Indexed OCR Text
Pages 61-80
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ttps://web lessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع ٦١ الفتوح : لمّا قَدِمَ قتيبة خراسان سنة خمسٍ وثمانين هجرية، عَرَضَ الجند في السلاح والكرّاع ، فكان جميعُ ما أحصَوْا مِن الدروع في جند خُراسان ثلاثمائة وخمسين درعًا ، وبعد أن أتمّ تنظيمه غادر مرو ، واستخلف على حربها إياس بن عبد الله بن عمرو ، وعلى الخراج عثمان بن السعدي ، وعندما وصل الجيش إلى نهر ((جيحون))- المعروف حاليًا باسم ((أموداريا))- توقّف في بلغ(١) ؛ لأن بعضَها كان منتقضًا عليه ، وقد ناصَب المسلمين ، فحارَب أهلَها ، ثم إنّ أهل بلخ صالحوا مِن غدٍ اليوم الذي حاربهم قتيبة ، فأمر قتيبة بردِّ السَّبي، ثم مضى إلى ((الطالقان))(٢) بعد أن استقبل دهاقين بلخ ، وبعض عظمائهم الذين ساروا معه، فلما قطع نهر جيحون تلقّاه ملك ((الصغانيان))(٣) بهدايا ومفتاحٍ مِن ذهب، فدعاه إلى بلاده فأتاه ، وأتى (( كفتان » بهدايا وأموال ودعاه إلى بلاده، فمضى إلى الصغانيان، وكان ملك (( أُخْرون)» و((شومان)) - وهما من طخارستان - قد أساء جوار ملك الصغانيان ، فغزا قتيبةُ أخرون وشومان ، فجاءه ملكُها ((غيسلشنان))، فصالحه على فديةٍ أدّاها إليه، فقبلها قتيبة، ثم قفَل فركِب السفن، فانحدر إلى بلدة ((آمل))، وخلّف الجند بقيادة أخيه صالح بن مسلم ، وتقدّم قتيبة جندَه فسبقهم إلى مرو ، وفتح صالحُ - وهو في طريقه - مدينة ((باسارا))، ثم تابع طريقه إلى بلخ ، فمرو ، وعندما بلَغ الحجاجَ ذلك ، كتب إلى قتيبة يلُومه ، ويُعجّز رأيه في تخليف الجند، وكتب إليه: ((إذا غزوتَ فكنْ في مقدمِ الناس ، (١) مدينة بخراسان . (٢) بلد بخراسان بين ((مرو الروذ)) و((بلخ)). (٣) ولاية عظيمة فيما وراء نهر ((جيحون)) متصلة الأعمال بـ((ترمذ)). تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ttps://weblessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الرابع ٦٢ وإذا قفلت فكنْ في أُخْرياتهم وساقتهم)). أمضى قتيبة عام ٨٦ هـ = ٧٠٥ م في تنفيذ هذه العمليات ، التي كانت بمثابة استطلاعٍ مَيْداني للموقف أكثر منها عمليات قتالية ، وعندما رجع إلى مقرِّ عملياته ، ومركزٍ إدارته لإقليم خراسان ، انصرف إلى إدارة ولايته ، استعدادًا للمرحلة القتالية التالية ، في سنته القادمة . غَزْو (( بيكند))(١) : علم قتيبة بوجودٍ أسرى للمسلمين في قبضة ((نيزك)) ملك طرخان ، فكتب إليه طالبًا إطلاق سراح الأسرى ، وتهدّده في كتابه ، فخاف نيزك ، فأطلق الأسرى وبعث بهم إلى قتيبة . فوجّه إليه قتيبةُ مَن يدعوه إلى الصلح ، وإلى أن يُؤْمِّنه ، وكتب إليه كتابًا يحِلِفُ فيه بالله لئن لم يقدم عليه لَيغزونَّه ، ثم لَيطلبنَّه حيث كان ، لا يقلع عنه حتى يَظفر به ، أو يموت قبل ذلك ، وتوجَّه سفير قتيبة إلى نيزك والكتاب بيده ، وكان يستنصحه ، فقال نيزك للسفير: (( ما أظنُّ عند صاحبك خيرًا، كتب إلّ كتابًا لا يُكْتبُ إلى مثلي!)). فقال له السفير: ((يا أبا الهياج، إنَّ هذا رجلٌ شديد في سلطانه، سهل إذا سُوهل ، صعبٌ إذا ◌ُوسر ، فلا يمنعك مِن غلظة كتابه إليك ، فما أحسنَ حالَك عنده وعند جميع مضر)) . فقدِم نيزك مع السفير على قتيبة ، فصالحه أهل ((باذغبس )) في سنة ٨٧ هـ = ٧٠٦ م على ألا يدخل باذغبس. وبعد أنْ أمِن قتيبة شَرّ نيزك وصالحه ، أقام إلى وقتِ الغزو ، ثم سارَ من مرو وأتى مرو الروذ، ثم أتى ((زم))، ثم مضى إلى («آمل))، فقطع نهر جيحون وسار إلى بيكند ، وعندما علم أهل بيكند باقتراب جيش قتيبة ، استنصروا (١) بيكند : أدنى مدائن بُخارى إلى نهر جيحون، يُقال لها: مدينة التجار، على رأس المفازة من بُخارى. ((تاريخ الطبري)) ٦ / ٤٣٠. https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ٦٣ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع الصغد ، واستمدّوا مَن حولهم ، فأتوْهُم في جمع كثير ، وأخذوا بالطريق - قطعوا عليهم محاور اتصالهم بالخليفة - فلم ينفَذْ لقتيبة رسول ، ولم يصل إليه رسول ، ولم يجر له خبرٌ شهرين ، وأبطأ خبرُه على الحجاج ، فأشفق الحجاج على الجند ، فأمر الناس بالدعاءِ لهم في المساجد ، وكتب بذلك إلى الأمصار ، وهم يقتتلون كلّ يوم . كان لقتيبة جاسوس - عين - يقال له: ((تنذر))، من الفرس العجم ، فأعطاه أهل بخارى الأعلى مالًا على أن يصرف عنهم قتيبة ، فأتى تنذر إلى قتيبة ، وطلب الاجتماع به على انفرادٍ ، فنهض الناسُ وانصرفوا ، واحتبسَ قتيبةٌ ضرارَ بن حصين الضَّبِّ حتى يحضر المقابلة ، فقال تنذر : ((هذا عامل يقدم عليك ، وقد عُزل الحجاج ، فلو انصرفتَ بالناسَ إلى مرو !)) . فدعا قتيبة ((سياه)) مولاه، فقال: ((اضرب عنقَ تنذر)) . فقتله، ثم قال لضرار : (( لم يبقَ أحدٌ يعلم هذا الخبر غيري وغيرك ، وإني أُعطي اللهَ عهدًا: إنْ ظهر هذا الحديثُ مِن أحدٍ حتى تنقضي حربنا هذه لألحقنَّك به ، فاملُكْ لسانك ، فإنَّ انتشارَ هذا الحديث يفتُّ في أعضادِ الناس )) . ثم أذِن قتيبة للناس بالدخول عليه ، وعندما دخلوا راعَهم قتلُ تنذر ، فوجموا وأطرقوا ، فقال قتيبة: (( ما يروعكم مِن قتل عبدٍ أحانه الله؟!)). قالوا: ((إنا كُنَّا نظنُّه ناصِحًا للمسلمين)). قال: (( بل كان غاشًّا، فأحانه الله بذنبه ، فقد مضى لسبيله ، فاغدُوا على قتالِ عدوِّكم ، والقوهم بغير ما كنتم تلقونهم به )). فغدا الناس متأهِّبين، وأخذوا مصافّهم، ومشى قتيبة ، فَحَضَّ أهل الرايات ؛ فكان بين الناس قتالٌ بالرماح ، ثم تزاحفوا والتقَوْا ، وأخذتٍ السيوف مأخذها ، وأنزل الله على المسلمين الصبر ، فقاتلوهم حتى زالت الشمس ، ثم منح الله المسلمين أكتافهم ، فانهزموا يريدون المدينة ، واتَّبعهم المسلمون فشغلوهم عن الدخول ، فتفرَّقوا ، وركبهم المسلمون https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://web lessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع ٦٤ قتلًا وأسرًا كيف شاءوا، واعتصم مَن دخل المدينةَ بالمدينة ، وهم قليلٌ ، فوضع قتيبة الفَعَلة - المهندسين - للعمل في أصلها لِيهدمها ، فسألوه الصلح ، فصالحهم ، واستعمل عليهم رجلًا من بني قتيبة ، ثم ارتحلَ عنهم يريد الرجوع ، فلمّا سار مرحلة أو اثنتين - وكان منهم على خمسة فراسخ ( خمسة عشر ميلاً ) - نقضوا وكفروا ، فقتلوا العامِلَ وأصحابَه، وجدَعُوا أنوفَهم وآذانهم ، وبلغ قتيبةَ الخبرُ ، فرجع إليهم وقد تحصنوا ، فقاتلهم شهرًا، ثم وضع الفَعَلة في أصل المدينة ، فعلّقوها بالخشب ، وهو يريد - إذا فرغ من تعليقها - أن يحرِق الخشب فتنهدم ، فسقط الحائطُ وهم يعلّقونه ، فقتل أربعين مِن الفعلة ، فطلبوا الصلح فأبى ، وقاتلهم حتى ظفر بهم عَنوة ، فقتل مَن كان فيها مِن المقاتلة ، وكان فيمن أخذوا في المدينة رجلٌ أعور ، كان هو الذي استجاش ( استثار ) الترك على المسلمين ، فقال لقتيبة: ((أنا أفدي نفسي)). وسألوه: ((ما تبذل؟)). قال: ((خمسة آلافٍ حريرةٍ صينية، قيمتُها ألفُ ألفٍ)). فقال قتيبة: ((ما ترون؟)). قالوا : (( نرى أنّ فداءَه زيادةٌ في غنائم المسلمين ، وما عسى أن يبلغ مِن كيْد هذا؟!)). قال: ((لا والله لا تُرَوَّعُ - لا تُخاف - بك مسلمةٌ أبدًا )). وأمر به فَقُتِلَ . لما فتح قتيبة ((بيكند))، أصاب المسلمون فيها مِن آنية الذهب والفضة ما لا يُحصى ، وصار في أيدي المسلمين شيءٌ لم يصيبوا مثله بخراسان ، ورجع قتيبة إلى مرو ، وقوي المسلمون فاشتروْا السلاح والخيل ، وجُلبت إليهم الدوابُّ ، وتنافسوا في حُسْن الهيئة والعدّة ، وغالوا بالسلاح ، حتى بلغ الرمح سبعين دينارًا (١). وكان في الخزائن سلاح وآلة حرب كثيرة ، (١) ولّى قتيبة لقسمة الغنائم عبد الله بن وَأَلان العدوي - أحد بنى مَلَكَان، = تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ttps://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الرابع ٦٥ فكتب قتيبة إلى الحجاج يستأذنه في دفع ذلك السلاح إلى الجند ، فأذن له ، فأخرجوا ما كان في الخزائن مِن عُدّة الحرب وآلة السفر ، فقسمه في الناس ، فاستعدُّوا ، فلما كان أيام الربيع، ندب الناسَ وقال: ((إني أغزيكم قبل أن تحتاجوا إلى حمل الزاد ، وأنتقلكم قبل أنْ تحتاجوا إلى الإِدفاء - من البرد - فسار في عُدّة حسنة من الدوابّ والسلاح ، فأتى ((آمل))، ثم عبر مِن ((زم)) إلى ((بخارى))، فأتى ((نومشكت)) - وهي من بخارى - وذلك بعد أن استخلف على مرو بشار بن مسلم . كان التحرك المبكّر لقتيبة غير مُتوقَّع ، فُبُوغت أهل نومُشَكَت ، مما حملهم على استقبال قتيبة ، وعقد الصلح معه في عام ٨٨ هـ = ٧٠٧ م ، ثم سار قتيبة إلى ((راميثنه ))، فصالَحَه أهلها أيضًا ، فانصرف عنهم ، وزحف إليه الترك، ومعهم ((السغد)) وأهل ((فرغانة))، فاعترضوا المسلمين وكان قتيبة يسميه : الأمين ابنَ الأمين - ومعه إياسَ بن بيْهس الباهلي ، فأَذَابًا الآنية والأصنام، فرفعاه إلى قتيبة، ورفعا إليه حَبَثَ ما أذابا - من بقية الذهب غير النقي والأوشاب - فوهبه لهما ، فأُعطيا به أربعين ألفًا، فأعلماه، فَرَجَعَ فيه وأمرهما أن يذيباه ، فأذاباه ، فخرج منه خمسون ألف مثقال . وفي كثرة غنائم هذا اليوم قال الشاعر الكُمَيْت : ويومَ بِيكَنْدَ لا تُحصَى عجائبهُ وما بُخارَاءُ ممّا أخطأَ العَدَدُ ساعدت وفرة الغنائم قتيبة على شراء اثني عشر ألفًا من جياد الخيل ، واثني عشر ألفَ هجينٍ . ودفع ثمن كل راحِلة أربعة آلاف درهم ، وتعهدها بالرعاية طوال فصل الشتاء ، وعندما أخذ في الاستعداد لغْو نومشكت وراميثنه ، قيّد الخيولَ وأضْمرها ، حتى تذوبَ شحومُها وتصبح أكثر خفّةً ، لتجاوز الأنهار ، وقفٍْ الحواجز ، والسير في المسالك الوعرة . ثم عهد بهذه الخيول إلى أشرف الفرسان الذين يدفعهم في الطلائع ( المقدمات ) . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ttps://weblessam.blogspot.com/ ٦٦ صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الرابع في طريقهم ، فلحِقوا عبد الرحمن بن مسلم الباهلي ، وهو على الساقة ((المؤخرة))، بينه وبين قتيبة وأوائل العسكر ميلٌ واحد، فلما قربوا منه أرسل رسولًا إلى قتيبة يخبره ، وغَشيهُ الترك ، فقاتلوه ، وأتى الرسول قتيبة فرجع بالناس ، فانتهى إلى عبد الرحمن وهو يقاتلهم ، وقد كاد الترك يُلحقون بهم الهزيمة ، فلمّا رأى الناسُ قتيبة ، ارتفعتْ رُوحهم المعنوية ، وصبروا ، واستمرّ القتال حتى الظهر ، وأبلى يومئذ نيزك - وهو مع قتيبة - بلاءً حسنًا ، فهزم اللهُ التركَ وفضَّ جمعَهم . ورجع قتيبة إلى قاعدته ( مرو )، وقطع النهر مِن الترمز إلى بلخ ثم إلى مرو . وقال الباهليُّون : لقي التركُ المسلمين - عليهم ((كوربفانون)) التركي ، ابن أخت ملك الصين - في مائتي ألف ، فأظهر الله المسلمين عليهم . بدأ قتيبة عملياته في السنة التالية : ٨٩ هـ = ٧٠٨ م، مع إطلالة الربيع، وعبَر نهر جيحون عند ((زم))، وتجمّع بقوات الصُغْد(١) و((كش)) و ((نسف))، عند بداية المفازة الصحراوية، وبعد معركة ضاريةٍ، انتصر المسلمون على الترك . ومضى قتيبة بالمسلمين حتى نزل بخرقانة السفلى ، عن يمين وردان ، فلقُوه بجمع كبير ، فقاتلهم يوميْن وليلتين ، حتى ظَفِرَ عليهم، ثمّ إنّ قتيبةَ غزا ((وردان خذاه)) ملك بخارى ، فلم يتمكّن من حسْم الصراع معه ، ولم يظفر مِن البلد بشيءٍ ، فرجع إلى مرو ، وكتب إلى الحجّاج بذلك، فكتب إليه الحجَّاج: ((أن صَوِّرْهَا لي)). فبعث إليه بصُورتها ( مخططها )، فكتب إليه الحجّاج: ((أن كِسَّ بـ((كش))، وانسف ((نسّف))، وَرِدْ ((وَرْدان))، وإِيَّاكَ والتحويط ، ودعني مِن بنيات الطريق ، وارجعْ إلى مراغتك ، فتبْ إلى الله مِمّا كان منك ، وأَتِهَا مِن مكانٍ (١) ولاية عظيمة ، عاصمتُها : سمرقند، وهي وعِرة المسالك، اشتُهر أهلُها بالبطولة والبسالة . https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد - تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ttps://web lessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع ٦٧ كذا وكذا ))(١). فتح بُخارى ( ٩٠ هـ = ٧٠٩ م ) : لم تكن أعمالُ السنوات السابقة في حياة قتيبة بن مسلم ، أكثر من غزوات استطلاعية ، ودراسة ميدانية للطبيعة البشرية والطبيعة الجغرافية ، وأساليب القتال الملائمة . وجاءت رسالة الحجاج ، وفيها انتقاص من كفاءة قتيبة ، وتحذيره له من نقاط ضعْفٍ ، لا يجوز لقائد كقتيبة الوقوع فيها ، فخرج قتيبة لغزاته في عام تسعين هجرية ، وهو أكثر تصميمًا على بلوغ هَدَفِه . وكان ((وردان)) ملك بخارى قد استعد لمجابهة احتمال هجوم قتيبة ، فأرسلَ في طلب الدَّعْم من الصغد والترك ومَن حولهم ، وسَبَقَ قتيبةُ وصولَ الدعم ، فحصر بخارى ، وطوّق قواتٍ وردان . عندما وصلت قوات الدعم ، خرجت قوّة من المسلمين لقتالها ، فقالت قبيلة الأزد - وقد أرادتْ شَرَفَ مجابهة قوات الدَّعم وحدَها - : ((اجعلونا على حِدَة - ناحية - وخلّوا بيننا وبين قتالِهِم)). فوافق قتيبة ، (١) انسفْ: نسف: بمعنى: دَمّرْ بلدة نَسف ، وإياك والتحويط: بمعنى: احذرْ من الترتُّد أو اللُّجوءِ إلى الأهداف الثانوية، وركز على المواقع الهامّة. وحوّطْ : بمعنى : طَوِّقْ، أو ابنٍ حوْله حائطًا . وإياك وبنيات الطريق : أي : اسلكِ الطريق المستقيم الذي لا تعريح فيه ، وابتعد عن الطرق الفرعية . وارجع إلى مراغتك : أي : ارجعْ إلى بخارى واجعلْها هدفًا لك. والمراغة في الأصل : مُتمرغ الدابة . وأراد الحجاج من قتيبة أنْ يفتح بخارى ويجعلَها قاعدةً له ، ويتقلّب فيها كما تتقلّب الدابة في مراغتها . ( الطبري ، وابن الأثير - أحداث سنة ٨٩ هـ ) . ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ttps://web lessam.blogspot.com/ ٦٨ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع وتقدّمت قبيلة الأزدْ للقتال - وقتيبة جالسٌ ، عليه رداء أصفر فوق سلاحه - فصبروا جميعًا في معركة طاحنةٍ كان التفوّق فيها لصالح قوات الدعم ، ولم تلبث هذه القوات أن حطّموا صمود الأزد ، واندفعوا في تقدّمهم حتى دخلوا معسكر قتيبة ، وجاوزوه إلى منطقة الشئون الإدارية ، ومعسكر النساء ، فخرجتِ النساء المسلمات لمجابهة قوات العدو ، حتى ضرب النساء وجوهَ الخيل ، وعندئذٍ تدخّل قتيبة ، فأمر المَجْنبتين بتطويق قوات الترك وإبادتها ، وأسرع هؤلاءِ بالانسحاب إلى منطقة مرتفعة ، فقال قتيبة : ((من يزيلهم لنا عن هذا الموضع؟)). فلم يقدُم عليهم أحد، والأحياء من العرب كلهم وُقُوفٌ ، فمشى قتيبة إلى بني تميم ، وحضَّهم على القتال ، بقوله: (( يومٌّ كأيامِكم )). وتقدّم وكيعٌ - من تميم - فحمل الراية ، واستثار قومه ، وسلّم الراية لقائد فرسان تميم : هريم بن أبي طلحة المجاشعي ، في حين تولّى وكيع قيادة قوّة المشاة ، ووصلتْ قبيلة تميم بفرسانها ومشاتها إلى نهرٍ واسع ، وتقدّم الفرسان بقيادة هريم ، حتى خاضُوا النهر وعبروه إلى الضفة المقابلة ، فيما كان وكيعٍ يجمع الخشب ، حتى أقام جسرًا على النهر، وقال لأصحابه : (( مَنْ وطّن نفسه على الموت فلْيعبر ، ومَنْ لا ، فليثبت مكانه هنا )) . وعَبَرَ الجسر ثمانمائة مقاتل ، وسار بالقوة بعد ذلك ، حتى اقترب من العدو ، فأعطى جنده المشاة فترةَ استراحة قصيرة ، ومضى لتنظيم قواته ، فجعل الخيلَ على مجنبتيْه لحمايتهما ، ثم قال لهريم: ((إني مُطاعِنٌ القوم ، فاشغلْهم عنّا بالخيل )) . وقال للناس: ((شدُّوا )). فحملوا ، فما انتنَوْا حتى خالطوهم، وحمل هريم خيلَه عليهم ، فطاعنوهم بالرماح ، فما كفُّوا عنهم حتى حَدَرُوهم عن موقفهم ، ونادى قتيبة: ((أَمَا تَرَوْن العدوَّ منهزمين؟)). فأتبعهم الناسُ، ونادى قتيبة: (( مَن جاء برأسٍ فلهُ مائة)) . وانطلق الجند يعبرون النهر، وأسرعتْ قوات الخصم https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد ٦٩ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع بإخلاء ميدان المعركة ، والانسحاب بسرعةٍ قبل أن تصلَهم قوات المسلمين . كان من نتيجة الهزيمة المنكرة التي نزلت بجيشَي الصغد وبخارى ، وإصابة خاقان الترك وابنه في المعركة، أن تقدّم ملك السّند ((طرخون))، حتى وصل الضفة المقابلة مِن نهر جيحون ، وعرض على قتيبة الصلح ، فوافقه قتيبة، ووقّعا اتفاقية الصلح، وعندما رجع ((طرخون )) إلى بلاده ، رفض أهل مملكته قبول الصلح ، وخلعُوه عن الملك ونَصبُوا ابن أخيه مكانه، وشعر ((طرخون )) بالألم لهذا الموقف المتمرّد ، فاتّكا على سيْفه وانتحَر . وأرسل الملك الجديد رسولًا يعلن رفضه لاتفاقية الصلح المعقودة مع عمّه ، وفي الوقت ذاته ، كان قتيبة ينظّم أمور بخارى ، حتى إذا فرغ منها ، رجع إلى مرو ومعه نيزك ، وقد أذهله ما شهده من فتوح ، وأصبح يخاف بَأْسَ قتيبة. فقال لأصحابه وخاصته: (( ... مُتّهَمٌ أنا مع هذا، ولست آمَنه ، وهو شديد السطوة فاجرٌ، فلو استأذنتُه ورجعتُ ، كان الرأي)). قالوا: ((استأذنه)). فلما كان قتيبة بآمل، استأذنه في الرجوع إلى تخارستان ، فأذِن له ، فلما فارق عسكره متوجّهًا إلى بلخ ، قال لأصحابه : ((أغذوا السير)). فساروا سيرًا شديدًا، حتى أتوا النوبهار، حيث قال لأصحابه : (( إني لا أُشكّ أن قتيبة قد ندِم حين فارقنا عسكره على إذنه لي ، وسيقدم الساعةَ رسوله على المغيرة بن عبد الله يأمره بحبْسي ، فأقيموا ربيئةً - نقطة مراقبة - للنظر ، فإذا رأيتم الرسول قد جاوز المدينة ، وخرج من الباب، فإنه لا يبلغ ((البروقان)) ، حتى نبلغ تخارستان ، فيبعث المغيرة رجلًا ، فلا يدركنا حتى ندخل شعب ( خُلُم ) )). ففعلوا . ولم تمضٍ سوى فترة قصيرة ، حتى أقبل رسولٌ مِن قبل قتيبة إلى المغيرة يأمره بحبس نيزك ؛ فلمَّا مّ الرسول إلى المغيرة وهو بالبروقان - ومدينة بلخ يومئذ https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://web lessam.blogspot.com/ ٧٠ صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الرابع خراب - ركب نيزك وأصحابه فمضوا ، وقدِم الرسولُ على المغيرة فركب بنفسه في طلبه ، فوجده قد دخل شِعب (( خُلُم)) ، فانصرف المغيرة ، وأظهر نيزك الخلْع، وكتب إلى ((إصبهبذ)) بلخ، وإلى ((باذام)) ملك ((مرو الروذ))، وإلى ((سهرب)) - أو سهرك - ملك الطالقان، يدعوهم إلى خلع قتيبة فأجابوه ، وواعدهم الربيع أنّ يجتمعوا ويغزوا قتيبة . كان ملك تخارستان - واسمه : جبغويه - ضعيفًا ، فأخذه نيزك ، فقيّده بقيدٍ من ذهبٍ ، مخافة أن يشغب عليه - وجبغويه ملك تخارستان ، ونيزك مِن عبيده ، جعله قائدًا لقواته - فلمّا استوثق منه ، وضع عليه حراسة قوية ، وأخرج عاملَ قتيبة من تخارستان ، وبلَغَ قتيبةَ خلَّعُه قبل الشتاء ، وقد تفرّق الجند ، فلم يبقَ مع قتيبة إلا أهل مرو ، فبعث عبد الرحمن أخاه إلى بَلْخ في اثني عشر ألفٍ مقاتل ، وكلّفه بالتوجُّه إلى البروقان ، وقال له : (( أقمْ بها ، ولا تُحدِث شيئًا، فإذا حسرَ الشتاء، فعَسْكِرْ وسِرْ نحو تخارستان ، واعلمْ أني قريبٌ منك)) . فسار عبد الرحمن فنزل البروقان؛ وأمهَلَ قتيبة، حتى إذا كان آخر الشتاء، كتب إلى ((أبرشهر))، و((بيورد))، و((سرخس))، وأهل ((هراة))، لِيقدموا قبل أوانهم الذي كانوا يَقْدمون عليه فيه للغزو والحرب . كان أول من استجابَ لنيزك : طرخان ملك الطالقان ، واتّفق معه على حرب قتيبة ، فلمّا هَرَبَ نيزك من قتيبة ودخل شِعبَ خُلم الذي يصل إلى طخارستان ، علم أنه لا طاقة له بقتيبة ، فهرب ، وسار قتيبة إلى الطالقان ، فأوقع بأهلها ، وقتل منهم مقتلةً عظيمة ، وصلَب منهم على امتدادٍ أربعة فراسخ - اثني عشر ميلاً - في نظامٍ واحدٍ . مضى فصل الشتاء ، وجاء العام الجديد ( ٩١ هـ = ٧١٠ م ) ، وقدِم أهل ((أبرشهر))، و((بيورد))، و((سرخس))، و((هراة))، بجيوشهم تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ttps://web lessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الرابع ٧١ على قتيبة ، فسار بالناس إلى ((مرو الروذ))، واستخلف على الحرب حمّاد بن مسلم، وعلى الخَراج عبد الله بن الأهتم، وبلغ ((مرزبان)) مرو الروذ إقبالُه إلى بلاده ، فهرب إلى بلاد الفرس ، وقدِمَ قتيبة مرو الروذ ، فأخذ ابنيْن له فقتلهما وصلبهما ، ثم سار إلى الطالقان ، فقام صاحبُها ولم يحاربه ، فكفَّ عنه ، وفيها لصوصٌ ، فقتلهم قتيبة وصلبهم واستعمل على الطالقان عمرو بن مسلم ، ومضى إلى الغارياب ، فخرج إليه ملكها مُذعِنًا مُقّا بالطاعة ، فرضي عنه ولم يقتل بها أحدًا، واستعمل عليها رجلاً من ((باهلة))، وبلغ صاحب ((الجوزجان)) خبرهم ، فترك أرضه وخرج إلى الجبال هاربًا، وسار قتيبة إلى الجوزجان فلقيه أهلها سامعين مطيعين ، فقبل منهم ، فلم يقتل فيها أحدًا، واستعمل عليها عامر بن مالك الحماني، ثم أتى ((بلخ))، فلقيه الأصبهيذ في أهل بلخ ، فدخلها فلم يُقِمْ بها إلَّا يومًا واحدًا ، ثم مضى قتيبة وهو يتبع أخاه عبد الرحمن ، حتى أتى شعب خُلم ، وقد مضى نيزك فعسكر ببغلان ، بعد أن ترك مجموعةً من المقاتلين لحماية مضيق الوادي - فم الشّعب - وللدفاع عن مداخله وحراستها ، كما وضع نيزك حاميةً من المقاتلين في قلعة حصينة من وراء مضيق الوادي ، فأقام قتيبة أيامًا يقاتلهم عند مدخل الوادي ، دون أنْ ينال منهم أو ينتصر عليهم ، ولم تكن المعلومات المتوافرة لقتيبة تشير إلى وجود محاور للاقتراب سوى طريق الوادي ، وسوى مفازة لا يستطيع المجازفة بدفع الجند لاختراقها ، فوقف في موقعه ، محاولًا إيجاد مخرج من هذا المأزق ، وفي تلك الفترة ، قدم عليه ملك ((الروب)) و((سمنجان))، فاستأمنه على أن يدلَّه على مدخل القلعة التي وراء هذا الشعب ، فآمنه - أعطاه الأمان - وبعث معه رجالًا في الليل ، فانتهى بهم إلى القلعة التي مِن وراء مدخل الوادي ، فباغتوهم بالهجوم وأبادوا حامية القلعة ، وهربَ مَن بقي منهم ، ومن كان في الشِّعب - https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ttps://web lessam.blogspot.com/ ٧٢ صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الرابع مدخل الوادي - فدخل قتيبة والناس الوادي ، وأتى القلعة ، ثم مضى إلى سمنجان ، و((نيزك)) ببغلان، عند نَبْعٍ يُعرف باسم: ((فنج جاه))، ولم تكن المفازة بين سمنجان وقرية بغلان شديدة الوعورة أو صعبة المسالك . أقام قتيبةُ بسمنجان أيّامًا ، ثم سار إلى نيزك ، وقدَّم أخاه عبد الرحمن ، وبلغ نيزك ذلك، فارتحل مِن منزله حتى قطع وادي ((فرغانه ))، ووجّه ثِقَلَه وأمواله إلى ملك كابول ، ومضى حتى نزل الكرز ، وعبد الرحمن ابن مسلم يتبعه ، فنزل عبد الرحمن وأخذ بمضائق (( الكرز)) ونزل قتيبة ((أسكيمشست))، بينه وبين عبد الرحمن فرسخان ، فتحصّن نيزك في الكرز ، وليس إليه مسلك إلا مِن وجهٍ واحد ، وكان ذلك الوجه صعبًا لا يمكن للفرسان الوصول إليه ، فحاصره قتيبة مدة شهرين كاملين ، حتى نفد التموين عند نيزك، وأصاب جندَه الجدري، وخاف قتيبة الشتاء، فدعا ((سُليمًا الناصح))، وقال له: ((انطلق إلى نيزك، واحْتَلْ لأن تأتيني به بغير أمان، فإنْ أعياك وأبى فَآمِنْهُ ، واعلم أنّي إنْ عاينتُك وليس هو معك صلبتُك ، فاعملْ لنفسك)). فقال سُليم الناصح: ((فاكتب لي إلى عبد الرحمن ، لا يخالفني)). قال قتيبة: ((نعم)). وكتب إلى عبد الرحمن بذلك، وعندما وصل سُليم إلى عبد الرحمن ، طلب إليه إرسال مجموعة من الفرسان للتمركُز عند مدخل الوادي، وقال له: (( إنّ على هؤلاء الفرسان إعاقَتَنَا عن الوصول إلى مدخل الوادي ، إذا ما خرجنا أنا ونيزك)) . وبعث عبد الرحمن قوة من الفرسان إلى حيث أمرهم سُليم ، ومضى سُليم وقد حمل معه من الأطعمة ما يكفي أيّامًا ، حتى أتى نيزكًا ، ونصحه بتسليم نفسه إلى قتيبة ومحاولة إزالة غضبه ، وأنّ قتيبة لن يبرح موضعه ، وقد صمّم على قضاء الشتاء في موقعه ، هلَك أو سلِم . وبعد مناقشة طويلة ، استطاع سُليم إقناع نيزك بالتسليم ، لا سيما بعد أن برهن له عن مدى حاجة جنده https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد ttps://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الرابع ٧٣ للطعام ، عندما عرض ما يحمله عليهم ، وقبل نيزك في النهاية مرافقة سُليم . وتدخّلت قوة الفرسان ، فحالوا بين الأتراك والخروج ، ورافقوا نيزكًا ، حتى قدِموا به إلى عبد الرحمن بن مسلم ، فأرسل رسولًا إلى قتيبة يُعْلِمه ، فأرسل قتيبة بطلبهم ، فقدِم بهم عبد الرحمن عليه ، فحَبَس أصحاب نيزك ، ودفع نيزكًا إلى ابن بسّام الليثي ، وكتب إلى الحَجّاج يستأذنه في قتل نيزك ، وفي انتظار ذلك جعل ابنُ بسّام نيزكًا في قبّتِهِ - خيمته - وحفَر حول القبة خندقًا ، ووضع عليه حراسة قوية ، وجاء كتاب الحجّاج بعد أربعين يومًا ، يأمر بقتل نيزك . عندما جاء أمر الحجاج ، استدعى قتيبة نيزكًا للمثول بين يديه، وقال له: ((هل لك عندي عقّد أو عند عبد الرحمن أو عند سليم؟)). قال: ((لي عند سليم)). قال: ((كذبت)). وقام ، وردّ نيزكًا إلى حبْسه ، ومكث قتيبة ثلاثة أيام لا يظهر للناس ، وقام المهلّب ابن إياس العدوي ، وتكلّم في أمر نيزك، فقال بعضهم: (( ما يحلّ له أنْ يقتله)). وقال بعضهم: ((ما يحلّ له تركه)). وخرج قتيبة في اليوم الرابع ، فجلس وأذن للناس، فقال: ((ما ترون في قتْل نيزك؟ )). فاختلفوا ، فقال قائل: ((اقتلْه)). وقال قائل: ((أعطيتَه عهدًا فلا تقتلْه)). وقال قائل: (( ما نأمنهُ على المسلمين)). ودخل ضرار بن حصين الضّ، فقال: (( ما تقول يا ضرار؟)). قال: ((إني سمعتُك تقول: أعطيتَ الله عهدًا إِنْ أمكنَكَ منه أن تقتله ، فإنْ لم تفعل ، لا ينصرفّك اللهُ عليه أبدًا)) . فأطرق قتيبة طويلًا، ثم قال: ((والله لو لم يبقَ من أجَلي إلا ثلاث كلمات، لقلتُ : اقتلوه ، اقتلوه ، اقتلوه )). وأرسل إلى نيزك فأمر بقتله وقتل أصحابه ، فقال المغيرة بن حبناء كلمة طويلة في مديح عمل قتيبة ، مطلعها : لَعَمْرِي لَنِعْمَتْ غَزْوةُ الجندِ غزوةً قَضَتْ نَحْبها مِن نيزكٍ وتعلّتِ عمل قتيبة بعد ذلك على إعادة تنظيم الإدارة في تخارستان ، وأطلق https://arabessam.blogspot.com/ ـبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ttps://web lessam.blogspot.com/ ٧٤ صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الرابع سراح ملكها جغبويه ، وأرسله إلى الوليد ، فلم يزل بالشام حتى مات الوليد ، ورجع قتيبة إلى مرو ، واستعمل أخاه عبد الرحمن على بلخ ، وأرسل إلى الحجاج بالخراج وبأخبار الفتح ، فكان ما يردّده الحجاج دائمًا: (( بعثتُ قتيبةَ فَتَّى غِرّا، فما زدته ذِراعًا إلا زادني باعًا)). ما إن استقرّ قتيبة في مرو ، حتى وصله طلب أمان من ملك الجوزجان ، وكان قد هرب عن بلاده تأييدًا لنيزك ، ثم تراجع عن موقفه عندما عَلِمَ بمصرعه ، فآمنه قتيبة على أن يأتيه فيصالحه ، فطلب رهنًا يكونون في يديه ويعطي رهائنَ مقابل ذلك ، فأعطى قتيبةُ حبيب بن عبد الله بن عمرو بن حصين الباهلي ، وأعطى ملكُ الجوزجان رهائن من أهل بيته ، فخلَّف ملك الجوزجان حبيبًا بالجوزجان في بعض حصونه ، وقدم على قتيبة فصالحه ، ثم رجع فمات بالطالقان مسمومًا ، وقتل أهل الطالقان حبيبًا ، فما كان من قتيبة إلا أن قتل الُهُن الذين كانوا عنده ، وفي ذلك قال نهار بن توسعة : أراكَ اللهُ في الأتراكِ حكمًا كحُكْمِ فِي قُرَيْظةَ والنّضيرِ بِهِ يُشْفَى الغليلُ مِنَ الصدورِ قضاءً من قتيبةَ غَيْرُ جْرٍ فكمْ في الحربِ حُمْقٌ مِنْ أميرٍ فإنْ يَرَ نيزكٌ خِزْيًا وَذَلَّا غَزْو شُومان و ((كَسّ)) و ((نَسَف)) سنة إحدى وتسعين هجرية: أفاد ملك شومان ((قيسلشتان )) مِنَ الاضطراب الذي أثاره غدْرُ نيزك ، فطرد عامل قتيبة ، ومنع الفدية التي كان قد صالح عليها قتيبة ، فبعث إليه قتيبة رسولًا - وهو: ((عيّاش الغَنَوي)) - ومعه رجلٌ من نُسّاك أهل خُراسان، يدعوانِ ملك شومان إلى أنْ يؤدِّي الفِدية على ما صالح عليه قتيبة ، فقدِما البلد ، فخرجوا إليهما فرمَوْهما ، فانصرف الرجل ، وأقام عيّاش الغَنَوي . فقال: (( أمَا هاهنا مسلمٌ؟!)). فخرج إليه رجلٌ من المدينة فقال: ((أنا https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://web lessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الرابع ٧٥ مسلم، فما تريد؟)). قال: ((تعينني على جهادهم)). قال: ((نعم)). فقال له عيّاش: ((كن خَلْفي لتمنعَ لي ظهري)). فقام خلفه، وكان اسم الرجل : المهلّب ، فقاتلهم عيّاش ، فحمل عليهم ، فتفرّقوا عنه ، وحمل المهلبُ على عياش من خلفه فقتله ، فوجدوا به ستين جراحة ، فغمّهم قتلُه، وقالوا: ((قتلنا رجلًا شجاعًا)). بلغ قتيبةَ ما فعله أهل شومان بسفيرَيْه ، فسار إليهم بنفسه ، ولمّا تكذ قواته تأخذ قِسْطها من الراحة بعد قتال نيزك ، وأخذ طريقَ بلخ ، بعد أن دفع أخاه عبد الرحمن لقيادة مقدمته ، وكان ملك شومان صديقًا لصالح - أخو قتيبة - فأرسل إليه صالح رجلًا يأمره بالطاعة ، ويضمن له رضا قتيبة إن رجع إلى الصلح ، فأبى وقال: (( ما تُخوّفني به من قتيبة، وأنا أمنع الملوك حصنًا ؟! أَرْمي أعلاه ، وأنا أشدُّ الناس قوْسًا، وأشدُّ الناس رميًا، فلا تبلغ نُشّابتُه نصفَ حصني ، فما أخاف من قتيبة )) . فمضى قتيبة من بلخ ، فعبر النهر ، ثم أتى شومان وقد تحصّن ملكها ، فوضع عليه المجانيق ، ووضع منجنيقًا كان يسمّيها ((الفحجاء))، فرمى بأول حجر، فأصاب الحائط ، ورمى بآخر فوقع في المدينة ، ثم تتابعتِ الحجارة ، حتى دمّر الحصن ، وخاف ملك شومان من الوقوع في قبضة قتيبة ، ورأى ما نزل به ، فجمع ما كان عنده من مال وجوهر ، فرمى به في عيْنٍ في وسط القلعة لا يُدرَك قَعْرها ، ثم جمع قواته ، وفتح أبواب القلعة ، وخرج إلى المسلمين فقاتلهم حتى قتل ، ودخل قتيبة القلعة بعد أن فتحها عَنوة ، فقتل المقاتلة ، وسَبى الذرية ، ثم رجع إلى ((كِس)) و((نسف))، ثم مضى إلى بُخارى، ثم سار إلى طرخون بالصغد ، ليقبض منه ما كان صالَحه عليه ، فلما أشرف على وادي الصغد ، توقّف هناك ، وقبض من طرخون صلّحه ، وعاد مُتَّبِعًا محور : بُخَارى ، آمل ، مرو . https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد https://web lessam.blogspot.com/ ٧٦ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع كانت عمليات السنة التالية سهلة هيّنة ؛ فقد غزا قتيبة سجستان ، يريد ((رُبتيل الأعظم والزابل))، فلما نزل سجستان، استقبلتْهُ رُسل رُبتيل بالصلح ، فقبل ذلك وانصرف ، واستعمل عليهم ربّة بن عبد الله بن عمير الليثي ، وعاد إلى مرو . صلح قتيبة مع ملك خُوارزم شاه، وفتح ((خام جرد)) سنة ثلاث وتسعين هجرية : كان ملك خوارزم - الآرال حاليًّا - ضعيفًا، فغلبه أخوه ((خرذاذ )) على أمره - وخرذاذ أصغر منه - فكان إذا بلغه أنّ عند أحد مِن مواطني مملكته جاريةً أو دابةً أو متاعًا فاخرًا ، أرسل فأخَذَه ، أو بلغَه أنّ لأحدهم منهم بنتًا أو أختًا أو امرأة جميلةً ، أرسل إليه فغصَبَه ، وأخذ ما شاء ، وحبس ما شاء ، لا يمتنع عليه أحد ، ولا يستطيع الملكُ منعَه أو تأديبه ، وكثيرًا ما رفع الناس ظلاماتهم للملك، فكان يقول: (( لا أقوى عليه )) . وزاد الأمر على الملك حتى ملأه غيظًا ، فلما طال الأمر عليه ، كتب إلى قتيبة يدعوه إلى أرضه حتى يسلّمها له ، وبعث إليه بمفاتيح مدائن خُوارزم ، وهي ثلاثة مفاتيح من ذهب ، واشترط عليه أن يدفع إليه أخاه ، وكلّ مَن يضادُّه أو يقاومه ، ليحكم فيه بما يرى ، وبعث في ذلك رُسلًا، ولم يُطلع أحدًا من معاونيه ومستشاريه - مرازبته ودهاقينه - على ما كتب به إلى قتيبة ، فقدمتْ رسله على قتيبة في آخر الشتاء ووقْت الغزو ، وقد تهيّاً للحرب واستعدّ لها، فأظهر قتيبة أنه يريد التوجُّه إلى الصغد ، ورجع سفراءُ خوارزم شاه إليه بما يحبُّ مِن قِبَل قتيبة ، وسار بعد أن استخلف على مرو ثابتًا الأعور مولى مسلم ، وجمع ملك خوارزم ملوكَه ، وأحْباره - كهنته - ومستشاريه ، وخدعهم بقوله (( أن المعلومات المتوافرة له تؤكّد أنّ قتيبة يريد الصغد ، ولا يريد الهجوم على خوارزم شاه»، فانصرف أهل خوارزم عن الاستعداد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد ttps://web lessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ٧٧ صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الرابع للحرب ، ولم يشعروا باقتراب الخطر منهم ، إلّا عندما نزلتْ قوات المسلمين في ((هزارسب))، دون النهر ، واجتمع أصحابُ الملك لمناقشة الموقف ، وطالبوا بالتعُّض لقتال قتيبة ، ولكنّ الملك قاوم هذا الاتجاه ، عندما قال لهم : ((إني لا أرى ذلك ؛ فقد عجز عنه مَن هو أقوى منّا، وأشد شوكة ، ولكنني أرى أنْ نَصرفه بشيءٍ نؤدّيه إليه، فنصرفه عامنا هذا، ونرى رأينا)). فوافقوه على رأيه ، فأقبل خُوارزم شاه ، فنزل في مدينة الفيل ، من وراء النهر، ((وكانت مدائن خوارزم الرئيسية ثلاثة، لكنّ ((فيل)) كانت أكثرهن منعة وقوةً وتحصينًا )) وبقي نهرُ بلغ هو الفاصل بين مواقع قوات قتيبة في هزارسب، ومكان نزول ملك خوارزم في ((فيل))، وتمّ الصلح على عشرة آلافٍ رأسٍ وعيْن ومتاع ، بشرط أن يساعده على مَلِك خام جرد ، وأن يفي له بما كتب إليه ، فقبل ذلك منه قتيبة ، ووفّى له ، إذْ بعث قتيبةُ أخاه إلى ملك خام جرد - الذي كان يُناصب خوارزم شاه العداء - فقاتله ، فقتله عبد الرحمن ، واجتاح حدود بلاده ، وقدم منهم على قتيبة بأربعة آلاف أسير ، فقتلهم . ودفع قتيبة إلى خوارزم شاه أخاه ومَن كان يخالفه ، فقتلهم وصادر أموالهم، وبعث بها إلى قتيبة . ودخل قتيبة مدينة (( فيل))، فقبل من خوارزم شاه ما صالحه عليه ، ثم رجع إلى هزارسب . يومُ سمرقند سنة ثلاث وتسعين هجرية : ما إنْ أمضى قتيبة الصلح مع حاكم خوارزم - ملكها - حتى تقدّم إليه المجشر بن مزاحم السُّلمي ، وطلب التحدّث إليه على انفراد ، وعندما تمّ له ذلك، قال المجشر لقتيبة: ((إن أردت السغد يومًا من الدهر ، فالآن ؛ فإنهم آمنون مِن أن تأتيهم من عامك هذا ، وإنما بينك وبينهم عشرة أيام )). وسأله قتيبة: ((هل أشار بهذا عليك أحد؟)). وأجابه المجشر بالنفي ، وعاد يسأله: ((وهل أعلمتَه أحدًا؟)). فأجاب المجشرُ بالنفي أيضًا، وعندها قال https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ttps://weblessam.blogspot.com/ ٧٨ صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الرابع له قتيبة: ((والله لئن تكلّم به أحد لأضربنّ عنقك)) . ثم إنّ قتيبة أقام يومه، فلمّا أصبح من الغدِ ، دعا عبد الرحمن فقال: (( سِرْ في الفرسان والمُرامية ، وقَدِّمِ الأثقال إلى مَرْو )). ومضى عبدُ الرحمن يَتْبعُ الأثقال، يريد مَرْو يومَه كله، فلمّا أمسى كتب إليه : (( إذا أصبحتَ فوجِّهِ الأثقال إلى مَرْو ، وَسِرْ في الفُرسان والمُرامية نحو السغد، واكتم الأخبار ، فإني بالأثر أَتْبعك)) . ولمّا وصلتِ الرسالة ، أمر عبد الرحمن أصحاب الأثقال أنْ يمضُوا إلى مَرْوَ، وسار حيث أمره، وخطب قتيبة الناس فقال: ((إن الله قد فَتَحَ لكم هذه البلدة في وقتٍ الغَزْوُ فيه ممكن ، وهذه السغدُ شاغرةٌ برجلها - رجالها - قد نقضوا العهد الذي كان بيننا ، ومنعونا ما كنّا صالَحْنا عليه طرخون ، وصنعوا به ما بلغكم ، وقال الله : ﴿فَمَنْ نَكَثَ فإِنَّمَا يَنْكُثُ على نَفْسِهِ ﴾ [ الفتح: ١٠]، فسيروا على بركة الله ، فإني أرجو أن يكون خوارزم والسغد كالنضير وقريظة. وقال الله: ﴿وأُخْرَىْ لَمْ تَقْدِروا عَلَيْهَا قد أَحَاطَ اللهُ بِهَا﴾ [ الفتح: ٢١] . ووصل قتيبة إلى السغد وقد سبقه إليها عبد الرحمن بن مسلم في عشرين ألفًا ، وقدم عليه قتيبة في أهل خوارزم وبُخارى ، بعد ثلاثة أيام من نزول عبد الرحمن بهم ، فقال : ((إنا إذا نزلنا بساحة قوم ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ المُنذَرِينَ ﴾)). [ الصافات: ١٧٧ ] . وبدأت مرحلة حصار السغد التي استمرّت شهرًا ، حدثت خلاله مجموعةٌ من المعارك والاشتباكات في قطاع واحد . اشتدّ الحصار على أهل السغد، وخافوا طول الحصار، فكتب ((غَوْزَك)) ملك السغد رسائل إلى ملك الشاش ، وإخشاذ فرغانه وخاقان الترك ، جاء فيها: (( إنا نحن دونكم ، فيما بينكم وبين العرب ، إنْ ظفروا بنا عادوا ، فأغاروا عليكم بمثل ما أتونا به ، وأصبحتم أضعف وأذل ؛ فانظروا لأنفسكم ، ومهما كان عندكم من قوة فابذلوها)). واستجاب الملوك لدعوة ((غوزك)) https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الرابع ٧٩ ملك السغد ، وطلبوا إليه مقاومة العرب وخداعهم ، حتى يباغتوا العرب ، واجتمع هؤلاء الملوك، فقالوا: (( إنما نُؤتى من سفَلِتِنَا ، وإنهم لا يجدون لِوَجْدنا ، ونحن معشر الملوك المعنُّون بهذا الأمر ، فانتخبوا أبناء الملوك ، وأهل النجدة مِن فتيان مُلُوكِكم ، فلْيخرجوا حتى يأتوا عسكر قتيبة مُباغتةً ؛ فإنه مشغول بحصار السغد )). وانتخبوا فرسانًا من أبناء المرازبة، والأساورة الأشداء الأبطال ، وولَّوْا عليهم ابنًا لخاقان ملك الترك ، وأمروهم أن يباغتوا قتيبة بهجومٍ ليلِي . وبلغ قتيبة ذلك ، فانتخب أهل النجدة والبأس ، حتى بلغ عددهم أربعمائة ، ثم جمعهم وقال لهم: (( إن عدوًّ كم قد رأوا بلاء الله عندكم ، وتأييده إياكم في مزاحفتكم ومُكاثرتكم ، كلُّ ذلك يَفلُجكم لِينصركم الله عليهم . فأجمَعُوا على أن يحتالوا عزّتكم وبَياتكم ، ليباغتوكم بهجوم ليلي ، واختاروا دهاقينهم وملوكهم ، وأنتم دهاقين العرب وفرسانهم ، وقد فضّلكم الله بدينه ، فأبلُوا اللهَ بلاءً حسنًا تستوجبون به الثواب ، مع الذَّبِّ عن أحسابكم )) . ووضع قتيبة عيونًا - جواسيس - على العدو ، حتى إذا قربوا منه قدر ما يصلون إلى عسكره من الليل ، دفع الذين انتخبهم ، بعد أن حضّهم على القتال ، واستعمل عليهم صالح بن مسلم ، فخرجوا من المعسكر عند المغرب ، فساروا ونزلوا على فرسخيْن من العسكر ، عن طريق القوم الذين وصفوا لهم ، ففرّق صالِح خيله ، وأكمن كمينًا عن يمينه ، وكمينًا عن يساره ، وأقام مع مجموعة من الفرسان على قارعة الطريق ، حتى إذا مضى نصف الليل أو ثلثاه ، جاء العدو باجتماع وإسراع وصمت ، وهم آمِنون في أنفسهم من أنْ يلقاهم أحد دون معسكر قتيبة ، ولم يعلموا بمكان صالح حتى اصطدموا به ، حتى إذا اختلفت الرماح ، واشتدّتِ المعركة ، خرج الكمينان عن يمينٍ وشمالٍ ، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، حتى قال أحد الذين اشتركوا في قوة الكمين : ((حصرناهم ، فما رأيتُ https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ٨٠ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع قَطُّ قومًا كانوا أشدّ قتالًا مِن أبناء أولئك الملوك ، ولا أصبر ، فقتلناهم فلم يفلت منهم إلا نفرٌ يسير ، وحَوَينا سلاحهم ، واحتززنا رءوسهم ، وأسْنا منهم أسرى ، فسألناهم عمَّن قتلنا ، فقالوا : ما قتلتم إلا ابن مَلِك ، أو عظيمًا من العظماء ، أو بطلًا من الأبطال ، ولقد قتلتم رجالًا إنْ كان الرجل لَيعدِل بمائة رجل)). وقال مقاتِلٌ آخر: ((إنّا لَنختلفُ عليهم بالطعن والضرب ، إذْ تبيّنت تحت الليل قتيبةً ، وقد ضربتُ ضربة أعجبتني وأنا أنظر إلى قتيبة ، فقلت : كيف ترى ، بأبي أنت وأمي ؟! قال : اسكت ، دقّ اللهُ فاك. قال: فقتلناهم، وأقمنا نحوي - نجمع - الأُسلابَ، ونحتزّ الرءوسَ حتى أصبحنا . ثم أقبلنا على المعسكر ، فلم أرَ جماعة قَطّ جاءوا بمثل ما جئنا به ، ما منا رجل إلا معلّقٌّ رأسًا معروفًا باسمه ، وأسير في وثاقه ، مع ما سلبْنا من جيّد السلاح وكريم المتاع ومناطق الذهب ودوابَّ فُرَّهَةٍ ، فتفلَنَا قتيبة ذلك كله . وقال : جزاكم الله عن الدين والأعراض خيرًا . وأكرمني قتيبةُ ، من غير أن يكون باحَ لي بشيء ، وقَرن بي - في الصلة والإِكرام - حيانَ العدوي وحُليًّا الشيباني ، فظننتُ أنه رأى منهما مثل الذي رأى مني ، وكسر ذلك أهلَ السغد ، فطلبوا الصلح وعرضوا الفدية ، فأبى وقال : أنا ثائر بدم طَرْخون ، كان مولاي ، وكان من أهل ذمتي)) . استمرت الحرب ، وأخلص أهل بخارى وأهل خوارزم القتالَ إلى جانب قتيبة، فأرسل ((غوزك)) ملك السغد إلى قتيبة، يقول له: ((إنما تقاتلني بإخوتي ، وأهل بيتي من العَجَم ، فأخْرِجْ إلَّ العرب)) . فغضب قتيبة ودعا الجدلي، فقال: ((اعرض الناس ومَيِّز أهل البأس)). فجمعهم ، ثم جلس قتيبة يعرضهم بنفسه ، ودعا العُرفاءَ ، فجعل يدعو برجلٍ رجلٍ ، فيقول: ((ما عندك؟)). فيقول: ((العريف شجاع)). ويقول: (( ما https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد