Indexed OCR Text
Pages 301-320
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٣٠١ صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الخامس ونختم هذا الفصل بأريج وشذا من بستان إبراهيم بن أدهم : ((كلُّك لأخيك إلا ما حرّمه الله ورسوله .. ))، ((ولن تكتمل الصحبة حتى تقول لأخيك : يا أنا )) . خرج إبراهيم بن أدهم- رحمه الله- في سفر ومعه ثلاثة نفر، فدخلوا مسجدًا في بعض المفاوز ، والبرد شديد ، وليس للمسجد باب ، فلمّا ناموا قام إبراهيم ، فوقف على الباب إلى الصباح ، فقيل له : لِمَ لَمْ تنم ؟ فقال : خشيت أن يصيبكم البرد ، فقمت مقام الباب(١) . وخبر إبراهيم بن أدهم نُهديه إلى شباب الحركة الإسلامية قائلين: (( ما أُكِلتُ إلَّا يوم أُكِل الثور الأبيض)) فكم فَرَّقتنا النَّعرات المُنتنة ... وقد جمعنا الإِسلام . يا مَنْ تنهشُ في أحشائي يا مَنْ مِني يا مَنْ جزءًا من أجزائي يا مَنْ تبدو للجهَّال كأنَّك دائي إني أعلم أنك حتمًا فيك شفائي إنك مني ... أنت كأني لستُ أُرائي أنت كأنّي حين شقائي حين جهلتُ طريق إِلهي من عند الألف إلى الياء حین تصوَّرتُ الدنيا حِسِّي وغذائي وكسائي إنك مني .. أنت كأنّ لستُ أُرائي إنك مسلم .. تشهد أنّ إلهكَ واحدْ (١) التبصرة لابن الجوزي ٢ / ٣٠١ - ٣٠٢. تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٣٠٢ صلاحِ الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس إنك فيها من شركائي لكنك دومًا تطعنني .. من خلفي وفي كَعْب حذائي حين أراك تقوم بهذا يغرقني خجلي وحيائي ابغ العِزَّةَ عند إلهك ليس العزّ دمي وبكائي وغدًا من قوَّاك يُمِيتُكْ إن أنتَ أهملتَ ندائي يا من تَنْهشُ في أحشائي يا أنا https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com الفصل الثالث عشر عُلُوُّ الِهِمَّة في المُروءَة ومَن يعشقْ يلَذُّ له الغرامُ تلَّذُّ له المروءةُ وهي تُؤذي [ المتنبي ] (( لو علمتُ أنَّ الماء البارد يئُلمُ مروءتي، لَمَا شربتُه، ولو كنتُ اليوم ممَّن يقول [ الشافعي ] الشعر، لَرَثِيتُ المروءة)). https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الخامس ٣٠٥ عُلوُّ الهمَّة في المروءة ((المروءة سجيَّة جُبلت عليها النفوس الزكيَّة، وشِيَمٌ طُبعت عليها الهمم العلّة، وضعُفَت عنها الطباع الدنيَّة، فلم تُطِقْ حمْلَ أشراطها السنّيَّة)). (( اعلمْ أنَّ من شواهد الفضل ودلائل الكرم : المروءة التي هي حِلْية النفوس ، وزينة الهمم . فالمروءة : مراعاة الأحوال إلى أن تكون على أفضلها ، حتى لا يظهر منها قبيح عن قصد، ولا يتوجَّه إليها ذمّ باستحقاق)) (١). و(((المروءة): فعولة من لفظ المرء، كالفتوَّة من الفتى، والإِنسانية من الإِنسان . ولهذا كان حقيقتها : اتصاف النفس بصفات الإِنسان التي فارق بها الحيوانَ البهيمَ ، والشيطانَ الرجيمَ . فإن في النفس ثلاثة دواعٍ متجاذبة : داعٍ يدعوها إلى الاتصاف بأخلاق الشيطان ؛ من الكبر ، والحسد ، والعلّوِّ ، والبغي ، والشر، والأذى ، والفساد ، والغشِّ. وداعٍ يدعوها إلى أخلاق الحيوان ، وهو داعي الشهوة . وداعٍ يدعوها إلى أخلاق الملَك ؛ من الإِحسان ، والنصح ، والبر ، والعلم ، والطاعة . فحقيقة المروءة : بُغْضُ ذَيْنَكِ الداعيْين ، وإجابة الداعي الثالث . وقلّة المروءة وعدمها : هو الاسترسال مع ذينك الداعيين ، والتوجُّه لدعوتهما أين كانت . فالإِنسانية، والمروءة ، والفتوّة : كلها في عصيان الداعيْين، وإجابة الداعي الثالث . كما قال بعض السلف : خلق الله الملائكة عقولًا بلا شهوة ، وخلق البهائم شهوة بلا عقول ، وخلَق ابن آدم وركّب فيه العقل والشهوة (١) أدب الدنيا والدين للماوردي صـ ٣٩٢. تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٣٠٦ صلاحِ الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الخامس فمَن غلب عقلُه شهوته ، التحق بالملائكة . ومن غلبتْ شهوتُه عقله ، الْتحق بالبهائم . ولهذا قيل في حدِّ المروءة : إنها غلَبَة العقل للشهوة . وقال الفقهاء في حدِّها : هي استعمال ما يُجمل العبد ويُزيِّنْه ، وترك ما يُدنِّسه ویشینه . وقيل : المروءة استعمال كلّ خلُق حسن ، واجتناب كلِّ خُلُق قبيح . وحقيقة ((المروءة)) تجنُّبٌ للدنايا والرذائل ؛ من الأقوال ، والأخلاق والأعمال . فمروءة اللسان : حلاوته وطِيبه ولِينه ، واجتناء الثمار منه بسهولة ويُسْر . ومروءة الخُلُق : سَعَتُه وبسْطه للحبيب والبغيض . ومروءة المال : الإِصابة ببذله مواقعه المحمودة عقلًا وعرفًا وشرعًا . ومروءة الجاه : بذله للمحتاج إليه . ومروءة الإحسان: تعجيله وتيسيره وتوفيره، وعدم رؤيته حال وقوعه، ونسيانه بعد وقوعه . فهذه مروءة البذْل . وأما مروءة الترك : فترك الخصام ، والمعاتبة ، والمطالبة والمماراة ، والإِغضاء عن غيب ما يأخذه من حقِّك. وترك الاستقصاء في طلبه ، والتغافل عن عَثَرَات الناس ، وإشعارهم أنَّك لا تعلم منهم عثرة ، والتوقير للكبير ، وحفظ حُرْمة النظير ، ورعاية أدب الصغير))(١). في صحيح مسلم: من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله مَ له: (( خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا)). قال النووي في ((شرح صحيح مسلم)) (١٥ / ١٣٥): ((معناه : أن أصحاب المروءات ومكارم الأخلاق في الجاهلية إذا أسلموا وفقهوا ، فهم (١) مدارج السالكين ٢ / ٣٥١ - ٣٥٣. تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس ٣٠٧ خيار الناس )) . وقال عَ ◌ّه: ((أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم، إلّا الحدود))(١). قال الشافعي: ((وذوو الهيئات الذين يُقالون عَثَراتهم : الذين ليسوا يُعرفون بالشّرِّ، فيزلُّ أحدهُم الزَّلة)». وهم أهل المروءات . رُفِع إلى عمر بن الخطاب رجل في جُرْم ؛ فأراد أن يُعاقبه ، فأُخْبِر أن له مروءة؛ فقال: ((استوهبوه من صاحبه)). كذا في ((بهجة المجالس)) (٦٤٣/٢). قالوا عن المروءة : قال ربيعة بن أبي عبد الرحمن: ((للسَّفر مروءة، وللحضَر مروءة ؛ فأما مروءة السفر : فبذل الزاد ، وقلَّة الخلاف على الأصحاب ، وكثرة المزاح في غير مساخط الله . وأما المروءة في الحضر : فالإِدمان إلى المساجد ، وتلاوة القرآن ، وكثرة الإِخوان في الله عز وجل ))(٢) . وفي رواية أخرى عنه: ((فأمَّا التي في السفر : فبذْل الزاد ، وحسن الخُلق ، ومداعبة الرفيق . وأما التي في الحضر : فتلاوة القرآن ، ولزوم المساجد ، وعفاف الفرجْ))(٣) . الله دُّك من إمام !!... ((كان أبو اللَّيْث الطرسوسي يُعزّى، فقيل له: ما شأنه ؟ قالوا : فاتتْه (٤) صلاة الجماعة))" (١) صحيح: أخرجه أبو داود والطحاوي في ((مشكل الآثار)) وأحمد ، وأبو نعيم، وابن عدي والبيهقي وصحَّحه الألباني من حديث عائشة في السلسلة الصحيحة ( رقم ٦٣٨ ) . (٢) روضة العقلاء لابن حبان صـ ٢٣٢، والتمهيد لابن عبد البر ٢٣ / ١٧٨. (٣) بهجة المجالس لابن عبد البر ٢ / ٦٤٥ . (٤) تاريخ واسط صـ ١٧٤ لبحشل . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٣٠٨ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس ((وعن نعيم بن حمَّاد ؛ قال: جاء ضمام بن إسماعيل إلى المسجد ، وقد صلَّى الناس وفاتته الصلاة ، فجعل على نفسه ألّا يخرج من المسجد حتى يلقى الله. قال: فجعلَه بيته حتى مات))(١). وسُئل سفيان الثوري عن المروءة: ما هي؟ قال: ((الإِنصاف من نفسك والتفضُّل : قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الله يأمُرُ بالعدْلِ﴾ وهو الإِنصاف، ﴿والإِحسان﴾ وهو التفضُّل ، ولا يتمُّ الأمر إلَّا بهما؛ ألا تراه لو أعطى جميع ما يملك ولم يُنصف من نفسه ، لم تكن له مروءة ؟! لأنه لا يريد أن يُعطي شيئًا إلا أن يأخذ من صاحبه مثله ، وليس مع هذا مروءة)) (٢) . ونحوه عن سفيان بن عيينة . وقيل لسفيان بن عيينة : قد استنبطت من القرآن كلّ شيء ، فأين المروءة فيه ؟ فقال : في قوله تعالى: ﴿مُذِ العفوَ وَأَمْرْ بالعُرْف وأعرضْ عنِ الجاهلين﴾ [ الأعراف: ١٩٩]، ففيه المروءة، وحُسْن الأدب، ومكارم الأخلاق ، فجمع في قوله: ﴿مُخُذِ العفوَ﴾ صلَة القاطعين، والعفو عن المذنبين ، والرفْق بالمؤمنين ، وغير ذلك من أخلاق المطيعين . ودخل في قوله: ﴿وَأمُرْ بالعُرْفِ﴾ : صلةٌ الأرحام ، وتقوى الله في الحلال والحرام ، وغضُّ الأبصار ، والاستعداد لدار القرار . ودخل في قوله ﴿وأعرضْ عن الجاهلين﴾: الحضُّ على التخلُّق بالحلْم ، والإعراض عن أهل الظلم ، والتنُّه عن منازعة السفهاء ، ومساواة الجهَلة والأغبياء ، وغير ذلك من الأخلاق الحميدة ، والأفعال الرشيدة . وقال الله عز وجل حكاية عن قوم قارون: ﴿ وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنسَ نصيبك من الدنيا وأحسنْ كما أحسَنَ الله إليك ولا تبغ الفساد (١) العلل لأحمد بن حنبل رقم ٥٠٣٣ . (٢) مكارم الأخلاق للخرائطي رقم ١٦٧ . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٣٠٩ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس في الأرض .. ﴾ الآية. [القصص: ٧٧]، وفيها عيْن المروءة وحقيقتها (١). وعن عمرو بن عثمان المكي قال: ((المروءة: التغافل عن زَلَل الإِخوان)). قال الشعبي : ((تَعامَل الناسُ بالدِّين زمانًا طويلًا ، حتى ذهب الدينُ ، ثم تعاشروا بالمروءة حتى ذهبت المروءة ، ثم تعاشروا بالحياء ، ثم تعاشروا بالرغبة والرهْبَة، وأظنُّه سيأتي بعد ذلك ما هو شرِّ منه))(٢) . وقال إبراهيم النخعي: ((من المروءة أن يُرى في ثوب الرجل وشفته مداد))! وقال أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين: ((كمال المروءة : الفقه في الدين ، والصبر على النوائب ، وحسن تدبير المعيشة))(٣) . وقال علي بن أبي طالب : مروءة الرجل حيث يضع نفسه . وقال ميمون بن ميمون : أول المروءة: طلاقة الوجه ، والثاني: التودُّد ، والثالث : قضاء الحوائج . وقال سَلم بن قتيبة: (( المروءة الصبر على الرجال)). أي الصبر على المكاره في معاشرتهم وقضاء مآربهم . وقال سَلْم أيضًا: (( لا تتمُّ مروءة الرجل حتى يصبر على مناجاة الشيوخ الدُّرْد(٤) )). وقال ابن سلام : حدُّ المروءة: رعُ مساعي البِرِّ، ودفْع دواعي الضرّ ، والطهارة من جميع الأدناس ، والتخلّص من عوارض الالتباس ؛ حتى لا يتعلق بحاملها لوْم ، ولا يلحق به ذمّ ، وما من شيء يَحْمل على صلاح الدين والدنيا ، ويبعث على شرف الممات والمحيا ؛ إلّا وهو داخل تحت المروءة . (١) عيْن الأدب والسياسة، وزيْن الحسب والرياسة . لعلي بن عبد الرحمن بن هذيل صـ ١٣٢ - ١٣٣ . (٢) آداب الصحبة لأبي عبد الرحمن السلمي رقم ٨٢، والحلية ٤ / ٣١٢. (٣) الإِلماع للقاضي عياض صـ ١٧٣. (٤) الدرْد : مفردها أدرد ، وهو مَن ذهبت أسنانُه . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٣١٠ صلاحِ الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس وقالوا : المروءة : إنصاف الرجل مَنْ هو دُونه ، والسموُّ إلى مَن هو فوقه ، والجزاء بما أُتي إليه . قال ابن العربي : ضبطُها مما عسُر على العلماء .. والضابط: أن لا يأتي أحدٌ منكم ما يعتذر منه ، مما يبخسه عن مرتبته عند أهل الفضل . وقال بعض العلماء: اتقِ مصارعَ الدنيا بالتمسُّك بحبل المروءة ، واتقِ مصارع الآخرة بالتعلُّق بحبْل التقوى ؛ تفُزْ بخير الداريْن ، وتحلَّ أرفع المنزلتين . وقال بعضهم : إذا طلب رجلان أمرًا ظِرِ به أفضلهما مروءةٌ ، فإذا استويا في المروءة ؛ فأمضاهما رأيًا وأشدُّهما ساعدًا . إذا المرءُ أعيتْهُ المروءة ناشِئًا وقال الأحنف : فمطْلَبُها کھْلًا عليهِ شدیدُ فلوْ مُدَّ سروي بماٍ کثیرٍ فإنَّ المروءة لا تُستطاعُ وقال أبو بكر الإسماعيلي : وإذا جلستَ وكان مثلُك قائمًا وإذا اتكأَتَ وكان مثلُك جالسًا وإذا ركبتَ و كان مثلك ماشيًا وقال الشاعر : لَجُدتُ وكنتُ له باذِلا إذا لم يكنْ مالُها فاضلًا فمِن المروءةِ أن تقوم وإنْ أبَى فمِن المروءةِ أن تُزِيلَ المتَّكا فمن المروءة أُنْ مشيتَ كما مشى وأنَّ ذوي الألبابِ في الناس ضُيِّعُ مِنَ الناسِ إلَّا مَن يغَنِّي وَيُصْفَعُ كفى حَزَنًا أنَّ المروءة معُطِّلَتْ وأنَّ ملوكًا ليسَ يحظى لدیھمُ وقال أمير الشعراء : طَرَبَ الغريبِ بأويةٍ وتلاقي بينَ الشَمائِلِ هِزَّةَ المشتاقِ إني لَتُطربني الخلالُ كريمةً وتهُزّني ذكرى المُروءة والندى وقال الشاعر : فقلتُ علامَ تنتحبُ الفتاةُ مررتُ على المروءةِ وهي تبكي تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس ٣١١ جميعًا دونَ خَلْق الله ماتوا فقالتْ كيفَ لا أبكي وأهلي وقال الشاعر : ومَوْطنُ آبائي زجاجٌ مُكَسَّر تعالَ إلينا فالمروءَاتُ أَقْفَرَتْ وقال الشاعر : وأستحيي المروءةَ أن تراني قتلتُ منافسي جلدًا وقهْرًا ((سُئل الفضيل عن الرجل الكامل التامِّ المروءة ، فقال: الكامل : مَن بّ والديه ، ووصل رحمه ، وأكرم إخوانه ، وحسّن خُلُقه ، وأحرز دِينَه ، وأصلح ماله، وأنفق من فضله ، وحسُن لسانه ، ولزم بيته . وقال الشاعر : وإذا الفتى جمعَ المروءة والتُّقى وحوى مع الأدب الحياء فقدْ كمُلْ))(١) قال جعفر بن محمد : لا دين لمن لا مروءة له .. وقال بعض البلغاء : مِن شرائط المروءة: أن يتعفَّف عن الحرام ، ويتصلَّف(٢) عن الآثام ، وينصف في الحكم ، ويكفّ عن الظلم ، ولا يطمع فيما لا يستحقُّ ، ولا يستطيل على مَن لا يسترقُّ، ولا يُعين قويًّا على ضعيف، ولا يُؤثر دَنِيًّا على شريف ، ولا يُسِّ ما يُعقِبُه الوزْر والإِثم، ولا يفعل ما يقبِّح الذكَرَ والاسم . العقل والمروءة : ((وسُئِل بعض الحكماء عن الفرق بين العقل والمروءة ، فقال : العقل يأمرك بالأنفع ، والمروءة تأمرك بالأجمل والأرفع . ولن تجد الأخلاق - على ما وصفنا - من جدِّ المروءة منطبعة، ولا عن المراعاة مستغنية ، وإنما المراعاة هي المروءة ، لا ما انطبعتَ عليه من فضائل الأخلاق ؛ لأن غرور الهوى ونازع الشهوة يصرِ فان النفسَ أن تركَب الأفضل من خلائقها، والأجمل من طرائقها، وإن سلِّمْتَ منها، وبعيد أن تَسْلَم (١) بهجة المجالس لابن عبد البر ١ / ٦٤٤ . (٢) يترفّع . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاحِ الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الخامس ٣١٢ إلَّا لمن استكمل شرف الأخلاق طبعًا، واستغنى عن تهذيبها تكلفا وتطبُّعًا)(١). ((من أولئك الذين ينقادون للمروءة؟)): ((من حقوق المروءة وشروطها، ما لا يُتوصَّل إليه إلا بالمعاناة ، ولا يُوقَفُ عليه إلا بالتفقُّد والمراعاة .. فثبت أن مراعاة النفس على أفضل أحوالها هي المروءة ، وإذا كانت كذلك ، فليس ينقاد لها مع ثِقَل كلِفِها إلَّا مَن تسهَّلت عليه المشاقُّ رغبة في الحمْد ، وهانتْ عليه الملاذّ حذَرًا من الذّم . ولذلك قيل : سيد القوم أشقاهم . وقال أبو تمام الطائي : يَجِنِيه إلّ مِنْ نَقِيعِ الحَنْظَلِ والحمدُ شَهْدٌ لا يُرَى مُشْتَارُهُ لم يُوهِ عاتِقَهُ خفيفَ المَحْمَلِ غُلِّ لحامِلِهِ ويَحْسَبُه الذي وقد لحظ المتنبي ذلك في قوله : لولا المشقةُ سادَ الناسُ كلُّهمُ الجودُ يُفقرُ والإِقدامُ فَتَّالُ وله أيضًا : وإذا كانت النفوسُ كبارًا تعبتْ في مرادِها الأجسامُ))(٢) ((قال ابن عائشة القرشي: ((لولا أنَّ المروءة متصعَّب محلُّها؛ لَمَا تَرَك اللئامُ للكرامِ منها بيئة ليلةٍ))(٣). هامّ : دواعي طَلَب المروءة : علوُّ الهمَّة وشَرَف النّفْس: والداعي إلى استسهال ذلك شيئان : أحدهما : علو الهمة ، والثاني : شرف النفس . (١، ٢) أدب الدنيا والدين صـ ٣٩٢، ٣٩٣، والمشتار: الذي يجمع العسل. (٣) عيْن الأدب والسياسة صـ ١٣٢. تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاحِ الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس ٣١٣ أما علُّ الهمَّة : فلأنه باعث على التقدُّم ، وداع إلى التخصيص ، أنفَةً من خمول الضّعة ، واستنكارًا لمهانة النقْص !! ولذلك قال النبي عَّ الِ: ((إن الله يحبُّ معالي الأمور وأشرافها، ويكره سفسافها)). ورُوي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، أنه قال : لا تصْغُرنَّ هممُكم ، فإني لم أرَ أقعدَ عن المكْرُمَات مِن صِغَر الهمم . وقال بعض الحكماء : الهمَّة راية الجدِّ . وقال بعض البلغاء : علوّ الهمم بذرُ النِّعَم . وقال بعض العلماء : إذا طلب رجلان أمرًا، ظِرَ به أعظمُهما مروءة . وقال بعض العلماء : مَن ترك الْتماس المعالي بسوء الرجاء ، لم يَنْ جُسيمًا . وأما شرف النفس : فإنَّ به يكون قبول التأديب ، واستقرار التقويم والتهذيب ؛ لأن النفس ربَّما جمحتْ عن الأفضل وهي به عارفة ، ونفرت عن التأديب وهي له مستحسنة ؛ لأنها عليه غير مطبوعة ، وله غير ملائمة ، فتصير منه أنفر ، ولضدِّه الملائم آثر . وقد قيل : ما أكثر مَن يعرف الحق ولا يطيعه !! وإذا شُرُفَتِ النفس كانت للآداب طالبة ، وفي الفضائل راغبة ، فإذا مازَجَهَا صارت طبعًا ملائمًا ، فنما واستقرّ . فأما من مُنِيٍ (١) بخُلُوٌّ الهمة، وسُلِب شرفَ النفس، فقد صار عُرضةً لأمر أعوزته آلته ، وأفسدتْه جهالته ، فصار كضرير يروم تعلُّم الكتابة ، وأخرس يُريد الخُطْبة، فلا يزيده الاجتهاد إلا عجزًا، والطلبُ إلَّا عَوَزًا . قيل لبعض الحكماء : مَن أسوأُ الناس حالًّا ؟ قال: مَنْ بعدت همَّته ، واتسعت أمنيته ، وقصُرت آلتهُ ، وقلّتْ قدرته . وقال بعض الحكماء : تجنّبوا المُنى ؛ فإنها تذهب ببهجة ما خُوِّلتم ، (١) مُنِّي : أُصيب . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٣١٤ صلاحِ الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس وتستصغرون بها نعمة الله عليكم . وقيل في منثور الحكم : المُنى من بضائع النّوْكى ، فإن صادف بهمَّته حظًّا نال به أملًا ، كان فيما ناله كالمغتصِب ، وفيما وصل إليه كالمتغلِّب ؛ إذ ليس في الحظوظ تقدير لحقٍّ ولا تمييز لمستحَقٌّ ، وإنما هي كالسحاب قد يُمسك عن منابت الأشجار إلى مغاوص البحار ، وينزل حيث صادف من خبيثٍ وطيِّب ؛ فإن صادف أرضًا طيبة نفَع ، وإن صادف أرضًا خبيثة ضرّ ، كذلك الحظُّ؛ إن صادف نفسًا شريفة نفَع ، وكان نعمة عامَّة ؛ وإن صادف نفسًا دنيّةً ضَرَّ ، وكان نقمة طامَّة . لا قيمةَ للشرف مع الخُمُول : فأمَّا شرف النفس إذا تجرّد عن علوِّ الهمَّة ، فإن الفضل به عاطل ، والقذْر به خامل ، وهو كالقوة في الجلد الكَسِل ، والجبان الفشل ، تضيع قوته بكَسَله ، وجلَّدُه بفشله . وقد قيل في منثور الحِكَم : مَن دام كسلُه ، خاب أملُه . وقال بعض الحكماء : نكَحَ العجز التواني فخرج منهما الندامة ، ونكح الشوُّمُ الكسلَ فخرج منهما الحرمان . وقال بعض الشعراء : هوانًا بها كانت على الناسِ أهونًا إذا أنتَ لم تعرفْ لنفسك حقّها عليكَ لها فاطلبْ لنفسِكَ مسكنًا فنفسك أكرمْها وإن ضاقَ مسكنٌ يُعدُّ مسيئًا فيهِ مَن كان محسِنَا وإيَّاك والسكنى بمنزل ذَلَّةٍ ((وشرف النفس مع صغر الهمَّة أولى من الهمة مع دناءة النفس ؛ لأنَّ من عَلَتْ همته مع دناءة نفسه ، كان متعدِّيًا إلى طلب ما لا يستحقُّه ، ومتخطًّا إلى الْتماس ما لا يستوجبه ، ومَن شرفَتْ نفسه مع صِغر همته ، فهو تارك لما يستحقّ ، ومقصِّر عمَّا يجب له ، وفضلُ ما بين الأمْريْن ظاهر، وإن كان لكل واحد منهما من الذمِّ نصيب . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٣١٥ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس وقد قيل لبعض الحكماء : ما أصعبُ شيء على الإِنسان ؟ قال : أن يعرف نفسه ، ويكتم الأسرار . فإذا اجتمع الأمران ، واقترن بشرف النفس علوُّ الهمة ، كان الفضل بها ظاهرًا ، والأدب بهما وافرًا ، ومشاقُّ الحمد بينهما مسهلة ، وشروط المروءة بينهما متينة . وقد قال الحُصين بن المنذر الرقّاشي : ورِثَ المكارمَ عن أبٍ فأضاعها إنَّ المروءة لیسَ يُدر کها امرؤٌّ ونهتْه عن سُبُل العلا فأطاعها أُمرَتْهُ نفسٌ بالدناءةِ والخنا يَيني الكريمُ بها المكارمَ باعَهَا))(١) فإذا أصابَ مِنَ المكارمِ خُلَّةٌ نعم .. يبني الكريمُ بها المروءة باعَها فإذا أصاب مِن الأمور عظيمةً قال الحسين بن أحمد البغدادي : ویری مُروءَتَّهُ تکون بمَن مضی ليسَ الكريمُ بمَن يُدَنِّسُ عِرضَهُ ویَزِینَ صالحَ ما أتوه بما أتى حتى يَشيدَ بناءَه بَنَانِهِ وقال: (( ما رأيتُ أحدًا أخسر صفقةً، ولا أظهرَ حسْرةً، ولا أخيَبَ قصدًا ولا أقلّ رشدًا، ولا أحمقَ شعارًا، ولا أدنسَ دِثارًا - من المفتخر بالآباء الكرام ، وأخلاقِهم الجِسَام ، مع تعرِّيه عن سلوك أمثالهم ، وقصْد أشباههم ، متوهِّمًا أنهم ارتفعوا بمَن قبلهم ، وسادوا بمَن تقدَّمهم ، وهَيْهات ، آنّى يسُود المرءُ على الحقيقة إلا بنفسِهِ؟! وأنَّى ينبل في الداريْن إلَّا بكدِّه؟!)). عالي الهمَّة يعلَمُ حقوقَ المروءَة ويرعاها : حقوقُ المروءة وشروطها(٢): واعلمْ أن حقوق المروءة أكثر مِن أن تُحصى ، وأخفى من أن تُظهر ؛ (١) أدب الدنيا والدين صـ ٣٩٥ - ٣٩٦. (٢) تلخيصًا من (( أدب الدنيا والدين)). تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس ٣١٦ لأنَّ منها ما يقوم في الوهْم حِسًّا، ومنها ما يقتضيه شاهد الحال حدْسًا(١)، ومنها ما يظهر بالفعل ويخفى بالتغافل، فلذلك أَعْوَزَ(٢) استيفاءُ شروطها، إلا جملًا يتنبّه الفاضل لها ليقظته، ويستدلُّ العاقل عليها بفطرته. وإنما نذكر هنا الأشْهَر من قواعدها وأصولها ، والأظهر من شروطها وحقوقها ، محصورًا في تقسيمٍ جامع . وهو ينقسم قسمين : أحدهما : شروط المروءة في نفسه : وهي : العفة ، والنزاهة ، والصيانة . والثاني : شروط المروءة في غيره : المعاونة ( المؤازرة ) ، والمياسرة ، والإفضال . شروط المروءة في النفس : فأما شروطها في نفْسه بعد التزام ما أوجبه الشرع من أحكامه ، فيكون بثلاثة أمور ، وهي العفّة ، والنزاهة ، والصيانة . (١) العفّة : فأما العقَّة فنوعان: أحدهما : العقَّة عن المحارم، والثاني: العفّة عن المآئم. (أ) فأمَّا العقَّة عن المحارم : فنوعان: أحدهما : ضبط الفرْج عن الحرام . والثاني: كفّ اللسان عن الأعراض . ( ب ) وأما العفّة عن المآثم : فنوعان : أحدهما : الكفّ عن المجاهرة بالظلم ، والثاني : زجْر النفس عن الإِسرار بخيانة . ( ٢ ) الَّزَاهَة : وأما النزاهة فنوعان : (١) تخمينًا . (٢) أنعدم . https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس ٣١٧ أحدهما : النزاهة عن المطامع الدنيّة . والثاني : النزاهة عن مواقف الرِّيبة . ومَن كانت الدنيا مناهُ وهمَّهُ سَبَتْهُ المُنى واستعبدَتْهُ المطامِعُ وليس لمن كان المال عنده أجلَّ، ونفسُه عليه أقلّ : إصغاءٌ لتأنيب ولا قبولٌ لتأديب . وحسْمُ هذه المطامع شيئان : اليأسُ والقناعة . أما النزاهة عن مواقف الريبة، فهذا رسول الله عَ ليه، وهو أبعد خلْق الله من الرِّيب، وأصونُهم من التهَم .. وقَفَ مع صفية أم المؤمنين - زوجته - ذات ليلة على باب المسجد يحادثها ، وكان معتكِفًا ، فمرَّ به رجلان من الأنصار ، فلمَّا رأياه أسرعا ، فقال لهما: ((على رِسْلِكُما (١)؛ إنها صفية)). فقالا: سبحان الله !! أُوَفيك شكٌّ يا رسول الله؟! فقال: ((مَهْ (٢) ؛ إن الشيطان يجري من أحدِكم مجرى لحمِه ودَمه ، فخشيتُ أن يقذف في قلبيكما سوءًا)). فكيف مَن تخالجت فيه الشكوك وتقابلت فيه الظَّنون ؟ فهل يعرى في مواقف الريب من قادِح محقّق ، ولائم مصدّق ؟! فإذا استعمل الحزم ، وغلّب الحذَر ، وترك مواقف الريب ، ومظانّ التهم ؛ لم يختلجْ في نزاهته شكّ، ولم يقدح في عِرضه إفكّ . (٣) الصِّيّانة : نوعان : (أ) أحدهما : صيانة النفْس بالتماس كفايتها وتقدير مادَّتها . ( ب ) والثاني : صيانتها عن تحمُّل المِنَن ، والاسترسال في الاستعانة بهم . (١) على رِسْلكما : تمَهَّلا . (٢) مَهْ: اسم فِعْل بمعنى : اكْفُفْ . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٣١٨ صلاح الأمة في عُلُوٌ الهمة - المجلد الخامس أما الْتماس الكفاية: فلأنَّ المحتاج إلى الناس كَلِّ مُهْتَضَم ، وذليل مستَثْقل ، وعليه بطلب كفايته ، وسدِّ خلته ، وعليه في طلبه ثلاثة شروط : أحدها : استطابته من الوجوه المباحة . والثاني : طلبه من أحسن جهاته ، التي لا يلحقه فيها غضٌّ ، ولا يتدئَّسُ له بها عِرْضٌ ، فإنَّ المال يُراد لصيانةٍ الأعراض ، لا لابتذالها ، ولِعزّ النفوس لا لإذلالها . والثالث : أن يَتأنَّى في تقدير مادَّته وتدبير كفايته ؛ فإنَّ يسيرَ المال مع حسن التقدير وإصابة التدبير : أجدى نفعًا وأحسن موقعًا ، من كثيره مع سوء التدبير وفساد التقدير . قال محمد بن علّ بن الحسين : الكمال في ثلاثة : العفّة في الدين ، والصبر على النوائب ، وحسن التدبير في المعيشة . وقد كان ذوو الهمم العَلِيَّة والنفوس الأبيّة ، يرون ما وصل إلى الإِنسان كسبًا أفضل ممَّا وصل إليه إرًّْا؛ لأنه في الإِرث في جدوى غيره، وبالكسب مُجْدٍ إلى غيره ، وفْقُ ما بينهما في الفضْل ظاهر . قال كشاجم : طلبًا وسعيًا في الهواجر والغَلَسْ لا أَستلدُّ العَيْشَ لم أَدْأَبْ لهُ حتى يحاولَ بالعناءِ وَيُلْتَمَسْ وأرى حرامًا أنْ يُواتيني الغِنى فالليْثُ ليسَ يَسيغُ إلا ما افترسْ فاضرِفْ نوالك عن أخيك موقُّرًا فإن كان ممَّن مُنِي بعلوِّ الهمم ، وتحرّكتْ فيه أريحيَّة الكرم ، وآثر أن يكون رأسًا مُقدَّمًا، وأن يكون في النفوس معظمًا ومفخمًا ، فالكفاية لا تقلُّه حتى يكون مالُه فاضلاً ونائلهُ فائضًا ؛ فقد قيل لبعض العرب : ما المروءة فيكم ؟ قال : طعام مأكول ، ونائل مبذول ، وبِشْرٌ مقبول . وأمَّا صيانتها عن تحمُّل المَِنِ: فلأنَّ المَنَّة استرقاقُ الأحرار ، فإن استطعتَ ألَّ يكون بينك وبين الله ذو نعمة فافْعَلْ، ولا تكنْ عبدَ غيرك وقد جعلَكَ الله حرًّا . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس ٣١٩ شروط مُروءَةِ المَرْءِ في غيْرِه ثلاثة : المؤازَرَة ، والمُيَاسَرَة ، والإِفضال : ( ٤ ) المؤازرة ( المعاونة ) : بالجاه ، والمال ، والبدن . أما المؤازرة فنوعان : ( أ ) أحدهما : الإِسعاف بالجاه . ( ب ) والثاني : الإسعاف في النوائب . أما الإسعاف بالجاه : فهو ألطف الصنائع موقعًا ، وربما كان أعظم من المال نفعًا ؛ قال بعض البلغاء : من علامة الإقبال : اصطناع الرجال . وقال بعض الأدباء : بذْلُ الجاه أحد الحباءيْن(١). والجاه هو الظّ الذي يلجأ إليه المضطرون، فإنْ أوْطَأُهُ(٢)، اَتَّسَعَ بكثرة الأنصار والشِّيَعِ ، وإن قبضَه ، انقطع بنُفُور الغاشية والتَّبع ؛ فهو بالبذل ينمو ويزيد ، وبالكفُ ينقص ويَبيد ، ومَن بخِل بجاهه ، أضاعه بالشحِّ ، وبدَّده بالبخل ، وحَرَم نفسه غنيمة مكنتِهِ ، وفرصةً قدرتِهِ ، فلم يُعقبه إلّا ندمًا على فائت ، ومقتًا يستحكم في النفوس ، فاصنع الخير عند إمكانك ، يبق لك حمدُه عند زواله ، وأحْسِنْ والدولةُ لك ، يُحسن لك والدولة عليك ، واجعلْ زمانَ رخائكَ عُدَّة لزمانٍ بلائك . وعلى مَن أُسعِدَ بجاهه ثلاثة حقوق : ١ - أن يستسهل المعونة مسرورًا، ولا يستثقلها كارهًا . ٢ - مجانبة الاستطالة ، وترك الامتنان ، فأضيقُ الناسِ طريقًا وأقلُّهم صَدِيقًا ؛ مَن عاشر الناسَ بعُبوس وجهه ، واستطال عليهم بنفسه . (١) الحباءيْن : العطاءيْن. (٢) مهَّده وسهَّله . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٣٢٠ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس ٣ - ألَّا يقرن بمشكورٍ سعيهِ تقريعًا بذنب، ولا توبيخًا على هفوةٍ . الإسعاف في النوائب والمسارعة بالعطاء : نوعان : واجب ، وتبُّع . فأما الواجب : فما اختُصَّ بثلاثة أصناف، وهم: الأهل والإِخوان والجيران . أما الأهل: فلمُمَاسَّة الرّحم وتعاطُف النَّسَب . وقد قيل: لم يَسُدْ من احتاج أهلُه إلى غيْره . قال حسان بن ثابت : وإن امْرَأَ نَالَ المُنى لم ينْ بِهِ قريبًا ولا ذا حاجةٍ لَزهيدُ وأما الإِخوان : فلمُسْتَحكم الوُدِّ ومتأكَّد العهْد . سُئل الأحنف بن قيْس عن المروءة ، فقال : صدق اللسان ، ومواساة الإِخوان ، وذكْر الله في كلِّ مكان . ورأى بعض الحكماء رجليْن يصطحبان لا يفترقان ، فسأل عنهما .. فقيل : هما صديقان . فقال : ما بال أحدهما فقير والآخر غنّ ؟! وأما الجار : فلدُنِّ داره ، واتصال مزاره . ومَن أُحسَنَ إلى جاره ، فقد دلَّ على حسن نِجاره(١) . فيجب في حقوق المروءة ، وشروط الكَرم في هؤلاء الثلاثة : تحمُّل أثقالهم ، وإسعافهم في نوائبهم ، ولا فسْحة لذي مروءة عند ظهور المكْنة أن يَكِلَهم إلى غيره ، أو يُلْجِئَهم إلى سؤاله ، ولْيكن السائلُ عنهم كرَمَ نفسه ؛ فإنهم عيالُ كَرَمِه ، وأضياف مروءته ، فكما أنه لا يحسن أن يُلجئ عياله وأضيافه إلى الطلب والرغبة ، فهكذا مَن عالَه كرمُه ، وأضافته مروءته . وقال بعض الشعراء : حقّ على السيِّدِ المرجوِّ نائلُهُ والمستجار به في العُرْبِ والعَجَمِ (١) حسْن أصله . https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد