Indexed OCR Text

Pages 241-260

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس
٢٤١
جميعها ، حتى يتمَّ حسن الخُلُق ، فإذا استوتِ الأركان الأربعة واعتدلتْ وتناسبتْ ،
حصل حُسْن الخلق ؛ وهي :
١ - قوة العلم. ٢ - وقوة الغضب. ٣ - وقوة الشهوة .
٤ - وقوة العدل بين هذه القوى الثلاث .
أمَّا قَوَّةُ العلم : فحسنها وصلاحها في أن تصير بحيث يَسهُل بها درْك
الفرق بين الصدق والكَذِب في الأقوال ، وبين الحقِّ والباطل في الاعتقادات ،
وبين الجميل والقبيح في الأفعال ، فإذا صلحت هذه القوة حصل منها ثمرة
الحِكْمَة ، والحكمة رأس الأخلاق الحَسَنة ، وهي التي قال الله فيها: ﴿ومَن
يُؤْث الحكمةَ فقد أوتي خيرًا كثيرًا ... ﴾ الآية [البقرة: ٢٦٩])) (١).
قال أبو الدرداء رضي الله عنه: (( إن مِن فقه الرجل أن يعلم نزغَات
الشيطان ؛ متى تأتيه ؟ ومن أين تأتيه ؟ )).
وقال الحسن البصري رحمه الله: (( لا يزال العبد بخير ما علم الذي يُفسِد
عليه عمله ))(٢) .
وقال أبو الفرج ابن الجوزي رحمه الله: (( اعلم أن الباب الأعظم الذي
يدخل منه إبليس على الناس هو الجهل ، فهو يدخل منه على الجُهَّال بأمان ،
وأمَّا العالم فلا يدخل عليه إلّا مسارَقَة ، وقد لبّس إبليس على كثير من المتعبِّدين
بقلّة علمهم ؛ لأن جمهورهم يشتغل بالتعبُّد، ولم يحكِّمِ العلم))(٣).
قال الغزالي: ((وأمَّا قوة الغضب: فحُسْنُها في أن يصير انقباضها
وانبساطها على حدٍّ ما تقتضيه الحكمة . وكذلك الشهوة ؛ حُسْنها وصلاحها
في أن تكون تحت إشارة الحكمة ؛ أعني إشارة العقل والشرع .
(١) إحياء علوم الدين ٥٨/٣ .
(٢) الزهد لابن المبارك ص ٥٢٨، والزهد لأحمد ص٢٧٨ .
(٣) تلبيس إبليس ص ١٤٩ .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٢٤٢
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس
وأمَّا قوة العدل : فهو ضبط الشهوة والغضب تحت إشارة العقل والشرع .
فمن استوتْ فيه هذه الخصال واعتدلتْ ، فهو حسَنُ الخُلُق مطلقًا ، ومن
اعتدل فيه بعضُها دون البعض ، فهو حسَنُ الخُلُق بالإضافة إلى ذلك المعنى خاصَّة ،
کالذي يحسن بعض أجزاء وجهه دون بعض .
وحُسْن القوة الغضبية واعتدالها يُعبّر عنه بالشجاعة. وحُسْنُ قوة الشهوة
واعتدالها يعبّر عنه بالعفّة .
فإن مالت قوة الغضب عن الاعتدال إلى طَرَف الزيادة ، تُسمَّى تَهُوُرًا . وإن
مالت إلى الضعف والنقصان ، تسمَّى جُبْنًا وخَوَرًا . وإن مالت قوة الشهوة إلى طَرَف
الزيادة تسمَّى شَرَهًا . وإن مالت إلى النقصان تسمَّى جمودًا .
والمحمود هو الوسط وهو الفضيلة ، والطرفان رذيلتان مذمومتان ، والعدل
إذا فات فليس فيه طرفًا زيادةٍ ونقصان ، بل له ضدٌّ واحد ومقابل ، وهو الجوْر .
وأمَّا الحكمة فيسمَّى إفراطها عند الاستعمال في الأغراض الفاسدة: خبئًا
وجريزة ، ويسمَّى تفريطها بَلَهًا ، والوسَطُ هو الذي يختصُّ باسم الحكمة .
فإذن ، أُمَّهاتُ الأخلاق وأصولها أربعة :
١ - الحكمة. ٢ - الشجاعة. ٣ - العفّة. ٤ - العدل.
فمِنَ اعتدال هذه الأصول الأربعة تصدر الأخلاق الجميلة كلُّها .
إذ من اعتدال قوة العقل : يحصل حسن التدبير وجودة الذهن ، وثَقَابة الرأي
وإصابة الظنِّ ، والتفطُّن لدقائق الأعمال وخفايا آفات النفوس .
ومن إفراطها : تصدر الجربزة والمكر والخداع والدهاء .
ومن تفريطها : يصدر البلَّهُ والغمارة والحمق والجنون .
وأمَّا خلق الشجاعة : فيصدر منه الكرم ، والنجدة ، والشهامة ، وكسْرُ
النفس ، والاحتمال ، والحلم ، والثبات ، وكظم الغيظ ، والوقار ، والتودُّد ...
وأمثالها ، وهي أخلاق محمودة .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي
مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الخامس
٢٤٣
وأما إفراطها ، وهو التهُّر : فيصدر منه الصَّلَفُ والبذخ والاستشاطة
والتكُّر والعجْب .
وأمَّا تفريطها : فيصدر منه المهانة والذلّة والجزّع ، والخساسة وصغر
النفس ، والانقباض عن تناول الحقِّ الواجب .
وأما خلُق العِفَّة : فيصدر منه السخاء والحياء والصبر والمسامحة
والقناعة، والورَع واللَّطَافة والمساعدة والظَّرْف وقلّة الطمع .
وأمَّا ميلها إلى الإِفراط أو التفريط: فيحصُل منه الحرص والشَّره ،
والوقاحة والخبث ، والتبذير والتقتير ، والرياء والهتكة ، والمجانة والعبث ،
والملَق والحسد ، والشماتة، والتذلُّل للأغنياء ، واستحقار الفقراء وغير ذلك .
فأمهات محاسن الأخلاق هذه الفضائل الأربعة ؛ وهي :
الحكمة ، والشجاعة ، والعفة ، والعدل . والباقي فروعها))(١).
كمالُ الاعتدالِ في هذه الأربع لرسول الله مَ ◌ّهِ :
قال الغزالي: (( ولم يبلغْ كمالَ الاعتدال في هذه الأربع إلََّ رسولُ الله
عَ ◌ٍّ، والناس بعده متفاوتون في القرب والبعد منه. فكلّ من قرب منه في
هذه الأخلاق، فهو قريب من الله تعالى بقدر قْبه من رسول الله عَ ◌ّه، وكلّ
من جمع كمال هذه الأخلاق استحقَّ أن يكون بيْن الخلق ملِكًا مطاعًا ، يرجع
الخلق كلُّهم إليه ويقتدون به في جميع الأفعال . ومَنِ انفكَّ عن هذه الأخلاق
كلها واتصف بأضدادها ؛ استحقَّ أن يخرج من بين البلاد والعباد ؛ فإنه قد
قُرُب من الشيطان اللَّعِينِ المُبْعَد .
وقد أشار القرآن إلى هذه الأخلاق في أوصاف المؤمنين ، فقال تعالى :
(١) إحياء علوم الدين ٣ / ٥٧ - ٥٩ .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٢٤٤
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس
إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسولِه ثمَّ لمْ يرتابوا وجاهدوا بأموالهم
وأنفسهم في سبيل الله أولئك همُ الصادقون﴾ [الحجرات: ١٥] . فالإِيمان بالله
وبرسوله من غير ارتياب هو قوة اليقين ، وهو ثمرة العقل ، ومنتهى الحكمة .
والمجاهدة بالمال هو السخاء الذي يرجع إلى ضبط قوة الشهوة ، والمجاهدة بالنفس
هي الشجاعة التي ترجع إلى استعمال قوة الغضب ، على شرط العقل وحدٍّ
الاعتدال ؛ فقد وصف الله تعالى الصحابة فقال: ﴿أشدَّاء على الكفَّارِ
رُحَمَاءُ بينهم﴾ [ الفتح: ٢٩]، إشارة إلى أنَّ للشِّدَّة موضعًا، وللرحمة موضعًا،
فليس الكمال في الشدَّة بكل حال ، ولا في الرحمة بكل حال ، فهذا بيان معنى
الخلق وحُسْنه وقُبحه، وبيان أركانه وثمراته وفروعه )) (١).
الخُلُقِ يمكنُ اكتسابُه :
قال ابن القيم في ((المدارج)): ((فإن قلتَ: هل يمكن أن يقع الخُلُق
كسبيًّا ، أو هو أمر خارج عن الكسب ؟
قلت : يمكن أن يقع كسبيًّا بالتخلُّق والتكلُّف ، حتى يصير له سَجية
وملَكة؛ وقد قال النبي عَ لِّ لأشجّ عبد القيس رضي الله عنه: ((إن فيك لخلُقْن
يحبُّهما الله: الحلم، والأناة )). فقال: أخلُقين تخلَّقْتُ بهما ، أم جَبَلني الله
عليهما ؟ فقال: ((بل جبَلك الله عليهما)). فقال : الحمد لله الذي جبلني على
خُلُقَيْنِ يحِبُّهما الله ورسوله . متفق عليه .
قد دلَّ على أن من الخُلُق : ما هو طبيعة وجِبِلَّة ، وما هو مكتسب .
وكان النبي عَ ◌ِّ يقول في دعاء الاستفتاح: ((اللهمَّ اهدني لأحسنِ الأخلاق ،
لا يهدي لأحسنها إلا أنت ، واصرفْ عنِّي سيِّئها ، لا يصرف عني سيئها
إلا أنت)). فذكر الكسْب والقَدَر. والله أعلم)) (٢).
(١) إحياء علوم الدين ٦٠/٣ .
(٢) مدارج السالكين ٣١٥/٢
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٢٤٥
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس
قال الغزالي رحمه الله في بيان السبب الذي به يُنال حُسْن الخلق :
((أحدهما : جُودٌ إلهي وكمال فِطْري ، بحيث يُخلق الإِنسانُ ويُولد كامل
العقل حسَن الخلق ، قد كُفي سلطانَ الشهوة والغضب ، فيصير مؤدّبًا بغير
تأديب .
والثاني : اكتساب هذه الأخلاق بالمجاهدة والرياضة وحمْل النفس على
الأعمال التي يقتضيها الخُلُق المطلوب))(١).
فالأخلاق الجميلة يمكن اكتسابها بالرياضة ، وهي تكلّف الأفعال
الصادرة عنها ابتداءً، لتصير طبعًا انتهاء؛ قال رسول الله عَ له: ((إنما العلم
بالتعلُّم، وإنما الحلْمُ بالتحلُّم، ومَن يتحرّ الخير يُعطَه، ومَن يتق الشرَّ
يُوَقَّه ))(٢) .
وطالب تزكية النفس وتكميلها وتحليتها بالأعمال الحسنة لا يَنالها بعبادة
يوم ، ولا يُحرم عنها بعصيان يوم .
والثالث : بمشاهدة أرباب الأفعال الجميلة ومصاحبتهم ، وهم قرناء الخير
وإخوان الصلاح، إذ الطبع يسرق من الطبْع. الشّ والخير جميعًا، فمَن
تظاهرت في حقّه الجهات الثلاث ، حتى صار ذا فضيلة طبعًا واعتيادًا وتعلُّمًا ،
فهو في غاية الفضيلة . ومن كان رَذِلًا بالطبع واتفق له قرناءُ السُّوءِ فتعلّم منهم ،
وتيسَّرت له أسباب الشّرِّ حتى اعتادها ؛ فهو في غاية البعد من الله عز وجل،
وبين الرتبتين من اختلفت فيه من هذه الجهات ، ولكل درجة في القرب والبعد
بحسَب ما تقتضيه صورته وحالته .
(١) إحياء علوم الدين ٣/ ٦٣ - ٦٤ .
(٢) حسن : أخرجه الدارقطني في الأفراد ، والخطيب في تاريخه عن أبي هريرة ،
والخطيب في تاريخه عن أبي الدرداء ، وحسّنه الألباني في صحيح الجامع رقم ٢٣٢٤
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٢٤٦
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الخامس
نفائسُ ولطائفُ من كُنوزِ البِرِّ والمعرفة مِنْ طبيبِ القلوبِ وحاديها ابنِ القيِّم :
قال رحمه الله في ((مدارح السالكين)) (٣١١/٢ - ٣١٥ ):
فصل :
نافع جدًّا ، عظيم النفع للسالك ، يوصله عن قريب ، ويسيِّره بأخلاقه
التي لا يمكنه إزالتها ؛ فإن أصعب ما على الطبيعة الإِنسانية : تغيير الأخلاق التي
طُبعت النفوس عليها ، وأصحاب الرياضات الصعبة والمجاهدات الشاقّة إنما عمِلوا
عليها ، ولم يظفر أكثرهم بتبديلها . لكن النفس اشتغلت بتلك الرياضات عن
ظهور سلطانها ، فإذا جاء سلطان تلك الأخلاق وبرز ؛ كسر جيوش الرياضة
وشتّتها ، واستولى على مملكة الطبع .
وهذا فصل يصل به السالك مع تلك الأخلاق ، ولا يحتاج إلى علاجها
وإزالتها ، ويكون سيْره أقوى وأجلّ وأسرع من سير العامل على إزالتها .
ونقدِّم قبل هذا مثلًا نضربه ، مطابقًا لما نريده، وهو: نهرٌ جارٍ فِي صَبِه
ومُنْحَدَرِه ، وَمُنْتَهٍ إلى تغريق أرض وعمرانٍ ودُورٍ ، وأصحابها يعلمون أنه لا
ينتهي حتى يُخَرِّبَ دُورهم ، ويُتلف أراضيهم وأموالهم ، فانقسموا ثلاثَ فرق :
فرقة صرفت قواها وقوى أعمالها إلى سَكْره وحَبْسه وإيقافه ، فلا تصنع
هذه الفرقة كبير أمْر ؛ فإنه يُوشك أن يجتمع ثم يَحْمِل على السكْر ، فيكون
إفساده وتخربيه أعظم .
وفرقة رأتْ هذه الحالة ، وعلمت أنه لا يغني عنها شيئًا ، فقالت : لا
خلاص من محذوره إلا بقطْعه من أصل الينبوع ، فرامت قطْعَه من أصله ، فتعذّر
عليها ذلك غاية التعذُّر ، وأبتِ الطبيعة النهرية عليهم ذلك أشدَّ الإِباء ، فهم دائمًا
في قطع الينبوع ، وكلّما ستُّوه من موضع نَبعَ من موضع ، فاشتغل هؤلاء
بشأن هذا النهر عن الزراعات والعمارات وغرس الأشجار .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الخامس
٢٤٧
فجاءت فرقة ثالثة ، خالفت رأي الفرقتين ، وعلموا أنهم قد ضاع عليهم
كثير من مصالحهم ، فأخذوا في صرف ذلك النهر عن مجراه المنتهي إلى
العمران ، فصرفوه إلى موضع ينتفعون بوصوله إليه ، ولا يتضَرَّرون به ،
فصرفوه إلى أرض قابلة للنبات ، وسقوها به ، فأنبتتْ أنواع العشب والكلأ
والثمار المختلفة الأصناف ، فكانت هذه الفرقة همْ أصوبَ الفِرق في شأن
هذا النهر .
فإذا تبيَّن هذا المثل ، فالله سبحانه قد اقتضتْ حكمتُه : أن ركّب
الإِنسان - بل وسائر الحيوان - على طبيعة محمولةٍ على قوَّتيْن : غضبية ،
وشهوانية ، وهي الإِرادية ، وهاتان القوَّتان هما الحاملتان لأخلاق النفس
وصفاتها ، وهما مركوزتان في جِبِلَّة كل حيوان ؛ فبقوّة الشهوة والإِرادة :
يجذِب المنافع إلى نفسه ، وبقوة الغضب : يدفع المضارَّ عنها . فإذا استعمل
الشهوة في طلب ما يحتاج إليه ؛ تولَّد منها الحرص . وإذا استعمل الغضب
في دفع المضرَّة عن نفسه ؛ تولَّد منه القوة والغيْرة . فإذا عجز عن ذلك
الضارِّ ؛ أورثه قوّة الحقد . وإن أعجزه وصول ما يحتاج إليه ، ورأى غيره
مستبدًّا به ؛ أورثه الحسد . فإن ظفر به ؛ أورثتْه شدَّة شهوته وإرادته خلُق
البخل والشحِّ ، وإن اشتدَّ حرصُه وشهوتُه على الشيء ، ولم يمكنه تحصيله
إلّا بالقوة الغضبية ، فاستعملها فيه ؛ أورثه ذلك العدوان والبغي والظلم ، ومنه
يتولَّد الكبر والفخر والخيلاء ؛ فإنها أخلاق متولِّدة من بين قوَّتَي الشهوة
والغضب ، وتزوّج أحدهما بصاحبه .
فإذا تبيَّن هذا ؛ فالنهر مثال هاتين القوتين ، وهو منصبٌّ في جدول
الطبيعة ومجراها إلى دُور القلب وعمرانه وحواصله ، يخربها ويُتلفها ولا بدّ ؛
فالنفوس الجاهلة الظالمة تركتْه ومجراه ، فخَرَّب ديار الإِيمان ، وقلع آثاره ،
وهدم عمرانه ، وأنبت موضعها كُلّ شجرة خبيثة ، من حَنْظل وضَريع وشوك
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوُّ الهمة - المجلد الخامس
٢٤٨
وزَقُوم ، وهو الذي يأكله أهل النار يوم القيامة يوم المعاد .
وأما النفوس الزكيَّة الفاضلة: فإنَّها رأتْ ما يؤول إليه أمر هذا النهر ،
فافترقوا ثلاث فرق :
فأصحاب الرياضات والمجاهدات ، والخَلَوات والتمرينات : راموا
قطْعَه من ينبوعه ، فأبتْ عليهم ذلك حكمةُ الله تعالى ، وما طبع عليه الجِبِلَّة
البشرية ، ولم تَنْقَدْ له الطبيعة ، فاشتدَّ القتال ، ودام الحرب، وحمَيَ الوطيس ،
وصارت الحرب دُوَلًا وسِجالًا. وهؤلاء صرفوا قواهم إلى مجاهدة النفس
على إزالة تلك الصفات .
وفرقة أعرضوا عنها ، وشغلوا نفوسهم بالأعمال ، ولم يُجيبوا دواعي
تلك الصفات مع تخلیتھم إيّاها على مجراها ، لكن لم يمكِّنوا نهرها من إفساد
عمرانهم ، بل اشتغلوا بتحصين العمران ، وإحكام بنائه وأساسه ، ورأوا أن
ذلك النهر لا بد أن يصل إليه ؛ فإذا وصل وصل إلى بناء محكم فلم يهدمْه ،
بل أخذ عنه يمينًا وشمالاً . فهؤلاء صرفوا قوّة عزيمتهم وإرادتهم في العمارة ،
وإحكام البناء . وأولئك صرفوها في قطْع المادة الفاسدة مِن أصلها ، خوْفًا
من هدم البناء .
وسألتُ يومًا شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - عن هذه المسألة ،
وقطْعِ الآفات ، والاشتغال بتنقية الطريق وبتنظيفها ؛ فقال لي جملة كلامه :
النفسُ مثل الباطوس - وهو جُبّ القذَر - كلَّما نبشتَه ظهر وخرج ، ولكن
إن أمكنك أن تسقف عليه وتعبُره وتجُوزه ، فافعلْ ، ولا تشتغل بنبشِه ؛ فإنك
لن تصل إلى قراره ، وكلما نبشتَ شيئًا ظهَر غيره .
فقلتُ : سألتُ عن هذه المسألة بعض الشيوخ ، فقال لي : مثال آفات
النفس مثال الحيَّات والعقارب التي في طريق المسافر ؛ فإن أقبل على تفتيش
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الخامس
٢٤٩
الطريق عنها ، والاشتغال بقتلها ؛ انقطَع ، ولم يمكنه السفر قطُّ ، ولكن لتكنْ
همتك المسير ، والإِعراض عنها ، وعدم الالتفات إليها ، فإذا عرض لك فيها
ما يعوقك عن المسير فاقتله ، ثم امضٍ على سيْرك . فاستحسَنَ شيخ الإِسلام
ذلك جدًّا، وأثنى على قائله .
إذا تبيّن هذا ، فهذه الفرقة الثالثة : رأتْ أن هذه الصفات ما خُلقت
سُدَّى ولا عبئًا ، وأنها بمنزلة ماءٍ يُسْقى به الورد والشوك والثمار والحطَب ،
وأنها صوان وأصداف لجواهر منطوية عليها ، وأن ما خاف منه أولئك هو
نَفْسُ سبب الفلاح والظفر ، فرأوا أن الكبر نهْرٌ يُسقى به العلوُّ والفخر ، والبطرُ
والظلم والعدوان ، ويسقى به علو الهمة ، والأنَفَة ، والحميَّة ، والمراغمة
لأعداء الله ، وقهرهم والعلوّ عليهم ، وهذه درَّة في صدفته . فصرفوا مجراه
إلى هذا الغراس ، واستخرجوا هذه الدرّة من صدفته ، وأبقوه على حاله في
نفوسهم ، لكن استعملوه حيث يكون استعماله أنفع، وقد رأى النبي محمدطلة.
أبا دُجانة يتبختر بين الصفِّين، فقال: ((إنها لَمِشْية يُبغضها الله ، إلّا في مثل
هذا الموضع)) .
فانظر كيف خلَّى مجرى هذه الصفة وهذا الخلق يجري في أحسن
مواضعه .
وفي الحديث الآخر - وأظنه في المسند - : (( إن من الخيلاء ما يحبُّها
الله ، ومنها ما يُبغضها الله ، فالخيلاء التي يحبُّها الله: اختيالُ الرجل في الحرب ،
وعند الصَّدَقَة )).
فانظرْ كيف صارتِ الصفة المذمومة عبودية ؟ وكيف استحال القاطع
مُوصِلًا ؟
فصاحب الرياضات ، والعامل بطريق الرياضات والمجاهدات ، والخلوات :
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٢٥٠
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس
هيهات هيهاتَ ، أنْ يوقعه ذلك في الآفات ، والشبهات ، والضلالات ؛ فإن
تزكية النفوس مُسَلّم إلى الرسل ، وإنما بعثهم الله لهذه التزكية ، وولّاهم إِيَّاها
وجعلها على أيديهم دعوة وتعليمًا ، وبيانًا وإرشادًا، لا خلقًا ولا إلهامًا)).
درجات حُسْن الخُلُق ومراتبه :
١ - تحسين الخُلق مع الخَلْق .
٢ - تحسين الخُلُق مع الحقّ عز وجل .
٣ - تصفية الخلق ، ثم الصعود عن تفرقة التخلُّق ، ثم التخلُّق بمجاوزة
الأخلاق .
قال الهروي: ((وهو على ثلاث درجات :
الدرجة الأولى : أن تعرف مقامَ الخَلْق :
وأنهم بأقدارهم مربوطون ، وفي طاقتهم محبوسون ، وعلى الحكم موقوفون ،
فتستفيد بهذه المعرفة ثلاثة أشياء : أمْن الخلق منك ، حتى الكلب . ومحبّة الخلق
إياك. ونجاة الخلْق بك))(١).
قال ابن القيم : ((فبهذه الدرجة : يكون تحسين الخُلُق مع الخلق في معاملتهم ،
وكيفية مصاحبتهم .
يقول : إذا عرفتَ مقام الخلق ومقاديرهم ، وجريان الأحكام القدرية
عليهم ، وأنهم مقيَّدون بالقدر ، لا خروج لهم عنه ألبتة ، ومحبوسون في قدرتهم
وطاقتهم ، لا يمكنهم تجاوزها إلى غيرها ، وأنهم موقوفون على الحكم الكوني
القدري لا يتعدّونه - استفدتَ بهذه المعرفة ثلاثة أشياء :
أمْن الخلق منك : وذلك أنه إذا نظر إليهم بعين الحقيقة ؛ لم يطالبهم بما
(١) مدارج السالكين ٣١٧/٢ .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٢٥١
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس
لا يقدرون عليه، وامتثل فيهم أمرَ الله تعالى لنبيه عَّ له بأخذ العفو منهم،
فَأَمِنُوا من تكليفه إياهم ، وإلزامه لهم ما ليس في قواهم وقدرهم .
وأيضًا فإنهم يأمنون لائمته ؛ فإنه في هذه الحال عاذِر لهم فيما يجري
عليهم من الأحكام ، فيما لم يأمر الشرع بإقامته فيهم ؛ لأنهم إذا كانوا
محبوسين في طاقتهم فينبغي مطالبتهم بما يطالب به المحبوس ، وعذْرهم بما
يعذر به المحبوس ، وإذا بدا منهم في حقّك تقصيرٌ أو إساءة ، أو تفريط ؛
فلا تقابلهم به ولا تخاصمهم ، بل اغفر لهم ذلك واعذرهم ؛ نظرًا إلى جريان
الأحكام عليهم ، وأنهم آلة . وهاهنا ينفعك الفناء بشهود الحقيقة عن شهود
جنايتهم عليك ، كما قال بعض العارفين لرجل تعدَّى عليه وظلمه : إنْ كنتَ
ظالمًا فالذي سلَّطك علَّ ليس بظالم))(١) .
مشاهِدُ العبد فيما يُصيبه مِن أذى الخَلْقِ ، وتفاؤُتُ الناسِ في ذلك :
قال ابن القيم: ((للعبد أحدَ عشر مشهدًا فيما يصيبه من أذى الخلق
وجنايتهم عليه .
المشهد الأول: مشهد ((القدر)):
هو المشهد الذي ذكره الشيخ رحمه الله، وهو مشهد ((القدَر))، وأن
ما جرى عليه بمشيئة الله وقضائه وقدره فيراه ، كالتأذِّي بالحِرِّ والبرد ، والمرض
والألم ، وهبوب الرياح وانقطاع الأمطار ؛ فإنَّ الكل أوجبتْه مشيئة الله ، فما
شاء الله كان ووجب وجوده ، وما لم يشأ لم يكن وامتنع وجوده ، وإذا شهد
هذا : استراح ، وعلم أنه كائن لا محالة ؛ فما للجزع منه وجه ، وهو كالجزع
من الحِّ والبْدِ والمَرض والموت))(٢).
(١)، (٢) مدارج السالكين ٣١٨/٢.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٢٥٢
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس
قال ابن القيم رحمه الله: ((فتعْذرهم بالقدر في حقِّك ، لا في حق
ربِّك ، فهذا حق ، وهو من شأن سادات العارفين ، وخواصِّ أولياء الله الكُمَّل ،
يفنى أحدُهم عن حقّه ، ويستوفي حقَّ ربِّه . ينظر في التفريط في حقِّه ، وفي
الجناية عليه إلى القَدَر ، وينظر في حقِّ الله إلى الأمر ، فيطلب لهم العذْر في
حقِّه ، ويمحو عنهم العذْر ويطلبه في حقِّ الله .
وهذه كانت حال نبينا عَّ له، كما قالت عائشة رضي الله عنها: ((ما
انتقم رسول الله عَ لّه لنفسه قطُّ، ولا نيل منه شيءٌ فانتقم لنفسه ، إلّا أن تُنتهك
محارمُ الله، فإذا انتهكت محارم الله لم يَقُمْ لغضبه شيء حتى ينتقم لله )).
وقالت عائشة رضي الله عنها: ((ما ضرب رسول الله عَ له بيده
خادِمًا ، ولا دابَّة ولا شيئًا قطُّ ، إلّا أن يجاهد في سبيل الله)).
وقال أنس رضي الله عنه: ((خدمتُ النبي عَّ المه عشر سنين، فما قال
لي لشيء صنعتُه : لِمَ صنعتَه ؟ ولا لشيءٍ لِمْ أَصنعْه: لِمَّ لَمْ تصنعْه ؟ وكان
إذا عاتبني بعضُ أهلِه يقول: دعوه . فلو قُضي شيءٌ لَكان)).
فانظر إلى نظره إلى القدَر عند حقِّه ، وقيامه بالأمر ، وقطع يد المرأة
عند حقّ الله ، ولم يقل هناك : القدر حكم عليها .
وكان رسول الله عَ لِّ أعرفَ بالله وبحقٌّه من أن يحتجَّ بالقدر على ترك
أمره ، ويقبلَ الاحتجاجَ به من أحد ، ومع هذا فعذَر أنسًا بالقدَر في حقّه
وقال: ((لو قُضي شيءٌ لكان)). فصلواتُ ربي وسلامه عليه)) (١) .
المشهد الثاني : مشهد ((الصبر)):
((فيشهده ، ويشهد وجوبه ، وحُسْن عاقبته وجزاء أهله ، وما يترتب عليه
من الغِبْطة والسرور ، ويخلصه من ندامة المقابلة والانتقام ؛ فما انتقم أحد لنفسه
(١) مدارج السالكين ١٩٦/١، ١٩٧.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس
٢٥٣
قطُّ إلّا أعقبه ذلك ندامة ، وعلم أنه إن لم يصبر اختيارًا على هذا - وهو
محمود - صبَرَ اضطرارًا على أكبر منه وهو مذموم)) (١) .
قال رسول الله عَ له: ((ليس الشديد بالصُّرَعة، وإنما الشديد الذي
يملك نفسه عند الغضب )). متفق عليه .
وعن عكرمة في قوله تعالى: ﴿وسيِّدًا وَحَصُورًا ﴾ [ آل عمران: ٣٩]
قال : السيد الذي لا يغلبه الغضب .
وقال رسول الله عَّه: ((مَن كظَم غيْظًا وهو قادر على أن يُنْفذه،
دعاه الله على رؤوس الخلائق ، حتى يخيِّره من الحُور العين ، يزوِّجه منها ما
،(٢)
شاء))(٢).
شتم رجلٌ سلمانَ الفارسيّ ، فقال له : ((إن خفَّتْ موازيني فأنا شرٌّ
مما تقول ، وإنْ تَقُلتْ موازيني لم يضرّني ما تقول)).
وشتم رجلٌّ الربيعَ بنَ خثيم ، فقال له : يا هذا ، قد سمِع الله كلامك ،
وإنَّ دون الجنة عَقَبَة ، إن قطعتُها لم يضرَّني ما تقول ، وإن لم أقطعْها فأنا شِّ
مما تقول .
وقالت امرأة : يا مرائي . فقال : ما عرفني غيرُك .
وقال علي بن زيد : أغلظَ رجلٌ من قريش لعمر بن عبد العزيز القول ،
فأطرق عمر زمانا طويلا ثم قال : أردتَ أن يستفزَّني الشيطان بعزِّ السلطان ،
فأنال منك اليوم ما تتالُه مني غدًا .
(١) مدارج السالكين ٣١٩/٢ .
(٢) حسن : رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه ، وأحمد ، والطبراني في
الصغير عن معاذ بن أنس ، وحسنه الألباني في صحيح الجامع رقم ٦٣٩٨ .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٢٥٤
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس
المشهد الثالث: مشهد ((العفو والصفح والحِلم)):
فإنه متى شِهد ذلك وفضْلَه وحلاوته وعَّته ؛ لم يعدل عنه إلّا لعشى
في بصيرته ؛ فإنه (( ما زاد الله عبدًا بعفو إلّا عزَّا))، كما صحَّ ذلك عن النبي
عَّله، وعُلِمَ بالتجرِبة والوجود. وما انتقم أحد لنفسه إلاّ ذَلَّ.
هذا ، وفي الصفح والعفو والحلم ؛ من الحلاوة والطمأنينة والسكينة وشرف
النفس ، وعزها ورفعتها عن تشفيها بالانتقام : ما ليس شيء منه في المقابلة والانتقام .
ولله دُّ من قال :
لن يُدرك المجدَ أقوامٌ وإن كرُموا حتَّى يذَلُّوا وإِنْ عِزُّوا لأقوامٍ
ويُشتَموا فترى الألوان مسفرةً لا صفحَ ذَلِّ ولكنْ صفْح أحلامٍ (١)
الأحنف بن قيْس سيِّد أهل المشرق ، المسمَّى بغير اسمه ، ومن يُضرب به المثلُ
في الحلم :
قال الأحنف رحمه الله: ((وجدتُ الحلم أنصر لي من الرجال)). وقال
له رجل : علّمني الحلْمَ يا أبا بحر . فقال: هو الذلُّ يا ابن أخي ، أتصبر عليه ؟!
وقال رحمه الله: ((لستُ حليمًا ولكنني أتحالم))(٢) .
ومن أخبار حلْمه : أنَّ رجلًا شتمه فسكت عنه ، وأعاد الرجل فسكت عنه ،
وأعاد فسكت عنه ، فقال الرجل: ((والهْفاه !! ما يمنعه من أن يردَّ علّ إلَّا هواني
(٣)
عنده )).(٣).
وشتمه رجل وجعل يتبعه حتى بلغ حيَّهُ، فقال الأحنف: (( يا هذا ، إن
كان بقي في نفسك شيءٌ فهاتِهِ وانصرفْ ؛ لا يسمعك بعضُ سفهائنا فتلقى ما
(١) لباب الآداب للأمير أسامة بن منقذ ص ٣٢٤، تحقيق: أحمد شاكر - دار الكتب
السلفية .
(٢) العقد الفريد ٢٨٧/١ .
(٣) عيون الأخبار ٢٨٣/١ .
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأُمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس
٢٥٥
تكره )) .
وكان رحمه الله يقول: ((مَن لم يصبر على كلمة سمع كلمات ، ورُبَّ
غيظٍ قد تجرَّعْته مخافةً ما هو أشدُّ منه))(١) .
قيس بن عاصم المنقري : وحلمه العجيب الذي يتعلَّمه الأحنف :
قال عنه رسول الله عَ لّم: ((هذا سيد أهل الوبر)).
قال الأحنف بن قيس: (( ما تعلَّمتُ الحلمَ إلّا من قيس بن عاصم
المنقري ؛ لأنه قتلَ ابنُ أخٍ له بعضَ بنيه ، فأتي بالقاتل مكتوفًا يُقاد إليه ، فقال :
ذَعَرَتُم الفتى ! ثم أقبل على الفتى فقال : بئس ما فعلتَ !! نقصتَ عددَكَ ،
وأَوْ هنتَ عَضُدك، وأشمتَّ عدوَّك، وأسأتَ بقومك، وأنْمتَ بربِّك ، وقطعتَ
رحمك ، ورميتَ نفسك بسهمِك . خلّوا سبيله ، واحملوا إلى أمِّ المقتول دِيتَه ؛
فإنها غريبة! ثم انصرف القاتل وما حلَّ قيسٌ حَبْوته ولا تغيَّر وجهه))(٢).
روى مسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول
الله عَ ◌ّه: ((لِيَلِني منكم ذوو الأحلام والنهى ... )). الحديث. رواه مسلم.
قال الحسن : اطلبوا العلم وزيْنوه بالوقار والحِلْم .
قال معاوية رضي الله عنه: لا يبلغ الرّجُلُ مبلغ الرأي حتى يغلب حلمُه
جهلَه وصبرُه شهوته ، ولا يبلغ ذلك إلَّ بقوّة العلم .
وقال معاوية لعمرو بن الأهتم : أنّ الرجال أشجع ؟ قال : مَن ردّ جهلَه
بحلمه .
وقال أنس بن مالك في قوله تعالى: ﴿ فإذا الذي بينك وبيْتَه عداوة
كأنَّه ولي حميم) : هو الرجل يشتمه أخوه فيقول : إنْ كنتَ كاذبًا فغفر الله
(١) عيون الأخبار ٢٨٤/١، ٢٨٧ .
(٢) وفيات الأعيان ١٨٨/٢، والبداية والنهاية ٣٢٧/٨، وقادة فتح بلاد فارس ص ٢٣٣.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٢٥٦
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس
لك ، وإن كنتَ صادقًا فغفر الله لي .
وقال رجل لمالك بن دينار : بلغني أنك ذكرتني بسوء ؟! قال : أنتَ
أكرم علّ من نفسي ، إني إذا فعلتُ ذلك أهديتُ لك حسناتي .
وقال رجل لبعض الحكماء : والله لأسبَّتَك سبًّا يدخل معك في قبرك .
فقال : معك يدخل لا معي .
وضرب رجل قدمَ حكيم فأوجعه ، فلم يغضب ، فقيل له في ذلك ،
فقال : أقمتُه مقام حجَرٍ تعثرتُ به ، فذبحتُ الغضب .
وقال محمود الوراق :
سأُلِزُمُ نفسي الصفْحَ عن كلِّ مذنبٍ وإن كثرتْ منهُ علَّ الجرائمُ
شريفٌ ومشروفٌ ومثلي مقاومُ
وما الناسُ إلّا واحدٌ من ثلاثةٍ
وأتبعُ فيهِ الحقَّ والحقّ لازمُ
فأمّا الذي فوقي فأعرفُ قدْرَهُ
وأمَّا الذي دُونِي فإنْ قالَ صنتُ عنْ. إجابتهِ عِرضي وإِنْ لامَ لائِمُ
وأمَّا الذي مِثْلي فإنْ زلَّ أو هَفَا تفضَّلتُ إنَّ الفضلَ بالحلْم حاكمُ
أمَّا العفو: فقد قال بعضهم: إذا أراد الله أن يُتحفَ عبدًا، فَيَّض له
مَن يظلمه .
وقال بعضهم : ليس الحليم مَن ظُلِم فحَلَم ، حتى إذا قدَر انتقم ، ولكنَّ
الحليم مَن ظُلِمٍ فحلَم ، حتى إذا قدَر عفا. قال الله تعالى: ﴿وأنْ تعفُوا أقربُ
للتقوى ﴾ [البقرة : ٢٣٧ ] .
وإخوة يوسف باعوا أخاهم وأحزنوا أباهم ، فلمّا كمل له أمره ، وجمع
أهله ، قال: ﴿ لا تثريبَ عليكمُ اليوم يغفرُ الله لكمْ وهو أرحم الراحمين ﴾
[ يوسف : ٩٢ ] .
وقال رجل لعمر بن عبد العزيز : أشهد أنك من الفاسقين . قال : ليس
تُقبل شهادتك .
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس
٢٥٧
المشهد الرابع: مشهد ((الرضا)):
وهو فوق مشهد ((العفو والصفح))، وهذا لا يكون إلا للنفوس المطمئنة ،
سيَّما إن كان ما أصيبتْ به سببه القيامُ الله ، فإذا كان ما أصيب به في الله وفي
مرضاته ومحبته ؛ رضيتْ بما نالها في الله . وهذا شأن كل محبٍّ صادق ، يرضى
بما يناله في رضا محبوبه من المكاره ، ومتى تسخّط به وتشكّ منه ، كان ذلك
دليلًا على كذبه في محبته .. والواقع شاهد بذلك، والمحبُّ الصادق كما قيل :
للشامتِ والحسودِ حتى ترضى
مِنْ أجلك جعلتُ خَدِّی أرضًا
ومن لم يرضَ بما يصيبه في سبيل محبوبه ، فلينزل عن درجة المحبة ،
ولْيتأخر ؛ فليس من ذا الشأن .
المشهد الخامس : مشهد ((الإحسان)):
وهو أرفع مما قبله . وهو أن يُقابل إساءة المسيء إليه بالإِحسان ؛ فيحسن
إليه كلَّما أساء هو إليه ، ويهوِّن هذا عليه علمُهُ بأنه قد ربح عليه ، وأنه قد
أهدى إليه حسناته ، ومحاها من صحيفته ، وأثبتها في صحيفة مَن أساء إليه ،
فينبغي لك أن تشكره ، وتحسن إليه بما لا نسبة له إلى ما أحسن به إليك .
وهاهنا ينفع استحضار مسألة اقتضاء الهبةِ الثوابَ ، وهذا المسكين قد
وهبك حسناته . فإن كنتَ من أهل الكرم فأَثِبْه عليها ، لتثبتَ الهبة ، وتأمن
رجوع الواهب فيها . وفي هذا حكايات معروفة عن أرباب المكارم ، وأهل العزائم .
ويهوِّنه عليك أيضًا : علمُك بأن الجزاء من جنس العمل ؛ فإن كان هذا
عملك في إساءة المخلوق إليك عفوتَ عنه وأحسنتَ إليه ، مع حاجتك وضعفك
وفقرك وذُلِّك . فهكذا يفعل المحسن القادر العزيز الغني بك في إساءتك ، يقابلها
بما قابلتَ به إساءة عبدِه إليك . فهذا لا بدَّ منه ، وشاهده في السنة من وجوه
كثيرة لمن تأمَّلها .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٢٥٨
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس
ومقابلة الإساءة بالإحسان من فضائل أعمال المقرّبين ، واختيار الصدِّيقين ،
ومنتهى درجات الصالحين .
فهذا الصدِّيقُ أبو بكر رضي الله عنه ؛ لمَّا حلف أن لا ينفق على
مِسْطَح - وكان قريبه - لكونه تكلّم في واقعة الإِفك ؛ نزل قوله تعالى :
: ولا يأتلِ أولو الفضل منكم﴾ إلى قوله: ﴿أَلَا تحبون أن يغفر الله لكم ﴾
[ النور: ٢٢]، فقالَ أبو بكر: بلى، نحبُّ ذلك. وعاد إلى الإِنفاق عليه(١).
(( وسبَّ رجلٌ ابنَ عباس رضي الله عنهما، فلمَّا فرغ قال : يا عكرمة ،
هل للرجل حاجة ، فتقضيها ؟ فنكسَ الرجل رأسه واستحى .
وعن علّ بن الحسين بن علِّ رضي الله عنهم أنه سبَّه رجل ، فرمى
إليه بخميصة كانت عليه ، وأمر له بألف درهم . فقال بعضُهم: جُمع له
خمس خصال محمودة : الحلم ، وإسقاط الأذى ، وتخليص الرجل مما يُبعد عن
الله ، وحمْله على الندم والتوبة ، ورجوعه إلى المدح بعد الذم ؛ اشترى جميع
ذلك بشيء من الدنيا يسير ))(٢) .
(( قال إبراهيم التيمي: إن الرجل ليظلمني فأرحمه . وهذا إحسان وراء
العفو ؛ لأنه يشتغل قلبه بتعرُّضه لمعصية الله تعالى بالظلم ، وأنه يُطالب يوم
القيامة ، فلا يكون له جواب .
وقال الفضيل : ما رأيتُ أزهد من رجل من أهل خراسان جلس إلّ
في المسجد ، ثم قام ليطوف فسُرقتْ دنانير كانت معه ، فجعل ببكي ، فقلت :
أعلى الدنانير تبكي ؟ فقال : لا، ولكن مثَّلتُني وإِيَّاه بين يدي الله عز وجل ،
فأشرف عقلي على إدحاض حجَّته ، فبكائي رحمة له !! ))(٣) .
(١) حديث: ((لما حلف أبو بكر ... ))، متفق عليه من حديث عائشة .
(٢) الإِحياء ١٩٠/٣.
(٣) الإِحياء ١٩٥/٣، ١٩٦
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس
٢٥٩
الربيعُ بن ◌ُثيم يدعو لسارقه :
((اشترى الربيع رحمه الله فرسًا بثلاثين ألفًا فغزا عليها ، ثم أرسل غلامه
((يسار )) يحتشُّ وقام يصلّي ، وربط فرسَه، فجاء الغلام فقال: يا ربيع أين
فرسُك ؟ قال : سُرقت يا يسار . قال : وأنت تنظر إليها ؟! قال : نعم يا يسار ؛
إني كنتُ أناجي ربي عز وجل فلم يشغلني عن مناجاة ربي شيء ، اللهمَّ إنه
سرقني ولم أكن لأسرقه ، اللهمَّ إن كان غنيًّا فاهْدِه ، وإن كان فقيرًا فأغْنه .
ثلاث مرات ))(١) .
الله دُّك يا أبا يزيد !! والله إن الكلمات لَتَعجز عن تصوير جلال هذا
المشهد؛ ((أَمَا والله لو رآك محمد عَّله يا ربيع، لَفَرِح بك)). هكذا قال
أستاذك عبد الله بن مسعود رضي الله عنه .
قال عُبيد بن غاضرة العنبري :
إِنَّا وإنْ كنَّا أَسِنَّةَ قوْمِنَا وكانَ لنا فيهمْ مَقامٌ مقدَّمُ
لَنَصفحُ عنْ أشياءَ منهم تُرِيبُنا ونصدِفُ عن ذي الجهْل منهمْ ونحلمُ
ونمنحُ منهمْ معْشرًا يحسدوننا هَنِيَّ عطاءٍ ليسَ فيهِ تندُّمُ
ونكلوُّهُم بالغيب منَّا حفيظةً وأكبادُنا وجْدًا عليهِمْ تَضَرَّمُ
فليسَ بمحمودٍ لدى الناسِ مَن جزى بسَيِّئ ما يأتي المُسِيءُ المُلَوَّمُ
سأحملُ عنْ قومي جميعَ كُلُومِهِمْ وأدفع عنهم كلَّ غْمٍ وأغرمُ(٢) .
المشهد السادس: مشهد ((السلامة وبرد القلب)):
وهذا مشهد شريف جدًّا لمن عرفه وذاق حلاوته ، وهو أن لا يشتغل
(١) الزهد لابن حنبل ص ٢٣١ - ٢٣٢، ومختصر قيام الليل للمقريزي ص ٢٧ .
(٢) لباب الآداب لابن منقذ ص ٣٢٤ - ٣٢٥
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٢٦٠
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس
قلبه وسرّه بما ناله من الأذى ، وطلب الوصول إلى درْك ثاره وشفاء نفسه ،
بل يُفرِّغ قلبه من ذلك ، ويرى أن سلامته وبرده وخلوَّه منه أنفع له ، وألُّّ
وأطيب ، وأعون على مصالحه ؛ فإن القلب إذا اشتغل بشيء فاته ما هو أهمُّ
عنده ، وخير له منه ، فيكون بذلك مغبونًا . والرشيد لا يرضي بذلك ، ویری
أنه من تصرّفات السفيه ، فأين سلامة القلب من امتلائه بالغلّ والوساوس ،
وإعمال الفكْر في إدراك الانتقام ؟!
المشهد السابع: مشهد (( الأمْن)):
فإنه إذا ترك المقابلة والانتقام ، أمِن ما هو شرّ من ذلك ، وإذا انتقم
واقَعَهُ الخوف ولا بدَّ ؛ فإن ذلك يزرع العدواة ، والعاقل لا يأمن عدوّه ولو
كان حقيرًا . فكم مِن حقيرٍ أردى عدوَّه الكبير !! فإذا غفر ولم ينتقم ولم
يقابل ؛ أمِن من تولَّد العداوة أو زيادتها ، ولا بدَّ أن عفوه وحلمه وصفحه یکسر
عنه شوكة عدوِّه ، ويكفّ من جزَعه ، بعكس الانتقام ، والواقع شاهد بذلك
أيضًا .
المشهد الثامن: مشهد ((الجهاد)):
وهو أن يشهد تولَّد أذى الناس له من جهاده في سبيل الله ، وأمرهم
بالمعروف ، ونهيهم عن المنكر ، وإقامة دين الله ، وإعلاء كلماته .
وصاحب هذا المقام : قد اشترى الله منه نفسه وماله وعِرْضَه بأعظم
الثمن ، فإن أراد أن يُسَلَّم إليه الثمن ، فليسلِّم هو السلعة ليستحقَّ ثمنها . فلا
حقّ له على من آذاه ، ولا شيء له قِبَله ، إن كان قد رضي بعقّد هذا التبايع ؛
فإنه قد وجب أجرُه على الله .
وهذا ثابت بالنصِّ وإجماع الصحابة رضي الله عنهم ، ولهذا منع النبي
عَّ المهاجرين من سكنى مكة - أعزَّها الله - ولم يُدَّ على أحد منهم داره
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/