Indexed OCR Text

Pages 161-180

تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الرابع
١٦١
أمسك الشمس .
وقال ابن ثابت البناني : ذهبت أُلَقِّنُ أبي ، فقال : يا بني ، دعني ؛
فإني في وردي السادس .
وَدخلوا على بعض السلف عند موته وهو يصلي ، فقيل له ، فقال :
الآن تُطوى صحيفتي .
فإذا علم - وإنْ بالغ في الجد - أن الموت يقطعه عن العمل ، عَمِل
في حياته ما يدوم له أجره بعد موْته . فإن كان له شيءٌ من الدنيا وقف
وقْفًا، وغرس غرسًا، وأجرى نهرًا، ويسعى في تحصيل ذريةٍ تذكر الله
بعده ، فيكون الأجر له . أو أن يصنف كتابًا من العلم ، فإنَّ تصنيفَ العالم
ولدُه المُخلَّد ، وأن يكون عاملًا بالخير ، عالمًا فيه ، فينقل مِن فعْله ما
يقتدي الغيرُ به ، فذلك الذي لم يمت .
قد مات قومٌ وهم في الناس أحياءٌ ))(١)
قال عَِّ: ((سَبعٌ يجري للعبد أجرُهنَّ وهو في قبره بعد موته: من
علّم علمًا ، أوْ أجرى نهرًا، أو حفر بئرًا، أو غرس نخلًا، أو بنى مسجدًا،
أو ورّث مصحفًا، أو ترك ولدًا يستغفر له بعد موْته )) . فهذا من علوّ الهمة
في حفظ الوقت حتى بعد الممات .
ويقول ابن الجوزي رحمه الله: ((رأيتُ العاداتِ قد غلبت الناس في
تضييع الزمان ، وكان القدماء يحذرون من ذلك :
قال الفضيل : أَعرفُ مَن يُعد كلامه مِن الجمعة إلى الجمعة .
ودخلوا على رجلٍ من السلف فقالوا: لعلنا شغلناك. فقال: أصدقكم؟
كنت أقرأ فتركتُ القراءة لأجلكم .
(١) صيد الخاطر ٢٠ - ٢١ .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
١٦٢
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الرابع
وجاءَ ((سرِيّ السّقطّ)) إلى رجلٍ من المتعبدين فرأى عنده جماعةً
فقال : صرتَ مناخَ البطّالين ! ثم مضى ولم يجلس .
ومتى لانَ المَزُورُ طمِعَ فيه الزاتُر فأطال الجلوس فلم يسْلَم من
الأذى .
وقد كان جماعة قعودًا عند معروف فأطالوا . فقال : إن مَلَك الشمس
لا يفتر في سوقها ، أفما تريدون القيام ؟ !.
وقيل لكُرْز بن وبرة : لو خرجتَ إلى الصحراء . فقال : يبطل
الزوجار .
وكان داود الطائي يستفُّ الفتيت ويقول : بين سفِّ الفتيت وأكْل
الخبز قراءة خمسين آية .
وكان عثمان الباقلاوي دائم الذكر لله تعالى ، فقال: إني وقت الإفطار
أُحسُّ بروحي كأنها تخرج ؛ لأجل اشتغالي بالأكل عن الذكر .
وأوْصى بعضُ السلف أصحابه فقال : إذا خرجتم من عندي فتفرّقوا ،
لعَّ أحدكم يقرأ القرآن في طريقه ، ومتى اجتمعتم تحدثتم .
واعلم أن الزمان أشرفُ من أن يضيّع منه لحظةً ؛ فإن في الصحيح
عن رسول الله عَ لِ أنه قال: ((مَن قال: سبحان الله العظيم وبحمده،
◌ُرست له نخلةٌ في الجنة )) . فكم يضيّع الآدمي من ساعاتٍ يفوته فيها
الثواب الجزيل !
والذي يعين على اغتنام الزمان : الانفراد والعزلة مهما أمكن ، والاختصار
على السلام أو حاجة مُهمَّةٍ لمن يلقى ، وقلة الأكل ، فإن كثرته سببُ النوم
الطويل وضياع الليل ، ومَن نظر في سِيَر السلف وآمن بالجزاء بان له ما
ذكرتُه(١) .
(١) صيد الخاطر ٤٧٩ - ٤٨٠.
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

تبعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
https://web lessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الرابع
١٦٣
واعجبا مِنْ مضيّع لحظةٍ :
يقول ابن الجوزي: ((والله إني لأتخايل دخول الجنة ودوام الإقامة فيها
من غير مرضٍ ولا بُصاقٍ ولا نومٍ ولا آفةٍ تطرأ ، بل صحةٌ دائمةٌ وأغراضٌ
متصلةٌ لا يعتورها مُنْغِّصٌ ، في نعيم متجدد في كلّ لحظة إلى زيادةٍ لا تتناهى -
فأطيش ، ويكاد الطَّبع يضيق عن تصديق ذلك لولا أنّ الشرع قد ضمنه .
ومعلوم أن تلك المنازل إنما تكون على قدر الاجتهاد هاهنا . فواعجبا من مضيع
لحظةٍ يقع فيها !! فتسبيحةٌ تُغرس له في الجنة نخلةً أُكُلُها دائمٌ وظلُّها . فكل
الآفات والمخافات في نهار الأجل ، وقد اصفَرَّت شمسُ العمر ؛ فالبدار البدارَ
قبل الغروب ، ولا معينَ يرافق على تلك الطريق إلا الفكر إذا جلس مع العقل
فتذاكرا العواقب ، فإذا فرغ المجلس فالنظر في سير المجدِّين ، فإنه يعود
مستجلبًا للفكر منها شتَّى الفضائل ، والتوفيق مِن وراء ذلك ، ومتى أرادك لشيءٍ
هيَّأَك له . فأما مخالطةُ الذين ليس عندهم خبر إلا العاجلة فهو من أكبر أسباب
مرض الفهم وعلل العقل، والعزلة عن الشّ حميةٌ والحمية سببُ العافية))(١).
إياك وقطّاع الطريق إلى الآخرة :
مخالطة أهل الدنيا مضيِّعةٌ للوقت قاطعةٌ طريق الآخرة . فالواحد منهم
قبرٌ يسعى إلى قبرٍ مثله ، زَمِنٌ يقوده زَمْنَى مثله .. فيا شَرِهُ ، هذا سمٌّ والقرب
منه هلاكٌ .. فإن ابتليتَ به فأعطه ظاهرك وترخَّل عنه بقلبك .
وشغلتُ عن فهم الحديث سوى ما كان عنك فإنه شغْلي
أنْ قدْ عقلتُ وعندكم عقلي
وأديم نحو محدثي وجهي ليرى
ويقول الآخر :
واللهِ ما طلعتْ شمسٌ ولا غربتْ إلا وحُبُّكَ مقرونٌ بأنفاسي
(١) صيد الخاطر ص٣٢٩ .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://web1essam.blogspot.com/
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الرابع
١٦٤
ولا جلستُ إلى قوم أحدِّثهم إلا وأنت حديثي بين جُلّاسي
الخلطة مضيِّعةٌ للوقت مُفسدةٌ للقلب :
يقول ابن القيم: ((فأما ما تؤثّره كثرةُ الخلطة : فامتلاء القلب مِن
دُخان أنفاس ابن آدم حتى يسودَّ ويوجب له تشتّتًا وتفرُّقًا، وهمَّا وغمًّا
وضَعْفًا، وحمْلًا لما يعجز عن حمْله من مُؤْنة قرناء السوء ، وإضاعة مصالحه
والاشتغال عنها بهم وبأمورهم، وتَقَسّم فكرُهُ في أوديةِ مطالبهم وإراداتهم ،
فماذا يبقى منه الله والدار الآخرة ؟!
هذا ، وكمْ جلبتْ خلطةُ الناس من نقمةٍ ، ودفعتْ من نعمةٍ ،
وأنزلتْ من محنةٍ ، وعطّلتْ من منحة ، وأحلَّتْ من رزيّة ، وأوقعتْ في بليّة !
وهل آفةُ الناس إلا الناس ؟!
وهل كان على أبي طالب - عند الوفاة - أضرّ من قرناء السوء ؟!
لم يزالوا به حتى حالوا بينَه وبين كلمةٍ واحدةٍ تجلِب له سعادة الأبد .
والضابط النافع في أمْر الخلطة أن يخالط الناس في الخير كالجمعة
والجماعة، والأعياد والحج، وتعلُّم العلم، والجهاد، والنصيحة، ويعتزلهم في
الشّرِّ وفضول المباحات ، وإنّ دعتِ الحاجة إلى خلطتهم في فضول المباحات
فليجتهدْ أن يقلب ذلك المجلس طاعةً لله إنْ أمكنه ، ويشجع نفسه ويُقوِّي
قلبَه ، ولا يلتفت إلى الوارد الشيطاني القاطع له عن ذلك، بأنَّ هذا رياءٌ
ومحبةٌ لِإِظهار علمْك وحالك، ونحو ذلك، فليحاربْه وليستعن بالله ، ويُؤثّر
فيهم من الخير ما يمكنه ، فإنْ أعجزته المقادير عن ذلك فَلْيَسُلّ قلبه من
بينهم كَسَلِّ الشعرة من العجين ، ولْيكنْ فيهم حاضرًا غائبًا، قريبًا بعيدًا،
نائمًا يقظانَ، ينظر إليهم ولا يبصرهم ، ويسمع كلامهم ولا يعيه ؛ لأنه
قد أخذ قلبه مِن بينهم ، ورقى به إلى الملأ الأعلى ، يسبح حول العرش مع
الأرواح العُلْوية الزكيّة ، وما أصعب هذا وأشقَّهُ على النفوس ، وإنه ليسيرٌ
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

https://web lessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
١٦٥
صلاح الأمة في عُلْوَ الهمة - المجلد الرابع
على مَن يسَّرَهُ الله عليه ، فبين العبد وبينه أن يَصدُق الله تبارك وتعالى ،
ويُديم اللُّجأ إليه ، ويُلقي نفسَه على بابه طريحًا ذليلًا ، ولا يعين على هذا
إلا محبةٌ صادقةٌ، والذكر الدائم بالقلب))(١).
تَعَوُّد ابن الجوزي مِن صحبة البطَّالين :
قال ابن الجوزي: ((أعوذ بالله من صحبة البطَّالين؛ لقد رأيتُ خلقًا
كثيرًا يجرون معي فيما اعتاده الناس مِن كثْرةِ الزيارة ، ويسمُّون ذلك التَّردُّدَ
خدمةً ، ويُطيلون الجلوس ، ويُجرون فيه أحاديث الناس وما لا يُغني ،
ويتخلَّلُهُ غِيبةٌ ، وهذا شيءٌ يفعله في زماننا كثيرٌ من الناس ، وربما طلبه
المَزور ، وتشوَّق إليه واستوحش مِن الوحدة ، وحُصوصًا في أيَّام التهاني
والأعياد ، فتراهم يمشي بعضُهم إلى بعضٍ ، ولا يقتصرون على الهناء
والسلام ، بل يمزجون ذلك بما ذكرتُه مِن تضييع الزمان ، فلما رأيت أنَّ
الزمان أشرفُ شيءٍ ، والواجب انتهابُه بفعْل الخير؛ كرهْتُ ذلك وبقيتُ معهم
بين أمرين : إنْ أنكرتُ عليهم وقعتْ وحشةٌ لموضع قطْع المألوف ، وإنْ تقبَّلْتُه
منهم ضاع الزمان ! فصرت أدافع اللقاء جهدي ، فإذا غُلبت قصّرت في
الكلام لأتعجل الفراق ، ثم أعددتُ أعمالًا لا تمنع مِن المحادثة لأوقات
لقائهم ، لئلا يمضي الزمان فارغًا، فجعلتُ من الاستعداد للقائهم قطع
الكاغد(٢)، وبْي الأقلام ، وحزْم الدفاتر ؛ فإن هذه الأشياء لا بد منها ولا
تحتاج إلى فكرٍ وحضور قلبٍ ، فأرصدتُها لأوقاتِ زيارتهم لئلا يضيعَ شيءٌ
مِن وقتي ))(٣).
