبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
ttps://web lessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الرابع
٢٢٢
عابدٌ :
قال ابن السّماك : دخلتُ على عابدٍ ، فقالت أمُّه : لا تذكروا لابني
شيئًا من أمْر جنَّةٍ ولا نارٍ لتقتلوه علَّ ؛ فليس لي غيره . قال : فلما دخلنا
عليه ، فإذا هو مُنكّسُ الرأس ، طويلُ الصَّمت ، فرفع رأسه فنظر إلينا ،
ثم قال : إن للناس موقفًا لا بد أن يقفوه . قال : قلت : بَيْن يدَيْ مَن ،
رحمك الله؟ قال: فشهِق شهْقةً فمات. قال ابن السماك : فجاءت العجوز ،
فقالت : قتلتم ابني . قال: فكنتُ فيمن صلَّى عليه، رحمه الله (١).
((قال سهل بن عبد الله : المريدُ يخافُ أن يُبْتَلى بالمعاصي ، والعارف
يخاف أن يُبتَلى بالكفر .
وكان أبو يزيد البسطامي يقول : إذا توجهتُ إلى المسجد ، فكأن
في وسطي زنارًا، أخاف أن يُذهب بي إلى البيعة وبيت النار ، حتى أدخل
المسجد ، فينقطع عني الزنار ، فهذا لي في كلّ يومٍ خمس مراتٍ)) (٢).
وقال الثوري لما سألوه عن بكائه : بكينا على الذنوب زمانًا ، فالآن
نبكي على الإِسلام(٣).
محمد بن واسع ... زيْنُ القرّاء :
قال جعفر : كنتُ إذا وجدتُ من قلبي قسوةً ، نظرت إلى وجه محمد
ابن واسع نظرةً ، وكنت إذا رأيتُ وجه محمد بن واسع، حَسِبْتُ أنّ وجهَهُ
وجْهُ تَكْلَى .
(١) الحلية ٢٠٨/٨ .
(٢) إحياء علوم الدين ١٨١/٤.
(٣) الإِحياء ١٨٨/٤.
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الرابع
٢٢٣
وكان محمد بن واسع ، رحمه الله يقول : يا إخوتاه ، أتدرون أين
يُذْهَب بي؟ يُذهب بي - والله الذي لا إله إلا هو - إلى النار ، أو يعفوَ
الله عني .
بِشْرُ بن منصور :
قال عبد الرحمن بن مهدي : قال بشر بن منصور : إني لأذكر الشيءَ
مِن أمْر الدنيا ، أُهي به نفسي عن ذكْر الآخرة ، أخاف على عقلي(١).
يحيى البَكّاءُ :
قُرىء عند يحيى البكاء ﴿ولو ترى إذْ وُقِفُوا على رَبِّهم ... ) الآية
[الأنعام: ٣٠]، فصاح صيحة مكث منها مريضًا أربعة أشهرٍ ، يُعادُ من أطرافٍ
البصرة(٢).
صالحُ المرّئُ :
قال عبد الرحمن بن مهدي : جلستُ مع سفيان الثوري في مسجد
صالح المريّ ، فتكلم صالحٌ ، فرأيت سفيان الثوري يبكي ، وقال : ليس هذا
بقاصٌّ ، هذا نذيرُ قومٍ (٣) .
قال صالح : قرأتُ على رجلٍ من المتعبدين ﴿يومَ تُقلّبُ وجُوهُهُمْ
في الثَّارِ يقولونَ يا لِيْتَنَا أطعْنَا اللَّهَ وأطعْنَا الرَّسُولَا﴾ [الأحزاب: ٦٦ ] ،
فصعِق ثم أفاق ، فقال : زدني يا صالح ؛ فإني أجد غمًّا. فقرأتُ ﴿ كُلَّمَا
أرادُوا أنْ يُخْرُجُوا منهَا أُعيدوا فيها ... ﴾ الآية [ السجدة: ٢٠ ] فخرّ مَيًِّا (٤).
(١) روضة الزاهدين ص٣٢ .
(٢) الإِحياء ١٩٤/٤.
(٣) روضة الزاهدين ص٣٧.
(٤) الإِحياء ١٩٦/٤ .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الرابع
٢٢٤
عابدٌ :
قال عَطاء : خرجنا مع عُتْبة الغلام وفينا كُهُولٌ وشُبَّان ، يصلُّون
صلاةَ الفجر بطهور العشاء ، قد تورّمتْ أقدامُهم مِن طول القيام ، وغارتْ
أعينُهم في رؤوسهم ، ولصقَتْ جلودُهم على عِظامهم ، وبقَيتْ العروقُ كأنها
الأوتار ، يُصبحون كأن جلودهم قشور البطيخ ، وكأنهم قد خرجوا من
القبور يُخبرون كيف أكرم الله المطيعين وكيف أهان العاصين ، فبينما هم يمشون
إذْ مَرّ أحدهم بمكانٍ فخرّ مَغشيًّا عليه ، فجلس أصحابه يبكون في يوم شديد
البرد وجبينه يرشح عرقا ، فجاءوا بماء فمسحوا وجهه فأفاق ، وسألوه عن
أَمْره ؟ فقال : إني ذكَّرْتُ أني كنتُ عصيتُ اللَّهَ في ذلك المكان(١).
قصَّة ابنِ السّمّاكِ معَ عابدٍ :
قال ابن السماك: (( ذُكر لي رجلٌ بعبادانَ قد رفض الدنيا، وأقبل
على الآخرة جدًّا واجتهادًا، فأتيتُ ((عبادان)) فسألت عنه فوصف لي
دارُه ... فدخلتُ البيت ، فإذا أنا برجلٍ قد نحل من غير سقمٍ ، وقد احتفر
قبرًا عند رجلَيْه ، وقد دلّى رجلَيْه فيه ، وفي يده خوص يشقّهُ وهو يتلو
هذه الآية ﴿أَمْ حَسِبَ الذينَ اجترحُوا السَّئَاتِ أَن نجعَلَهُم كالذينَ آمنوا
وعمِلُوا الصَّالحاتِ سواءً محياهُم ومَمَاتُهُم سَاءَ ما يُحكَّمُونَ ﴾ [ الجاثية: ٢١ ]
بصوتٍ حزينٍ ، فسلّمت عليه ، فردّ علّ السلام ، وقال : مِن إخواني
أنت؟ قلت: نعم ، ولست من أهل البصرة، ولا من أهل ((عبادان)).
قال : فمن أين أنت ؟ قلت : مِن أهل الكوفة . قال : فما اسمك ؟ قلت :
محمد بن السماك . قال : لعلك الواعظ ؟ قلت : نعم . قال : فأخذ يديّ
بيدَيْه جميعًا ، ثم قال لي : مرحبًا، وحيّاكَ اللهُ يا أخي بِالسَّلام، ومتّعَنَا وإِيَّاك
في الدنيا بالإِخوان . يا أخي ، ما زالتْ نفسي متطلِّعة إلى لقائِك ، تحبُّ
(١) الإِحياء ١٩٥/٤ - ١٩٦ .
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

ttps://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الرابع
٢٢٥
أن تعرِضَ داءَها على دوائك . أُعلمك يا أخي أنَّ بي جرحًا قديمًا قد أعيّى
المعالجين قَبْلَك ، فتأنّه برفقك، وألصق عليه ما تعلم أنه يلائمه مِن
مراهمك . قال : فعلمت أن الرجل يريد أن أعِظَه ، فقلت : يا أخي ، وهل
يداوي مثلي مثلَك، وجرحي أنغلُ(١) مِن جرحك، وذنبي أعظم من
ذنبك ؟! فقال : سألتك بالله إلا ما وعظتني . فقلت له : يا أخي ، قد
علمتَ أن ذنبك الذي أذنبتَ لم يُمْح ، وأن لذاذتك لم تبقَ ، وأنَّ الموت
يطلبك صباحًا ومساءً، وأنك تصير غدًا إلى ضيق اللُّحود ، وظلمة القبور ،
ومساءلةٍ منكر ونكير . فلما قلت له ذلك شهق شهقة خرّ في قبره ، يخور
كما يخور الثور إذا وُجِي فِي مِنْحَره ، وأقبلتِ امرأته وابنته بيكيانِ من وراء
الحجاب ويقولان : سألناك بالله لا تزدّه شيئًا فتقتلَه علينا . فأفاق ، فقال:
يا أخي ، قد وافق دواؤك دائي ، ولصق مرهمك بجرحي . أخي ابن السماك،
زدني . فقلت له : يا أخي ، إن أهلك وولدك قد حلّفوني أني لا أزيدك
شيئًا . فأقبل عليهم وقال: اعلم يا أخي أنه ليس أحدٌ أشدّ علّ وبالًا،
ولا أعظم جُرْمًا مني ، إذا وقفتُ بين يدي ربي من أهلي وولدي . فقلتُ :
يا أخي، ما بعد ظلمةِ القبور ، وضيقِ اللحود ، ومساءلة مُنكَر ونَكِير إلا
الطَّامَّة . قال : وما هي يا ابن السماك ؟ فقلت له : إذا أخذ إسرافيل ، يعني
في نفخ الصور ، وبُعثر ما في القبور ، وجئنا نحن بأثقالِنا تُحمَل على الظهور ،
فكم يا أخي في ذلك اليوم من منادٍ ينادي بالويل والثبور ! وأعظمُ من ذلك
أيضًا توبيخُ الرَّبِّ إِيَّانا عند قراءة السِّيئات، التي قد أحصى علّي وعليك
فيه النقيرَ والفتيلَ والقطميرَ ، وملائكةٌ مُتَزِرُون بإزار من نارٍ ، غِضَابٌ
الغضبِ الرحمن ، ينتظرون ما يُقال لهم بالغضب: ﴿ خذُّوُه فغُلُّوه )
[ الحاقة: ٣٠]، قال: فشهِق شهْقة فخّ في قبره، كأنه ثور قد وُجِيَ في
(١) النغل: الفساد. النهاية ٨٨/٥.
https://arabessam.blogspot.com/
ـبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
ttps://web lessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع
٢٢٦
منحره ، وبال ، فعرفتُ بالبول ذهابَ عقْلِه ، فأقبلت ابنته فاجتذبته ،
وأسندتْه إلى صدرها ، ومسحتْ وجهه بكمها ، وهي تقول : بأبي وأمي
عينيْنِ طال ما سهرتًا في طاعة الله ! بأبي وأمِّي عينيْن طال ما غضَّتَا عن
محارم الله ! وأفاق ، فقال لي : عليك السلام يا ابن السماك ، أنا أشهد
أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله . وشهق الثالثة ، فظننتُ مثل
الأُولَيْنِ، فحرّ كتُه فإذا الرجل قد فارق الدنيا ))(١).
اللهِ دُرُّهم، ودُّ مَن سبقهم! فقد حفر الربيع بن خُثْم قبّرًا كان ينزل
إليه في اليوم مراتٍ ، ثم إذا خرج يقول : يا ربيع ، ها قد خرجت ، فاعملْ
لقبر إنْ نزلتَ فيه تقول: ﴿ ربّ ارْجعُون ... ﴾ [ المؤمنون: ٩٩]، إلى يوم
القيامة ، ولا تُجاب .
:
وهاكَ قصةً أخرى نختم بها :
منصور بن عمّار الواعظ ، وعابدٌ من واسط :
قال منصور بن عمّار: (( قال لي رجل بالشام : يا أبا السري ،
عندنا رجلٌ من العُبّاد من أهل واسط العراق ، رجلٌ لا يأكل إلا مِن كَدِّ
يديْه ، وقدْ دبرت مِن سفٌّ الخُوص والاعتمال صفحةُ يديْه ، ولو رأيته لوقذك
النظر إليه ، فهل لك أن تمضي بنا إليه ؟ قال : قلت : نعم ، فأتيناه فدققْنَا
عليه بابه ، فخرج إلى الباب ، فسمعته يقول : اللهم إني أعوذ بك ممّن جاءَ
ليشغلني عمّا أتلذّذ به من مناجاتك. ثم فتحنا الباب فدخلنا ، وإذا رجلٌ
يُرىُ به الآخرة ، وإذا قبٌّ محفور، ووصيةٌ قد كتبها في الحائط ، وكساؤه
قد أعدّتْ لكفنه ، فقلت : أيّ موقف لهذا الخلق ؟ قال : بين يدي مَن ؟
قال : فصاح ، وخرّ بوجهه ، ثم أفاق من غشْيتِهِ ، فقال له صاحبي :
يا أبا عباد ، هذا أبو السريّ منصور بن عمار . فقال لي : مرحبًا يا أخي ،
(١) ثلاث شعب من الجامع ٢٣٨/١ - ٢٤٠.
https://arabessam.blogspot.com/
ـبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

ttps://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع
٢٢٧
ما زلتُ إليك مشتاقًا . قال - وأراه صافحني -: أُعْلِمُك أنّ بي داء قد أعيُى
المتطيِّبين قبلك قديمًا ، فهل لك أن تتأتّى له برِفْقِكَ وتلصق عليه بعض
مراهِمِك ، لعَّ الله أن ينفع بك ؟ قال : قلت : وكيف يَعالِجُ مثلي مثلَك ،
وجرحي أثقل من جرحك ؟! قال : فقال : وإنْ كان ذلك كذلك ، فإني
مشتاقٌ منك إلى ذلك . قال : قلت : أمَا إذْ أبيتَ ، فلئِنْ كنت تمسّكتَ
باحتفار قبرك في بيتك ، وبوصيةٍ رسْمتَها بعد وفاتك ، وبكفن أعددتَه ليوم
مَنّتك ، فإنّ لله عبادًا اقتطعهم خوفُه عن النظر إلى قبورهم . قال : فصاح
صيحةً ووقع في قبره ، وجعل يفحص برجليْه ، وبال . قال : فعرفتُ بالبولِ
ذهاب عقله ، فخرجت إلى طحّان على بابه ، فقلت : ادخل ، فأعنّا على هذا الشيخ .
فاستخرجناه من قبره وهو في غشيته ، فقال لي الطحانُ : ويحك ! ما
أردت إلى ما صنعتَ بهذا الشيخ ، واللهِ لا يغفر الله لك ما صنعت .
فخرجتُ وتركتُه صريعَ فترته ، فلما كان الغد عُدت إليه ، فإذا بسلخٍ في
وجهه ، وإذا بشريطٍ قد شدَّ به رأسه لصداعٍ وجده ، فلما رآني قال :
يا أبا السّرّيّ ، المعاودةَ ، يرحمك الله . فقلت: فأين بلغتَ أيُّها المتعبِّد
مِن أحزانك ؟! وهل بلغ الخوف ليلة من منامك ؟! فتاللهِ ، لكأني أنظرُ
إلى الصابر على خُبْز الشعير يأكل ما اشتهى ، وسُعِي عليه بلحم طيرٍ ،
وسُقِي من الرحيق المختوم . قال : فشهق شهقةً ، فحرّ كتُه ، فإذا هو قد
فارق الدنيا )) (١) .
لله درُّهم مِن أرواحٍ طاهرةٍ !!
تكادُ لها نفسُ الشَّفِيقِ تَذُوبُ
بِهِمْ مِن جَوىُ الأحزانِ فِي الصَّدرِ لَوْعٌ .
فكيف بنفوسهم ؟!
(١) تاريخ بغداد ٧٧/١٣ - ٧٨ .
https://arabessam.blogspot.com/
ـبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
ttps://weblessam.blogspot.com/
٢٢٨
صلاح الأمة في عُلْوَ الهمة - المجلد الرابع
عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله عد له :
(( أسرَفَ رجلٌ على نفسه ، فلما حضره الموتُ أوصى بنيه ، فقال: إذا
متُّ فأحرقوني ، ثم اسْحِقُوني ، ثمَ ذروني في الريح في البحر ، فوالله ،
لِئِنْ يقدر علّ ربي لَيُعذِّبِّي عذابًا ما عذَّبَه أحدًا . ففعلوا به ، فقال الله عز
وجل للأرض : أدِّي ما أخذتِ . فإذا هو قائمٌ ، فقال : ما حملك على
ما فعلتَ ؟ قال: خشيتُك يا ربّ. أوْ قال: مَخَافَتك. فغفر له))(١).
قال ابن حجر في الفتح (٥٢٢/٦ - ٥٢٣): ((وأظهر الأقوال : أنه
قال ذلك في حال دهشتِه وغلبةِ الخوف عليه ، حتى ذهب بعقله ؛ لِمَا
يقول ، ولم يقلّه قاصدًا لحقيقة معناه ؛ بل في حالةٍ كان فيها كالغافل ،
والذاهل ، والناسي الذي لا يُؤاخذ بما يصدر منه)).
الرَّجاء :
((الرجاء من أجلّ منازل السائرين ، وأعلاها وأشرفها ، وعليه وعلى
الحبِّ والخوف مدارُ السير إلى الله ، وقد مدح الله تعالى أهله وأثنى عليهم ،
فقال: ﴿لَقْد كانَ لِكُمْ فِي رسولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كانَ يرجُو اللَّهَ
واليومَ الآخر وذكَر اللَّهَ كثيرًا ﴾ [ الأحزاب: ٢١ ] .
وفي الحديث الصحيح الإِلهِّ ، عن النبي عُوسيٍ - فيما يروي عن ربّه
عز وجل -: (( يا ابنَ آدم ، إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك ، على
ما كان منك، ولا أبالي)) .
وعن أبي هريرة، عن النبي عَّةٍ قال: ((يقول الله عز وجل : أنا
عند ظنٍّ عبدي بي ، وأنا معه ؛ إذا ذكرني في نفسه ، ذكرتُه في نفسي ،
وإنْ ذكرني في مَلإٍ ، ذكرته في مَلٍ خيرٍ منهم ، وإن اقترب إلّي شبرًا ،
اقتربتُ إليه ذِراعًا ، وإن اقتربَ إلّي ذراعًا ، اقتربتُ إليه باعًا، وإن أتاني
(١) رواه البخاري ، ومسلم ، وابن ماجة، والبيهقي في شعب الإيمان .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
ttps://weblessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الرابع
٢٢٩
يمشي، أتيته هَرْولةً))(١).
وقد أخبر تعالى عن خواصِّ عباده ، الذين كان المشركون يزعمون
أنهم يتقرّبون بهم إلى الله تعالى، أنهم كانوا راجين لهُ ، خائفين منه ؛ فقال
تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الذينَ زعمْتُمْ مِن دُونِهِ فَلَا يمِلكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عنكُمْ
وَلَا تحويلًا أولئكَ الذينَ يَدْعُونِ يَتَغُون إلى ربِّهم الوسيلَة أَيُّهم أَقْرَبُ
ويرجُونَ رحمَتَهُ ويخافونَ عذابَهُ إِنَّ عذابَ رَبِّك كانَ مَحذُورًا ﴾ [ الإسراء :
٥٦ - ٥٧ / ٠
وهو عبوديةٌ، وتعلُّقُّ بالله من حيثُ اسمه: ((المُحْسِنِ البُّ)) فذلك
التعلُّق والتعبُّد بهذا الاسم والمعرفة بالله ، هو الذي أوجب للعبد الرجاء ،
من حيث يدري ومن حيث لا يدري ، فقوّة الرجاء على حسب قوةِ المعرفة
بالله وأسمائه وصفاته، وغلبةٍ رحمتهِ غضَبَه. ولولا رَوْحُ الَّجاء لعُطِّلت
عبودية القلب والجوارح ، وهُدِّمت صوامِعُ وبِيَعٌ وصلواتٌ ، ومساجدُ يُذكر
فيها اسمُ اللهِ كثيرًا . بل لولا رَوْحُ الرجاء لما تحرّكتِ الجوارح بالطاعة ،
ولولا ريحُه الطيبة لَمَا جرت سفن الأعمال في بحر الإِرادات .
ولي من الأبيات :
نفسُ المُحبِّ تحسُّرًا وتمُّقَا
لولا التعلُّقُ بالرّجاءِ تقطَّعتْ
أكبادٍ ذابتْ بالحجَابِ تحرُّقَا
وكذاكَ لولا بْدُهُ بحرارةِ الْـ
برجائهِ لحبيِهِ مُتَعَلّقًا ؟!
أَيكونُ قطُّ حليفُ حُبٍّ لا يُرَى
قَويَ الَرّجاءُ فزادَ فيهِ تَشَوُّقًا
أَمْ كُلَّمَا قَوِيَتْ مِحِبُّه لَهُ
بِحُمُولها لديارِهِمْ ترجو اللَّقَا
لَوَلا الَّجا يَحدُو المطَّ لَمَا سَرَتْ
وعلى حَسَب المحبةِ وقوَّتها يكون الرجاء ، فكلُّ محبِّ راجٍ خائفٌ
(١) رواه مسلم .
https://arabessam.blogspot.com/
ـبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
ttps://web lessam.blogspot.com/
٢٣٠
صلاح الامة في علو الهمة - المجلد الرابع
بالضرورة ، فهو أرجى ما يكون لحبيبه أحبُّ ما يكون إليه ، ورجاؤه ذاتّي
للمحبَّة ؛ فإنه يرجوه قبلَ لقائه والوصول إليه ، فإذا لقيَهُ ووصل إليه اشتدَّ
الرجاءُ له ؛ لِمَا يحصُل لهُ به ، من حياةِ رُوحه ونعيم قلبه ، من ألطاف
محبوبه وبِّه وإقبالِهِ عليه ، ونَظَره إليه بعين الرِّضا، وتأهيله في محبته ،
وغير ذلك مما لا حياةَ للمحبِّ ولا نعيمَ ولا فوزَ إلا بوصوله إليه من
محبوبه ، فرجاؤه أعظمُ رجاءٍ ، وأجلُّه ، وأتمُّه .
وبالجملة : فالرجاء ضرورتٌّ للمريد السَّلك، والعارف لو فارقَه
لحظه ◌َتَلَفَ أو كاد ؛ فإنه دائِّرٌ بين ذنبٍ يرجو غفرانه ، وعيبٍ يرجو
إصلاحه ، وعمل صالح يرجو قَبولَه ، واستقامةِ يرجو حصولَها ودوامَها ،
وقربٍ من الله ومنزلةٍ عنده يرجو وصولَهُ إليها ، ولا ينفكُ أحدٌ من السَّالكين
عن هذه الأمور أوْ بعضها)) (١).
والرجاء حادٍ يحدُو القلوب ويُطيبُ لها السير إلى بلاد المحبوب ، وهو على
درجاتٍ ، وعالي الهمة من تطلّع إلى درجاتِه العُلى، واشرأَبَتْ نفسُه إلى القمة .
قال شيخ الإِسلام الهروي: ((الرجاء على ثلاثِ درجاتٍ : الدرجة
الأولى : رجاءٌ يبعث العامِلَ على الاجتهاد ، ويولِّد التلذّذ بالخدمة ، ويوقظ
الطباع للسماحة بترك المناهي )) .
قال ابن القيم: ((أي: ينشِّطهُ لبذْلِ جهدهِ لِمَا يرجُوه من ثوابِ ربِّه ؛
فإنَّ مَن عَرَفَ قَدْرَ مطلوبه هانَ عليه ما يبذُلُ فيه .
وأمَّا توليده للتلذُّذ بالخدمة: فإنه كُلّما طالعَ قلبُه ثمرتَها، وحُسْن
عاقِبَتها الْتَّّ بها ، وهذا كحالٍ مَن يرجو الأرباح العظيمة في سفره ، ويُقاسي
مشاقّ السَّفر لأجلها ، فكلما صَوَّرَها لقلبه هانتْ عليه تلك المشاقُّ والتّ
بها . وكذلك المحبُّ الصادق الساعي في مراضي محبوبه الشاقّة عليه ، كلما
(١) مدارج السالكين ٤١/٢ - ٤٣ .
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
٢٣١
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع
تأمّل ثمرةَ رضاهُ عنه، وقَبُوله سعْيَه، وقربه منه تلذَّذ بتلك المَسَاعي ،
وكلّما قوي علْمُ العبد بإفضاء ذلك السَّبَبِ إلى المُسَبَّبِ المطلوب ، وقوي
عِلْمُه بقدر المُسَبَّبِ وقرْب السَّبَبِ منه ، ازداد التذاذًا بتعاطيهِ .
وأما إيقاظُ الطباعِ للسماحة بترك المناهي : فإنّ الطباعَ لها معلومٌ
ورسومٌ تتقاضاها من العبد ، ولا تسمحُ له بتركها إلّا بِعِوضٍ هو أحبّ إليها
من معلومِها ورسومها ، وأجلّ عندها منه وأنفعُ لها ، فإذا قويَ تعلُّقُ الرجاء
بهذا العِوَضِ الأفضل الأشرف ، سمحتِ الطباعُ بتركِ تلك الرسوم وذلك
المعلوم ؛ فإنّ النفس لا تترك محبوبًا إلا لمحبوبٍ هو أحبُّ إليها منه))(١).
قال الهروي: ((الدرجة الثانية: رجاءُ أربابِ الرِّياضاتِ : أنْ يبلغوا
موقفًا تصفو فيه هِمَمُهُم ، برفض الملذوذاتِ ، ولزوم شروط العلم ، واستقصاء
حدود الحميَّة )).
قال ابن القيم : (( أرباب الرياضات: هُمُ المجاهدون لأنفسهم بتركِ
مأَلُوفاتها ، والاستبدال بها مألوفاتٍ هي خيرٌ منها وأكمل ، فرجاؤهم أن
يبلغوا مقصودَهم بصفاءِ الوقت والهمةِ من تعلَّقها بالملذوذاتِ ، وتجريد الهمّ
عن الالتفات إليها ، وذلك بلزوم شروط العلم ، وهو الوقوف عند حدودٍ
الأحكام الدِّينية ؛ فإنّ رجاءَهم متعلّقٌ بحصول ذلك لهم . واستقصاءُ حدود
الحميَّة بأمريْن : بذْلِ الجهد في معرفتها علمًا ، وأخذِ النفس بالوقوف عندها
طلبًا وقصدًا))(٢).
قال الهروي: ((الدرجة الثالثة: رجاءُ أربابِ القلوبِ: وهو رجاءُ
لقاءِ الخالقِ ، الباعث على الاشتياق ، المُبغِّض المنغِّص للعيش ، المزهِّد في
الخلق)).
(١) مدارج السالكين ٥٢/٢ - ٥٣ .
(٢) مدارج السالكين ٥٣/٢ .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
٢٣٢
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الرابع
قال ابن القيم: (( هذا الرجاء أفضلُ أنواع الرجاء وأعلاها ؛ قال الله
تعالى: ﴿ فَمَنْ كانَ يُرْجُو لقاءَ ربِّهِ فَلْيعَمِلْ عملًا صالحًا وَلا يُشرِك بعبادِة
ربِّهِ أحدًا ﴾ [الكهف: ١١١]، وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يرجُو لِقَاءَ اللهِ فإنَّ
أجَلَ اللهِ لآتٍ وهو السَّميعُ العليمُ ﴾ [ العنكبوت: ٥]، وهذا الرجاء هو
محضُ الإِيمان وزُبْدته، وإليه شَخصَتْ أبصار المشتاقين، ولذلك سلّاهُمُ الله
تعالى بإتيان أُجَلٍ لقائَهِ، وضَرَب لهم أجلًا يُسَكِّن نفوسَهم ويُطمئنُها، ولا
ريبَ أنَّ عيْشَ المشتاق مُنقَّصٌ حتى يلقى محبوبَه ، فهناك تقُّ عينُه ، ويزول
عن عيْشهِ تنغيصُهُ ، وكذلك يَزهد في الخلْق غاية التزهيد ؛ لأنَّ صاحبه طالِبٌ
للأُنس بالله والقرْب منه ، فهو أزهدُ شيءٍ في الخَلْق ، إلّا مَن أعانه على هذا
المطلوب منهم وأوصله إليه ، فهو أحبُّ خلْق اللهِ إليه ، ولا يأنس من الخلْق
بغيره ، ولا يسكُن إلى سواه ، فعليكَ بطلب هذا الرفيق جهْدَك ، فإنْ لم
تظفرْ به فاتخذِ اللَّهَ صاحبًا ، ودَع الناسَ كُلَّهم جانبًا .
واطرقِ الحَّي والعيونُ نواظِرْ
مُتْ بداءِ الهوى وإلّ فخاطرْ
ـتَ وكُنْ فِي خِفَارةِ الحبِّ سائر
لا تخفْ وحشةَ الطريقِ إذا جِئْ
واصبرِ النفسَ ساعةً عن سِواهُم
فإذا لمْ تُجَبْ لِصبرٍ فصابر
فيهِ تَلقَى الحبيبَ بالبشرِ شاكِرْ
وصُمِ اليوم واجعل الفطرَ يومًا
وافْطُمِ النفسَ عن سواهُ فكلُّ الْـ
وتأمّل سريرةَ القلبِ واستحـ
سعَيَشِ بعدَ الفِطامِ نحوكَ صَائِرْ
ي مِن الله يَوْمَ تُبلى السرائرْ
واجعلِ الهمَّ واحدًا يَكفِكَ اللَّهُ همومًا شتَّى فربُّك قادِرْ
وانتظرْ يومَ دعوةِ الخَلْق إلى اللَّهِ ربِّهِمْ مِن بطونِ المقَابِرْ
مِن صفاتٍ تلوحُ وسْطَ المحاضْ
واستمعْ ما الذي به أنت تُدْعَي
ـقِ عيانًا تُجلى على كلِّ ناظرْ
وسماتٍ تبدُو على أَوْجِهِ الخذْ
ثمَّ صَبْرٌ مُؤَيَّدٌ بالبصائرْ
يا أخا اللُّبِّ إنما السيرُ عِزْمٌ
يرقَ يوم المزيد فوق المنابِرْ
يا لهَا مِن ثلاثةٍ مَنْ يَنَلْها
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
ttps://web lessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع
٢٣٣
الرَى بِذَا يومَ ضربِ البشائرْ
فاجتهدْ في الذي يُقالُ لك البُشْـ
عملٍ خالصٍ بميزانِ وَحْيٍ معَ سِرِّ هناكَ في القلبِ حاضِرْ)) (١)
قال عَّ ◌ُله: ((لو يعلم المؤمن بما عند الله من العقوبة، ما طمع بجنته
أحدٌ ، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة، ما قنَط من جنَّته أحدٌ))(٢).
قال حيّان أبو النضر : قال لي واثلة بنُ الأسْقع : قُدني إلى يزيد بن
الأسود ، فإني قد بلغني أن ألمًا نزل به . قال : فَقُدتُه ، فدخل عليه وهو
ثقيلٌ، وقد وُجِّه - يعني : نحو القبلة - وقد ذهب عقله ، قال : نادُوه .
فنادَوْه ، فقلتُ : إنّ هذا واثلة بن الأسقع أخوك . قال : فأبقى الله من عقله
أن سمع أنَّ واثلة قد جاء ، فمدّ يده ، فجعل يلتمس بها ، فعلمتُ ما يريد ،
فأخذتُ كَفَّ واثلةَ فجعلتها في كفِّه ، وإنما أراد أن يضع يدَه في يد واثلةً ؛
ذلك لموضع يدٍ واثلةَ مِن يد رسول الله عَ ◌ّله، وجعل يضعها مرّةً على
صدره ، ومرةً على وجهه ، ومرة على فِيهِ ، فقال واثلة : ألا تخبرني عن شيءٍ
أسألك عنه ؛ كيف ظنك بالله ؟ قال : اعْتَرَتْني ذنوبٌ لي أشفيْتُ على
هَلَكَةٍ ، ولكنْ أرجو رحمة الله . فكبّر واثلةُ ، وكبّ أهلُ البيت بتكبيره ،
وقال: الله أكبر، سمعت رسول الله عَ لّم يقول: ((يقول الله عز وجل:
أنا عند ظنِّ عبدي بي، فليظنَّ بي ما شاءٍ))(٣).
(( قال معتمر بن سليمان التيمي : قال لي أبي حين حضرته الوفاة :
(١) مدارج السالكين ٥٤/٢ - ٥٥ .
(٢) رواه أبو هريرة، وأخرجه مسلم، والبخاري، والبيهقي في ((شعب الإيمان)).
(٣) إسناده حسن ؛ أخرجه أحمد ، وابن المبارك في الزهد ، وعنه الدارمي ، وابن
حبان ، وابن أبي الدنيا في كتاب: (( حُسْن الظن))، والحاكم وقال: صحيح
الإِسناد، وأقره الذهبي، وليس عند الجميع القصة المذكورة؛ بل الحديث واللفظ
هنا للبيهقي في الشُّعَب .
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
ttps://weblessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الرابع
٢٣٤
يا معتمر ، حدِّثني بالُخَص، لعلي ألقى الله وأنا أحسن الظنَّ به))(١).
(( وعن سُرِّيَّة الربيع بن خثيم ، قالت : لما احتضر الربيع بكتْ ابنتُه ،
فقال: يا بنية، لا تبكي، ولكن قولي: يا بشَرَى ، اليوم لقي أبي الخير))(٢).
((قال يحيى بن معاذ الرازي : مُسْتقى الخوف من بحر عدْلِه، ومُسْتَقُى
الرّجاءِ من بحر فضله، وقد سبق القضاءُ أنَّ رحمته سبقتْ غضبه)).
وقال رحمه الله: ((إن كان صغُر في جنب عطائك عملي ، فقد كثُر
في حُسْن رجائك أملي .
وقال أيضًا : لقد رجوتُ ممَّن ألبسَني بين الأحياءِ ثَوْبَ عافيته ، أن
لا يعذبني بعد الممات ، وقد عرفتُ جُودَ رأفتِهِ .
إلهي ، إنْ كنتُ غيرَ مستأْهِلٍ لما أرجُو من رحمتك ، فأنت أهْلٌ أن
تجودَ على المذنبينَ بفضل سَعتك .
إلهي ، لولا ما عرفتُ مِن عذلك ما خفتُ من عذابِك ، ولولا
ما عرفتُ من فضلك ما رجوتُ ثوابَك .
إلهي، إن كنتَ لا تعفو إلا لأهل طاعتك، فإلى مَن يفزعُ المذنبون؟!
وإن كنتَ لا ترحم إلا أهلَ تقواك، فبمَن يستغيثُ المُسيئون؟! ))(٣). اهـ.
لله درُّك يا يحيى من واعظٍ وطبيبٍ قلوب !!
قال البيهقي في ((الشُّعَب)): ((قال بعضُ الحكماء في مناجاته :
(١) الحلية ٣١/٣، وابن أبي الدنيا في ((حسن الظن بالله)) ص٤٥، وابن الجوزي
في ((الثبات عند الممات)» ص١٤٨.
(٢) الحلية ١١٤/٢، ومصنف ابن أبي شيبة ٤٠٠/١٣.
(٣) الجامع لشُعَبِ الإِيمان .
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
٢٣٥
صلاح الأمة في عُلْوِّ الهمة - المجلد الرابع
إلهي ، لو أتاني الخبرُ أَنَّك غيرُ قابلٍ دعائي ، ولا سامعٍ شكْواي ، ما
تركتُ دعاءَك ما بَلَّ ريقي لساني ، أين يذهب الفقيرُ إلا إلى الغنِّ، وأينَ
يذهبُ الذليل إلّا إلى العزيز، وأنت أغنى الأغنياء، وأعزُّ الأعزّاءِ يا رب؟!))
(( وقال أحمد بن أبي الحواري : سمعتُ أبا سليمان الداراني ،
ووقفتُ عليه وهو لا يراني ، فسمعتُه يقول: لئن طالبتني بذنوبِي لَأُطالبتَّك
بعفوك ، ولئنْ طالبتَني بتوبتي لأطالبنَّك بسخائك ، ولئنْ أدخلتني النار ،
لأخبرنَّ أهل النار أَنِّي أحبُّك)) (١).
عن سلمان الفارسي رضي الله عنه: (( إنّ الله عزَّ وجلّ خَلَق مائة
رحمةٍ ، منها رحمةٌ يتراحم بها الخلق ، وتسعٌ وتسعون ليوم القيامة )) رواه
مسلم .
قال أيوب السختياني - لله درُّه -: ((إنَّ رحمة قسمها في دار الدنيا ،
وأصابني منها الإِسلام ، إني لأرجو مِن تسْعٍ وتسعين رحمةً ما هو أكثر من
ذلك)) .
نعم يا سيّدَ شباب أهل البصرة .. هذه كلمةٌ تُكتب بمدادٍ من نورٍ ..
فالإِسلام أجلُ النِّعَمِ كان نصيبَ السختياني من الرحمة المقسومة على الخلائق ..
فما ظنُّك بما عند الخير من الخير في تسعٍ وتسعين رحمة ؟!
((وقال أبو بكر السهزراوي : كنتُ في مجلسِ أبي القاسم الجُنيد وابنُ
عطاءٍ حاضرٌ ، ورجلٌ في المجلس قد غلبتْه شدَّةُ الخوْفِ وهو يرجُف ، فقال
له أبو القاسم الجنيدُ : لا تُرُعْ ، فما هو إلا أن تبدو عينٌ من عيون الرحمةِ ،
فإذا المُسيء قد لحِقَ بالمحسن . قال ابن عطاء : حتى تبدو . فغضب الجنيد
وقال: أما والله إنها لباديةٌ، أما علمتَ أنَّ رسول الله عَ ◌ّم قال: ((يقول الله
(١) الحلية ٢٥٤/٩، وصفة الصفوة ٢٢٦/٤، وشعب الإِيمان .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
٢٣٦
صلاح الأمة في غُلُوّ الهمة - المجلد الرابع
عز وجل : سبقت رحمتي غضبي)) ؟! قال: فسكت ابن عطاء))(١).
قال يحيى بن معاذ الرازي: ((كيف أخافك وأنت كريم ، وكيف
لا أرجوك وأنت عزيٌ ؟! فأنا بين خوفٍ يقطعني ، ورجاءٍ يوصلني ، فلا
رجائي يدعني أموتُ خوفًا، ولا خوفي يتركني فأحيا فرحًا))(٢).
(( وعن سليمان بن الحكم بن عوانة ، أن رجلًا دعا بعرفاتٍ ، فقال :
لا تعذبنا بالنار بعد أن أسكنْتَ توحيدكَ قلوبَنا . قال : ثم بكى وقال : ما
إخالُك تفعلُ بعفوك . ثم بكى وقال : لئن فعلتَ فبذنُوبِنَا لتجمعنَّ بيننا وبين
قومٍ طالما عاديناهم فيك)).
اللهم ، لا تشمِّتْ مَن كان يشرك بك بمن كان لا يشركُ بك.
وكان عمر بن ذر رحمه الله إذا تلا ﴿وأقسَمُوا بالله جَهْد أَیْمَانِهِمْ
لا يَبْعَثُ اللهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ [النحل: ٣٨]، قال: ونحن نُقسم بالله جَهْد أيمانِنَا
ليبعثنَّ اللّهُ مَن يموتُ . أَتُراك تَجمع بين القَسَمَيْن في دارٍ واحدة؟!(٣).
((وعن يحيى بن يَمان قال: قال سفيان الثوريُّ رحمه الله: ما أُحبُّ
أَنَّ حسابي جُعل إلى والدي ؛ ربي خيرٌ لي مِن والدي))(٤).
لله ما أحلاها كلمةً يجودُ بها علينا الثورُّ إمامُ البكّائين !!
وقال بعض العُبَّاد: لما علمت أن ربي عز وجل يلي محاسبتي ، زالَ
عني حزني ؛ لأنّ الكريمَ إذا حاسَبَ عبدَه تفضَّل .
قال إدريس بن عبد الله المروزي : مرِض أعرابي فقيل له : إنك تموت .
قال : وأين يُذهب بي ؟ قالوا: إلى الله عز وجل . قال : فما كراهتي
(١) أخرجه مسلم، والبخاري ، وأحمد عن أبي هريرة . والقصة في شعب الإيمان.
(٢)
شعب الإِيمان ، وصفة الصفوة ٩١/٤ .
(٣) ((حسن الظن بالله)) لابن أبي الدنيا ص٢٧ .
(٤) حُسن الظن بالله ص٤٥ .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
ttps://weblessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الرابع
٢٣٧
أَنْ أذهب إلى مَنْ لا أرى الخيرَ إلا منه ؟!
وعن جُندب أن رسول الله عَّلَّه حدّث ((أنَّ رجلًا قال: واللهِ،
لا يغفر الله لفلانٍ. وأنَّ الله قال : مَن ذا الذي تأثّى علي أن لا أغفر لفلانٍ ؛
فإني قد غفرتُ لفلانٍ، وأحبطت عملك))(١).
قال سعيد بن ثعلبة الوراق : بتنا ليلةً مع رجلٍ من العابدين على
الساحل بسيراف ، فأخذ في البكاء ، فلم يزلْ يبكي حتى خِفْنا طلوعَ الفجر ،
ولم يتكلم بشيءٍ ، ثم قال : جُرمي عظيمٌ ، وعفوك كبيرٌ ، فاجمعْ بين جرمي
وعفوك يا كريم . قال : فتصارخ الناس مِن كلِّ ناحيةٍ .
وقال مسمع : قالت امرأةٌ من العرب ، ذاتُ عقل ودين : سبحانك
إلهي ، إمهالُك المذنبينَ أطمعني لهم في حُسْن عفوك عنهم . سبحانك إلهي ،
لم يزل قلبي يشهد برضاك لمن نالَ عفوك. سبحانك إلهي ، تفضّلًا منك
وامتنانًا على خلقك !
وعن ابن عونٍ قال : ما رأيتُ أحدًا كان أعظمَ رجاءً لهذه الأُمَّة مِن
محمد بن سيرين ، وأشدَّ خوفًا على نفسه منه
وقال ابن عون أيضًا: ما رأيت أحدًا كان أعظمَ رجاءً للموحّدين من محمد
ابن سيرين رحمه الله، كان يتلو هذه الآيات ﴿إِنَّهم كانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ
لَا إِلّهِ إِلَّ اللهُ يُسْتَكْبُرُون﴾ [ الصافات: ٣٥]، ويتلو ﴿ ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَر
قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينِ وَلَم نَكُ نطعمُ المِسْكِينَ وكُنَّا نخُوضُ مَعَ
الخائضين وكُتّا نكذب بيوم الدِّينِ حتَّى أَتَانا اليقينُ ﴾ [المدثر: ٤٢ - ٤٧ ]،
ويتلو ﴿لا يَصْلاها إلّ الأَشْقَى الَّذِي كذَّبَ وتَوَلَّى﴾(٢) [الليل: ١٥ - ١٦].
(١) الحديث إسناده صحيحٌ على شرط مسلم، أخرجه ابن أبي الدنيا في (( حسن
الظن بالله))، وأخرجه مسلم بمثله، والبغوي في ((شرح السنة))، والطبراني .
(٢) الحلية ٢٧٠/٢، وحسن الظن بالله ص٧٧.
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
https://web lessam.blogspot.com/
٢٣٨
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع
وعن داود بن أبي هندٍ قال : تَمَثَّلَ معاويةُ عند الموت :
هُوَ الموتُ لا منجا مِنَ الموتِ والذي نُحاذرُ بعدَ الموتِ أَدَهى وأفظعُ
ثم قال : اللهمَّ فأقِلِ العثرة، وعافٍ عن الزَّلَّةِ، وجُدْ بحِلْمك على جهْل مَن
لم يَرْجُ ولم يثق إلّا بك ؛ فإنك واسعُ المغفرة ، ليس لذي خطيئةٍ مهربٌ إلا أنت .
فلما بلغ القُولُ سعيد بن المسيِّب قال : لقد رغبَ إلى مَن لا مرغوبَ إليه مثلُه .
وعن أبي المنذر الكوفي ، أن معاويةً جعل يقولُ وهو في الموت :
إِنْ تُناقِشْ يَكُنْ نقاشُك يا ربِّ عذابًا ، لا طوْقَ لي بالعذاب ، أو تجاوزْ
فأنت ربُّ رحيمٌ عن مُسيءٍ ذنوبُه كالتراب .
وقال الشَّعبي : لقدْ سمعتُ من عبد الملك بن مروان كلامًا على
أعواده هذه حسدتُه عليه ؛ سمعتُه يقول : اللهمَّ، إنَّ ذنوبي عظمتْ فجلّتْ
عن الصِّفَة ، وإنها صغيرةٌ في جَنْبِ عفوك، فاعفُ عني .
وقال أبو عمرانَ السّلمّ :
وإني لآتِي الذنبَ أعرفُ قَدْرَهُ
وأعلَمُ أَنَّ اللهَ يعفو ويغفرُ
وإِنْ عَظُمَتْ في رحمةِ اللهِ تَصْغُرُ
لئنْ عظّم الناسُ الذنوبَ فإِنَّها
قال عبد الله بن مسعود : إن أكبر آية في القرآن فَرَجًا آيَةٌ في سورةٍ
الغُرَفِ ﴿ قُلْ يا عباديَ الذينَ أسْرِفُوا على أَنفُسِهِمْ ... ) الآية [ الزمر:
٥٣ ] ، فقال مسروق : صدقت(١).
وعن أنس بن مالكٍ أَنَّ النبيِ عَ ◌ّه قال: ((يخرجُ مِنَ النَّار أربعةٌ -
قالهُ أبو عمران ، وقال ثابت : رجلان - فيعْرَضُون على ربِّهم ، فيأمُرُ بهم
إلى النار فيلتِفِتُ أحدهم ، فيقول : أي ربّ، قد كنتُ أرجو إذْ أخرجتني
منها أن لا تعيدَني فيها . قال: فينجِّيه الله منها))(٢).
(١) رواه ابن أبي الدنيا في حسن الظن بالله ص٧٩ بإسنادٍ رجالُه كلهم ثقات .
(٢) صحيح بمجموع الطرق ، رواه أحمد ، وابن أبي عاصم ، وابن حبان ، =
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

ttps://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في عُلْوَ الهمة - المجلد الرابع
٢٣٩
وعن بكر بن سليمان الصَّوَّاف قال : دخلنا على مالك بن أنس في
العشيّة التي قُبض فيها ، فقلنا : يا أبا عبد الله ، كيف تجدُك ؟ قال : ما
أدري ما أقول لكم ، إلّا أنَّكم ستُعاينُون غدًا من عفو الله ما لم يكن لكم
في حسابٍ . قال : ثم ما برِحْنَا حتى أغمضناه(١).
ولقي مالكُ بن دينار أبان بن أبي عياش ، فقال مالكٌ: إلى كم تُحدِّث
الناس بالُّخص ؟! فقال : يا أبا يحيى ، إني لأرجو أن ترى من عفو الله عز
وجل يومَ القيامة ما تخرقُ له كساءَك هذا من الفَرَح .
بعَيْنِ مولاهُم ما يتحمل المتحمِّلون من أجله ، وما يكابدون في طَلَب
مرضاته ، أتراهُ ينسى لهم عملًا؟! كيف وهو الرحيم بخلقه ؟! لو كان معاجلًا
بالعقوبة أحدًا ، أو كانت العقوبةُ مِن شأنه ، لَعاجل بها القانطين من رحمته ،
ولو يرى عباده المؤمنون كيف استوهبهم ممَّن ظلموه ، ثم أحكم لمن وهبهم
بالخلد المقيم في جواره ، إذًا ما اتهموا فضلَه وكرَمَه .
لو يعلم المُذْبِرُون عنه كيف انتظارُه لهم ، ورحمته إيّاهم لتقطّعتْ
أوصالهم شوقًا إليه ، هذه إرادته في المذبرين عنه ، فكيف بالمقبلين عليه ؟!
((عن يحيى بن عمر التيمي - مولَّى لبني تيْم بن مرَّة - قال: قال
لي سفيان بن عيينة، وكنت طلبتُ الغزْوَ فأخفقتُ وأنفقتُ ما كان معي ،
فأتاني حين بلغه خبري ، وقد كان عرفني قبل ذلك بطول مجالستِه ، فقال
لي: لا تَأَسَ على ما فاتك، واعلم أنَّك لو رُزقتَ شيئًا لأتاكَ. ثم قال لي :
أبشْ ؛ فإنَّك على خير ، تدري مَن دعا لك ؟ قال : قلت : ومَن دعا لي ؟
قال : دعا لك حَمَلةُ العرش ، ودَعا لك نبي اللهِ نوح! قال : نعم ،
وأبو نعيم في الحلية ، والبغوي في شرح السنة، وابن أبي الدنيا في ((حسن الظن
=
بالله)) ، واللفظ له ، وهو عند مسلم بلفظٍ آخر .
(١) حسن الظن بالله لابن أبي الدنيا ص٩٦ .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
ttps://web lessam.blogspot.com/
٢٤٠
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الرابع
ودعا لك خليلُ الله إبراهيم عليه السلام . قال : قلت : دعا لي هؤلاءِ
كلهم ؟! قال: نعم، ودعا لك محمدٌ عَِّ. قال: قلت: فأينَ دعا
لي هؤلاء ؟ قال : في كتاب الله عز وجل ؛ أما سمعتَ قوله: ﴿الذينَ
يحملُونَ العرْشَ ومَنْ حَوْلهُ يسبِّحُون بحمدِ ربِّهم ويُؤْمنون بهِ ويستغفرونَ
للذين آمنوا ... ﴾ [غافر: ٧] قال: قلت: فأين دعا لي نبُ اللهِ نوحٌ؟
قال : أما سمعتَ قْلَه عز وجل: ﴿ربِّ اغفر لي ولوالدَّ ولِمَنْ دخل
بيتي مُؤمنًا وللمؤمنينَ والمؤمناتِ ... ﴾ الآية [ نوح: ٢٨]؟! قال : قلت :
فأين دعا لي خليل الله إبراهيم عليه السلام ؟ قلت : أمَا سمعتَ قوله: ﴿ رَبَّنَا
اغفرْ لي ولوالديّ وللمؤمنينَ يَوْمَ يقومُ الحسابُ﴾ [ إبراهيم: ٤١ ]؟! قال :
قلت: فأين دعا لي محمد عَ لَّه؟ قال: فهزّ رأسه ، ثم قال: أما سمعتَ
إلى قوْلِ الله عز وجل: ﴿واستغفِرْ لذَئْبِكَ وللمؤمنينَ والمُؤْمِنَاتِ ... ﴾
الآية [ محمد: ١٩]؟! فكان النبي عَّهِ أَطوعَ الله عز وجل، وأَبَّ بأمَّتِه ،
وأرأف لها، وأرحم مِن أن يأمره اللهُ بشيءٍ فلا يفعله)) (١) .
(( قال ابن السماك : تباركْتَ يا عظيم ، لو كانت المعاصي التي
عُصيتَها طاعةً أُطعْتَ فيها ، ما زادَ على النِّعَم التي تُنِلُها ، وإنك لتزيدُ في
الإِحسانِ إلينا حتى كأنَّ الذي أُتينا من الإِساءة إحسانًا ، فلا أنت بكثرة
الإِساءة منا تدعُ الإِحسان إلينا ، ولا نحنُ بكثرةِ الإِحسان منك إلينا عن
الإِساءة نُقلع ، أبْيْت إلا إحسانًا وإجمالًا، وأبينا إلّا إساءةً واحترامًا، فمَن
الذي يُحصي نِعَمك ، ويقوم بأداء شكرك إلّا بتوفيقك ونِعَمِك ، ولقد
فكّرتُ في طاعة المطيعين فوجدتُ رحمتك متقدِّمَة لطاعتهم ، ولولا ذلك لَمَا
وصلوا إليها ، فنسألُك بالرحمةِ المتقدمةِ للمطيعين قبل طاعتِهِم لَمَا مَنَنْتَ بها
على العاصِين بعد معصيتهم)).
(١) الحلية ٢٧٩/٧، وشعب الإِيمان .
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد