Indexed OCR Text
Pages 61-80
https://weblessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ٦١ علو الهمة في العفة والقناعة أسِف عليه أخوه الحارث، فقال له عمرُ: ((يا أخي، إن كان أَسَفُكَ لما سمعت من قولي: ((قلت لها، وقالت لي))، فكلّ مملوكٍ له حرٌّ إنْ كان كشف فَرْجًا حرامًا قط، فقال الحارث: الحمدُ لله، طَيَّيتَ نفسي)). وليلى الأخيلية، قالت لعبدٍ الملك بن مروان عن ((تَوبة)): ((والذي ذهب بنفسه، ما كلّمني بسوءٍ قط، حتى فرَّق بيني وبينه الموت)). إن كان هذا عفاف أهل الجاهلية، فكيف بالإسلام؟: ■ عن عَبيدةَ السَّلْمانيِّ قال: «كان في الجاهلية أَخَوانِ من حِّ يُدْعَون ((بني كُنَّة))، أحدُهما متزوِّجُ والآخر أعزَبُ، فُقَضِيَ أن المتزوجَ خرج في بعضِ ما يخرج الناسُ فيه، وبقي الآخرُ مع امرأةٍ أخيه. فخرجت ذاتَ يوم حاسرةً، فإذا هي أحسنُ الناس وجهًا وأحسنُ الناس شَعْرًا، فلمَّا عَلِمت أنَّه قد رآها وَلْوَلَتْ وصاحت، وقالت بِمَعصمِها، فغطَّت وجهَها، فزاده ذلك فتنةً، فحَمَل الشَّوقَ على بدنه، حتى لم يَبق إلَّا رأسُه وعيناه يدوران في رأسه، وقَدِم الأخ فقال: يا أخي، ما الذي أرى بك؟ فاعتلَّ عليه، فقال: الشَّوصَة -قال الشوصة تسميها العرب اللّوى وذات الجنب-، فقال له ابنُ عمِّ له: لا تكذِبَنَّه، ابعث إلى الحارث ابن كلدة، فإنه من أطبِّ العرب، فجِئ به، فلَمَس عُروقَه، فإذا ساكنُها ساكنٌ وضارُبها ضارب، فقال: ما بأخيك إلَّا العشقُ، فقال: سبحان الله تقول هذا لرجل ميت! قال: هو ذا، هل عندكم شيءٌ من الشراب؟ فجئ به ودعا بِمُسْخُطٍ فصبَّ فيه، وحَلَّ صُرَّةً من صُرارهِ فَذَرَّهُ فيه ثم سقاه، ثم سقاه الثانية، ثم سقاه الثالثة، فانتشى يغنِّي سَكَرًا فقال: تِ من خيفٍ أُزُرْهُنَّهْ أَلَمَّ بي على الأبيا ـبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ٦٢ صلاح الأمة في علو الهمة مَ فِي دُور بني كُنَّهْ غزالاً ما رأيتُ اليو وفي منطقِه غُنَّهْ غزالاً أحورُ العين فقال الرجل: دُور قومِنا !! فليت شعري مَن؟. فقال الحارث: ليس فيه مستمعٌ غير هذا اليوم، ولكن أغدو عليكم من الغد، ففعل كفِعله بالأمس، فانتشى يُغنِّي سَكَرًا، وكانت امرأةُ أخيه اسمها «ريًّا)) فقال: كي تُحيَّوا وتسلَمُوا أيُّها الحيُّ اسلموا ـر ريَّا تُحُمحِمُ خَرَجَتْ مُزْنٌ من البحـ وتزعُم أني لها حمو هي ما كَتَّتي (١) فقال الرجل لمن حضر: فأُشهدكم أنها طالقٌ ثالثًا ليرجعَ إلى أخي فؤاده، فإن المرأة توجَدُ والأخ لا يوجد، فجاء الناس يَسْعَوْنَ: هنيئًا لك أبا فلان، فإن فلانًا قد نزل لك عن فلانة. فقال لِمَن حضر: أُشهدكم أنَّها عليَ مثلُ أمي إن تزوجتُها. ■ قال عَبيدة: «ما أدري أيُّ الرجلين أكرم؟ الأول أم الآخر؟!)). أهلُ العفاف أهل الحياء، فاقرأ طيّبَ أخبارهم: ((ما لي ولعُبيدٍ بن عُمير، أفسدَ عليَّ امرأتي، كانت في كلِّ ليلةٍ عروسًا، فصیّرها راهبة»: ■ قال عبد الله بن مسلم العِجْلي: «كانت امرأةٌ جميلة بمكة، وكان لها زوج، فنَظَرَتْ يومًا إلى وجهها في المرآة، فقالت لزوجها: أترى أحدًا يرى (١) الكنَّة: بفتح الكاف امرأة الابن أو الأخ. بعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ https://weblessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ٦٣ علو الهمة في العفة والقناعة هذا الوجه لا يُفْتَنُ به؟ قال: نعم. قالت: مَن؟ قال: عَبيد بن عُمیر. قالت: فائذن لي فيه فلأَفتِنَّه، قال: أذنتُ لكِ (١). قال: فأتته كالمُستفتية، فخَلا معها في ناحيةٍ من المسجد الحرام، قال: فأسفرَتْ عن مثل فلقةِ القمر، فقال لها: يا أمةَ الله! قالت: إني قد فُتَنتُ بكَ فانظر في أمري. قال: إني سائلُكِ عن شيءٍ، فإن أنتِ صَدَقْتِني نظرتُ في أمرك. قالت: لا تسألني عن شيءٍ إلَّا صدقتُكَ. قال: أخبريني، لو أن ملكَ الموتِ أتاك ليقبضَ رُوحَكِ، أكان يَسُرُّكِ أني قضيتُ لك هذه الحاجة؟. قالت: اللهم لا. قال: صدقت. قال: فلو أُدخلتِ في قبرك وجَلستِ للمُساءلة، أكان يَسُرُّكِ أني قضيتُ لك هذه الحاجة؟. قالت: اللهم لا. قال: صدقت. قال: فلو أن الناس أُعطوا کتبهم ولا تدرِین تأخذین کتابَك بيمينك أم بشمالِكِ، أكان يسُرُّكِ أني قضيتُ لك هذه الحاجة؟. قالت: اللهم لا. قال: صدقت. قال: فلو جِيءَ بالموازينِ وجِيءَ بك لا تدرين تَخِفِّينَ أم تَثْقُلِينَ أكان (١) هذا لا يجوز شرعًا، ولقد ذكرته لذكر ابن الجوزي وابن القيم لهذه القصة، فلعلّ لهما تأويلاً، والله أعلم. بعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ٦٤ صلاح الأمة في علو الهمة يسرُّكِ أني قضيتُ لكِ هذه الحاجة؟. قالت: اللهم لا. قال: فلو وقفتٍ بين يدي الله للمساءلة، أكان يُسرُّكِ أني قضيتُ لكِ هذه الحاجة؟. قالت: اللهم لا. قال: صدقتٍ. قال: اتَّقي الله يا أمةَ الله، فقد أنعمَ الله عليكِ وأحسنَ إليك. قال: فرجعَتْ إلى زوجِها فقال: ما صنَعتِ؟ قالت: أنت بطَّالٌ، ونحن بطَّالون .. فأقبَلتْ على الصلاة والصوم والعبادة .. فكان زوجُها يقول: ما لي ولعُبيدِ بنِ عُمير؟! أفسدَ عليَّ امرأتي، كانت في كلِّ ليلةٍ عروسًا، فَصَيَّرها راهبةً!)). السّريّ بن دينار وعظيمُ عِفْته: ■ قال محمد بن إسحاق: «نزل السَّرِيُّ بن دينار في دارٍ بمصر كانت فيها امرأةٌ جميلة تَفْتِنُ الناس بجمالها، فعلِمَتِ المرأةُ، فقالت: ((لأَفْتَنَّه))، فلما دخلَتْ من باب الدربِ كشفت وأظهرت نفسها، فقال السريُّ: ما لكِ؟ قالت: هل لك في فراشٍ وَطِيّ وعيشٍ رَخِيّ؟ !. ■فأقبل علیها وهو يقول: ومات فخَلّاها وذاق الدواهيا وكم ذي معاصٍ نال منهنَّ لذّةً وتبقى تباعاتُ المعاصي كما هيا تَصَرَّمُ لذَّاتُ المعاصي وتنقضي لعبدٍ بعين الله يغشى المعاصيا (١) فواسوأتا والله راءٍ وسامعٌ (١) ((ذم الهوى)) (ص٢٣٤ - ٢٣٥). ـبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ٦٥ علو الهمة في العفة والقناعة ((لا حاجة لي فيمن دعاني إلى المعصية وأنا أدعوه إلى الطاعة)): ■ قال الأصمعيُّ: ((عشِق رجلٌ من النُّسَّاكِ جاريةً من البصرة، فبعث يخطِبُها، فأبت، وقالت: إنْ أردتَ غيرَ ذلك فعلتُ، فأرسل إليها: سبحان الله أيتها المرأة !! أدعوكِ إلى الأمر الصحيح والحلالِ الذي لا عَيبَ فيه ولا وزرَ، وتَدْعِيني إلى ما لا يصلحُ لا لي ولا لكِ؟! قال: فأرسلت إليه: قد أخبرتُك بالذي عندي، فإن أردتَ فَتَقدَّمْ، وإن كرهتَ فتأخَّر، فأنشأ الفتى يقول: إلى ما تشتهيه من الحرام أُسائِلُها الحلالَ وتدْعُ قلبي وهم يَدْعُونه نحوَ الغرام كداعي آلٍ فرعونَ إليه وظلُّوا في الجحيم وفي السَّقَام فظلَّ منعَّمًا في الخُلدِ يسعى فلما علمت أنه قد امتنع عليها من الفاحشة أرسلت إليه: أنا بين يديك على الذي تُحب .. فكتب إليها: هيهات، لا حاجةً لي فیمن دعاني إلى المعصية وأنا أدعوه إلى الطاعة، وقال: عند الهوى ويخافُه أحيانًا لا خيرَ فیمن لا یراقِبُ ربّهُ كمؤاجرٍ شيطانِه شيطانا إن الذي يَبغي الهوى ویریدُه عَفُّ الخليقةِ زائدٌ إِيمانًا (١) حَجَبَ التُّقى بابَ الهوى فأخو التقى ■ ولله در من قال في وصف العفيف: يقظاُته ومنامهُ شِرٌَ(٢) كلٌّ بكلِّ فهو مشتبهُ (١) ((ذم الهوى)) (ص٢٣٦). (٢) مفردها شرع، وهو المثل والشبيه. بعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ٦٦ صلاح الأمة في علو الهمة إن همَّ في حُلم بفاحشةٍ زجرتـه عِفَّتُه فِينَزِجِرُ (٤﴾ [الرحمن]. * قال الله تبارك وتعالى: ﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ، جَّنَانِ ( ■ قال مجاهد: «هو الرجلُ يذكرُ الله عند المعاصي فينحجز عنها))(١). ■ وقال مالك بن دينار: «جنات النعيم بين جناتٍ الفردوس وبين جناتٍ عدْن، فيها جَوارٍ خُلِقِنَ من وَردِ الجنة، قيل: ومَن يسكنها؟ قال: ٩ الذين همَّوا بالمعاصي، فلمَّا ذكروا عظمةَ الله راقبوه، والذين انثنت أصلابهم من خشیته)). ■ وقال ميمونُ: ((الذِّكرِ ذِكرانِ: فذكرُ الله رَ باللسان حسن، وأفضل منه أن يُذگر عندما يُشرِفُ علیه من معاصیه)). ■ وقال عُبيد بن عُمير: ((مِن صدق الإيمان وبرِّه أن يخلوَ الرجلُ بالمرأةِ الحسناء فيدعُها، لا يدعُها إلَّا لله وََّ))(٢). • وعن عمر له عن رسول الله وَ ه قال: «بينما ثلاثةُ نفر يتماشَون أَخَذهم المطرُ، فمالوا إلى غارِ في الجبل، فانحطَّت على فم غارهم صخرةٌ من الجبل، فأطبقت عليهم، فقال بعضُهم لبعض: انظروا أعمالًا عمِلتموها لله صالحةً، فادعوا اللهَ بها لعله يُفرِّجُها. فقال أحدهم: اللهم إنه كان لي والدانِ شيخانٍ كبيرانٍ، ولي صِبْيةٌ صغارٌ كنت أرعى عليهم، فإذا رُحتُ عليهم فَحلبتُ، بدأت بوالديَّ أَسقيهما قبل ولدِي، وأنه نأى به الشجرُ، فما أتيتُ حتى أمسيتُ، فوجدتُهما (١) ((ذم الهوى)) (ص٢٤٠ - ٢٤١). (٢) ((ذم الهوى)) (ص٢٤٤ - ٢٤٥). ـبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ https://weblessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد ٦٧ علو الهمة في العفة والقناعة قد نامَا، فحلبتُ كما كنتُ أحلُب، فجئتُ بالخِلاب، فقمتُ عند رؤوسهما، أكرُه أن أوقظَهما من نومهما، وأكرُه أن أبداً بالصِّبية قبلَهما - والصِّبيَةُ يتضاغَوْن عند قدمي-، فلم يَزل ذلك دَأبي ودَأُبهم حتى طلع الفجر، فإن كنتَ تعلمُ أني فعلتُ ذلك ابتغاءَ وجهك فأفرِجْ لنا فُرجةً نرى منها السماء، ففرَّج اللهُ لهم فُرجةً حتى رأوا منها السماء. فقال الثاني: اللهم إنه كانت لي ابنةُ عمَّ أُحبُّها كأشدِّ ما يُحِبُّ الرجالُ النساء، فطلبتُ إليها نفسها، فأبتْ حتى آتيها بمئةٍ دینارٍ، فسعَیتُ حتی جمعتُ مئةَ دينارٍ فلقيتُها بها، فلمَّا قعدتُ بين رجلَيها قالت: يا عبدَ الله، أَتَّقِ اللهَ ولا تفتَح الخاتمَ إلَّ بحقُّه .. فقمت عنها، اللهم فإن كنتَ تعلمُ أني فعلتُ ذلك ابتغاءَ وجهك فأفرِج لنا منها .. ففَّج لهم فُرجةً .. ))(١) الحديث. القَسَّ ((عبد الرحمن بن أبي عمار)) يَعِفُ عن «سَلامة»: كان عبد الرحمن بن أبي عمار بن جُشَم بن معاوية ينزل بمكة، 0 وكان من عُبَّاد أهلها فسُمي ((القَسُّ)) لعبادته، شُغفت به ((سَلَّامة))، وقالت له: ((أنا والله أُحبُّكَ. قال: وأنا والله أُحبُّكِ، قالت: وأُحِبُّ أن أضعَ فمي على فمك، قال: وأنا والله، قالت: وأُحِبُّ أن أُلْصِقَ صدري بصدرك وبطني ببطنك(٢)، قال: وأنا والله، قالت: فما يمنعُك؟ فوالله إن الموضعَ لخَالٍ! قال: إني سمعتُ الله يقول: ﴿الْأَخِلَّاءُ بَوْمَیِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ [الزخرف] وأنا أكرهُ أن تكون خُلَّةُ ما بيني وبينك ٦٧ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (١) صحيح: وقد تقدم. (٢) هذا الكلام كلُّه لا يَحِلُّ شرعًا. بعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ https://weblessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ٦٨ صلاح الأمة في علو الهمة تؤولُ بنا إلى عداوةٍ يوم القيامة. قالت: يا هذا، أتحسب أن ربِّي وربَّك لا يقبلُنا إن نحن تُبْنا إليه؟ قال: بلى، ولكن لا آمنُ أن أُفاجأ». عفاف شاب من الأنصار: ■ وانظر إلى هذه الميتة العجيبة: ((أَحبَّت امرأةٌ من المدينة رجلًا من الأنصار، فأرسلت تشكو إليه حبَّها وتسألُه الزيارةَ وتدعوه إلى الفاحشة - وكانت ذات بعل - فأرسل إليها: ولا أَمُرُّ به ما عشتُ في الناسِ إن الحرامَ سبيلٌ لستُ أَسلُكُه ما تَشْتَهِيْنَ فکوني منه في یاسِ فابغِي العفافَ فإني غيرُ مُتُبع فلا تكوني أخا جهل ووسواسٍ إني سأحفظُ فيكم من يصونُكمُ فلمَّا قرأت الكتاب کتبت إلیه: دعْ عنك هذا الذي أصبحت تذكرُه وصِرْ إلى حاجتي يا أيها القاسِي وليس يدخلُ ما أبديتَ في راسي دع التنسُّكَ إني غيرُ ناسكةٍ فأفشى ذلك إلى صديقٍ له، فقال له: لو بعثتَ إليها بعضَ أهلِكَ فوعظَتْها وزجرَتْها رجوتُ أن تكفَّ عنك، فقال: والله لا فعلت، ولا صرتُ في الدنيا حديثًا، ولَلعارُ في الدنيا خيرٌ من النارِ في الآخرة، وقال: يَفنَی ويبقى الذي في العارِ يُؤذيني العارُ في مُدَّةِ الدنيا وقلَّتِها ولستُ ذا مَيتةٍ منها فتُفنيني والنارُ لا تَنقضي ما دام بي رَمَقٌ لعلَّ ربي من الفردوس يُدنیني لكن سأصبرُ صبرَ الحُرِّ محتسِبًا وأمسك عنها، فأرسلت: إما أن تزورَني، وإما أن أزورك .. فأرسل بعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com https://weblessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ٦٩ علو الهمة في العفة والقناعة إليها: أَرْبِعِي أيتها المرأةُ على نفسِكِ، ودعي عنك التسرعَ إلى هذا الأمر .. ، فلما يَئسِت منه ذهبت إلى امرأةٍ كانت تَعملُ السِّحرَ، فجعلت لها الرغائبَ في تهييجه، فعمِلت لها فيه، فبينما هو ذاتَ ليلةٍ جالسًا مع أبيه إذ خَطَر ذكرُها بقلبه وهاج منه أمرٌ لم يكن يعرفه، واختلط، فقام من بين يدَيْ أبيه مُسرعًا، وصلَّى واستعاذ، وجعل يَبكي، والأمر يزيد، فقال له أبوه: يا بني، ما قِصَّتُك؟ قال: يا أبتِ، أدرِكْني بقَيْدٍ، فما أرى إلَّا قد غُلبتُ على عقلي، فجعل أبوه يبكي ويقول: يا بُنَّ، حدِّثني بالقصة، فحدَّثه قصته، فقام إليه فقيَّده وأدخله بيتًا، فجعل يتضربُ ويخورُ كما يخورُ الثور، ثم هدأ ساعةً، فإذا هو ميت، وإذا الدم يسيلُ من مِنخَریه)). · قال عمر بن عبد العزیز: «أفضلُ الجهاد جهاد الھوی)). ■ وقال سفيان الثوري: «أشجعُ الناس أشدُّهم من الهوى امتناعًا». ■ وكان الثوريُّ ه ◌َلَهُ كثيرًا ما يتمثّل بهذين البيتين: من الحرام ويَبقى الوِزْرُ والعارُ تفنى اللذاذةُ ممن نال صفوتَها لا خيرَ في لذةٍ من بعدِها النارُ تبقى عواقبُ سُوءٍ فِي مَغِيتَها ■ وقال الحسين بن مُطَير: فما لكَ نفسُ بعدَها تستعيرُها ونفسَك أَكْرِمْ عن أمورٍ كثيرةٍ حلاوتُه تَفنى ويَبقى مريرُها ولا تَقْرَبِ المرعَى الحرامَ فإِنما ■ وقال الإمام أحمد بن حنبل: ((الفتوَّةُ ترك ما تهوى لما تخشى)». بعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ـبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://web lessam.blogspot.com/ ٧٠ صلاح الأمة في علو الهمة رجل لا يبيعُ جنةً عرضُها السموات والأرض: قال العُتْبي: ((عَلِقِ أعرابيّ امرأةً، فطال به وبها الأمرُ، فلما التقيا وتمكّن منها وصار بين شُعبَتَها ذَكَرَ الدار الآخرة وجاءته العِصمة، فقال: والله إنّ امرءً باع جنةً عرضُها السمواتُ والأرضُ بفِتْرِ بين رِ جلَيكِ لَقليلٌ البصر بالمساحة!)). ((أخافُ نارًا لا يخبوسعيرها»: ■ عن رجاءَ بن عمرو النخَعِي قال: «كان بالكوفة فتِّی جمیلُ الوجه، شديدُ التعبُّدِ والاجتهاد، وكان أحدَ الزهاد، فنزل في جوارِ قوم من النَّخَع، فنظر إلى جاريةٍ منهم جميلةً فَهَوِيها، وهام بها عقلُه، ونزل بها مِثلُ الذي نزل به، فأرسَلَ يَخطِبُها من أبيها، فأخبره أبوها أنها مُسمَّاةٌ لابن عمِّ لها، فلما اشتد عليهما ما يُقاسيانِ من ألم الهوى أرسلت إليه الجاريةُ: قد بلغني شدَّةُ محبتِكَ لي، وقد اشتد بلائي بك، فإن شئتَ زُرتُك، وإِنْ شئتَ سهَّلتُ لك تأتيني. فقال للرسول: ولا واحدةٌ من هاتين الخَلَّتين، إني أخافُ أنْ عصيتُ ربي عذابَ يوم عظيم، أخافُ نارًا لا يخبُو سعيرُها ولا يخمدُ لهيبها .. فلما انصرف الرسولُ إليها فأبلَغَها ما قال قالت: وأراه مع هذا زاهدًا يخافُ الله! والله ما أحدٌ أحقُّ بهذا من أحدٍ، وإن العِباد فيه لمشتركون. ثم انخلعت من الدنيا، وألقت علائقَها خلفَ ظهرها، ولَبِسَتِ المُسوحَ وجعلت تتعبد، وهي مع ذلك تذوبُ وتنحلَّ حُبًّا للفتى وأسفًا عليه حتى ماتت شوقًا إليه فدُفنت، فكان الفتى يأتي قبرَها ويبكي عندها، ويدعو لها، فَغَلَبْته عينُهُ ذاتَ يوم على قبرها، فرآها في منامِهِ وكأنها في ـبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ https://weblessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ٧١ علو الهمة في العفة والقناعة أحسنٍ منظرِها فقال: كيف أنتِ؟ وما لقيتٍ بعدي؟ فقالت: حُبٌّ يقودُ إلى خيرٍ وإحسانِ نِعِمَ المَحبَّةُ يا سُؤْلي مَّتُكم فقال: على ذلك إلى ما صرتٍ؟. فقالت: في جنة الخلدِ مُلكٍ لیس بالفاني إلی تعیمٍ وعیشٍ لا زوالَ له فقال لها: اذكُريني هناك، إني لستُ أنساكِ، فقالت: ولا أنا والله أنساكَ، ولقد سألتُ قُربَك مولايَ ومولاك، فأعنِّي على ذلك بالاجتهاد، ثم ولَّتْ مُديِرةً. فقال لها: متى أراكِ؟ قالت: ستأتينا عن قريبٍ فترانا، فلم يَعِشِ الفتى بعد الرؤيا إلَّا سبعَ لیال)»(١). ((اللهم سَوَدْها»: ■ قال أبو الكُریر مَعمر: سمعتُ أبا زرعة الخَبْني يقول: «فَكَّرَتْ بِيَ امرأةٌ فقالت: يا أبا زُرعة، ألا ترغبُ في عيادةٍ مبتلَى تتعظ برؤيته؟ فقلت: بلى. فقالت: ادخُل إلى الدار. فلما دخلتُ الدار أغلقَتِ البابَ ولم أرَ أحدًا، فعرفتُ قَصدَها، فقلت: اللهم سوِّدها. فاسودَّت، فحارت، وفتحت الباب فخرجت، وقلت: اللهم رُدَّها إلى حالتها .. فَردَّها إلى ما کانت)). هِيْتَ مُهَابًا: ■ عن يحيى بن عامرِ التَّيمِيِّ أن رجلاً من الحِّ خَرَج حاجًّا، فإذا هو بامرأةٍ في بعض الليل ناشرةً شعَرها في بعض المياه، فأعرض عنها، (١) ((ذم الهوى)) (ص٢٦٣ - ٢٦٤). ـبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ٧٢ صلاح الأمة في علو الهمة فقالت: ((هلمَّ إلي لِمَ تُعرِضُ عنّي؟ قال: إني أخافُ الله رب العالمين، فَتَجْلبَتْ، ثم قالت: هِبْتَ مُهَابًا، إن أولى مَن شَركَك في الهيبة لمن أراد أن يَشْرَكَكَ في المعصية .. قال: ثم ولَّت، فتبعتُها، فدخلَتْ بعضَ خيام الأعراب: فلما أصبحتُ أتيتُ رجلًا من القوم، فوصفتُها فقلت: ((فتاةً كذا وكذا، من حسنها، من منطقها»، فقال شيخ منهم: ابنتي والله، قلتُ: هل أنت مزِّجي؟ قال: على الأكفاء، قلت: رجلٌ من (تَيم الله)). قال: كفؤٌ كريم .. فما رُمتُ حتى تزوجتُها ودخلتُ بها، ثم قُلت: جهّزوها إلى قُدومي من الحج، فلما قدمتُ حَملتُها إلى الكوفة، فها هي عندي لي منها بنينُ وبناتٌ))(١). عفَة بها مَلَك الدنيا والآخرة: ■ قال الحسن بن زيد: (وَلِيَنا بديارٍ مصر رجلٌ، فوجد على بعض عُمَّاله فحَبَسه وقيَّده، فأشرفَتْ عليه ابنةُ الوالي فهَوِيَتْه، فكتبت إليه وكان قد نظر إليها: وفِي الطَّرْفِ الحُتوفُ أيها الرامي بعينَيهِ أمكنك الظبيُّ الأُلُوفُ إنْ تُرِدْ وصلًا فقد ) فأجابها الفتى: إن تَريْني زانيَ العينيـ ليس إلَّا النظرُ الفا ـنِ فِالفَرجُ عفيفُ ترُ والشِّعرُ الظريفُ ■ فکتبت إلیه: (١) ((ذم الهوى)) (ص٢٦٤ - ٢٦٥). ـبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ https://weblessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ٧٣ علو الهمة في العفة والقناعة ــقِك إنسانًا عفيفًا قد أردناك على عشـ ـتَ لقَيدَيكَ حَلِيفًا فتأَبَّيت فلا زلــ فأجابها: كُنْتُ للظبي عيُونًا ما تأبَيْتُ لأني كان بي برَّا لطيفًا غيرُ أنّ خِفتُ ربًّا فذاع الشَّعُر وبلغ الخبرُ الواليَ، فدعا بها، فزوَّجه إياها، ودفعها إليه))(١). ■ وفي حديث الغار قالت المرأةُ لابن عمها: «يا عبد الله، اتَّقِ الله، لا تَفتح الخاتم إلَّا بحقِّ)) .. فللَّه درها. حديثُ الكِفل وصاحبتِه: • عن ابن عمر ﴿يفضها قال سمعت النبي وَ ﴿﴿ يُحدِّث حديثًا لو لم أسمَعْه إلَّا مرةً أو مرتين -حتى عَدَّ سبع مرات-، ولكن سمعتُه أكثر من ذلك: سمعتُ رسولَ اللهِ وَّ يقول: «كان الكفلُ من بني إسرائيل لا يَتوزَّعُ عن ذنب عَمِلَه، فأتته امرأةٌ، فأعطاها ستِّينَ دينارًا على أن يطأها، فلما قَعد منها مَقعَدَ الرجل من امرأته أرعدت وبَكت، فقال: ما يُبكيك؟ أأكرهتُكِ؟ قالت: لا، ولكنه عملٌ ما عمِلتُه قط، وما حَمَلني عليه إلَّا الحاجةُ .. فقال: تفعلين أنتِ هذا وما فَعَلْتِهِ؟ اذهبي فهي لك، وقال: لا والله لا أعصي الله بعدها أبدًا، فمات من ليلتِهِ، فأصبح مكتوبًا على بابه: إن الله قد غَفر (١) ((ذم الهوى)) (ص ٢٦٧ - ٢٦٨). ـبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ٧٤ صلاح الأمة في علو الهمة للكِفْل))(١). نساءٌ عفيفات: وإن كان يُحمَدُ الصبرُ من الرجال عن الفاحشة، فهو من النساء أعجب: (دع ذلك ليوم التغابن»: ■ قال خارجةُ بنُ زياد -رجلٌ من بني سليمة: «هَوِيتُ امرأةً من الحي، فكنتُ أتبعُها إذا خرجت من المسجد، فعرفَتْ ذلك مني، فقالت لي ذاتَ ليلة: ألك حاجة: قلت: نعم، قالت: وما هي؟ قلت: مودَّتُكِ، قالت: دَعْ ذلك ليوم التغابن، قال: فأبكتني والله، فما عُدت إلى ذلك)). ((فأين مُكوكبُها!» : قال أعرابي: ((خرجتُ في بعض ليالي الظلمة، فإذا أنا بجاريةٍ كأنها عَلَم، فأردتُها على نفسها، فقالت: ويلك! أمَا لك زاجرٌ من عقل إذا لم يكن لك ناهٍ من دين! فقلت: إيهًا! والله ما يرانا إلَّ الكواكبُ، قالت: فأين مکو کبُها؟!)). (١) صحيح: أخرجه الترمذي، وأحمد، وأبو يعلى في ((المسند))، وابن قدامة في ((التوَّابين))، وابن حبان، وأخرجه رزين في ((جامع الأصول))، وحسنَّه الترمذي، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وضعَّفه الألباني في ((ضعيف سنن الترمذي)) رقم (٤٤٨)، والشيخ شعيب الأرنؤوط في تحقيق ((المسند)). والكفل هذا ليس النبي المذكور في كتاب الله تعالى، فقصته لا تليق بنبي، انظر: كتاب ((من قصص الماضيين في حديث سيد المرسلين))، بقلم الشيخ مشهور حسن سلمان (ص٢٢٧ - ٢٢٩)، دار الهجرة. ـبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ٧٥ علو الهمة في العفة والقناعة هكذا تفنى الشهواتُ وتنقطع اللذات: ■ قال محمد بن عبد الله بن زيد: حدثتني أُمِّي عن أبيها قال: مُ ((أحببتُ جاريةً من العرب، وكانت ذاتَ عقل وأدب، فما زلتُ أحتارُ في أمرها حتى اجتمعتُ معها في ليلةٍ مظلمةٍ شديدةِ السواد في موضع خالٍ، فحادثتُها ساعةً، ثم دعتني نفسي إليها، فقلتُ: يا هذه، قد طال شوقي إليكِ قالت: وأنا كذلك. قلتُ: قد عَسرُ اللقاء. قالت: نحن كذلك! قلتُ: هذا الليلُ قد ذهب والصبُح قد اقترب. قالت: هكذا تَفنى الشهوات وَتَنقطعُ اللذَّات. قلتُ: لو أدنيتِني منكِ؟. قالت: هيهات هيهاتَ! إني أخافُ العقوبةَ من الله، قلتُ لها: فما الذي دعاكِ إلى الحضورِ معي في هذا المكان. قالت: شِقوتي وبلائي !. قلت: فمتى أراكِ؟ قالت: ما أُراني أنساك، فأما الاجتماعُ معك، فلا أراه یکون. ثم تولَّتْ من بين يديَّ، فأستحييتُ مما سمعتُ منها، فرجعتُ وقد خرج من قلبي ما كنتُ أجدُ من حُبِّها، ثم أنشأتُ أقول: ولم تأتِ ما تَخشى به أن تُعذّبا تَوَقَّتْ عذابًا لا يُطاقُ انتقامهُ أَهيمُ على وجهي حَيًّا وتعجُّبَا وقالت مقالًا كدْتُ من شدةِ الحيا ويُورِدُ نارًا لا تَمَلُّ التوثّبا أَلا أُفِّ للحُبِّ الذي يُورِثُ العمى وقد زال عن قلبِي العَمى فتَسَّبا فاقبل عودي فوق بدئي مُفكِّرًا ـبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ٧٦ - صلاح الأمة في علو الهمة ٤ قال: فلم أرَ امرأةً كانت أصونَ منها لدينِها ولا أعقل)) (١) بَقِيَ الباب الذي بيننا وبين اللهِ لم يغلق: ■ قال أبو محمد الشيباني: «کان بالبصرة رجلٌ له اگار (٢)، وكانت له امرأةٌ جميلةٌ حَسناءُ كَثيرةُ الشَّحَم، فوقعت في نفسه، فركب زبيديّته إلى قصره، وقال للأكَّار: الْقُطْ لنا من الرُّطَبِ، وصَيِّرْه في الدواخل، ثم قال له: ايتِ به فلانًا وفلانًا .. فنذهب به، فلما مضى قال لامرأته: أغلقِي بابَ القصر. فأغلقته. ثم قال لها: أغلِقي كلّ بابٍ. ففعلت، فقال لها: هل بَقِي بابٌ لم تغلقيه؟ قالت: نعم، بابٌ لم أغلِقه، قال: وأيُّ باب هو؟ قالت: البابُ الذي بيننا وبين الله وجَۇ. فبكى، ثم قام يتصبَّبُ عَرَقًا، وانصرف ولم يُواقع الخطيئة))(٣). استح من هذه الهمة: ١ عن محبوب بن صالح أن رجلًا من العرب رأى امرأةً، فوقعت في قلبه، فكّلَمَ بذلك دهرًا، ثم إن الأمر تفاقَم، وتمكَّنت منه الصبابةُ، واستخفَّه الغرام، فبعث إليها يسألُها نفسَها، ويُخبِرُها بما هو عليه من حُبِّها، فكتبت إليه: ((اتّقِ الله أيها الرجل، وأرْبعْ على نفسك، واستَح من هذه الهِمَّة التي قد تعلقتَ بها، فإن ذلك أولى بذوي العقول)). (١) ((ذم الهوى)) (ص ٢٧٢ - ٢٧٣). (٢) الأكَّار: الحرَّاث. (٣) (ذم الهوىُ)) (ص ٢٧٣ - ٢٧٤). بعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ٧٧ علو الهمة في العفة والقناعة («أنامَ ربّ العالمين؟ .. )): ■ قال ابن الجوزي ملَّهُ: «بلغنا أن بعض المتعبِّدات البَصْرِيَّات وقعت في نفس رجل مُهَلَِّيٍّ - وكانت جميلة، وكانت تُخطَب فتأبى-، فبلغ المهلبيَّ أنها تريدُ الحَجَّ، فاشترى ثلاثمئةِ بعيرٍ، ونادى: مَنْ أراد الحجَّ فليكترِ من فلانٍ المهلبِّ، فاكترتْ منه، فلما كان في بعض الطريق جاءها ليلًا، فقال: إما أن تزوِّجيني نفسَكِ، وإما غيرُ ذلك، فقال: ويحك، اتق الله !! ، فقال: ما هو إلَّا تسمعين، والله ما أنا بحمَّالٍ، ولا خرجتُ في هذا إلَّا من أجلِكِ .. فلمَّا خافت على نفسها قالت: ويحك انظرْ: أَبَقِيَ في الرجال أحدٌ لم يَنَم؟. قال: لا، قالت: عُدْ فانظر .. فمضى وجاء، فقال: ما بَقِي أحدٌ إلَّا وقد نام. فقالت: ويحك! أنامَ رب العالمين؟ ثم شهِقت شهقةً وخَرَّتْ مَيتَةً. وخَرَّ المُهلبُّ مغشيًّا عليه، ثم قال: ويحي! قتلتُ نفسًا ولم أبلُغْ شَهوتي .. فخرج هاربًا))(١). ((وهذه الطائفةُ لِعِفَّتِهِم أسبابٌ: أقواها وأكملها: إجلالُ الجَبَّار، ثم الرغبةُ في الحُورِ الحسان في دارِ القرار، فإنّ مَن صَرَف استمتاعَه في هذه الدار إلى ما حَرَّم الله عليه مَنَعه من الاستمتاع بالحُور الحِسانِ هناك .. فَلْيَتَخَيَّرِ العبدُ لنفسه إحدى اللذتَيْنِ، ولْيَطِبْ نفسًا عن إحداهما بالأخرى، فلن يجعلَ الله مَن أذهبَ طيباتِه في حياته الدنيا واستمتع بها كمَن صام عنها ليومٍ فطره من الدنيا إذا لَقِيَ الله، ودون ذلك مرتبةٌ أن يتركَها خوفَ (١) ((ذم الهوى)) (ص٢٧٦ - ٢٧٧). ـبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ٧٨ صلاح الأمة في علو الهمة النار فقط، فإنَّ تَرْكَها رغبةً ومحبةً أفضلُ من تركها لمجردٍ خوفٍ العقوبة))(١). تركُ المُحبِّين أدنى المحبوبَيْن رغبةً في أعلاهما: ]قال العلامة ابن القيم وَلَّهُ: ((هذا بابٌ لا يدخل فيه إلَّ النفوسُ الفاضلة الشريفةُ الأبية التي لا تقنعُ بالدون، ولا تبيع الأعلى بالأدنی بیعَ العاجزِ المغبون، ولا يَملِكُها لَطخُ جمالٍ مُغَشٍّ على أنواعٍ من القبائح. فالنفس الأبية لا ترضى بالدُّون، وقد عابَ الله سبحانه أقوامًا استبدلوا طعامًا بطعام أدنى، فنعى ذلك عليهم، وقال: ﴿أَنَسْتَبْدِ لُونَ الَّذِى هُوَ أَدْنَى بِلَّذِىَ هُوَ نٌَّ﴾ [البقرة: ٦١]، وذلك دليلٌ على وضاعةِ النفس وقِلَّةٍ قيمتها، ومن أحسن شِعر العرب -وكان عمرو بن العاص يتمثّلُ بهمَا -: ولم يَنْه قلبًا غاويًا حيث يَمَّمَا إذا المرءُ لم يَترك طعامًا أَحَبَّه إذا ذُكرت أمثالُها تملأ الفم)) (٢) قضى وطَرًا منه وغادَرَ سُبَّةً الرَّبِيعُ بن خُثيم، لله دُّره، سيّدٌ من سادات أهل العفاف: يَروي أصحابُ السير والتراجم أن قومًا أمَروا امرأةً ذات جمالٍ بارع أن تتعرَّض للربيع بن خُثيم لعلها تفتنُه، جعلوا لها إنْ فعلتَ ذلك ألف درهم. فلبِست أحسن ما قَدَرت عليه من الثياب، وتطيِّيت بأطيب ما قَدَرت (١)((روضة المحبين)) (ص٣٤٨ - ٣٤٩). (٢) ((روضة المحبين)) (ص٣٩٩ - ٤٠٠). بعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ https://weblessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد " علو الهمة في العفة والقناعة ٧٩ عليه، ثم تعرَّضت له حينَ خرج من مسجده، فنظر إليها، فراعَه أمرها، فأقبلت عليه وهي سافرة. فقال لها الربيع: كيف بكِ لو نَزَلَتِ الحُمَّى بجسمك، فغيّرت ما أرى من لونك وبهجتك؟ !. أم كيف بكِ لو قد نزل بكِ مَلكُ الموت فقطع حَبْلَ الوتين (١)؟ !. أم كيف بكِ لو سألَكِ منكرٌ ونكير؟ !. فصرخت صرخةً فسقطت مغشيًّا عليها. فوالله لقد أفاقت وبلغت من عبادةِ ربها أن كانت يومَ ماتت كأنها جِذٌ محترِقٌ من خشية الله وَ (٢) . ■ قال ابن أبي عمامة وَلَّهُ: «إن رجلاً أحبَّ امرأة فأحبَّته، فاجتمعا، فراوَدَتْه المرأة عن نفسه، فقال: إن أَجَلِي ليس بيدي، وأَجلَكِ لیس بيدك، فربما كان الأجلُ قد دنا فنَلقى الله عاصييَنِ، فقالت: صدقتَ .. فتابا، وحَسُنت حالتُهمَا))(٣). عفيفٌ يَفوحُ المِسكُ منه: قيل لأبي بكر المِسْكي: ((إنا نَشُمُّ منكَ رائحةَ المسكِ مع الدوام، فما سببُه؟ فقال: والله إن لي سنينَ عديدةٌ لم أستعمِل المسكَ، ولكن سببُ ذلك أن امرأةً احتالت عليَّ حتى أدخلتني دارَها، وأغلقت دوني الأبواب، وراودَتْني عن نفسي، فَتَحَيَّرتُ في أمري، فضاقت بيَ الحِيل، فقلتُ لها: (١) الوتين: عرق في القلب إذا انقطع مات صاحبه. (٢) ((التوابين)) لابن قدامة (ص٢٧٣)، و((صفة الصفوة)) لابن الجوزي (١٦١/٣). (٣) (ذم الهوى)) لابن الجوزي (٢١٣). ـبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ https://weblessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ٨٠ صلاح الأمة في علو الهمة إِنَّ لي حاجةً إلى الطهارة، فأمَرتْ جاريةً لها أن تَمضيَ بي إلى بيتِ الراحة، فَفَعَلَتْ، فلما دخلتُ بيت الراحة أخذتُ العَذِرةَ وألقيتُها على جميع جسدِي، ثم رجعتُ إليها وأنا على تلك الحالة، فلمَّا رأتني دُهِشت، ثم أمرت بإخراجي، فمضيتُ واغتسلتُ، فلما كانت تلك الليلةُ رأيتُ في المنام يقول لي: فعلتَ ما لم يفعَلْه أحدٌ غيرُك، لأَطيِّبَنَّ رِيحَك في الدنيا والآخرة، فأصبحتُ والمِسكُ يفوحُ مِنِّي، واستمرَّ ذلك إلى الآن))(١). كه فعليك أخي بالعِفة، فَعَدمُها يُعِّي على جميع المحاسن ويُعِّي مِن لُبوس المحامد، ومَن اتّسَمَ بسِمةِ العِفَّة قامت العفّةُ له بحُجَّةٍ ما سواها من الفضائل، وسَهَّلت له سبيلَ الوصولِ إلى المحاسن. (١) (المواعظ والمجالس)) لابن الجوزي (ص٢٢٤)، طبع دار الصحابة. https://arabessam.blogspot.com/ ـبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد ٠٠