(١) مدارج السالكين ٤٥٤/١ - ٤٥٦ .
(٢) قصُّ الورق .
(٣) صيد الخاطر .
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
١٦٦
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الرابع
((قال ابن مسعود رضي الله عنه : ما ندمتُ على شيءٍ ندمي على
يومٍ غربتْ شمسُه ، نقص فيه أجلي ، ولم يزد فيه عملي .
وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله : إن الليل والنهار يعملان فيك
فاعملْ فيهما .
وقال الحسن البصري رحمه الله : يا ابن آدم ، إنما أنت أيام ، فإذا
ذهب يوم ذهبَ بعضُك . وقال أيضًا : أدركتُ أقوامًا كانوا على أوقاتهم
أشدّ منكم حرصًا على دراهمكم ودنانيركم .
وانظر إلى سادات الرجال وحفظهم لأوقاتهم :
فهذا حماد بن سلمة ، يقول عنه تلميذه عبد الرحمن بن مهدي :
(( لو قيل لحمّاد بن سلمة: إنك تموت غدًا، ما قدَر أن يزيد في العمل شيئًا.
وقال موسى بن إسماعيل التبوذكي : لو قلت لكم : إني ما رأيتُ
حماد بن سلمة ضاحكًا، لَصدقتُ؛ كان مشغولاً: إما أن يحدّث ، أو يقرأ،
أو يسبّح ، أو يصلي ، وقد قسّم النهار على ذلك .
قال يونس المؤذِّب : مات حماد بن سلمة وهو في الصلاة رحمة الله
عليه ))(١):
((كان الخليل بن أحمد الفراهيدي يقول: أثقل الساعات علّ : ساعة
آكُلُ فيها))(٢) .
وانظر - يرحمك الله - إلى الإِمام أبي يوسف القاضي صاحب الإِمام
أبي حنيفة وتلميذه ، يباحث - وهو في التَّزع والذّماء - بعض عُوّاده في مسألةٍ
فقهيةٍ: (( قال تلميذه القاضي إبراهيم بن الجراح الكوفي ثم المصري : مرض
أبو يوسف فأتيته أعوده فوجدتُه مغمَّى عليه ، فلما أفاق قال لي : يا إبراهيم ،
(١) تذكرة الحفاظ ٢٠٢/١، وسير أعلام النبلاء ٤٤٧/٧.
(٢) الحثُّ على طلب العلم - لأبي هلال العسكري ص٨٧ .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
١٦٧
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الرابع
ما تقول في مسألة ؟ قلت : في مثل هذه الحالة ؟! قال : ولا بأس بذلك ،
ندرس لعلّه ينجو به ناجٍ. ثم قال: يا إبراهيم، أيّما أفضل في رمّي
الجمار ، أن يرميها ماشيًا أوْ راكبًا ؟ قلت : راكبًا . قال: أخطأت . قلت :
ماشيًا . قال : أخطأت . قلتُ : قُلْ فيها ، يرضى الله عنك. قال: أمّا ما
كان يُوقف عنده للدعاء فالأفضل أن يرميه ماشيًا ، وأما ما كان لا يوقف
عنده فالأفضل أن يرميه راكبًا . ثم قمت من عنده ، فما بلغت باب داره
حتى سمعتُ الصراخ عليه ، وإذا هو قد مات رحمة الله عليه))(١) .
رحمة الله على أبي حنيفة وتلاميذه ، فهذا محمد بن الحسن الشيباني
الإِمام ، التلميذ الثاني لأبي حنيفة، (( كان لا ينام الليل وكان يضع عنده
دفاتر - يعني كتبًا - فإذا ملّ مِن نوعٍ نظر في آخر ، وكان يزيل نومه
بالماء ويقول : إن النوم من الحرارة)) (٢).
العجب العجابُ عند عُبيد بن يَعيش :
وهذا الإِمام الحافظ عُبيد بن يعيش شيخ البخاري ومسلم ، روى عنه
عمّار بن رجاء قال: (( سمعت عبيد بن يعيش يقول : أقمت ثلاثين سنةً
ما أكلتُ بيدي بالليل، كانت أختي تلقمني وأنا أكتب الحديث))(٣).
ابن جرير الطبري آية من الآيات في حفظ الوقت :
قال القاضي أبو بكر أحمد بن كامل الشجري تلميذ ابن جرير
وصاحبه: ((كان إذا أكل نام في قميصٍ قصير الأكمام ، ثم يقوم فيصلي الظهر
في بيته ، ويكتب في تصنيفه إلى العصر ، ثم يخرج فيصلي العصر ، ويجلس
للناس يُقرىء ويُقرأ عليه إلى المغرب ، ثم يجلس للفقه والدرس بين يديه
(١) قيمة الزمن عند العلماء ص٢٨، ٢٩ نقلًا عن الجواهر المضيّة ٧٦/١.
(٢) قيمة الزمن ص٣١ نقلًا عن مفتاح السعادة - لطاشكبري زادة ٣٦/١.
(٣) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع - للخطيب ١٧٨/٢ .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
١٦٨
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع
إلى العشاء الآخرة ، ثم يدخل منزله ، وقد قسّم ليله ونهاره في مصلحة
نفسه ودينه والخلق كما وفقه الله عز وجل)).
(( وقال الخطيب البغدادي : سمعت السِّمسمي يحكي أن ابن جرير
مكث أربعين سنةً ، يكتب في كلّ يوم منها أربعين ورقةً .
وحدّث تلميذه الفرْغاني في كتابه - المعروف بكتاب ((الصلة))،
وهو كتاب وصل به (( تاريخ ابن جرير)) - أن قومًا من تلاميذ ابن جرير ،
حصَّلُوا أَيَّامَ حياته - منذ بلغ الحُلُم إلى أن تُوفّي وهو ابن ستٍّ وثمانين
سنة - ثم قسَّموا عليها أوراق مُصنَّفاته ، فصار منها على كلّ يوم أربع
عشرة ورقةً ، وهذا شيءٌ لا يتهيَّأ لمخلوق إلا بحسْنِ عناية الخالق .
إذا حَسَبْنا أيام الاثنين والسبعين سنةً وجعلنا لكلِّ يوم منها أربعَ عشرةَ
ورقة تصنيفًا ، كان مجموع ما صنفه الإِمام ابن جرير نحو ثماني وخمسين
وثلاثمائة ألفٍ ورقةٍ .
تبارك الله ... ماذا تبلغُ الهمم !! فهو في كثرة تآليفه بمثابة دارٍ
للنشر ، وهو فردٌ واحدٌ بنفسه ، يكتب بقلمه لنفسه ويؤلف على ورقه
بنفسه ، ويُخرج للناس فكره وعلمه عسلًا مُصفَّى وزبدًا شهيًّا، وما كان
يكون له كل ذلك، لولا أنه كان يكسب وقته)) (١).
وهذا الإِمام ابن الخياط النحوي، (( يدرس جميع أوقاته حتى في
الطريق ، وكان ربما سقط في ◌ُرْفٍ أَوْ خبطته دابَّة))(٢).
وانظر - يرحمك الله - إلى الحاكم الشهيد أبي الفضل محمد بن محمد
المروزي القاضي الوزير إمام أصحاب أبي حنيفة ، يقول عنه الحاكم صاحب
(١) قيمة الزمن ص٤٣ - ٤٤ .
(٢) قيمة الزمن ص ٤٥ - ٤٦ .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
١٦٩
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع
((المستدرك)): ((لقد حضرتُ عشية الجمعة مجلسَ الإِملاء للحاكم أبي
الفضل ، ودخل أبو علي بن أبي بكر بن المظفر الأمير ، فقام له قائمًا ولم
يتحرَّك من مكانه ، وردّه من باب الصُّفَّة ، وقال: انصرف أيها الأمير ، فليس
هذا يومك )»(١).
وهذا شيخ المحدّثين الخطيب البغدادي ، ((كان يمشي وفي يده جزءٌ
يطالعه)) ، وما ذلك إلا للحفاظ على الوقت ، وكسْب الزمن أن يذهب فارغًا
أثناء المشي دون استفادةٍ به في جنب العلم .
وهذا الإِمام سُليم الرازي أحد أئمة الشافعية المُتوفّى سنة ٤٤٧ هـ ،
قال عنه التاج السُّبكي: ((كان - رحمه الله - مِن الورع على جانبٍ قوئِّ ،
يحاسب نفسه على الأوقات ، لا يدع وقتًا يمضي بغير فائدة ، إما ينسخ أوْ
يدرس أوْ يقرأ، وينسخ شيئًا كثيرًا، قال ابن عساكر: (( ولقد حدثني عنه
شيخنا أبو الفرج الإسفراييني أنه نزل يومًا إلى داره ورجع ، فقال : قد قرأت
جزءًا في طريقي . قال أبو الفرج : وحدثني المؤمّل بن الحسن أنه رأى سُلَيمًا
حَفِي عليه القلم ، فإلى أن قَطّه جعل يحرك شَفتَيْه ، فعلم أنه يقرأ بإزاء
إصلاحه القلم ؛ لئلا يمضي عليه زمان وهو فارغ )).
أي لما شغلتْ يداه حرّك شفتيْه بذكر الله؛ لئلا يذهب الزمان فارغًا،
فللَّهِ دُرُّه .. ما أَعرِفَهُ بالغنائم!))(٢).
ابن عقيل وابن الجوزي ... غاية الغايات في حفظ الوقت :
انظر - رحمك الله - إلى الإِمام أبي الوفاء ابن عقيل الحنبلي وحفظه
لوقته ، ومعرفته بنفاسته، يقول: (( إني لا يحل لي أن أضيّع ساعة مِن
عمري ، حتى إذا تعطل لساني عن مذاكرةٍ أو مناظرة ، وبصري عن
(١) قيمة الزمن ص٤٦ .
(٢) قيمة الزمن ص ٥٠، ٥١ .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
١٧٠
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الرابع
مطالعة ، أعملتُ فكري في حالٍ راحتي وأنا منطرحٌ ، فلا أنهضُ إلا وقد
خطر لي ما أسطّره ، وإني لأجد مِن حرصي على العلم وأنا في عشر الثمانين
أشد مما كنت أجده وأنا ابن عشرين سنةً . وأنا أُقصّر بغاية جهدي أوقاتٍ
أَكْلي ، حتى أختار سَفّ الكَعْكِ ، وتحسِّهِ بالماء على الخبز ؛ لأجل ما
بينهما من تفاوتِ المضْغِ ، توقًُّا على مطالعةٍ ، أو تسطيرٍ فائدةٍ لم أدركها
فيه ، وإنَّ أجَلَّ تحصيلٍ عند العقلاء - بإجماع العلماء - هو الوقت ، فهو
غنيمةٌ تُنتَهَزُ فيها الفُرَصُ ، فالتكاليف كثيرةٌ والأوقات خاطفةٌ )).
هذا الإِمام العظيم الذي يقول عنه ابن الجوزي: ((كان الإِمام ابن
عقيل دائم الاشتغال بالعلم ، وكان له الخاطر العاطر ، والبحث عن الغوامض
والدقائق، وجعل كتابه المسمَّى بـ ((الفنون)) مناطًا لخواطره وواقعاته ،
وله تصانيف كثيرةٌ في أنواع العلوم، وأكبر تصانيفه: ((الفنون ))، وهو
كتاب كبيرٌ جدًّا، فيه فوائد كثيرةُ جليلةٌ في الوعظ ، والتفسير ، والفقه
وأصول الفقه ، وأصول الدين، والنحو، واللغة والشعر، والتاريخ)).
قال الذهبي: (( لم يُصنَّف في الدنيا أكبر من هذا الكتاب ، حدثني
مَن رأى منه المجلّدَ الفلاني بعد الأربعمائة . قال ابن رجب : وقال بعضهم :
هو ثمانمائة مجلدة )) .
فانظر - رحمك الله - كيف يُثمر حفظ الوقت ودأب النفس في
الخير والعلم ((ثمانمائة مجلدة)) ، أكبر كتاب في الدنيا ، إلى جانب تآليف
كثيرةٍ غيره .
يقول ابن عقيل في فاتحة كتابهِ ((الفنون)): (( أما بعد، فإنَّ خير
ما قُطِع به الوقت وشغلت به النفس ، فتُقرِّب به إلى الربِّ، جلَّت عظمته -
طلبُ علمٍ أُخرج من ظُلمةِ الجهل إلى نور الشرع ، وذلك الذي شَغلتُ
به نفسي ، وقطعت به وقتي ، فما أزال أعلق ما أستفيده من ألفاظ العلماء ،
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
ttps://web lessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع
١٧١
٠٫٠
ومن بطون الصحائف ، ومن صَيْد الخواطر التي تنثرها المناظرات والمقابسات
في مجالس العلماء ، ومجامع الفضلاء طمعًا في أن يعْلق فَي طرفٌ من
الفضْل ، أبعد به عن الجهل ، لعلِّي أصل إلى بعض ما وصل إليه الرجال
قبلي ، ولو لم يكن مِن فائدته عاجلًا إلَّا تنظيف الوقت من الاشتغال
بُعُونات الطباع التي تنقطع بها أوقاتُ الرِّعَاعِ لكفَى ، وعلى الله قصد
السبيل ، وهو حسبي ونعم الوكيل)).
وانظر إلى الإِمام العظيم ابن الجوزي في دُرَرِهِ التي ينصح بها ولده -
المسماة بـ ((لفتة الكبد في نصيحة الولد)) -: ((اعلم يا بنَّ أنَّ الأيام تُبسَطُ
ساعاتٍ ، والساعاتُ تُبْسَط أنفاسًا ، وكُلُّ نفَس خِزانةٌ ، فاحذرْ أن يذهب
نَفْسٌ بغير شيءٍ ، فترى في القيامة خِزانةً فارغةً فتندم ، وانظر كلَّ ساعةٍ
مِن ساعاتك بماذا تذهب ، فلا تُودِعْها إلا إلى أشرف ما يمكن ، ولا تهمل
نفسك ، وعَوِّدْها أشرف ما يكون من العمل وأحسنه ، وابعث إلى صُندوقٍ
القبر ما يسُّك يوم الوصول إليه )).
فماذا بعث ابن الجوزي إلى صندوق قبره ؟ وكيف كانت همته في
حِفْظ وقْتِهِ ؟
فاتني أنْ أرى الديار بطرفي فلعلّي أرىُ الديار بسَمعي
لقد كانت همة ابن الجوزي في حفظ وقته عَلِيَّة ، تدل عليها تصانيفهُ
التي هي زبدة عمره :
قال ابن رجب في ترجمة ابن الجوزي: (( لم يترك فّا من الفنون
إلا وله فيه مصنَّف ، وسئل عن عدد تأليفه ، فقال : زيادة على ثلاثمائة
وأربعين مُصَنَّفًا، منها ما هو عشرون مجلّدًا، ومنها ما هو كرّاسٌ واحد .
وقال الموفَّق عبد اللطيف : كان ابن الجوزي لا يُضيّع مِن زمانه
شيئًا ، يكتب في اليوم أربعة كراريسٍ ، ويرتفع له كلّ سنةٍ من كتابته ما
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
ttps://weblessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الرابع
١٧٢
بين خمسين مجلدًا إلى سِتِّين))(١).
(( قال أبو المظفر سبط ابن الجوزي : سمعت جدي يقول على المنبر
في آخر عُمرِه : كتبت بإصبعِّ هاتيْن ألفيْ مجلدٍ ))(٢) .
قال ابن الوردي في ((تتمة المختصر في أخيار البشر)): ((قيل: إنه
جُمعت الكراريسُ التي كتبها أبو الفرج ابن الجوزي وحُسبت مدة عُمُره ،
فقسِّمتْ على المدة ، فكان ما خصّ كلَّ يوم منها تسعةُ كراريس )).
ذكر ابن رجب الحنبلي في ((ذيل طبقات الحنابلة))(٣) أن الإِمام ابن
تيمية قال في أجوبته المصرية : كان الشيخ أبو الفرج ابن الجوزي كثير التصنيف
والتأليف ، وله مصنفات في أمور كثيرة ، حتى عددتها فرأيتها أكثر من ألفٍ
مصنفٍ ، ورأيت بعد ذلك ما لم أرَه .
وقال الذهبي : وما علمت أحدًا من العلماء صنف ما صنف هذا
الرجل .
ونقل القمي في ((الكُنى والألقاب)) ((أن بُراية أقلام ابن الجوزي التي
كتب بها الحديث جُمعتْ فحصُل منها شيءٌ كثيرٌ، وأوْصى أنْ يُسَخّن بها
الماء الذي يُغسل به بعد موْته ، ففعل ذلك فكَفَت وفضل منها )) (٤).
فرحمةُ الله على شيخ الإِسلام ابن الجوزي .
لا تقعدنَّ لذكرنا في ذكرْهِمْ لَيْسَ الصحيح إذا مشى كالمُفْعَدِ
شيخ الإسلام ابن تيمية :
وهذا شيخ الإِسلام ابن تيمية ، كان لا يُفَوِّت ساعةً مِن وقته دون
ذيل طبقات الحنابلة ٤٠١/١ .
(١)
(٢) تذكرة الحفاظ ١٣٤٤/٤، وذيل طبقات الحنابلة ٤٠١/١ .
(٣) ذيل طبقات الحنابلة ٤١٥/١ .
(٤) فوات الوفيات ٣٨/١، ٤٢.
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
ttps://weblessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الرابع
١٧٣
تعليم أو تأليفٍ أو عبادة ، حتى بلغتْ مؤلفاته المئات، بل لم يمكن حصْرها
للمتتبعين ، حتى ولا للشيخ نفسه ، رحمه الله .
قال ابن شاكر الكتبي: (( إن تصانيفه تبلغ ثلاثمائة مجلدٍ . قال
الذهبي : وما يبعد أنّ تصانيفه إلى الآن تبلغ خمسمائة مجلدٍ))(١) .
قال ابن القيم: ((وقد شاهدتُ من قوة شيخ الإسلام ابن تيمية في
سننه ، وكلامه ، وإقدامه ، وكتابته ، أمرًا عجيبًا فكان يكتب في اليوم من
التصنيف ما يكتبه الناسخ في جمعة أو أكثر)) (٢).
وقال العلامة ابن رجب الحنبلي: ((وأما تصانيفه فقد امتلأت بها
الأمصار، وجاوزت حدَّ الكثرة، فلا يمكن لأحدٍ حصْرها))(٣).
الفخر الرازي :
قال الفخر الرازي: ((والله إنني أتأسَّف في الفوات عن الاشتغال
بالعلم في وقت الأكل ؛ فإن الوقت والزمان عزيز)).
الحافظ الأثري : عبد الغني المقدسي :
قال عنه تلميذه الضياء المقدسي: ((كان لا يضيع شيئًا من زمانه ،
كان يصلي الفجر ، ويلقن القرآن ، وربما لقّن الحديث ، ثم يقوم فيتوضأ
ويصلي ثلاثمائة ركعة بالفاتحة والمعوذتين إلى قُبَيْل الظهر ، فينام نومة فيصلي
الظهر ، ويشتغل بالتسميع أو النسخ إلى المغرب، فيفطر إن كان صائمًا ،
ويصلي العشاء ، ثم ينام إلى نصف الليل أو بعده ، ثم يتوضأ ويصلي إلى قريب
الفجر ، وربما توضأ سبع مراتٍ أو أكثر ، ويقول : تَطِيبُ لي الصلاة ما
(١) فوات الوفيات ٣٨/١، ٤٢.
(٢) الوابل الصيب ص١٠٨ .
(٣) ذيل طبقات الحنابلة ٤٠٣/٢ .
ـبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
ttps://weblessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الرابع
١٧٤
دامت أعضائي رطبة. ثم ينام نومةً يسيرةً قبل الفجر، وهذا دأبه))(١).
ابن سُكَيْنة واختصار السلام :
وانظر - يرحمك الله - إلى شيخ الإِسلام عبد الوهاب بن علي بن
سُكَيْنة البغدادي الشافعي ، ((كانت أوقاته محفوظة ، وكلماته معدودة ، فلم
تمضٍ له ساعةٌ إلا في قراءة قرآن، أو ذكْرٍ ، أو تهجدٍ ، أو قراءةِ الناس
عليه ، وكان يمنع الناس من التحديث في مجلسه بلغوٍ أو غيبةِ إنسانٍ ، أو
ما لا فائدة فيه . لا يخرج من بيته إلا لحضور جمعةٍ أو عيد أو جنازة ، ولا
يحضر دور أبناء الدنيا في هناءٍ ولا عزاء .
قال يحيى بن القاسم مدرس النظامية : كان ابن سُكَيْنة عالمًا عاملًا ،
لا يضيّع شيئًا مِن وقتِهِ ، وكنا إذا دخلنا عليه يقول: لا تزيدوا على ((سلامٌ
عليكم، مسألة))؛ لكثرة حرصه على المباحثة وتقرير الأحكام))(٢).
وهذا والله شيءٌ عجيبٌ إذْ يدعوهم إلى اختصار السلام ((سلامٌ
عليكم ))، ويمنعهم من التجمُّل بالمجاملات المعتادة ، ويأمرهم أن يدخلوا في
المباحثة والمدارسة فور سلامهم ، كسبًا للوقت .
شيخ الإِسلام مجْد الدين ، أبو البركات ، ابن تيمية :
وعند آل تيمية الدُّرَرُ الغوالي :
فهذا شيخ الإِسلام مجد الدين أبو البركات ، عبد السلام بن عبد
الله بن تيمية، يروي أعجوبةً عنه ابن رجب الحنبلي فيقول: (( قال شيخنا
أبو عبد الله ابن القيم : حدثني أخو شيخنا عبد الرحمن بن عبد الحليم بن
تيمية ، عن أبيه ، قال : كان الجد - مجد الدين - إذا دخل الخلاء يقول
(١) ذيل طبقات الحنابلة ٥/٢ - ٣٤ .
(٢) ذيل تاريخ بغداد ٣٥٤/١ - ٣٦٨.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع
١٧٥
لي : اقرأ في هذا الكتاب ، وارفعْ صوتك حتى أسمع . قلت - ابن
رجب -: يشير بذلك إلى قوة حرصه على العلم، وحفظه لأوقاته))(١).
المنذري يَبْلُغ النهاية في حفظ وقته :
قال التاج السُّبكي عن المنذري: ((وقد درّس بالآخرة في دار الحديث
الكاملية ، وكان لا يخرج منها إلا لصلاة الجمعة ، حتى إنه كان له ولد نجيبٌ
محدّث فاضلٌ ، هو رشيد الدين أبو بكر محمد ، تُوفّى سنة ٦٤٣هـ ، توفَّاه
الله تعالى في حياته ليضاعف له في حسناته ، فصلى عليه الشيخ داخل المدرسة ،
وشيّعه إلى بابها ، ثم دمعتْ عيناه ، وقال : أودعتُك يا ولدي الله تعالى ،
وفارقه))(٢). ولم يخرج من المدرسة .
النَّوويّ :
قال ابن العطار تلميذ النووي: ((ذكر لي شيخنا رحمه الله تعالى أنه
كان لا يُضيّع له وقتًا ، لا في ليل ولا في نهار ، إلا في الاشتغال بالعلم حتى
في الطريق يكرّر أو يطالع ، وأنه دام على هذا ست سنين ، ثم أخذ في
التصنيف والإِفادة والنصيحة وقول الحق ، وكان لا يأكل في اليوم والليلة
إلا أكْلة بعد عشاء الآخرة ، ويشرب شربة واحدة عند السَّحر ، ويمتنع عن
أكْل الفواكه والخيار ، ويقول : أخاف أن يرطب جسمي ويجلب لي النوم .
ورعبي في الدّجى روْضَ السُّهادِ
أعاذلتي على إثْعابِ نفسي
فأهونُ فائتٍ طِيبُ الرُّقادِ(٣)
إذا شام الفتى بَرْقَ المَعَالي
وقال غيره :
كأنَّ شُهْبَ الدياجي أعْينٌ نُجْلُ
يَهْوَى الدياجي إذا المغرورُ أَغْفَلَها
ذيل طبقات الحنابلة ٢٤٩/٢، ٢٥٢.
(١)
(٢)
طبقات الشافعية ٢٦٠/٨ .
البيتانِ لابن نباتة السعدي .
(٣)
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع
١٧٦
ابن النفيس ونفاسةُ وقته :
أمّا الإِمام الفقيه مكتشفُ الدورة الدموية ابن النفيس ، فقال عنه الإِمام
برهان الدين إبراهيم الرشيدي: ((كان العلاء بن النفيس إذا أراد التصنيف
توضع له الأقلام مَبريَّةً ، ويدير وجهه إلى الحائط ، ويأخذ في التصنيف إملاءً
من خاطره ، ويكتب مثل السَّيْل إذا انحدر ، فإذا كُلِّ القلم وحَفِيَ رمى
به وتناول غيره ، لئلا يضيع عليه الزمان في بري القلم » (١).
الإِمام : الشمس الأصبهاني ... إمامٌ في حفْظ الوقت :
شمس الدين أبو الثناء الأصبهاني محمود بن عبد الرحمن بن أحمد
الشافعي .
قال عنه ابن حجر في ((الدرر الكامنة))، والشوكاني في ((البدر
الطالع)): (( اشتغل في بلاده ، ومهر وتقدَّم في الفنون ، وقدِم دمشق بعد
زيارة القدس في صفر سنة ٧٢٥هـ ، فبهرت أهلها فضائِلُه ، وسمع كلامه
الشيخ تقي الدين ابن تيمية ، فبالغ في تعظيمه ، قال مرة : اسكتوا حتى
نسمع كلام هذا الفاضل الذي ما دخل البلاد مثله . ثم انتقل إلى القاهرة
وفيها توفي .
وممَّا يُحكى عنه مِن حرصه على العلم وشحِّه بضياع أوقاته ، أن
بعض أصحابه كان يذكر أنه كان يمتنع كثيرًا من الأكْل ، لئلا يحتاج إلى
الشُّرب، فيحتاج إلى دخول الخلاء ، فيضيع عليه الزمان))(٢) .
مَثَلُه مَثلُ مَن يقول : وددتُ لو أن رزقي نواة أمصُّها ، لقد سئمت
مِن كثرة تردادي إلى الخلاء .
(١) الدرر الكامنة ٨٥/٦ .
(٢) البدر الطالع ٢٩٨/٢ .
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الرابع
١٧٧
ابن عساكر حافظ الدنيا :
والإِمام مطلقًا ، الحافظ ابن عساكر ، قال عنه ولده المحدّث بهاء الدين
القاسم: ((كان أبي رحمه الله مواظبًا على الجماعة والتلاوة ، يختم كلّ جمعة ،
ويختم في رمضان كلّ يوم ، ويعتكف في المنارة الشرقية (من جامع دمشق) ،
وكان كثير النوافل والأذكار ، يُحيي ليلة النصف والعيدين بالصلاة والذكر،
وكان يحاسب نفسه على لحظة تذهب ، لم يشتغل منذ أربعين سنةً - أي
منذ أذن له شيوخه بالرواية والتحديث - إلا بالجمع والتسميع حتى في نزهته
وخلواته)) (١) .
أَلْف ((تاريخ دمشق)) الذي قال عنه ابن خلّكان: ((قال لي شيخنا
الحافظ العلّامة زكّ الدين أبو محمد عبد العظيم المنذري حافظ مصر - وقد
جرى ذكْر هذا التاريخ ، وأخرج لي منه مجلدًا ، وطال الحديث في أمْره
واستعظامه -: ما أظنُّ هذا الرجل إلا عزَم على وضْع هذا التاريخ مِن يَوْم
عقل على نفسه ، وشرع في الجمع مِن ذلك الوقت ، وإلا فالعمر يقصُر عن
أنْ يجمع فيه الإِنسان مثل هذا الكتاب بعد الاشتغال والتنبُّه .
ولقد قال الحق ، ومَنْ وقف عليه عَرَف حقيقة هذا القول ، ومتى
يتسع للإِنسان الوقت حتى يضع مثله ؟! وهذا الذي ظهر - ثمانون مجلدًا -
هو الذي اختاره ، وما صحّ له هذا إلا بعد مُسوَّداتٍ ، ما كاد ينضبط
حصرها ، وله - غيره - تواليفُ حسنةٌ ، وأجزاء ممتعة))(٢).
أولئكَ قومٌ شيَّد اللهُ فخرهُم فما فوْقه فخْرٌ وإِنْ عَظُم الفْخِرُ
((هذه لمعاتٌ من سيرة الإِمام الفذ الحافظ ابن عساكر الدمشقي،
وفيها ما رأيت من العجائب الغرائب ، والمدهشات المطربات ، ولولا محافظتُه
(١) تذكرة الحفاظ ١٣٢٨/٤.
(٢) وفيات الأعيان ٣٣٥/١ .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
١٧٨
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الرابع
على الأوقات ، واغتنامُهُ الدقائق واللحظات ، ما كانت تتأتَّى له تلك التآليف
الضخمة الجامعة المانعة ، التي تعجز المجامع العلمية اليوم عن طبعها فضلًا
عن تأليف مثلها . فالحِفَاظَ الحِفَاظَ على الأوقات واللحظات ؛ فهي كَنْزُ
البركات والخيرات ))(١) .
قالت رابعة لسفيان: ((إنما أنت أيّامٌ معدودة ، فإذا ذهب يوم ذهب
بعضُك ، ويوشك إذا ذهب البعض أن يذهب الكلّ، وأنت تعلم فاعملٌ))(٢).
حياتك أنفاسٌ فكلما مضى نفسٌ منها انتقُصْتَ به جزءًا
قال الحجاج بن عنبسة: ((اجتمع بنو مروان ، فقالوا : لو دخلنا على
أمير المؤمنين فعطفناه علينا بالمزاح . فدخلوا ، فتكلم رجل منهم فمزح ، فنظر
إليه عمر ، فوصل له رجل كلامه بالمزاح ، فقال : ألهذا اجتمعتم ؟! لِأُخسرِّ
الحديث ، ولِمَا يُورث الضغائن ؟! إذا اجتمعتم فأفيضوا في كتاب الله ؛ فإنْ
تعديتم ذلك ففي السُّنَّة عن رسول الله عَ لّه، فإنْ تعدَّيتم ذلك فعليكم بمعالي
الحديث))(٣) .
أنشد أبو الوليد الباجي :
بأنَّ جميعَ حياتي كَسَاعهْ
إذا كنت أعلمُ علمًا يقينًا
وأجعلها في صلاحٍ وطاعةٌ (٤)
فِلِمْ لا أكونُ ضنينًا بها
قال الخطيب البغدادي: (( والعلم كالبحار المتعذر كيلها ، والمعادن
التي لا ينقطع نيْلها ، فاشتغل بالمهمِّ منه ؛ فإنه من شغل نفسه بغير المهم
أضَرَّ بالمهم )) .
(١) قيمة الزمن ص ١٠٠.
(٢) وفيات الأعيان لابن خلّكان ٢٨٦/٢ .
(٣) تاريخ الخلفاء للسيوطي ص٢٣٩.
(٤) وفيات الأعيان ٤٠٨/٢ - ٤٠٩ .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
ttps://web1essam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الرابع
١٧٩
قال العباس بن الحسن العلوي(١): ((اعلمْ أن رأيك لا يتسع لكل
شيءٍ ففرّغْه للمهم ، وأنَّ مالك لا يغني الناس كلهم ، فخصّ به أهل الحق ،
وأن كرامتك لا تُطبّق (٢) العامة فتوّ بها أهل الفضل ، وأن ليلك ونهارك
لا يستوعبان حاجتك وإنْ دأبت فيهما ، فأحسنْ قسمتهما بين عملك ودَعَتك
من ذلك . فإنّ ما شغلك مِن رأيك في غير المهمِّ إزراء بالمهم ، وما صرفت
من مالك في الباطل ، فقدتَه حين تريده للحقِّ ، وما عمدتَ من كرامتك
إلى أهل النقص ، أضرَّ بك في العجز عن أهل الفضل ، وما شغلتَ من ليْلك
ونهارك في غير الحاجة أزرى بك في الحاجة))(٣).
قال السيوطي في كسْب طالب العلم لوقته :
عن أبِهِ صاحبِ الخطابةْ
حدّثنا شيخنا الكناني
الأَكَل والمشي والكتابة (٤)
أسرعْ أخا العلمِ في ثلاثٍ
لفتة الكبد :
قال ابن الجوزي في ((لفتة الكبد في نصيحة الولد)): ((الكسل عن
الفضائل بئسَ الرفيق ، وحبُّ الراحة يورث من الندم ما يربو على كلِّ لذة ،
فانتبه واتعبْ لنفسك ، واندْ على ما مضى من تفريطك ، واجتهدْ في لحاق
الكاملين ما دام في الوقت سَعة ، واسقِ غُصنَك ما دامت فيه رطوبة ، واذكر
ساعتك التي ضاعت ، فكفى بها ◌ِظة ، ذهبت لذة الكسل فيها ، وفاتت
مراتب الفضائل ، وإنما تُقصِّر الهمم في بعض الأوقات ، فإذا حُثَّتْ سارت ،
(١) ترجم له الخطيب في تاريخ بغداد ١٢٦/١٢، أقام في صحبة هارون الرشيد ،
وكان عالمًا شاعرًا .
(٢) أي : لا تعمُّهم وتتسع لهم .
(٣) تاريخ بغداد ١٢٦/١٢ .
(٤) الكواكب السائرة بأعيان المائة العاشرة لنجم الدين الغزي ٢٢٩/١ .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
ttps://web lessam.blogspot.com/
١٨٠
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الرابع
وما تقف همة إلا لحساستها ، وإلا فمتى علتِ الهمة فلا تقنع بالدُّون .
إذا ما علا المرءُ رام العُلا ويقنع بالُّونِ منْ كان دُونًا
يقول الشيخ حسن البنا رحمه الله: ((يقال : الوقت من ذهب !!
وهذا صحيح من حيث القيم المادية للَّذِين لا يقيسون الوجود إلا بها ،
ولكن الوقت هو الحياة للذين ينظرون إلى أبعد من ذلك))(١).
عليهِ منَ الإِنفاقِ في غير واجبٍ
إذا كانَ رأسُ المالِ عمركَ فاحترزْ
يكرّ علينا جيشُه بالعَجائبِ (٢)
فبين اختلافِ الليل والصبح مَعْرَكٌ
لا عملَ إلا في الشباب :
قال النووي: (( ينبغي للمتعلم أن يغتنم التحصيل في وقت الفراغ
والنشاط ، وحالَ الشبابِ وقوةِ البدن ، ونباهة الخاطر ، وقلة الشواغل قبل
عوارض البطالة ))(٣).
كما قد كنت أيام الشبابِ
أترجو أن تكونَ وأنت شيخٌ
لقدْ كذَبَتْك نفسُك ليسَ ثوبٌ
دريسٌ كالجديد من الثيابِ
أخي: «بادرْ ساعات العمر وهي سانحة ، ولا تتعلق بالغائب المجهول؛
فكل ظرفٍ مملوءٌ بشواغله وأعماله ومفاجآته :
يقولون إنَّ الدهر يومانِ كلُّه فيومُ مَسَرَّاتٍ ويومُ مكارهِ
وأيامُ مكروهٍ كثير البَدائِهِ)) (٤)
وَمَا صدقوا والدهر يوم مسرّةٍ
(١) منبر الجمعة للشيخ حسن البنا ، إعداد وتقديم : محمد عبد الحكيم خيال ، مقالة :
((الوقت هو الحياة)) ص ٥٣ .
(٢) للشاعر عمارة اليمني - انظر ((وفيات الأعيان)) ٣٧٧/١.
(٣) المجموع للنووي ٦٩/١ .
(٤) قيمة الزمن ص ١١٧ .
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد