Indexed OCR Text
Pages 521-540
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس ٥٢١ الجُهَّال . وهو ما بين جلّ وخفّ ، وهو أنواع لا تُحصى ، وهو سارٍ في النفوس سريان الحمَّى في بدَن المحموم ، ولو تأمل العبد كلامه وأمنيته وإرادته وأحواله ، لَرَأَى ذلك في قلبه عيانًا ، فكلُّ نفْسٍ معترضة على قَدَر الله وقَسْمه وأفعاله ، إلّا نفْسًا قد اطمأنت إليه، وعرفته حقَّ المعرفة التي يمكن وصول البشر إليها ، فتلك حظّها التسليم والانقياد ، والرضا كل الرضاء . وأما ((نقْصُ رعونة التعرُّض)): فيشير به إلى معنى آخر، لا تتمُّ المراقبة عنده إلّا بنقْضه ، وهو إحساس العبد بنفسه وخواطره وأفكاره حال المراقبة والحضور مع الله ؛ فإنَّ ذلك تعرُّض منه لحجاب الحقِّ له عن كمال الشهود ؛ لأن بقاء العبد مع مداركه وحواسِّه ومشاعره ، وأفكاره وخواطره ، عند الحضور والمشاهدة : هو تعرّض للحجاب ، فينبغي أن تتخلّص مراقبة نظر الحقِّ إليك من هذه الآفات . وذلك يحصل بالاستغراق في الذكر ، فتذْهَلُ به عن نفسك وعمَّا منك، لتكون بذلك متهيئاً مستعدًّا للفناء عن وجودك ، وعن وجود كلِّ ما سوى المذكور سبحانه . وهذا التهُّؤُ والاستعداد : لا يكون إلّا بنقْضِ تلك الرعونة ، والذكْرُ يُوجب الغيبة عن الحِسِّ ، فمن كان ذاكرًا لنظَرِ الحق إليه من إقباله عليه ، ثم أحسَّ بشيء من حديث نفسه وخواطره وأفكاره : فقد تعرّض واستدعى عوالم نفسه ، واحتجاب المذكور عنه ؛ لأن حضْرة الحقِّ تعالى لا يكون فيها غيره . وهذه الدرجة لا يقدر عليها العبد إلا بمَلَكَة قويّة من الذكر ، وجمع القلب فيه بكلِيَّته على الله عز وجل ))(١) . الدرجة الثالثة : مراقبة الأَزَلِ ، بمطالعة عيْن السَّبْق، استقبالًا لعَلَم التوحيد: قال ابن القيم: ((قوله : ( مراقبة الأزل ) : أي شهود معنى الأزل ، (١) مدارج السالكين ٦٨/٢ - ٧٢ . ١ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٥٢٢ صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الخامس وهو القدم الذي لا أول له . ( بمطالعة عيْن السبْق ) : أي بشهود سبق الحقِّ تعالى لكلّ ما سواه ؛ إذْ هو الأول الذي ليس قبله شيء فمتى طالَع العبد عيْن هذا السبق، شهِد معنى ((الأزل))، وعرف حقيقته، فبدا له حينئذ عَلَمُ التوحيد ، فاستقبله كما يستقبل أعلام البلد ، وأعلام الجيش ، ورُفع له فشمَّرَ إليه . وهو شهود انفرادِ الحق بأزليَّته وحْدَه ، وأنه كان ولم يكن شيء غيره ألبتة ، وكل ما سواه فكائن بعد عدَمِه بتكوينه . فإذا عِدِمت الكائناتُ من شهوده ، كما كانت معدومة في الأزل ؛ فطالعَ عَيْن السبق ، وفني بشهودٍ مَن لم يزلْ عن شهودِ مَن لم يكن ؛ فقدِ استقبل عَلَمَ التوحيد . ويشهد تنوّع الأسماء والصفات ، وتعلُّقها بأنواع الكائنات وارتباطها بجميع الحادثات ، وإعطاء كلّ اسم منها وصفةٍ حقّها ؛ من الشهود والعبودية ، والنظر إلى سَرَيان آثارها في الخلق والأمر ، والعالم العلوي والسفلي ، والظاهر والباطن ، ودار الدنيا ودار الآخرة . فهذا الشهود المتعلِّق بأسمائه وصفاته ، وتقدُّمِ علمه بالأشياء ووقوعها في الأبد مطابقةً لعلمه الأزلي ؛ فهذا الشهود يُعطي إيمانًا ومعرفةً ، وإثباتًا للعلم والقدرة ، والفعل والقضاء والقدر . درجةٌ عاليةٌ رفيعةٌ شريفةٌ من المراقبة : مراقبة مواقع رضا الربِّ، ومساخِطِه في كلِّ حركةٍ، والفناءُ عمَّا يُسخِطُه بما يحبُّ، والتفُرُّق له وبه وفيه ، ناظرًا إلى عيْن جمْع العبودية ، فانيًا عن مراده من ربِّه، مهْمَا علا بمراد ربه منه. والله سبحانه وتعالى أعلم)) (١). (١) مدارج السالكين ٧٤/٢ . https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الخامس ٥٢٣ أخي ، لله دُّ مَن قال : کأنَّ رقيبًا منك يرعى خواطري وآخر يرعى مهْجَتي ولساني ولاحظتُ مَوْجُودًا بغيرِ عِيانِ فخاطبتُ موجودًا بغیْرِ تكلُّمِ وقالت ميمونة : ترى ما لا يراهُ الناظرُونَا قلوبُ العارفين لها عُيُونٌ تغيبُ عن الكرامِ الكاتبينا وألسنةٌ بسرِّ قد تناجى إلى ملكوتِ ربِّ العالمينا وأجنحةٌ تطير بغيْرٍ ريشٍ وتشربُ من كؤوس العارفينا فتسقيها شرابَ الصدقِ صِرْفًا أخى : ((حالُ الكبراء من أهل المراقبة أنهم يُراقبون اللهَ تعالى ، ويسألونه أن يراعيهم فيها؛ لأنه - عز وجل - قد خصَّ نجباءه وخاصَّته بأَلَّا يَكِلَهم في جميع أحوالهم إلى أحد ، وهو الذي يتولّى أمرهم ؛ فقال عز وجل: ﴿وهو يتولَّى الصالحين﴾ [الأعراف: ١٩٦ ]). ((مراقبة مخلوق مخلوقٍ ، فكيف مراقبةُ العبد لسيِّده ؟)): (( قال أبو علي الدقَّاق : كان لبعض الأمراءِ وزير ، وكان بين يديْه يومًا ، فالتفت إلى بعض الغلمان الذين كانوا وُقُوفًا ، لا لريبة ، ولكن لحركة أو صوتٍ أحسَّ به منهم ، فاتفق أن ذلك الأميرَ نظَر إلى هذا الوزير في تلك الحالة ، فخاف الوزير أن يتوهّم الأمير أنه نظر إليهم لريبيةٍ ، فجعل ينظر إليه كذلك ، فبعد ذلك اليوم كان هذا الوزير يدخل على هذا الأمير أبدًا وهو ينظر إلى جانب ، حتى توهّم الأمير أنَّ ذلك خلْقةٌ وحَوَلٌ فيه . فهذه مراقبة مخلوق لمخلوق ، فكيف مراقبة العبد لسيِّده؟! )). انتهى . أخي: ((ما تطالعه بقلبك هباءٌ في جنْب ما تراقب في سِرِّك، فراقِبِ الله تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٥٢٤ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس تعالى في سرِّك وعلانيتك)). المراقبة تُوصلك إلى القُرْب : والمراقبة تقتضي حالَ القُرْب ، وحال القُرْب لعبدٍ شاهَد بقلْبِهِ قُرْب الله منه ، فتقرّب إلى الله تعالى بطاعته ، وجمعَ همَّه بين يدي الله بدوامٍ ذِكْره في علانيته وسرِّه . قال عامر بن عبد قيس : ما نظرتُ إلى شيءٍ إلَّا رأيتُ اللهَ تعالى أقرب إليه منّي . قال الجنيد : اعلمْ أنه عز وجل يقرب من قلوب عباده على حسبِ ما يرى من قْب قلوب عباده منه ، فانظر ماذا يقرب من قلبك . قيل للجنيد رحمه الله : قل : لا إله إلّا الله . فقال : ما نسيتُه فأذكره . حاضرٌ في القلبِ يعمرهُ لستُ أنساهُ فأذكرُهُ فهو مولاي ومعتمَدِي ونصيبي منه أَوْفَرُهُ(١) قال محمد بن علي الترمذي: ((اجعل مراقبتك لمن لا تغيب عن نظره إليك ، واجعلْ شكرَكَ لمن لا تنقطع نِعَمُه عنك ، واجعل طاعتك لمن لا تستغني عنه ، واجعل خضوعك لمن لا تخرج عن مُلْكه وسلطانه)). ونختم بما ثبتَ من عصر الطِّّين في زمن الفاروق رضي الله عنه : كان هناك رجل يؤمُّ قومًا ، فإذا قُضيتِ الصلاة ذكَّر نفسه ببعض أبياتٍ من الشعر ، فأتى الناس إلى عمر رضي الله عنه فقصُّوا له حكايته ، فقال : قلها يا رجل ، فإنْ كانت حسنة رَدَّدتُها معك ، وإلّا زجرتُك . فقال: وفؤادي كلَّما عاتبتُهُ في مدى الهجرانِ يبغي تَعَبي (١) كتاب: نشأة التصوف الإسلامي للدكتور إبراهيم بسيوني ص ٢٦٨ - طبع : دار المعارف، نقلًا عن الرسالة القشيرية ص١٥٢ . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس ٥٢٥ في تماديهِ فقد برَّحِ بي لا أراهُ الدهرَ إلّا لاهيًا فني العمرُ كذا في اللَّعِبِ يا قرينَ السُّوءِ ما هذا الصِّبَا راقبي اللهَ وخافي وارهبي نفسٍ ما كنتٍ ولا کان الهوى فقال الفاروق رضي الله عنه : راقبي اللهَ وخافي وارهبي نفسٍ ما کنتٍ ولا کان الھوی https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com الفصل التاسع عشر عُلُوُّ الهِمَّةِ في الحَيَاءِ (( تركتُ الذنوبَ حياءً أربعينَ سنةً )) [ مقدّم الجيوش : الجرّاح ] ((العلمُ الأَكْبَر : الهيْبة والحياء)) [ ابنُ عطاء ] https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاحِ الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الخامس ٥٢٩ عُلُوُّ الِهِمَّة في الحَيَاءِ اعلمْ - رحمك الله - أنه على حسَبٍ حياة القلب ، يكون خُلُق الحياء ، وقلّة الحياء من موت القلب والروح ، فكلّما كان القلب أحيا كان الحياء أتمَّ . قال تعالى: ﴿ألم يعلمْ بأنَّ الله يرى). وقال تعالى: ﴿ ولقد خلقنا الإِنسان ونعلم ما توسوس به نفسُه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ﴾. وقال تعالى: ﴿ فَلَقصَّنَّ عليهم بعلمٍ وما كنا غائبين﴾. وقال تعالى: ﴿ وما تكون في شأنٍ وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلّا كنا عليكم شهودًا إذ تُفيضون فيه وما يَعْزُبُ عن ربِّك من مثقال ذرّة في الأرض ولا في السماء﴾. وقال تعالى: ﴿أم يحسبون أنا لا نسْمع سرَّهم ونجواهم بلى ورسلُنا لديهم يكتبون﴾. وقال تعالى: ﴿أَلَا إنه بكلّ شيءٍ محيط﴾. وقال تعالى: ﴿وكان اللهُ على كل شيءٍ رقيبًا﴾. وقال تعالى: ﴿والله على كل شيءٍ شهيد). وقال تعالى: ﴿واللهُ بصير بما تعملون﴾. وقال تعالى: وأسِرُّوا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور ﴾ . وقال تعالى : ﴿ألا إنَّهم يَثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسُرُّون وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور). وقال تعالى: ﴿ يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ﴾ وقال رسول الله عَ لّهِ: ((ثلاثٌ من فعَلَهنَّ فقد طَعِم طعْمَ الإِيمان: مَن عَبَدَ الله وحده ، وأنه لا إله إلّا الله ، وأعطى زكاة مالهِ طيِّةً بها نفسه رافدة (١) عليه كل عام. ولا يُعطي الهَرِمَة ولا الدَّرِنة (٢)، ولا المريضة، ولا (١) رافدة : فاعلة من الرفد ، وهو الإِعانة أي تعينه نفْسُه على أداء الزكاة . (٢) الدرنة : الجرباء . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٥٣٠ صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الخامس الشَّرَط(١) اللئيمة(٢)، ولكنْ من وسط أموالكم ؛ فإن الله لم يسألكمْ خيره ، ولم يأمركم بشِّره))(٢). زاد البيهقي في روايته: ((وزكّى نفسَه)). فقال رجل: وما تزكية النفس؟ فقال: ((أن يعلم أنَّ الله عز وجل معه حيث كان)). قال الإِمام محمد بن يحيى الذهلي: ((يريد أن الله علْمُه محيط بكلِّ مكان ، والله على العرش )). وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: ((لا يجد عبدٌ صريحَ الإِيمان حتَّى يعلم بأن الله تعالى يراه ، فلا يعمل سرًّا يُفتضح به يوم القيامة)). ولله درّ الجنيد حين يقول: (( الحياء: رؤية الآلاء ورؤية التقصير، فيتولَّد بينهما حالة تسمَّى الحياء . وحقيقته : خلُقٌ يبعث على ترْك القبائح ، ويمنع من التفريط في حقٍّ صاحب الحق )). قال رسول الله عَ له: ((إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئتَ))(٤) . وقال عَّ له: ((آخر ما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح. فاصنع ما شئتَ))(٥). . . . .. وقال عَّهِ: ((إن لكل دين خلقًا، وإن خُلُقَ الإِسلام الشرط : قال أبو عبيد : هو صغار المال وشراره . وقال الخطابي : رذالة المال . (١) (٢) اللئيمة : البخيلة باللبن . (٣) صحيح : رواه أبو داود بسند فيه انقطاع، ووصَلَه الطبراني في الصغير ، والبيهقي في السنن، وصحَّحه الألباني في الصحيحة رقم ١٠٤٦ . (٤) رواه البخاري وأحمد وأبو داود وابن ماجه عن ابن مسعود ، وأحمد عن حذيفة . (٥) صحيح : رواه ابن عساكر في تاريخه عن أبي مسعود البدري ، وصحَّحه الألباني في صحيح الجامع رقم ٢ . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس ٥٣١ الحياء))(١). وقال رسول الله عَ ◌ّهِ: ((الحياء خيرٌ كلُّه))(٢). وقال رسول الله عَ لَّهِ: ((الحياء لا يأتي إلَّا بخير))(٣). وقال رسول الله عَ له: ((الحياء من الإيمان))(٤). وقال رسول الله عَ له: ((إن الحياء والإِيمان قُرِنَا جميعًا، فإذا رُفِع أحدهما رُفِع الآخر)) (٥) . وقال رسول الله عَ لَّه: ((الإِيمانُ بضِعٌ وستُّون شعبة ، والحياء شعبة مِن الإِيمان))(٦). وقال رسول الله عَّةٍ: ((الحياء من الإِيمان، والإِيمان في الجنة، والبذاء(٧) من الجفاء ، والجفاء في النار))(٨). (١) حسن : رواه ابن ماجه عن أنس وابن عباس، وحسَّنه الألباني في صحيح الجامع رقم ٢١٤٥ . (٢) رواه مسلم وأبو داود عن عمران بن حصين . (٣) رواه البخاري ومسلم عن عمران بن حصين . (٤) رواه مسلم والترمذي عن ابن عمر . (٥) صحيح : رواه الحاكم في المستدرك والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عمر ، وصحَّحه الألباني في صحيح الجامع رقم ١٥٩٩ . (٦) رواه البخاري عن أبي هريرة . (٧) البذاء : إظهار الفخْش من القول . (٨) صحيح : رواه الترمذي والحاكم، والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي هريرة ، والبخاري في الأدب وابن ماجه والحاكم ، والبيهقي عن أبي بكرة ، والطبراني في الكبير ، والبيهقي عن عمران بن حصين ، وصحَّحه الألباني في صحيح الجامع رقم ٣١٩٤ . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٥٣٢ صلاحِ الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس وقال عَّه: ((الحياء والعِيّ(١) شعبتان من الإِيمان، والبذاء والبيان(٢) شعبتان من النفاق))(٣). وقال رسول الله عَ ◌ّهِ: ((ما كان الفحْشُ في شيءٍ قطَّ إلَّا شانه ، ولا كان الحياء في شيء قطُّ إلَّا زانه))(٤). اللهُ تعالى حَيٍِّ يُحبُّ الحياءَ : عن سلمان رضي الله عنه أنَّ رسول الله عَ لّه قال: ((إنَّ الله حبِّي كريم ، يستحيي أن يرفعَ الرجل إليه يديه أن يردَّهما صِفِرًا خائبتين )»(٥) . وعن يعلى بن أُميَّة رضي الله عنه؛ أن رسول الله عَ ◌ّم قال: ((إن الله تعالى حبّ سِتِّرٌ يحبُّ الحياء والستْر، فإذا اغتسَلَ أحدكم فلْيستثْ))(٦). قال شيخ الإسلام ابن القيم: ((وأمَّا حياءُ الربِّ تعالى من عبده ، فذاك نوعٌ آخر ، لا تدركه الأفهام ، ولا تكيِّفه العقول؛ فإنه حياءُ كَرم وبِّ وجودٍ وجلالٍ ؛ فإنه تبارك وتعالى حَبِّ كريم ، يستحيي من عبده ، إذا رفع إليه يديه أن يردَّهما صفرًا ، ويستحبي أن يعذّب ذا شيبة شابت في (١) العِي : سكوت اللسان خشية الوقوع فيما لا يحل . (٢) فصاحته وإن كان بغير حقّ . (٣) صحيح : رواه أحمد والترمذي ، والحاكم عن أبي أمامة ، وصحَّحه الألباني في صحيح الجامع رقم ٣١٩٦ . (٤) صحيح : رواه أحمد ، والبخاري في الأدب ، والترمذي وابن ماجه عن أنس ، وصحَّحه الألباني في صحيح الجامع رقم ٥٥٣١ . (٥) صحيح : أخرجه أبو داود ، والترمذي ، وصحَّحه الألباني في: صحيح الترمذي ١٧٩/٣، وصحيح ابن ماجه ٣٣١/٢، وصحيح سنن أبي داود . (٦) صحيح: أخرجه أبو داود، والنسائي، والبيهقي، والإِمام أحمد، وصحَّحه الألباني في: الإرواء ٣٦٧/٧، وصحيح النسائي ٨٧/١. تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس ٥٣٣ الإِسلام )) (١). قال المباركفوري : (( قوله : (إنَّ الله حيِّي ) : فعيل من الحياء ، أي کثیر احياء ، ووصفه تعالى بالحياء يُحمَل علی ما یلیق له ، کسائر صفاته ، نؤمن بها ولا تُكَيِّفها))(٢). فاللَّه عز وجل مع كمال غِناه عن الخلْق كلِّهم، من كرمه يستحبي من هْكِ العاصي ، وفضيحته ، وإحلال العقوبة به ، فيستره بما يقيِّض له من أسباب الستر ، ويعفو عنه ، ويغفر له ، ويتحبَّب إليه بالنعم ، ويستحيي ممن يمدُّ يديه إلیه سائلًا متذللا ان يردّهما خالیتيْن خائبتين . قال المناوي: ((قال التوربشتي : وإنما كان الله يحبُّ الحياء والستْر؛ لأنهما خصْلتان يُفضيان به - أي بالعبد - إلى التخلُّق بأخلاق الله))(٣). قال الإِمام المحقّق ابن قيّم الجوزيَّة رحمه الله تعالى: (( مَن وافق الله في صفةٍ من صفاته ، قادته تلك الصفة إليه بزمامها ، وأدخلتْه على ربِّه ، وأدْنَتْه وقرّبتْه من رحمته ، وصيَّرتْه محبوبًا له ؛ فإنه سبحانه رحيم يحبُّ الرحماء ، كريم يحبُّ الكرماء ، عليمٌ يحبُّ العلماءِ ، قويّ يحبُّ المؤمن القويّ ، وهو أحبُّ إليه من المؤمن الضعيف ، حبِّي يحب أهل الحياء ، جميل يحبّ أهل الجمال ، وتّر يحبُّ أهل الوتر ))(٤)(٥) . أقسامُ الحياءِ عِشْرَةُ أوْجُه : قال شيخ الاسلام ابن القيم: ((وقد قُسِّم ((الحياء)) على عشرة أوجه : (١) مدارج السالكين ٢٦١/٢ . (٢) تحفة الأحوذي ٥٤٤/٩ . (٣) فيض القدير ٢٢٨/٢. الجواب الكافي ص٧٧ . (٤) (٥) الحياء خلُق الإِسلام ص ٢٠ - ٢٢. تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٥٣٤ صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الخامس حياء جناية . وحياء تقصير . وحياء إجلال . وحياء كرم . وحياء حشمة . وحياء استصغار للنفس واحتقارٍ لها . وحياء محبَّة . وحياء عبودية . وحياء شرفٍ وعَزَّةٍ. وحياء المُسْتَحْيِي مِن نفسه))(١) . ١ - حياءُ الجنايَة : منه : حياء آدم عليه السلام لمَّا فَّ هاربًا في الجنة ، قال الله تعالى: أفرارًا مني يا آدم ؟! قال : لا يا ربِّ ؛ بل حياءً منك . ومنه حياء الأنبياءِ في عَرَصَات القيامة ، وليس عندهم ما يُزري بمراتبهم العالية السامية . روى قتادة عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَ ليه: (يجمع اللهُ الناس يومَ القيامة، فيهتمُّون لذلك ، فيقولون: لو استشفعنا إلى ربِّنا ، حتى يُريحنا من مكاننا هذا ؟ قال: فيأتون آدم ، فيقولون : أنت آدم أبو الخلْق ، خلقك الله بيده ، ونفخ فيك من روحه ، وأمر الملائكة فسجدُوا لك ، اشفعْ لنا عند ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا. فيقول: ((لستُ هُناكم)). فيذكر خطيئته التي أصاب ، فيستحيي ربَّه منها .. ((ولكن ائتوا نوحًا : أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض)). قال: فيأتون نوحًا، فيقول: ((لستُ هناكم)). فيذكر خطيئته التي أصاب، فيستحيي ربَّه منها ... ((ولكن ائتوا إبراهيم الذي اتخذه الله خليلاً)). فيأتون إبراهيم، فيقول: ((لستُ هناكم)). وذكَر خطيئته التي أصاب، فيستحيي ربَّه منها. ((ولكن ائتوا موسى الذي كلمه الله ، وأعطاه التوراة)). قال: فيأتون موسى، فيقول: ((لستُ هناكم)). ويذكر خطيئته التي أصاب، فيستحيي ربَّه منها ... ((ولكن ائتوا عيسى روحَ الله وكلمته)). فيأتون عيسى روح الله وكلمته ، فيقول: ((لستُ هناكم، ولكن ائتوا محمدًا؛ (١) مدارج السالكين ٢٦١/٢، والرسالة القشيرية ٤٥٤/٢ - ٤٥٩. تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الخامس ٥٣٥ عبدًا غفرَ الله له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخر)). قال: قال رسول الله عد له: فيأتونني ، فأستأذن على ربِّي، فَيُؤْذَن لي ، فإذا أنا رأيتُه وقعتُ ساجدًا، فيدعني ما شاء الله، فيُقال: يا محمد، ارفعْ؛ قَلْ يُسمَع، سلْ تعطَهْ، اشفع تشفَّع))(١). وعن محمد بن حاتم قال : قال الفُضَيْل بن عياض: لو خُيِّرتُ بين أن أُبْعَثَ فأدخل الجنة ، وبين أن لا أُبعث ؛ لاخترتُ أن لا أُبْعث )) . قيل لمحمد ابن حاتم : هذا من الحياء ؟ قال : نعم ، هذا من طريق الحياء مِن الله عز وجل . وشهد الفضيل رحمه الله الموقف الأشرف في عرفات ، فرفع رأسه إلى السماء ، وقد قبض على لحيته ، وهو يبكي بكاءَ الثكلى، ويقول: ((واسوأتاه منك ، وإن عفوتَ !! )). يا حسْرَةَ القلبِ من ألْطافٍ معناهُ يا خجلةَ العبدِ مِن إحسانِ سيِّدِهِ واخجلتي واحَيائي حينَ ألقاهُ فكمْ أسأتُ وبالإِحسانِ قابلني وقد رآني على ما ليسَ يرضاهُ يا نفسُ كُمْ بخفِّّ اللُّطْف عامَلني وما أقالَ عِثاري ثَمَّ إلَّا هو يا نفسُ كمْ زِلَّةٍ زلّتْ بها قدمي وصابِري فيه إيقانًا برؤياهُ يا نفسُ توبي إلى مولاكِ واجتهدي الأسود بن يزيد : ولمّا احتُضر الأسود بن يزيد بكى ، فقيل له : ما هذا الجَزَعُ ؟ قال : ما لي لا أجزعُ ؟! ومن أحقُّ بذلك مني ؟! والله لو أُتيتُ بالمغفرةِ من الله عز وجل لأهمَّني الحياء منه مما قد صنعتُ ؛ إن الرجل ليكون بينه وبين الرجل الذنب الصغير فيعفو عنه ، ولا يزالُ مستحيًّا منه . يا حسرةَ العاصينَ عند معادِهمْ هذا وإنْ قِدِموا على الجنَّاتِ (١) رواه البخاري ومسلم . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٥٣٦ صلاحِ الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس ستر القبيحَ فيا لها الحسراتِ لو لم يكنْ إلّا الحیاء مِنَ الذي قال الحسن: ((لو لم نبكِ إلّا للحياء من ذلك المقام ، لكان ينبغي لنا أن نبكي فنُطيل البكاء )). إمام أهلِ السنة أحمد بن حنبل : دخل عليه أبو حامد الخلقاني فأنشده هذه الأبيات : أُمَا استحيْيتَ تعصيني إذا ما قالَ لي ربِّي وبالعِصْيانِ تأتيني وتُخفي الذنبَ مِن خَلْقِي يُعاتبني ويُقْصِيني فما قولي لهُ لمَّا فأمره أحمد بإعادتها ، فأعادها عليه ، فدخل أحمد داره ، وجعل يردِّدها وبيكي . ٢ - حياءُ التقصِير : كحياء الملائكة الذين يسبّحون الليل والنهار لا يفتُرون ، فإذا كان يوم القيامة قالوا : سبحانك ما عبدناك حقَّ عبادتك . ٣ - حياءُ الإِجلال : هو حياء المعرفة ، وعلى حسَب معرفة العبد بربِّه يكون حياؤه منه . ومنه حياء عمرو بن العاص رضي الله عنه ؛ كان يقول: ((والله ، إن كنتُ لأشدّ الناس حياءً من رسول الله عَّ له، فما ملأتُ عينَي من رسول الله عَ ◌ّله، ولا راجعتُه بما أُريد، حتى لحِقَ بالله عز وجل؛ حياءً منه))(١). وفي رواية: (( إنه لم يكن شخص أبغضَ إلَي منه - يعني النبي عَالٍ - فلمَّا أسلمتُ لم يكن شخصٌ أحبَّ إلَّي منه، ولا أجلّ في عينَي منه ، ولو سُئلت (١) مسند الإمام أحمد ٢٠٤/٤ . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس ٥٣٧ أن أصِفَه لكم لما أطقتُ ، لأني لم أكن أملأ عينَّ إجلالًا له )). أشتاقهُ فإذا بدَا أطرقتُ من إجلالِهِ وصيانةً لجمالهِ لا خيفةً بل هيْبَةً والعَيْشُ في إقبالِهِ الموتُ في إدبارِهِ وأُرومُ طِيْفَ خيالِهِ وأصدُّ عنه إذا بدًا ومنه : حياءُ ابن عمر إجلالًا لكبار الصحابة ممَّن هم أسنُّ منه : فعن عبد الله ابن عمر؛ أن رسول الله عَ ◌ّه قال: ((إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقُها، وهي مَثَلُ المسلم ، حدِّثوني ما هي ؟ )) فوقع الناس في شجر البادية ، ووقع في نفسي أنها النخلة . قال عبد الله : فاستحييتُ ، فقالوا : يا رسول الله، أخبرنا بها . فقال رسول الله عَ له: ((هي النخلة)). قال عبد الله: فحدَّثتُ أبي بما وقع في نفسي ، فقال : لَأَنْ تكون قلتَها أحبُّ إلّ من أن يكون لي كذا وكذا (١). وكان الإِمام الجليل سفيان الثوري رحمه الله شديدَ الحياء ، وقال الإِمام ابن مهدي رحمه الله: (( ما كنتُ أقدر أن أنظر إلى سفيان استحياءً وهيبةً منه)). ومع ذلك فكان في مواقع الحميَّة والغضب لدين الله عز وجل لا يعرف الاستحياء في الحق، حتى قال يحيى بن أبي غنية: ((ما رأيتُ رجلًا قطُّ أصفق وجهًا في الله عزَّ وجل(٢) من سفيان الثوري)). وأنكر مرة على المهدي بعض الأمور ، واشتدَّ في الإِنكار ، حتى قال له وزير المهدي: ((شططتَ؛ تكلّم أمير المؤمنين بمثل هذا؟!)). فقال له سفيان: ((اسكتْ، ما أهلك فرعونَ إلّا هامانُ)). فلمَّا ولَّى سفيان ، قال أبو عبيد الله: ((يا أمير المؤمنين، ائذنْ لي أضرب عنقه)). فقال له: ((اسكتْ ، (١) رواه البخاري . (٢) أصفق وجهًا : أي لا يجامل ولا يداري. تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس ٥٣٨ ما بقي على وجه الأرض من يُستحيا منه غير هذا)). ٤ - حياءُ الكَرَم : كحياءِ النبي عَِّ من القوم الذين دعاهم إلى وليمة زينب، وطوَّلوا الجلوسَ عنده ، فقام واستَحْيا أن يقول لهم : انصرفوا ، فقال الله عزَّ وجلّ : ﴿ولا مستأنسينَ لحديثٍ﴾. [الأحزاب : ٥٣ ]. ٥ - حياءُ الحشْمَة : كحياء علّ بن أبي طالب أن يسأل رسول الله عَ لمه عن المذي، لمكان ابنته منه : عن علي رضي الله عنه قال : كنتُ رجلًا مذَّاءً ، فأمرتُ المقداد أن يسأل النبي عَّ لم فسأله، فقال: ((فيه الوضوء)). ولفظه في رواية أخرى: كنتُ رجلًا مذاءً، فأمرتُ رجلًا أن يسأل النبي عَ لَّم - لمكان ابنته - فسأل، فقال: ((توضَّأْ واغسلْ ذَكَرَك)) (١). ٦ - حياء الاستحقار واستصغار النفس : كحياء العبد من ربِّه عز وجل حين يسأله حوائجه ، احتقارًا لشأن نفسه، واستصغارًا لها . وفي أثَرٍ إسرائيلي: ((أَنَّ موسى عليه السلام قال: يا ربِّ إنه لَتَعْرِض لي الحاجة من الدنيا ، فأستحيي أن أسألك إياها يا ربِّ. فقال الله تعالى: سلْني ... حتى ملحَ عجينتك، وعَلَف شاتك)). وقد يكون لهذا النوع سببان : أحدهما : استحقار السائل نفسه واستعظام ذنوبه وخطاياه . الثاني : استعظام مسئولِهِ . وكحال مَن قال : إني لأستحيي أن أسأل ربي الدنيا وهو مالكها ، (١) رواه البخاري واللفظ له ، ومسلم، وأبو داود ، والنسائي، وابن خزيمة . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس ٥٣٩ فكيف أسألها غير مالكها . ٧ - حياءُ المحبَّة : هو حياء المحبّ من محبوبه ، حتى إنه إذا خطر على قلبه في غيبته ؛ هاجَ الحياء من قلبه وأحسَّ به في وجهه ولا يدري ما سببه ، وكذلك يعرض للمحبِّ عند ملاقاته محبوبه ومفاجأته له : روعةٌ شديدة . ولا ريب أن للمحبَّة سلطانًا قاهرًا للقلب أعظم من سلطان مَن يقهر البدن ، فأين مَن يقهر قلبك وروحك إلى من يقهر بدنك ؟! ولذلك تعجبتِ الملوك والجبابرة من قهْرهم للخلْق وقهْرٍ المحبوبِ لهم ، وذلّهم له ، فإذا فاجأ المحبوب محبَّه ، ورآه بغتةً ؛ أحسَّ القلب بهجوم سلطانه عليه ، فاعتراه روعة وخوف . يقول الشاعر : فَأُبِهَتُ حتى ما أكادُ أُجِيبُ فما هو إلّا أنْ أراها فجاءةً لها بينَ جِلْدي والعظامِ دَبيبُ وإني لَتَعْروني لِذِكْراك هَِّةٌ أو كما قال الشاعر : لساني بِكُمْ حتَّى ينمَّ بحالي فيعثُرُ ما بينَ الكلامِ ورجْعِهِ ٨ - حياءُ العبودية : هو حياء ممتزَج من محبّة وخوف ، ومشاهدة عدم صلاح عبوديته لمعبوده ، وأن قدْرَه أعلى وأجلّ منها ، فعبوديته له تستوجب استحياءه منه، لا محالة . ٩ - حياء الشَرَف والعِزّة : أما حياء الشرف والعزّة : فَحياء النفس العظيمة الكبيرة إذا صدر منها ما هو دون قدرها ؛ من بذْلٍ أو عطاء وإحسان ؛ فإنه يستحيي - مع بذله - حياءَ شرفٍ نفسٍ وعزة ؛ وهذا له سببان : تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس ٥٤٠ أحدهما : هذا. والثاني : استحياؤه من الآخذ ، حتى كأنه هو الآخذ السائل ؛ حتى إن بعض أهل الكرم لا تُطاوعه نفسه بمواجهته لمن يُعطيه حياءً منه ، وهذا يدخل في حياء التلُّم ؛ لأنه يستحبي من خجلة الآخذ . ١٠ - حياءُ المرءِ مِن نفسه : وأما حياء المرء من نفسه : فهو حياء النفوس الشريفة العزيزة الرفيعة من رضاها لنفسها بالنقْص ، وقناعتها بالدُّون ، فيجد نفسه مُسْتَحْيِيًّا من نفسه حتى كأن له نفْسَيْن ، يستحيي بإحداهما من الأخرى ، وهذا أكمل ما يكون من الحياء ؛ فإن العبد إذا اسْتحْيا من نفسه ، فهو بأن يستحيي من غيره أجدر(١) . درجاتُ الحياءِ : قال صاحب ((المنازل)): ((وهو على ثلاثٍ درجات : الدرجة الأولى : حياءً يتولَّد مِن علْمِ العبدِ بنَظَرِ الحَقِّ إليه ؛ فيجذبه إلى تحمُّل هذه المجاهدة ، ويحمله على استقباحِ الجناية ، ويُسْكِتَهُ عن الشكوى )»: قال ابن القيم في شرح هذه الدرجة: (( يعني : أن العبد متي علم أن الربَّ تعالى ناظر إليه ، أورثه هذا العلم حياءً منه ، يجذبه إلى احتمال أعباء الطاعة ؛ مثل العبد إذا عمل الشغل بين يدي سيِّده ؛ فإنه يكون نشيطًا فيه محتملًا لأعبائه ، ولا سيَّما مع الإِحسان من سيده إليه ، ومحبته لسيده ؛ بخلاف ما إذا كان غائبًا عن سيده. والرب تعالى لا يغيب نظُرُه عن عبده، ولكن يغيب نظَر القلْب والتفاتُه إلى نظَرِه سبحانه إلى العبيد ؛ فإن القلب إذا غاب نظرُه ، وَقَلَّ التفاته إلى نظر الله تبارك وتعالى إليه ؛ تولَّد من ذلك قلة الحياء والقِحَّة . (١) انظر: مدارج السالكين ٢٦١/٢ - ٢٦٣. تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/