Indexed OCR Text

Pages 281-300

مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الخامس
٢٨١
وهذه المنزلة أيضا ثلاث درجات :
أ - لا يُخاصم بلسانه .
ب - ولا ينوي الخصومة بقلبه .
ج - ولا يخطرها على باله . هذا في حقِّ نفسه .
وأما في حقِّ ربِّه : فالفتوة : أن يخاصم بالله وفي الله ، ويحاكم إلى
الله، كما كان النبي عَّله يقول في دعاء الاستفتاح: ((وبك خاصمت،
وإليك حاكمت)) . وهذه درجة فتوة العلماء الدعاة إلى الله تعالى .
فُوَّة التغافل أرفع من فتوة الكتمان مع الرؤية :
وأمَّا ((التغافل عن الزلَّة)): فهو أنه إذا رأى من أحد زَلَّة ، يوجب عليه
الشرع أخذه بها ؛ أظهر أنه لم يرها ؛ لئلا يعرِّض صاحبها للوحشة ، ويريحه
من تحمُّل العذر .
وفتوة التغافل : أرفع من فتوة الكتمان مع الرؤية .
قال أبو علي الدقَّاق : جاءت امرأة فسألت حاتمًا عن مسألة ، فاتفق
أنه خرج منها صوت في تلك الحالة، فخجلت ؛ فقال حاتم : ارفعي صوتك .
فأوهمها أنه أصم ، فَسُرَّت المرأة بذلك، وقالت : إنه لم يسمع الصوت . فلُقِّب
بحاتم الأصم . وهذا التغافل هو نصف الفتوة .
نسيانُ الأذيَّة :
وأما ((نسيان الأذيَّة)): فهو بأن تنسى أذيَّة من نالك بأذى ؛ ليصفو
قلبك له ، ولا تستوحش منه .
قلت : وهنا نسيان آخر أيضًا ، وهو من الفتوة ؛ وهو نسيان إحسانك
إلى من أحسنت إليه ، حتى كأنه لم يصدر منك ، وهذا النسيان أكمل من
الأول ، وفيه قيل :
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٢٨٢
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس
ينسى صنائعه والله يُظهرها إن الجميلَ إذا أخفيتَه ظهرا))(١)
((الدرجة الثانية: أن تُقرِّب مَن يقصيك ، وتكرم من يؤذيك ، وتعتذر
إلى من يجني عليك ؛ سماحةً لا كظمًا ، ومودَّةً لا مصابرةً)).
قال ابن القيم: (( هذه الدرجة أعلى مما قبلها وأصعب ؛ فإن الأولى
تتضمن ترك المقابلة والتغافل ، وهذه تتضمن الإِحسان إلى من أساء إليك ،
ومعاملته بضدٍ ما عاملك به ؛ فيكون الإِحسان والإِساءة بينك وبينه خِطَّتين ؛
فخطتُك : الإِحسان ، وخطته : الإِساءة . وفي مثلها قال القائل :
إذا مرضنا أتيناكم نعودُكُمُ وتُذنبونَ فنأتيكُم ونعتَذِرُ
ومن أراد فَهْم هذه الدرجة كما ينبغي، فلينظر إلى سيرة النبي عَ لِ مع
الناس ، يجدها هذه بعينها ، ولم يكن كمال هذه الدرجة لأحدٍ سواه ، ثم للورثة
منها بحسب سهامهم من التركة )).
ابن تيمية مِن سادات الفتيان: «وددتُ أني لأصحابي مثلُه لأعدائه
وخصومه )» :
قال ابن القيم: (( وما رأيتُ أحدًا قط أجمع لهذه الخصال من شيخ الإسلام
ابن تيمية - قدَّس الله روحه - وكان بعض أصحابه الأكابر يقول : وددت
أني لأصحابي مثله لأعدائه وخصومه .
وما رأيته يدعو على أحدٍ منهم قط ، وكان يدعو لهم .
وجئتُ يومًا مبشرًا له بموت أكبر أعدائه وأشدِّهم عداوة وأذى له ،
فنهرني وتنكَّر لى واسترجع ، ثم قام من فوره إلى بيت أهله فعزَّاهم ، وقال :
إني لكم مكانه ، ولا یکون لکم أمر تحتاجون فیه إلى مساعدة إلا وساعدتُكم
(١) مدارج السالكين ٣٤٤/٢ - ٣٤٥.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٢٨٣
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس
فيه . ونحو هذا من الكلام ، فسُرُّوا به ودعوا له ، وعظموا هذه الحال منه ،
فرحمه الله ورضي عنه . وهذا مفهوم )) .
الاعتذار إلى مَن يجني عليك :
قال ابن القيم: ((وأما ((الاعتذار إلى من يجني عليك)): فإنه غير مفهوم
في بادئ الرأي ؛ إذ لم يصدُر منك جناية توجبُ اعتذارًا، وغايتك : أنك لا
تؤاخذه ، فهل تعتذر إليه من ترك المؤاخذة ومعنى هذا : أتك تُنزل نفسك منزلة
الجاني لا المجني عليه ، والجاني خليقٌ بالعذر .
والذي يُشهدك هذا المشهد ، وأنك تعلم أنه إنما سُلِّط عليك بذنب ،
كما قال تعالى: ﴿ وما أصابكم من مصيبةٍ فبما كسبت أيديكم ويعفو عن
كثير﴾ [ الشورى: ٣٠] . فإذا علمتَ أنك بدأتَ بالجناية فانتقم الله منك على
يده ؛ كنت في الحقيقة أولى بالاعتذار .
والذي يُهَوِّنُ عليك هذا كلَّه ، مشاهدة تلك المشاهد العشرة المتقدمة ،
فعليك بها ؛ فإن فيها كنوز المعرفة والبِرّ .
وقوله : ((سماحة لا كظمًا ، ومودةً لا مصابرةً)):
يعني : اجعل هذه المعاملة منك صادرة عن سماحة وطيبة نفس وانشراح
صدر ، لا عن كظمٍ وضيقٍ ومصابرةٍ ؛ فإن ذلك دليل على أن هذا ليس في
خُلُقِك ، وإنما هو تكلُّف يوشك أن يزول ، ويظهر حكم الخلق صريحا؛ فتُفتَضح .
وليس المقصود إلا إصلاح الباطن والسر والقلب .
وهذا الذي قاله الشيخ لا يمكن إلا بعد العبور على جِسْر المصابرة والكظم ؛
فإذا تمكن منه أفضى به إلى هذه المنزلة بعون الله ، والله أعلم )).
((الدرجةُ الثالثةُ: أن لا تتعلَّق في السير بدليل، ولا تشوب إجابتك
بعوض ، ولا تقف في شهودك على رسم )» :
قال ابن القيم : هذه ثلاثة أمور اشتملت عليها هذه الدرجة :
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٢٨٤
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس
أمّا عدم تعلُّقه في السير بدليل : فقد بيَّن مراده به في آخر الباب ، إذ
يقول: ((وفي علم الخصوص : مَن طلب نور الحقيقة على قدم الاستدلال ،
لم يحلّ له دعوى الفُتُوَّة أبدًا)). وهذا موضع عظيم يحتاج إلى تبيين وتقدير .
والمراد : أن السائر إلى الله يسير على قدم اليقين ، وطريق البصيرة
والمشاهدة ؛ فوقوفه مع الدليل : دليل على أنه لم يَشُمَّ رائحة اليقين . والمراد
بهذا : أن المعرفة عندهم ضرورية لا استدلالية ، وهذا هو الصواب ؛ ولهذا
لم تدع الرسلُ قط الأممَ إلى الإِقرار بالصانع سبحانه وتعالى ، وإنما دعَوْهم
إلى عبادته وتوحيده ، وخاطبوهم خطاب من لا شبهة عنده قط في الإِقرار
بالله تعالى ، ولا هو محتاج إلى الاستدلال عليه ؛ ولهذا: ﴿ قالت رُسُلُهم
أفي الله شكٌّ فاطرِ السموات والأرض﴾. وكيف يصحُّ الاستدلال على
مدلول هو أظهر من دليله ؟ حتى قال بعضهم : كيف أطلب الدليل على من
هو دليلٌ على كلِّ شيء ؟ فتقيُّد السائر بالدليل وتوقُّفه عليه ، دليلٌ على عدم
يقينه . بل إنما يتقيَّد بالدليل الموصِّل له إلى المطلوب بعد معرفته به ؛ فإنه يحتاج -
بعد معرفته - إلى دليل يوصِّله إليه ، ويدلُّه على طريق الوصول إليه ، وهذا الدليل
هو الرسول عَ له، فهو موقوفٌ عليه يتقيَّد به، ولا يخطو خطوة إلا وراءه.
وأيضًا فالقوم يشيرون إلى الكشف ومشاهدة الحقيقة ، وهذا لا يمكن
طلبه بالدليل أصلًا . ولا يقال : ما الدليل على حصول هذا ؟ وإنما يحصُّل
بالسلوك في منازل السير ، وقطعها منزلة منزلة ، حتى يصل إلى المطلوب .
فوصوله إليه بالسير لا بالاستدلال ، بخلاف وصول المستدل ؛ فإنه إنما يصل
إلى العلم ، ومطلوب القوم وراءه . والعلم منزلة من منازلهم - كما سيأتي ذكرها
إن شاء الله تعالى - ولهذا يسمُّون أصحاب الاستدلال : أصحاب القال .
وأصحاب الكشف : أصحاب الحال . والقوم عاملون على الكشف الذي يحصل
بنور العيان ، لا على العلم الذي يُنال بالاستدلال والبرهان .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس
٢٨٥
وهذا موضع غلط واشتباه ؛ فإنّ الدليل في هذا المقام شرط ، وكذلك
العلم ، وهو باب لا بد من دخوله إلى المطلوب ، ولا يوصل إلى المطلوب
إلا من بابه، كما قال تعالى: ﴿وَأَثُوا البيوت من أبوابها﴾ [البقرة: ١٨٩].
ثم إنه يُخافُ على مَن لا يقف مع الدليل ما هو أعظم الأمور وأشدّها
خطرًا ، وهو الانقطاع عن الطلب بالكلية ، والوصول إلى مجرد الخيال والمحال ؛
فمن خرج عن الدليل ضلَّ سواء السبيل .
فإن قيل : تعلَّقه في المسير بالدليل ، يفرِّق عليه عزمَه وقلبه ؛ فإن الدليل
يفرِّق والمدلول يجمع . فالسالك يقصد الجمعية على المدلول ، فما له ولتفرقة
الدليل ؟ .
قيل: هذه هي البلية التي لأجلها أعرضَ مَنْ أعرضَ مِن السالكين عن العلم ونهى
عنه ، وجُعلت علّة في الطريق ، ووقع هذا في زمن الشيوخ القدماء العارفين
فأنكروه غاية الإِنكار ، وتبَُّوا منه ومِن قائله ، وأوصَوْا بالعلم ، وأخبروا أن
طريقهم مقيّدةٌ بالعلم ؛ لا يفلح فيها مَن لم يتقيَّد بالعلم . والجنيد كان من أشدّ
الناس مبالغة في الوصية بالعلم ، وحثًّا لأصحابه عليه .
والتفُّق في الدليل خيرٌ من الجمعية على الوهم والخيال ؛ فإنه لا يعرف
كون الجمعية حقًا إلا بالدليل والعلم . فالدليل والعلم ضروريان للصادق ، لا
يُستغنى عنهما .
نعم، يقينُه ونور بصيرته وكشفه ، يغنيه عن كثير من الأدلة التي يتكلّفها
المتكلِّفون ، وأرباب القال ؛ فإنه مشغول عنها بما هو أهم منها ، وهو الغاية
المطلوبة .
مثاله : أن المتكلِّم يُفني زمانه في تقرير حدوث العالم ، وإثبات
وجود الصانع . وذلك أمرٌ مفروغ منه عند السالك الصادق صاحب اليقين ؛
فالذي يطلبه هذا بالاستدلال - الذي هو عرضة الشُّبَه والأسئلة والإِيرادات
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٢٨٦
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الخامس
التي لا نهاية لها - هو كشفٌ ويقين للسالك . فتقيُّده في سلوكه بحال هذا
المتكلم انقطاعٌ ، وخروجٌ عن الفتوة . وهذا حقٌّ لا يُنازع فيه عارف ، فترى
المتكلّم يبحث في الزمان والمكان، والجواهر والأعراض، والأكوان ، وهِمَّته
مقصورة عليها لا يعدوها ليصل منها إلى المكوِّن وعبوديته . والسالك قد
جاوزها إلى جمع القلب على المكوِّن وعبوديته بمقتضى أسمائه وصفاته ،
لا يلتفتُ إلى غيره ، ولا يشتغل قلبه بسواه .
فالمتكلِّم متفرِّق مشتغل في معرفة حقيقة الزمان والمكان ، والعارف
قد شح بالزمان أن يذهب ضائعًا في غير السير إلى ربِّ الزمان والمكان .
وبالجملة : فصاحب هذه الدرجة لا يتعلَّق في سیره بدلیل ، ولا يمكنه
السير إلا خلف الدليل ، وكلاهما يجتمع في حقّه . فهو لا يفتقر إلى دليل
على وجود المطلوب . ولا يستغني طرفة عين عن دليل يوصِّله إلى المطلوب .
فسَيْر الصادق على البصيرة واليقين والكشف ، لا على النظر والاستدلال .
وأما قوله: ((ولا تشوب إجابتك بعوض)) :
أي : تكون إجابتك لداعي الحق خالصة ، إجابة محبة ورغبة ، وطلب
للمحبوب ذاته ، غير مشوبة بطلب غيره من الحظوظ والأعواض ؛ فإنه متى
حصل لك؛ حصل لك كلُّ عوض وكلُّ حظٍّ به وكلٍ قسم. كما في الأثر الإلهي:
(( ابن آدم ، اطلبني تجدني، فإن وجدتني وجدت كلّ شيء ، وإن فُتُّك فاتك
كلَّ شيء، وأنا أحبُّ إليك من كلِّ شيءٍ)).
فمن أعرض عن طلب ما سوى الله ، ولم يَشُب طلبه له بعوض ، بل
كان حُبًّا له، وإرادة خالصة لوجهه؛ فهو في الحقيقة الذي يفوز بالأعواض
والأقسام والحظوظ كلِّها . فإنه لمَّا لم يجعلها غاية طلبه ، توفّرت عليه في
حصولها ، وهو محمودٌ مشكورٌ مقرّب ، ولو كانت هي مطلوبة لنقصت عليه
بحسب اشتغاله بطلبها وإرادتها عن طلب الرب تعالى لذاته وإرادته .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي
مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الخامس
٢٨٧
فهذا قلبه ممتلئ بها والحاصل له منها نَزْرٌ يسير ، والعارف ليس قلبه
متعلّقًا بها وقد حصلت له كلها ؛ فالزهد فيها لا يُفيتكها ، بل هو عينُ
حصولها . والزهد في الله هو الذي يُفيتكه ويُفيتك الحظوظ . وإذا كان لك
أربعة عبيد ؛ أحدهم : يريدك ولا يريد منك ، بل إرادته مقصورة عليك وعلى
مرضاتك . والثاني : يريد منك ولا يريدك ، بل إرادته مقصورة على حظوظه
منك . والثالث : يريدك ويريد منك . والرابع : لا يريدك ولا يريد منك ،
بل هو متعلِّق القلب ببعض عبيدك ؛ فله يريد ، ومنه يريد - فإنَّ آثر العبيد
عندك ، وأحبَّهم إليك ، وأقربهم منك منزلة ، والمخصوص من إكرامك
وعطائك بما لا يناله العبيد الثلاثة ؛ هو الأول . هكذا نحن عند الله سواء .
وأمّا قوله: ((ولا تقف في شهودك على رسم)» :
فيعني : أن لا يكون منك نظر إلى السوى عند الشهود ، كما تقدَّم
مرارًا . وهذا عند القوم غير مكتسب ؛ فإن الشهود إذا صحَّ محا الرسوم ضرورة
في نظر الشاهد ، فلا حاجة إلى أن يشرط عليه عدم الوقوف عليها . والشهود
الصحيح ماحٍ لها بالذات ، لكن أوله قد لا يستغني عن الكسب ، ونهايته
لا تقف على كسْب .
نفيسة :
قال: ((واعلم أنَّ مَن أحوج عدوَّه إلى شفاعة ، ولم يخجل من المعذرة
إليه ؛ لم يشمَّ رائحة الفتوة)) .
يعني أن العدوَّ متى علم أنك متألُّم من جهة ما نالك من الأذى منه ،
احتاج إلى أن يعتذر إليك . ويُشَفِّع إليك شافعًا يزيل ما في قلبك منه . فالفتوة
كلَّ الفتوة : أن لا تحوجه إلى الشفاعة ، بأن لا يظهر له منك عتْب ولا تغيُّر
عما كان له منك قبل معاداته ، ولا تطوي عنه بِشْرك ولا يِّك . وإذا لم تخجل
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٢٨٨
صلاحِ الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الخامس
أنت من قيامه بين يديك مقام المعتذر ، لم يكن لك في الفتوة نصيب .
ولا تستعظم هذا الخُلُق ، فإن للفتيان ما هو أكبر منه . ولا تستصعبه
فإنه موجود في كثير من الشطار والعشراء ، الذين ليس لهم في حال المعرفة
ولا في لسانها نصيب ، فأنت أيها العارف أولى به .
قال: (( وفي علم الخصوص : مَن طلب نور الحقيقة على قدم
الاستدلال ؛ لم يحلّ له دعوى الفتوة أبدًا)).
كأنه يقول : إذا لم تحوج عدوك إلى العذر والشفاعة ، ولم تكلِّفه طلب
الاستدلال على صحة عذره ؛ فكيف تحوج وليَّك وحبيبك إلى أن يقيم لك
الدليل على التوحيد والمعرفة ، ولا تشير إليه حتى يقيم لك دليلًا على وجوده
ووحدانيته ، وقدرته ومشيئته ؟ فأين هذا من درجة الفتوة ؟! وهل هذا إلا
خلاف الفتوة من كل وجه؟!
ولو أن رجلا دعاك إلى داره ، فقلت للرسول : لا آتي معك حتى تقيم
لي الدليل على وجود من أرسلك ، وأنه مطاع ، وأنه أهل أن يُغشى بابه ؛
لكنتَ في دعوى الفتوة زنيما . فكيف بمن وجوده ، ووحدانيته ، وقدرته
وربوبيته وإلهيته ؛ أظهر من كل دليل تطلبه ؟ فما من دليل يستدل به ، إلا
ووحدانية الله وكماله أظهر منه ؛ فإقرار الفِطَر بالرب سبحانه خالق العالم لم
يوقفها عليه موقف ، ولم تحتج فيه إلى نظر واستدلال: ﴿ أفي الله شكّ فاطر
السموات والأرض﴾ [ إبراهيم: ١٠]. فأبعدُ الناس من درجة الفتوة:
طالب الدليل على ذلك .
وليس يصحُّ في الأذهانِ شيءٌ إذا احتاج النهار إلى دليل
ومن الفُتُوَّة العفو مع الإحسان ، وهاك أمثلة :
صفية بنت حُيي أمّ المؤمنين رضي الله عنها :
قال أبو عمر بن عبد البر: روينا أنَّ جاريةً لصفيَّة أتت عمر بن الخطاب
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٢٨٩
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس
فقالت : إن صفية تُحبُّ السبت ، وتصل اليهود . فبعث عمر يسألها فقالت :
أما السبت فلم أُحبَّه منذ أبدلني الله به الجمعة، وأمَّا اليهود فإن لي فيهم رحمًا
فأنا أصلها . ثم قالت للجارية : ما حملكِ على ما صنعتِ ؟ قالت : الشيطان .
قالت : فاذهبي فأنت حَّة(١) .
عبد الله بن عون رحمه الله :
عن بكَّار بن محمد السيريني ، قال : وكان - فيما حدثني بعضُ
أصحابنا- لابن عون ناقة يغزو عليها ويحجّ، فكان بها معجبًا، قال: فأمر غلامًا
له يستقي عليها ، فجاء بها وقد ضربها على وجهها ، فسالت عينُها على خدِّها ،
فقلنا : إن كان من ابن عون شيءٌ فاليوم . قال : فلم يلبث أن نزل فلما نظر
إلى الناقة قال : سبحان الله ! أفلا غير الوجه ، بارك الله فيك، اخرج عني،
اشهدوا أنَّه حرُّ(٢) .
أحمد بن حنبل إمام أهل السُّنَّة :
قال الإِمام أحمد : كلُّ من ذكرني ففي حلٍّ ، إلا مبتدعًا . وقد جعلت
أبا إسحاق - يعني : المعتصم - في حلّ ؛ قد رأيتُ الله يقول: ﴿وليعفوا
وليصفحوا ألا تحبُّونَ أن يغفر الله لكم﴾. وأمر النبي عَّ له أبا بكر بالعفو
في قصة مسطح . قال أبو عبد الله: وما ينفعُك أن يعذِّب الله أخاك المسلم
في سببك(٣) .
وهذه صورٌ من عُلُوِّ الهِمَّة في المواساة ، وهي من الفُتُوَّة روحها :
(١) السير ٢٣٣/٢، والاستيعاب ٦٥/١٣.
(٢) السير ٣٧١/٦ .
(٣) السير ٤٦١/١١ .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٢٩٠
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس
أبو بَرْزة الأسلمي رضي الله عنه :
قيل : كانت لأبي بَرْزة الأسلمي جَفنة من ثريد غدوةً ، وجفنةٌ عشيةً
للأرامل واليتامى والمساكين .
حكيم بن حزام رضي الله عنه :
قال شعبة : لمّا تُوفّي الزبير لقي حكيم عبدَ الله بنَ الزبير فقال: كم ترك
أخي من الدَّيْن؟ قال: ألف ألف. قال: علّ خمسمائة ألف(١).
سعيد بن العاص رحمه الله :
قال ابن عيينة: ((كان سعيد بن العاص إذا قصده سائل وليس عنده
شيءٌ قال: اكتب علَي سجلًا بمسألتك إلى الميسرة)).
رحمه الله، فهو من قوم إذا أقبل عليهم السائل يفرحون به ، ويقولون :
مرحبًا بمن جاء يحملُ أزوادنا إلى الآخرة بغير أجرة ، ويُقلَّ عنا ما يشغلنا عن
عبادة ربِّنا سبحانه وتعالى .
وذكر عبد الأعلى بن حماد أن سعيد بن العاص استسقى من بيت فسقوه ،
واتفق أن صاحب المنزل أراد بيعه لديْنٍ عليه، فأدَّى عنه أربعة آلاف دينار(٢).
زيد بن أسلم رحمه الله :
قال أبو الأعرج : لقد رأيتُنا في مجلس زيد بن أسلم أربعين فقيهًا ، أدنى
خصلة فينا التواسي بما في أيدينا ، وما رأيتُ في مجلسه محاربيْن ولا متنازعين
في حديث لا ينفعُنا(٣) .
(١) انظر ترجمته في السير ٤٤/٣ - ٥١ .
(٢) انظر السير ٤٤٤/٣ - ٤٤٩.
(٣) السير ٣١٦/٥ - ٣١٧.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس
٢٩١
بقي بن مخلد رحمه الله :
مشى رحمه الله مع ضعيف في مظلمة إلى (( إشبيلية))، ومشى مع آخر
إلى ((إلبيرة))، ومع امرأة ضعيفة إلى ((جيّان))(١).
القاضي الخياط : أبو عبد الله محمد بن علي المروزي :
عُرف بالخياط ؛ لأنه كان يخيط على الأيتام والمساكين حِسْبةً .
(( قال الحاكم : سمعت أبي يقول : كان القاضي محمد بن علي المروزي
طول أيامه يسكن دار ابن حمدون بحذاء دارنا، وكنت أعرفه يخيط - بالليل ،
وإذا تفَّغ بالنهار - للأيتام والضعفاء، ويعدُّها صَدَقَةً))(٢).
ابن أبي ذهل :
(( قال الحاكم: صحبته حَضَرًا وسفرًا، فما رأيتُ أحسن وضوءًا ولا
صلاةً منه ، ولا رأيتُ في مشايخنا أحسنَ تضُرُّعًا وابتهالًا منه ، قيل لي : إن
عُشْر غلَّته تبلغ ألف حمل . وحدثني أبو أحمد الكاتب أن النسخة بأسامي من
يمونهم تزيد على خمسة آلاف بيت ، وقد عُرضت عليه ولايات جليلة فأبى))(٣).
الإِمام أحمد الرفاعي رحمه الله :
أثنى عليه شيخ الإسلام ابن تيمية ، والحافظ الذهبي في السير (٧٨/٢١ -
٨٠ ) .
كان رحمه الله يجمعُ الحطب ويجيء به إلى بيوت الأرامل، ويملأ لهم بالجرّة .
السير ٢٨٥/١٣ - ٢٩٦ .
(١)
(٢) السير ٥٦٤/١٤ - ٥٦٥ .
السير ٣٨١/١٦ - ٣٨٢ .
(٣)
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٢٩٢
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس
ومن الفُتُوَّة : التَّذمُّم للصاحب والأخ :
((عن الأعمش ، أن سعد بن عبيدة خرج عليه جُعْل مائتي درهم ،
فحُبِس بها ، فمرّ عليه عمارة بن عمير فسأل ، فأخبروه ، فعمد إلى مكاتبٍ
له ، فصالحه على مائتي درهم يعجِّلها ، فأعطاها، فأُخرج ولم يعلمه، فلمَّا خرج
قال : من أخرجني ؟ قالوا : عمارة .
وقال العلاء بن المسيب : كان خيثمة يحمل صُررًا ، وكان موسرًا ،
فيجلس في المسجد فإذا رأى رجلاً من أصحابه في ثيابه رثاثة ، اعترض له فأعطاه .
وقال سفيان بن عيينة : سمعتُ مساورًا الورَّاق يقول : ما كنتُ لأقول
الرجل: إني أحبُّك في الله عز وجل، فأمنعه شيئًا من الدنيا. وحُدِّثت عن ضمرة
ابن ربيعة ، عن عمرو بن عبد الرحمن ، قال : جاءت يزيد بن عبد الملك بن
مروان غلَّةٌ من عَمَلته ، فجعل يصررها ويبعث بها إلى إخوانه ، فقال : إني
أستحبي من الله عز وجل أن أسأل الجنة لأخ من إخواني ، وأبخل عنه بدينارٍ أو درهم.
وعن أبي منصور ، عن إبراهيم أنه انتهى معه إلى زقاقٍ ، فقال له إبراهيم :
تقدَّم . فأبى أن يتقدَّم ، فتقدَّم إبراهيم ، ثم قال : لو كنتُ أعلمُ أنك أكبر مني
بيوم ما تقدَّمتُك .
وقال أبو إياس : إذا اصطحب الرجلان فتقدَّم أحدُهما صاحبه ، فقد
أساء الصحبة .
وعن مالك بن مغول ، عن طلحة قال : أخذت معه في زقاق ، فقال
طلحة : لو كنت أعلمُ أنك أكبر مني بيوم ، ما تقدَّمتُك .
وقال عبد الله بن قيس : من حق الصاحب على صاحبه ، إذا بالت دابَّته
أن يقف له .
وقال محمد بن مناذر : كنتُ أمشي مع الخليل بن أحمد فانقطع شِسْعي ،
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الخامس
٢٩٣
فخلع نعله ، فقلت : ما تصنع ؟ قال : أواسيك في الحفاء .
وقال بكر بن عبد الله : إذا كنتَ مع صاحبٍ لك فتخلّف یبول ، فلم
تقم عليه حتى يقضي بوله ، فلستَ له بصاحب . وإذا ما انقطع شِسْعُه فقام
يصلحه ، فلم تقم عليه ، فلستَ له بصاحب .
وقال الحسن بن كثير : شكوتُ إلى محمد بن علي الحاجة وجفاء
إخواني ، فقال : بئس الأخ ، أخ يرعاك غنيًّا ويقطعك فقيرًا . ثم أمر غلامه
فأخرج كيسًا فيه سبعمائة درهم ، فقال : استنفق هذه ، فإذا نفدت فأعلمني .
وقال الفضل بن دلهم : كان الحسن إذا فقد الرجل من إخوانه أتى
منزله ؛ فإن كان غائبًا وصل أهله وعياله ، وإن كان شاهدًا سأله عن أمره
وحاله ، ثم دعا بعضَ ولده من الأصاغر فأعطاهم الدراهم ووهب لهم ،
وقال : أبا فلان ، إن الصبيان يفرحون بهذا .
وقال عبَّاد بن الوليد القرشي : كان الحسن إذا فقد الرجل من إخوانه ،
أتاه فسلَّم عليه فسأله عن حاله ، فإذا خرج من عنده دعا الخادم فأعطاها صرَّةً
فيها دراهم فقال : ادفعيها إلى مولاتِك وقولي : استنفقيها ، ولا تُعلمي سيِّدك
بها .
وعن جميل بن مُّة قال : مسَّتنا حاجة شديدة ، فكان مورق العجلي
يأتينا بالصُّرّة فيقول : امسكوا لي هذه عندكم . ثم يمضي غير بعيد فيقول :
إن احتجتُم إليها فأنفقوها .
وقال سفيان : قيل لمحمد بن المنكدر : ما بقي ممَّا تستلذ ؟ قال :
الإِفضال على الإِخوان .
وقال بسطام التيمي : کان حمّاد بن أبي سلیمان یزورني ، ويقيم عندي
سائر نهاره ولا يطعم شيئًا ، فإذا أراد أن ينصرف قال : انظر الذي تحت
الوسادة ، فمُرهم ينتفعون به . قال : فأجد الدراهم الكثيرة .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٢٩٤
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس
وعن أبي الرباب أن زبيدًا قدم من سفر ، فأهدى له طلحة سلال
خبيص ، فجمع عليها إخوانه فأكلوا ، وكساهم ثوبًا ثوبًا .
وعن سلام بن النجاشي قال : لقي الحسنُ بن أبي الحسن البصري بعضَ
إخوانه ، فلمّا أراد أن يفارقَه خلع عمامته فألبسه إياها ، وقال : إذا أتيتَ أهلك
فبعها واستنفق ثمنها .
وعن فضالة الشخَّام قال : كان الحسن إذا دخل عليه إخوانه أتاهم بما
يكون عنده ، ولربما قال لبعضهم : أخرج السلة من تحت السرير . فيخرجها
فإذا فيها رطب ، فيقول : ادّخرتُه لكم .
وعن زياد بن أبي زياد قال : ما دخلت على عبد الرحمن بن أبي ليلى
قط ، إلّا حدّثني بحديثٍ حسن ، وأطعمني طعامًا طيِّبًا .
وعن ضمرة ، عن ابن شوذب قال : كان أبان بن أبي عيَّاش يدعو إخوانه
فيصنع لهم الطعام ، ويُجيزهم بالدراهم .
وعن غسَّان بن المفضل قال : كنت أرى بشر بن منصور إذا زاره الرجل
من إخوانه ، قام معه حتى يأخذ بركابه . قال : وفعل ذلك بي كثيرًا .
وعن يونس ، عن الحسن قال : إنْ كان الرجل ليخلف أخاه في أهله
بعد موته أربعين سنة )) (١) .
عمرو بن قيس الملائي : يخلف منصور بن المُعْتمر في النفقة على أهله بعد
موته :
((قال هُريم بن سفيان : كان عمرو بن قيس المُلائي يمُّ بنا في كل جمعة ،
ومعه هديَّة قد حملها ، يأتي بها منزل منصور بن المُعْتمر قال : وذلك بعد موت
منصور بما شاء الله ، فلم يزل على ذلك حتى مات . قال : فبلغني أن أهله كانت
تعاهدهم بنحو من ذلك بعدما مات عمرو .
(١) مكارم الأخلاق لابن أبي الدنيا ص ٧١ - ٧٨.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٢٩٥
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس
وعن بسطام التيمي قال : رأيت طلحة بن مصرِّف يخرج من زقاقٍ ضيِّق
في التيم ، فقلتُ : من أين يجيء طلحة ؟ قالوا : يأتي أمَّ عمارة بن عمير يبرها
بالنفقة والكسوة والصِّلة . قال : وذلك بعد موت عمارة ببضع عشرة سنة .
قال : وكانت أم عمارة أعجمية .
قال السري السقطي رحمه الله تعالى: ((ذهب المعروف ، وبقيت
التجارة ؛ يعطي أحدهم لأخيه الشيء لأجل أن يعطيه نظيره )).
وكان الحسن البصري رحمه الله يقول: ((لقد أدر كنا الناس وأحدهم
يدخل دار أخيه وهو غائب ، فيرى السَّة مملوءة فاكهة فيأخذها يأكل منها
ويفرق منها بغير إذن ، فإذا جاء أخوه وأُخبِر ، فرح بذلك)).
عبد الله بن عون والحسن البصري :
(( قال معاذ بن معاذ : سمعت ابن عون يقول : ما بقي أحد أبطن بالحسن
منا ، والله لقد أتيتُ منزله في يوم حار ، وليس هو في منزله ، فنمتُ على سريره ،
فلقد انتبهتُ وإنه ليروِّ حني .
وكان لمحمد بن سيرين - رحمه الله تعالى - بغل مربوط في دهليزه فكان
كُلُّ من احتاج إلى ركوبه أخذه وركبه من غير استئذان ؛ لما يعلمون من طيب
نفسه بذلك .
ودخل جماعة من إخوان سفيان الثوري دارَه وهو غائب ، فأخذوا ما
يأكلون ، وجلسوا يأكلون ويتحدَّثون في صلاح سفيان ، فبينما هم كذلك إذ
أقبل سفيان ، فوجدهم على تلك الحالة فبكى ، فقالوا له : ما يُيكيك ؟ قال :
كيف لا أبكي وقد ذكرتموني بأحوال السلف الصالح ، وعاملتموني بأخلاق
الصالحين ، ولست منهم ؟!
وكان بقية بن الوليد - رحمه الله - يدخل دار صديقه في غيبته ، ويأخذ
القدر من على النار ، ويضعه على باب الدار ، فيأكل منه ويفرِّق على الفقراء
والمساكين ، فإذا جاء أخوه فرح بذلك ، وقال : جزاك الله من أخ صالح خيرًا ،
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٢٩٦
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس
قدَّمت لنا ليوم معادنا .
وقد كان جعفر بن محمد رضي الله عنهما يقول : بئس الأخ من لا يتجرأ
أخوه أن يفتح كيسه في غيبته ويأخذ منه ما يحتاج إليه بغير إذنه ))(١) .
قال الشعراني في ((تنبيه المغترِّين)) (٨٩): ((كان عبد الله بن عمر -
رضي الله عنهما - يشترط على من يريد أن يصحبه في السفر ، أن يكون عبد الله
هو الذي ينفق عليه ، وأن يكون خادمًا ومؤذنًا .
وقد كان إبراهيم بن أدهم رحمه الله تعالى يقول : عجبًا للرجل اللئيم ؛
يبخل بالدنيا على أصدقائه ، ويسخى بالجنة لأعدائه !! )).
وعن سلمى مولاة أبي جعفر محمد بن علي قالت : كان يدخل عليه
إخوانه ، فلا يخرجون من عنده حتى يطعمهم الطيِّب ، ويكسوهم الثياب الحسنة ،
ويهب لهم الدراهم . قالت : فأقول له : بعض ما تصنع ؟! فيقول : يا سلمى ،
ما نؤمِّل في الدنيا بعد المعارف والإِخوان ؟!
وعن حماد بن أبي حنيفة ، قال : كان أبو جعفر محمد بن علي يدعو
نفرًا من إخوانه كل جمعة ؛ فيطعمهم الطعام الطيِّب ، ويُطِّبهم ، ويُجمرهم ،
ويروحون إلى المسجد من منزله .
وعن منصور قال : قال رجل للحسن : يا أبا سعيد ، الرجل يشتري
الشاة فيصنعها ويدعو عليها نفرًا من إخوانه ؟ قال : وأين أولئك ؟ ذهب أولئك .
وعن مجاهد قال : صحبت ابن عمر وأنا أريد أن أخدمه ، فكان هو
الذي يخدمني(٢) .
مواقف أعطر من المسك ، وأغرب من الخيال :
((قال ابن عمر رضي الله عنهما : لقد رأيتنا وما أحدنا بأحق بديناره
ودرهمه من أخيه المسلم .
(١) تنبيه المغترين للشعراني صـ ٩٢ .
(٢) مكارم الأخلاق لابن أبي الدنيا صـ ٧٨ - ٧٩ .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الخامس
٢٩٧
وقال الحسن : كنا نعدّ البخيل الذي يُقْرِض أخاه !! .
وقال: ليس من المروءة أن يربح الرجل على صديقه))(١).
ولبيت النبوة القَدَحُ المُعَلَّى في ذلك:
(( قال أبو جعفر الباقر لأصحابه: هل يُدخِل أحد كم يده في كُمِّ صاحبه ،
فيأخذ منه ما يريد ؟ قالوا : لا . قال : فلستم بإخوان .
وقد كان بعضهم يتلطّف في إيصال البِرِّ إلى إخوانه ؛ فيأتي بالصُّة فيها
الأربعمائة والخمسمائة فيودعها أحدهم ، ثم يلقاه بعد فيقول : انتفعوا بها فهي لكم .
وكان الرجل إذا أراد شَيْن أخيه ، طلب حاجته من غيره .
وجاء رجل من السلف إلى بيت صديق له ، فخرج إليه فقال : ما جاء
بك ؟ قال : على أربعمائة درهم . فدخل الدار فوزنها ، ثم خرج فأعطاه ، ثم
عاد إلى الدار باكيا ، فقالت زوجته : هَلَّ تعلَّت عليه ، إذا كان إعطاؤه يشقّ
عليك ؟ فقال : إنما أبكي لأني لم أتفقَّد حاله، فاحتاج أن يقول لي ذلك !! )) (٢).
وعند عيسى التمَّار وفتح الموصلي أطيبُ الطِّيب:
((عن رباح بن الجَّاح قال: جاء فتح الموصلي إلى منزل صديق له ، يقال
له : عيسى التَّمَّار . فلم يجده في المنزل ، فقال للخادم : أخرجي لي كيسَ
أخي . فأخرجته ، ففتحه فأخذ منه درهمين ، وجاء عيسى فأخبرته الخادم ،
فقال: إن كنتِ صادقةً فأنت حُرّة. فنظر فإذا هي صادقة، فعُتِقت))(٣).
أهكذا يُؤاخي الأكابر ؟!
(( قال أبو سليمان الداراني : كان لي أخ في الله عز وجل ، فقلت له
يومًا : أعطني دراهم . فقال: كم تريد؟ فسقط من عيني ، وخرجت أُخُوَّتُه
من قلبي بقوله : كم تريد )) (٤) .
(٢،١) التبصرة لابن الجوزي ٢ / ٣٠٠ - ٣٠١.
(٤،٣) التبصرة ٢/ ٣٠٢ - ٣٠٣.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٢٩٨
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس
فداء الأخ بالنفس :
وإذا علت الهمم ، وقع فداء الأخ بالنفس .
(( عن محمد بن داود قال : سمعت أبا بكر القرطبي ، وأبا عمرو الآدمي
يقولان :- وكانا يتآخيان في الله تعالى - خرجنا من بغداد نريد الكوفة ، فلمَّا
سِرْنا في بعض الطريق ، إذا نحن بِسبعَيْن رابضيْن على الطريق ، فقال أبو بكر
لأبي عمرو : أنا أكبر منك سنًّا فدعني أتقدَّمك ، فإن كان حادثة اشتغلا بي
عنك ، وجُزْت أنت . فقال له أبو عمرو : نفسي ما تسامحني بهذا ، ولكن
نكون جميعًا في مكانٍ واحد ، فإن كانت حادثة كنا جميعًا . فجازا جميعًا بين
السبعيْن، فلم يتحرّكا ومَّا سالمَيْن)) (١) .
ومن الفتوة : التذمم للجار :
(( قال الحسن : كان الرجل في الجاهلية يقول: والله، لا يُؤْذَى كلب
جاري . هذا في الجاهلية فكيف في الإِسلام !!
عن داود بن أبي عبد الرحمن جار مالك بن دينار - وكان ثقة - قال :
كان لبعض جيران مالك بن دينار كلب ضعيف ، فكان مالك يُخرج له كل
يوم طعامًا فَيُلقيه إليه .
وعن هشام قال : كان حسان بن أبي سنان بن ثابت ، تدخل العَنْزُ إلى
منزله فتأخذ الشيء ، فإذا طُرِدت قال لهم : لا تطردوا عَنْزَ جاري ، دعوها
تأخذ حاجتها .
وقال عبيد الله بن الشميط : جاءت امرأة إلى الحسن تشكو الحاجة ،
فقالت : إني جارتك . قال : كم بيني وبينك ؟ قالت : سبع دور . أو قالت :
عشر . فنظر تحت الفراش فإذا ستة دراهم أو سبعة ، فأعطاها إياها ، وقال :
کدنا نهلك .
(١) التبصرة ٢ / ٣٠٢ - ٣٠٣.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس
٢٩٩
وعن القعقاع بن عمرو قال : صعِد الأحنف بن قيس فوق بيته ، فأشرف
على جاره، فقال: سَوْءَة ! سَوْءَة ! دخلت على جاري بغير إذن ، لا صعدتُ فوق
هذا البيت أبدًا ))(١) .
الله دُرُّك أبا حمزة السُّكري :
(( قال عباس الدوري : كان أبو حمزة من الثقات ، وكان إذا مرض عنده
من قد رحل إليه ينظر إلى ما يحتاج إليه من الكفاية ، فيأمر بالقيام به ، ولم
يكن يبيع السكر ، وإنما سُمِّي السُّكري لحلاوةٍ لكلامه .
وعن محمد بن علي بن الحسن بن شقيق قال : أراد جار لأبي حمزة
السكري أن يبيع داره ، فقيل له : بكم ؟ قال : بألفين ثمن الدار ، وبألفين
جوار أبي حمزة السكري ، فبلغ ذلك أبا حمزة فوجَّه إليه بأربعة آلاف وقال :
لا تبع دارك )»(٢) .
لله درُّك ودُرُّ من قال فيك : أبو حمزة السكري هو الجماعة .
والمكافأة بالصنائع من الفتوة :
((عن عبد الرحمن بن عبد الله - أحد بني عدي بن كعب - قال : أقبل
سعيد بن العاص يومًا يمشي وحده في المسجد ، فقام إليه رجل من قريش فمشى
عن يمينه ، فلما بلغا دار سعيد ، التفت إليه سعيد فقال : ما حاجتك ؟ قال :
لا حاجة لي ، رأيتُك تمشي وحدك فوصلتُك . فقال سعيد لقهر مانه - أبي كعب -:
ماذا لنا عندك ؟ قال : ثلاثون ألْفًا . قال : ادفعها إليه .
وعن إبراهيم بن محمد بن عبد العزيز قال : خرجتْ لأبي جائزته ، فأمرني
أن أكتب خاصته وأهل بيته ففعلتُ ، فقال لي : تذكّر ، هل بقي أحدٌّ أغفلناه ؟
(١) مكارم الأخلاق لابن أبي الدنيا صـ ٨٠ - ٨٧ .
(٢) السير ٧ / ٣٨٥ - ٣٨٧ .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس
٣٠٠
قلت : لا . قال : بلى ، رجل لقيني فسلم علَّ سلامًا جميلًا ، صفته كذا
وكذا ، اكتب له عشرة دنانير .
وعن محمد بن الصمّة المُهلّب قال : خرج أبو عيينة بن المُهلَّبِ
ذات يوم ، فتبعه مروان بن الحكم الأُسَيِّدي بكوز ماء ، فلمَّا فرغ من وضوئه
التفت ، فإذا هو برجل قائم ، قال : ما حاجتك ؟ قال : جئتُك بكوزٍ من ماء .
قال: سبحان الله! فأمر له بثلاثمائة جَريب))(١) .
قال ابن رجب في ((لطائف المعارف)): ((كان كثير من السلف يشترط
على أصحابه في السفر أن يخدمهم؛ اغتنامًا لأجر ذلك؛ منهم: عامر بن عبد قيس،
وعمرو بن عتبة بن فرقد، مع اجتهادهما في العبادة في أنفسهما ، وكذلك كان
إبراهيم بن أدهم يشترط على أصحابه في السفر ، الخدمة والأذان .
وكان رجل من الصالحين يصحب إخوانه في سفر الجهاد وغيره ،
فيشترط عليهم أن يخدمهم ، فكان إذا رأى رجلًا يريد أن يغسل ثوبه ، قال
له : هذا من شرطي . فيغسله ، وإذا رأى من يريد أن يغسل رأسه ، قال :
هذا من شرطي. فيغسله ، فلمَّا مات نظروا في يده، فإذا فيها مكتوب: (( من
أهل الجنة )) . فنظروا إليها ، فإذا هي كتابة بين الجلد واللحم.
وكان ابن المبارك يُطعم أصحابه في الأسفار أطايب الطعام وهو صائم ،
وكان إذا أراد الحج من بلده ، مَّ وجمع أصحابه وقال : من يريد منكم الحج ؟
فيأخذ منهم نفقاتهم ، فيضعها عنده في صندوق ويقفل عليه ، ثم يحملهم وينفق
عليهم أوسع النفقة ، ويطعمهم أطيب الطعام ، ثم يشتري لهم من مكة ما يريدون
من الهدايا والتُّحف ، ثم يرجع بهم إلى بلده ، فإذا وصلوا صنع لهم طعامًا ثم
جمعهم عليه ، ودعا بالصندوق الذي فيه نفقاتهم فردَّ إلى كل واحد نفقته))(٢).
(١) مكارم الأخلاق لابن أبي الدنيا صـ ٩٠ - ٩١ .
(٢) لطائف المعارف لابن رجب الحنبلي صـ ٢٥٩، ٢٦٠ . طبع مؤسسة الريان، ودار
ابن حزم .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/