Indexed OCR Text

Pages 621-640

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثاني
٦٢١
واستغنيتُ عن الخلاء، وأمنتُ من التُّخْمَة .
وقالوا عن البخيل : لو مَلَك بيتًا من بغداد إلى النُّوبة مملوءًا إِبِّرًا،
ثم جاءه جبريلُ وميكائيلُ ومعهما يعقوب النبي عليه السلام ، يطلبون منه
إبرةً ، ويسألونه إعارتهم إياها ليخيطَ بها قميصَ يوسف مَا فَعَل.
إبرا يضيقُ بها فِنَاءُ المحملِ
لو أنَّ دارك أَنْبَتَْ له أَرْضُها
لِيَخِيطَ قَدَّ قَمِيصِهِ لم تَفْعَلِ
وأتاك يُوسفُ يَسْتَعِيرُكَ إبرةً
وقالوا عن البخيل :
فَارْفَعْ يَمِينكَ مِنْ طَعَامِهْ
وإذا أردتَ إخاءَه
من مَضْغٍ ضيفٍ والتقامِهْ
فالموتُ أهونُ عنده
أو كَسْرُ شَيءٍ من عِظَامِهْ
سِيَّانِ كَسْرُ رغيفِهِ
فَاحْفَظْ رغيفكَ من غُلامِهْ
وإذا مرَرتَ ببابِهِ
وكان عبد العزيز بن عمير يقول : الصلاة توصلك إلى نصف الطريق ،
والصَّوْم يوصلك إلى باب المَلِك ، والصدقةُ تُدخلك إلى الملك .
وكان رحمه الله يقول : الأموال عندنا ودائعُ للمكارم .
وكان إبراهيم بن يوسف - رحمه الله - يجمع الأموال ويقول : إنما
أُجْمَعُ ذلك لبطوٍ جائعة ، وظهور عارية ، ولم أجمعه للماء والطين .
وقال أحد العُبَّد : يتزوج أحدُكُم فلانة بنت فلان بالمال الكثير ،
ولا يتزوَّج الحور العين بلقمةٍ أو تمرة أو خِرْقة ، هذا من العجب !!
وكان الليث بن سعد يقول : من أخذ مني صدقةً أو هديّةً فحقه
عَّ أعظم من حقي عليه ؛ لأنه قبل مني قُرباني إلى الله عز وجل .
وقال معاذ النسفي - رحمه الله - : مَنْ لم يَرَ نفسه أحْوج إلى ثواب
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
٦٢٢
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثاني
صدقته من الفقير إلى صدقته ، فهو ممَّن أَبْطَلَ صدقته بالمنِّ ؛ لأنه رأى
نفسه على الفقير .
أخي ، لا تَحْقر من الصدقة شيئًا ولو حَبَّة ، فكم في الحَبَّة من مثقال
ذرة .
أخي ، لا تَنْهَرْ سائلًا ، فلو عرفتَ ما يحمله لك من الخير لحملتَه
في فؤادك ، لا على رأسك .
فقد كان سفيان الثوري - رحمه الله - يَنْشرح إذا رأى سائلًا على
بابه ويقول : مرحبًا بمن جاء يغسل ذنوبي .
وكان الفضيل بن عياض - رحمه الله - يقول : نِعْم السائلون ،
يحملون أَزْوادنا إلى الآخرة بغير أجرة ، حتى يضعوها في الميزان بين يدي الله
تعالى .
وكان إبراهيم بن أدهم ، قبل زهده ، إذا جاءه سائلٌ يَدْخل إلى عياله
ويقول لهم : قد جاءكم رسولُ المقابر ، فهل توجّهون إلى موتاكم شيئًا من
الصدقة ؟ !.
ودخل سالم بن عبد الله بن عمر رضي الله عنهم بالحَرَم يومًا ، فرأى
هشام بن عبد الملك ، فقال له هشام : سلني حاجتك يا سالم . فقال : يا
أمير المؤمنين ، إني أستحبي أنْ أسأَلَ في بيت الله أحدًا غيره تعالى .
ودخل سائلٌ يومًا على معروف الكرخي فلم يَرَ عنده ما يعطيه غير
نعله ، فأعطاه إياه ، ثم بلغ معروفًا بعد ذلك أنه باع النعل واشترى بثمنها
فاكهة ، فقال معروف : الحمد لله ، لعله كان يشتهي الفاكهة فواسَيْناه بثمنها .
وقالوا : إن لك في مالك شَريكَيْن : الحدثان والوارث ، فإن استطعت
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثاني
٦٢٣
أَلَّا تكون أبخس الشُّركاء حظًّا فافعل .
أخي ، أترضى أن يكون كافر أجودَ منك وأنت مُسْلم .. فإن كنتَ
بعيد الهمة عاليها فانظر بعض خبر حاتم الطائي .. يقول لغلامه يسار :
والرِّيحُ يَا مَوْقِدُ رِيحٌ صِرُّ
أوقِدْ فإنَّ الليلَ ليلٌ قَرُّ
عَسَى يرى نَارَك مَن يمرُّ إِنْ جَلَبْتَ ضَيْفًا فأنتَ حرُّ
ومَّ حاتمٌ في سفره على عَنَزة ، وفيهم أسيرٌ ، فاستغاث بحاتم ولم
يحضره فِكَاكه ، فاشتراه من العنزيِّين وأطلقه ، وأقام مَكَانه في القيد حتى
أدى فداءه .
وَرُئي حاتم يومًا يضرب ولدَه ، لمَّا رآه يضربُ كلبةً كانت تدل عليه
أضيافه ، وهو يقول :
بكليةً لا يزال يَجْلدُهَا
أَقُولُ لابني وقد سَطَتْ يداهُ
أُوصيكَ خيرًا بها فإنَّ لها عندي يدًا لا أزال أَحْمَدُهَا
تدلُّ ضَيْفي علَّ في غَلَسِ اللَّيلِ إذا النَّارُ نامَ مُوقِدُهَا
وذكرت طِّّئ عند عدّ بن حاتم أن رجلًا يُعرف بأبي الخَيبريّ مرَّ
بقبرٍ حاتم ، فنزل به وجعل ينادي : أبا عديّ ، أَقْرِ أضيافك . قال : فيقال
له : مهلا ، ما تُكلِّم من رَمَّةٍ باليةٍ . فقال: إن طَيِّئًا يزعمون أنه لم ينزل
به أحدٌ إلا قراه ، كالمستهزئ ، فلما كان في السَّحَر ، وثب أبو خيبريّ
يصيح : واراحلتاه !! فقال له أصحابه : ما شأنك ؟ قال : خرج والله حاتم
بالسيف حتى عقر ناقتي وأنا أنظر إليها ، فتأملوا راحلته ، فإذا هي لا تنبعث ،
فقالوا : قَدْ والله أقراك، فنحروها وظلّوا يأكلون من لحمها ، ثم أردفوه
وانطلقوا ، فبينما هم في مسيرهم إذ طلع عليهم عدُّ بن حاتم ومعه جمُلٌ
قد قرنه ببعيره ، فقال : إن حاتمًا جاء في النوم ، فذكر لي قولك ، وأنه
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عَلَوَ الهمة - المجلد الثاني
٦٢٤
أقراك وأصحابَك راحلتك، وقال لي أبياتًا ، ردَّدها علَّ حتى حفظتها ،
وهي :
حَسُودُ العشيرةِ شتَّامُهَا
أبا الخيبريّ وأنت امرؤٌ
بداويةٍ صخب هَامُهَا
فماذا أردتَ إلى رِمَّةٍ
وحولك غوثٌ وأنعامُهَا
أتبغي أذاها وإْسَارها
من الكُومِ بالسَّيف نَعْتَامُهَا(١)
وإنَّا لنطعم أضْيافنا
وأمرني بدفعِ راحلةٍ عوض راحلتك ، فخذها، فأخذها .
هذا حاتم وبعض أمره ... وهو القائل :
يرى البخيلُ سبيلَ المالِ واحدةً إن الجَوادَ يرى في مالِهِ سُبُلا
يَتَسخَّى مَيْتًا :
(( قال محمد بن محمد الحافظ : سمعت الشافعي المجاور بمكة يقول :
كان بمصر رجلٌ عُرف بأنه يجمع للفقراء شيئًا ، فُوُلد لبعضهم مولودٌ ، قال :
فجئت إليه وقلت له : وُلد لي مولود وليس معي شيءٌ، فقام معي ودخل على
جماعة ، فلم يُفتح بشيءٍ ، فجاءَ إلى قبر رجل وجلس عنده وقال : رحمك الله ،
كنتَ تفعل وتصنع ، وإني درتُ اليوم على جماعةٍ فكلَّفْتهم دفعَ شيءٍ للمولود ،
فلم يَتَّفق لي شيء ، قال : ثم قام وأخرج دينارًا وقسمه نصفين وناولني
نصفه ، وقال : هذا دَيْنٌ عليك إلى أن يفتح الله عليك بشيءٍ ، قال : فأخذته
وانصرفتُ فأصلحت ما اتَّفق لي به ، قال : فرأى ذلك المحتسب تلك الليلة
ذلك الشخص في منامه فقال : احضر منزلي ، وقل لأولادي يحفروا مكان
الكَانون ، ويُخرجوا قِرَابَةً فيها خمسمائة دينار ، فاحملها إلى هذا الرجل ، فلما
(١) الكُوم : جمع كَوْماء، وهي الناقة عظيمةُ السَّنَام ، ونعتامها : أي نختارها .
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

https://arabessam.blogspot.com/
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثاني
٦٢٥
كان من الغَدِ تقدَّم إلى منزلِ الميت وقَصَّ عليهم القصة ، فقالوا له :
اجلس ، وحفروا الموضع وأخرجوا الدنانير وجاءوا بها فوضعوها بين يديه ،
فقال : هذا مالكم ، وليس لرؤيايَ حُكْمٌ ، فقالوا : هو يتسخَّى ميتًا ولا نتسخَّى
نحن أحياء ؟! فلما ألحّوا عليه حمل الدنانير إلى الرجل صاحب المولود ،
وذكر له القصة ، قال : فأخذ منها دينارًا فكسره نصفين ، فأعطاه النصف
الذي أقرضه ، وحمل النصف الآخر ، وقال : يكفيني هذا ، وتصدَّق به
على الفقراء، فقال أبو سعيد : فلا أدري أيّ هؤلاء أسخى(١).
(١) الإِحياء ٣ / ٢٦٥ - ٢٦٦ .
https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثاني
٦٢٦
مَرَاتِبُ الجُودِ
قال ابن القيم عن مَنْزِل الجود والسخاء والإِحسان :
((المراتب ثلاثة :
إحداها : أن لا ينقصه البَذْلُ ولا يصعب عليه ، فهو منزلة
((السخاء)).
الثانية : أن يعطي الأكثر ويُبقي له شيئًا ، أو يُبقي مثل ما أعطى
فهو ((الجود)).
الثالثة: أن يُؤثر غيره بالشيء مع حاجته إليه، وهو ((مرتبة الإِيثار)).
قالوا لقيس بن سعد يومًا : هل رأيتَ أسخَى منك ؟ قال : نعم .
نزلنا بالبادية على امرأةٍ ، فحضر زوجها ، فقالت : إنه نزل بك ضيفان .
فجاء بناقة فنحرها ، وقال : شأنكم . فلما كان من الغد جاء بأخرى فنحرها ،
فقلنا : ما أكلنا من التي نَحَرْتَ البارحة إلا اليسير ، فقال : إني لا أطعم
ضيفاني البائت ، فبقينا عنده يومين أو ثلاثة ، والسماء تمطر وهو يفعل
ذلك . فلما أردنا الرّحيل وضعنا مائة دينار في بيته ، وقلنا للمرأة : اعتذري
لنا إليه . ومضينا ، فلما طلع النهار إذا نحن برجل يصيح خلفنا : قفوا أيها
الركب اللئام ، أعطيتموني ثمن قِرايَ !! ثم إنه لحقنا ، وقال : لتأخذتَّه أو
لأُطَاعنكم بِرُمْحي ، فأخذناه وانصرف .
والجُوذُ عَشْرِ مَرَاتِب :
أحدها : الجُودُ بِالنَّفْسِ :
وهو أعلى مراتبه ، كما قال الشاعر :
https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد

https://arabessam.blogspot.com/
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثاني
٦٢٧
يَجودُ بالنّفْسِ إذ ضنَّ الجوادُ بها والجُودُ بِالنَّفْسِ أقصى غايةِ الجُودِ
هذا الفتح بن خاقان ، طرح نفسه على الخليفة المتوكّل ، حتى خلط
لحمَه بلحمِهِ ، ودمَه بدمهِ ، فهل بعد هذا مواساة .
سرٌ إلى جنبِ قِبرِهِ فاعْقِراني
احْمِلاني إنْ لم يكنْ لِكُمَا عَقْ
كان دمي من نَداهُ لو تَعْلمانِ
وانْضحًا من دَمي علَيه فَقَّدْ
الثانية : الجود بالرِّيَاسة :
وهو ثاني مراتب الجود ، فيحمل الجَوَاد جوده على امتهان رياسته ،
والجود بها ، والإِيثار في قضاء حاجاتِ الملتمس .
وهذا كُجُود الحَسن بن علي .. جَادَ بالخلافة على معاوية ليُصْلِحَ بين
طائفتين من المسلمين .. فهو سيِّدٌ من سادات المسلمين الأجواد .
الثالثة : الجود بَرَاحِتِه ورفاهيته ، وإجمامِ نفسِهِ :
فيجود بها تعبًّا وكدًّا في مصلحة غيره، وَمِنْ هَذَا جود الإِنسان بِنَوْمه
ولَذَّتِه لِمُسَامِرِه ، كما قيل :
هِبْ لِي جميعَ كَرِىُ غَيْنَيْكَ لم یَنَمِ
مُتَيَّمٌ بالندی لو قالَ سَائله
علي بن أبي طالبٍ رضي الله عنه :
عن أبي جعفرٍ قال : ما مات علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -
حتى بلغتْ علَّتُه مائة ألف ، ولقد مات يوم مات وعليه سبعون ألفًا دَيْنًا .
فقلت : مِنْ أين كان عليه هذا الدَّيْن؟ قال : كان تأتيه حامَّتُه من أصهاره
ومعارفه ، ممَّن لا يرى لهم في الفَيْءِ نصيبًا، فُيُعطيهم، فلمَّا قام الحسنُ
ابن علي ، باع وأخذ من حواشي مالِهِ ، حتى قضى عنه ، ثم كان يُعْتِقِ عنه
في كل عامٍ خمسين نَسَمةً حتى هلك ، ثم كان الحسين يُعتق عنه خمسين
https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثاني
٦٢٨
نسمةً حتى قُتِلَ، ثم لم يفعله أحدٌ بعدهما (١).
نزع أبو بكر مَخيطَ الهوى فمَزَّقه علّي ، رمى الصِّدِّيق جهاز المُطلَّقة
فوافقه علّ حتى رمى الخاتم .
سُؤْدُدٌ وَهْوَ بذاكَ الفقر يَغْنَى
حَّب الفقرَ إليه أنَّه
شَرَفَ الذِّكْر وخَلَّى المال يَفْنَى
وشَريفُ القومِ من بَقَّى لهم
فرأيتُ المجدَ فيها مُطْمَئِنَّا
ما اطمأنّ الوَفْر في بُحْبُوحَةٍ
أبدًا ما دامتِ العلياءُ تُبْنَى(٢)
تُهْدَمُ الأموالُ مِن آساسها
الحسن بن علي :
قاسَمَ الحسنُ الله مَالَه ثلاث مرات ، حتى كان يُعطي الخُفَّ ويُمسِك
النعل .
سأل رجلٌ الحسن بن علي - رضوان الله عليهما - حاجةً ، فقال له :
يا هذا، حقّ سؤالك إيايّ يعظُم لديّ، ومعرفتي ما يجب لك تكبر علّي ،
ويدي تعجز عن نَيْلك ما أنت أهلُه ، والكثير في ذات الله تعالى قليلٌ ، وما
فِي مَلَكَتِي وفاء لِشُكْرِك ، فإِنْ قَبِلتَ الميسورَ ، ورفعتَ عني مؤونَةَ الاحتيال ،
والاهتمام لما أتكلَّف من واجبك ، فعلتُ . فقال : يا ابن رسول الله ، أقبلُ
القليل ، وأشكُّرُ العَطِيّة ، وأعْذِر على المَنْعِ . فدعا الحسن - رضوان الله
عليه - وكيلَهُ ، وجعل يُحاسبه على نفقاته حتى استقصاها ، ثم قال : هات
الفاضِلَ من الثلثمائة ألف درهم. فأحضر خمسين ألفًا ، قال : فما فعلت
الخمسمائة دينار؟ قال : هي عندي . قال : أحْضِرها . فأُحْضِرَتْ ، فَدَفَعَ
(١) مكارم الأخلاق صـ ١٠٦ .
(٢) التبصرة ٢ / ٢٥٨ .
https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد

https://arabessam.blogspot.com/
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الثاني
٦٢٩
الدراهم والدنانير إلى الرجل ، وقال : هات من يحملها . فأتاه بحمَّالين ،
فدفع إليهم الحسن - رضي الله عنه - رداءَهُ لِكِرَى الحمل ، فقال له
مواليه : والله ما بقي عندنا درهم . فقال : لكني أرجو أن يكون لي عند الله
تعالى أجر عظيم(١).
الرابعة : الجُودُ بالعلم وبَذْله :
وهو من أعلى مراتب الجود ، والجود به أفضل من الجود بالمال ؛ لأن
العلم أشرف من المال . وأفضل الجود ما يقرِّبك من مولاك خطوة ، ويُدنيك
من الجنة ، أو يُعينك بالعلم على طَلَبها ، ويَدُلّك على طريقها ، لا من يُطعمك
الدنيا . ورحم الله أُمَّ البنين بنت عبد العزيز أخت عمر بن عبد العزيز ، حين
قالت كلمةً تساوي الدنيا وما عليها : ((البَخيل كُلّ البخيل مَنْ بخل على نَفْسِهِ
بالجنة)) .
والناس في الجود به على مراتب متفاوتة . وقد اقتضتْ حكمةُ الله
وتقديره النّافِذ : أن لا ينفع به بخيلاً أبدًا .
ومن الجود به : أن تبذُله لمن يسألك عنه ، بل تطرحه عليه طرحًا .
ومن الجود بالعلم : أن السائل إذا سألك عن مسألة ، اسْتَقْصَيْتَ له
جوابها جوابًا شافيًا ، لا يكون جوابُك له بِقَدْر ما تدفع به الضرورة ، كما
كان بعضهم يكتب في جواب الفتيا ((نعم)) أو ((لا)) مقتصرًا عليها.
ولقد شاهدت من شيخ الإسلام ابن تيمية - قدَّس الله روحه - في
ذلك أمرًا عجيبًا : كان إذا سُئل عن مسألة حُكْميَّة ، ذَكَر في جوابها مذاهب
الأئمة الأربعة، إذا قدر ، ومَأْخَذ الخلاف ، وترجيح القول الراجح ، وَذَكَر
(١) لباب الآداب صـ ١٢٥ - ١٢٦ .
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
٠٦٣٠
صلاح الأمة في عَلَوَ الهمة - المجلد الثاني
متعلّقات المسألة التي ربما تكون أنفع للسائل من مسألته ، فيكون فَرَحُه بتلك
المتعلّقات واللّوازِم ، أعظم من فرحه بمسألته . وهذه فتاويه - رحمه الله -
بين الناس ، فمن أحبّ الوقوف عليها رأى ذلك .
فمن جود الإِنسان بالعلم : أنه لا يقتصر على مسألة السائل ، بل
يذكر له نظائرها ومتعلّقها ومَأْخَذَها ، بحيث يشفيه ويكفيه .
وقد سأل الصحابةُ - رضي الله عنهم - النبَّ عَ له عن المتوضِّئ
بماء البحر؟ فقال: ((هو الطهور ماؤه، الحِلَّ ميتَتُهُ)) فأجابهم عن
سؤالهم ، وجَادَ عليهم بما لعلَّهم - في بعض الأحيان - إليه أحْوَج مما
سألوه عنه . وكانوا إذا سألوه عن الحُكم ، نَبَّههم على ◌ِلَّتْه وَحِكْمته ،
كما سألوه عن بيع الرُّطب بالتمر، فقال: ((أينقص الُّطب إذا جَفَّ؟)).
قالوا: نعم. قال: ((فلا إذن)). ولم يكن يَخْفَى عليه عَّ ◌ُله نقصان الرطب
بجفافه، ولكنْ نّههم على علَّة الحكم. وهذا كثيرٌ جدًّا في أجوبته عَ لّه ؛
مثل قوله : (( إن بعتَ من أخيكَ ثمرةً ، فأصابتها جائِحَةٌ ، فلا يحلّ لك
أن تأخذ من مال أخيك شيئًا، بِمَ يأخذ أحدكم مال أخيه بغير حقٍّ ؟! )).
وفي لفظ: (( أرأيتَ إن منعَ الله الثمرة ، بِمَ يأخذ أحدكم مال أخيه بغير
حق ؟! )). فصرّح بالعلّة التي يحرم لأجلها إلزامه بالثمن، وهي مَنْعُ اللهِ
الثمرة التي ليس للمشتري فيها صُنع .
وكان خصومه - يعني شيخ الإسلام ابن تيمية - يعيبونه بذلك ،
ويقولون : سأله السائل عن طريق مصر - مثلاً - فيذكُر له معها طريق
مكة ، والمدينة ، وخراسان ، والعراق ، والهند ، وأيّ حاجة بالسائل إلى
ذلك ؟! ولعمر الله، ليس ذلك بعيبٍ ، وإنما العيب : الجهل والكِبْر . وهذا
موضع المثل المشهور :
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

https://arabessam.blogspot.com/
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثاني
٦٣١
مِثْل مَنْ لم يَصِلُ إلى العُنْقُودِ
لقَّبُوهُ بِحَامِضٍ وَهْوَ خَلّ
الخامسة : الجود بالنَّفْعِ بالجَاه :
كالشفاعة ، والمشي مع الرجل إلى ذي سلطانٍ ، ونحوه ... وذلك
زكاة الجاه المُطالبُ بها العبد ، كما أن التعليم وبذل العلم زكاته .
السادسة : الجود بِنَفْعِ البَدَنِ على اختلاف أنواعه :
كما قال عَّله: ((يصبح على كل سُلَامَى من أحدكمْ صَدَقةٌ كلّ يومٍ
تطلع فيه الشمس ، يعدل بين اثنين : صدقة ، ويُعين الرجل في دابَّته ؛
فيحملُه عليها ، أو يرفع له عليها متاعه : صدقةٌ ، والكلمة الطَّيِّية : صدقةٌ ،
وبكل خُطوةٍ يمشيها الرجل إلى الصلاة : صدقةٌ ، ويُميط الأذى عن الطريق :
صدقةٌ)). متفق عليه .
السابعة : الجودُ بالعِرْضِ :
كجودِ عُلبة بن زيد بن حارثة بن الأوس الأنصاري ((المتصدِّق
بِعِرْضِه )).
فقد كان علبة بن زيد بن حارثة رجلًا من أصحاب النبي عيّةٍ ،
فلمَّا حضَّ على الصدقة ، جاء كل رجلٍ منهم بطاقته وما عنده ، فقال علبةُ
ابن زيد : اللهم إنه ليس عندي ما أتصدَّق به ، اللهم إني أتصدَّق بعِرْضِي
على من ناله من خَلْقك. فأمر رسولُ الله عَ لّه مناديًّا فنادى: أين المتصدِّق
بعرضه البارحة؟ فقام عُلبة، فقال: ((قد قُبِلَتْ صَدَقَتُك)). وعند ابن القيم
في زاد المعاد: (( أَبْشِر، فوالذي نفس محمدٍ بيده، لقد كُتبتْ في الزّكاة
المُتَقَبَّلة)) . وفي هذا الجود من سلامة الصدر، وراحة القلب، والتَّخلُّص
من مُعاداةِ الخَلْق ما فيه .
https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثاني
٦٣٢
الثامنة : الجُود بالصَّبر ، والاحتمال ، والإِغضاء :
هذه مرتبة شريفة من مراتبه . وهي أنفع لصاحبها من الجود بالمال
وأَعَّ له وأَنْصَر ، وأَمْلَك لنفسه ، وأشرف لها . ولا يقدر عليها إلا النفوس
الكبار، كما قال عَ ◌ّه: ((من كظم غيظًا، وهو قَادِرٌ على أن يُنفذه، دعاه الله
على رؤوس الخلائق حتى يُخيِّره من الحور العين، يُزوّجه منها ما شاء))(١).
. وكما جاء في حديث ابن عمر عند الطبراني: (( ... ومن كظم غيظًا،
ولو شاء أن يُمضيه أمضاه، ملأ الله قلبه رجاءَ يوم القيامة))(٢).
فمن صَعُبَ عليه الجود بماله ، فعليه بهذا الجود ، فإنه يجتني ثمرة عواقبه
الحميدة في الدنيا قبل الآخرة . وهذا جود الفتوّة. قال تعالى: ﴿ والجروح
قِصاص فمن تصدَّق به فهو كفّارةٌ له ﴾ [ المائدة : ٤٥]. وفي هذا الجود :
وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحبُّ
الظالمين ﴾ [ الشورى : ٤٠ ].
التاسعة : الجود بالخُلق والبِشْر والبَسْطَة :
وهو فوق الجود بالصبر ، والاحتمال والعفو . وهو الذي بلغ بصاحبه
درجة الصائم القائم، وهو أثقل ما يوضع في الميزان. قال النبي عمرو بيٍ: ((لا
تحقرنَّ من المعروف شيئًا، ولو أن تَلْقَى أخاك ووجهُك مُنْبَسِط إليه)) . وفي
هذا الجود من المنافع والمسارّ ، وأنواع المصالح ، ما فيه ، والعبد يمكنه أن
(١) حسن. رواه أصحاب السنن الأربعة، وأحمد ، وأبو نعيم في الحلية ، وحسّنه
الألباني في صحيح الجامع رقم ( ٩٣٩٤ ) .
(٢) حسن . جزء من حديث رواه ابن أبي الدنيا في قضاء الحوائج، والطبراني في الكبير
وحسنه الألباني في الصحيحة رقم ( ٩٠٣ ) وصحيح الجامع رقم ( ١٧٤ ) .
https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد

https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثاني
٦٣٣
يَسَعَهم بِخلُقْه واحتماله .
العاشرة : الجود بتركِهِ ما في أيدي الناس عليهم :
فلا يلتفت إليه ولا يستشرِف له بقلبه ، ولا يتعرَّض له بحاله ،
ولا لسانه. وهذا الذي قال عبد الله بن المبارك فيه: ((سخاء النفس عمّا
في أيدي الناس أفضل من سخاء النفس بالبَذْل )) فلسان حال القدر يقول
للفقير الجواد : وإن لم أُعطك ما تجود به على الناس ، فُجُد عليهم بزُهدك
في أموالهم وما في أيديهم ، تُفضِل عليهم ، وتُزاحمهم في الجود ، وتنفرد عنهم
بالراحة . ولكلٍّ مرتبةٍ من مراتب الجود ، مزيد وتأثير خاصّ في القلب والحال .
والله سبحانه قد ضَمِن المزيد للجواد، والإِتلاف للمُمْسِك. والله المستعان)) (١).
(١) مدارج السالكين بتصرف ٢ / ٢٩٣ - ٢٩٦ .
https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الثاني
٦٣٤
الإِيثَار
قال تعالى : ﴿ ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خَصَاصَةٌ ومن
يُوق شُحَّ نَفْسِهِ فأولئك هم المفلحون ﴾ [الحشر: ١٦ ] .
أعلى مراتب الجود والإِحسان الإِيثار ... بأبي وأمي صفة كأنَّما أُنزلت
في دار الدنيا من أجل الأنصار ، فلهم فيها القدح المعلّى وقَصَب السَّبق .
وتأمّل سِرّ التقدير ، حيث قدَّر الحكيم الخبير - سبحانه - استئثار
الناس على الأنصار بالدنيا - وهم أهْلُ الإِيثار - ليجازيهم على إيثارِهم إخوانَهم -
في الدنيا - على نفوسهم ، بالمنازل العالية في جنات عدن على الناس ، فتظهر
حينئذٍ فضيلة إيثارهم ودرجته ، ويغبطهم من استأثر عليهم بالدنيا أعظم
غِبْطة . وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ، والله ذو الفضل العظيم .
فإذا رأيت الناس يستأثرون عليك - مع كونك من أهل الإِيثار -
فاعلم أنه لخير يُراد بك . والله سبحانه وتعالى أعلم .
قال ابن القيم في مدارج السالكين ( ٢ / ٢٩٧ - ٢٩٨ ) : قال :
((وهو على ثلاث درجات :
الدرجة الأولى : أن تُؤثر الخلْق على نفسك فيما لا يَخْرِم عليك دينًا ،
ولا يقطع عليك طريقًا، ولا يُفسد عليك وقتًا )).
يعني : أن تقدّمهم على نفسك في مصالحهم ، مثل أن تطعمهم
وتجوع ، وتكسوهم وتَعْرَى ، وتسقيهم وتَظْماً ، بحيث لا يؤدِّي ذلك إلى
ارتكاب إتلاف لا يجوز في الدين . ومثل أن تؤثرهم بمالك وَتَقْعُدَ كَلَّا
مضطًّا ، مستشرِفًا للناس أو سائلًا، وكذلك إيثارهم بكل ما يحرمه على
المؤثر دينه ، فإنه سَفَه وَعَجْزِ ، يُذمّ المؤثر به عند الله وعند الناس .
تبعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

https://arabessam.blogspot.com/
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في غلوّ الهمة - المجلد الثاني
٦٣٥
وأما قوله: (( ولا يقطع عليك طريقًا )) . أي لا يقطع عليك طريق
الطَّلب والمسير إلى الله تعالى، مثل أن تؤثر جليسك على ذِكْرِك وتوجّهِك
وجمعيّتك على الله ، فتكون قد آثرته على الله ، وآثرت بنصيبك من الله
ما لا يستحقّ الإِيثار . فيكون مَثَلك كمثل مسافر سائر على الطريق ، لَقِيَه
رجلٌ فاستوقفه ، وأخذ يحدّثه ويُلهيه حتى فاته الرِّفاق . وهذا حال أكثر
الخلق مع الصادق السائر إلى الله تعالى ، فإيثارهم عليه عين الغبْن . وما
أكثر المؤثِرِين على الله تعالى غيره ، وما أقلّ المؤثرين الله على غيره .
وكذلك الإِيثار بما يُفسد على المؤثر وقته قبيح أيضًا، مثل أن يؤثر
بوقته ويفرّق قلبه في طَلَب خلفه ، أو يؤثر بأمرٍ قد جمع قلبه وهمّه
على الله ، فيفرّق قلبه عليه بعد جمعيته ، ويشتّت خاطره ، فهذا أيضًا إيثار
غير محمود .
وكذلك الإِيثار باشتغال القلب والفِكر في مهماتهم ومصالحهم -
التي لا تتعيّن عليك - على الفكر النافع ، واشتغال القلب بالله ، ونظائر
ذلك لا تخفى . بل ذلك حال الخلّق ، والغالب عليهم .
وكل سببٍ يعود عليك بصلاح قلبك ووقتك وحالك مع الله : فلا تُؤْثِر
به أحدًا ، فإن آثرتَ به ، فإنما تُؤْثِر الشيطان على الله ، وأنت لا تعلم .
وتأمَّل أحوال أكثر الخَلْق في إيثارهم على الله مَنْ يَضُرّهم إيثارُهم
له ولا ينفعهم . وأيّ جهالة وسفهٍ فوق هذا ؟!
ومن هذا تكلّم الفقهاء في الإِيثار بالقُرَب ، وقالوا : إنه مكروه أو
حرام ؛ كمن يؤثِر بالصَّفِّ الأول غَيْرَهُ ويتأخّر هو ، أو يؤثره بقُربه من الإِمام
يوم الجمعة ، أو يؤثر غيره بالأذان والإِقامة ، أو يؤثِرِه بِعِلْمٍ يحرِمُه نَّفْسَه ،
تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلَوَ الهمة - المجلد الثاني
٦٣٦
ويرفعه عليه ، فيفوز به دونه .
وتكلَّموا في إيثار عائشة - رضي الله عنها - لعمر بن الخطاب -
رضي الله عنه - بدَفْنِه عند رسول الله عَ لّم في حجرتها . وأجابوا عنه بأن
الميت ينقطع عملُه بموته وبقُربه ، فلا يتصوّر في حقّه الإِيثار بالقرب بعد
الموت ، إذ لا تقُّب في حق الميت ، وإنما هذا إيثار بمسكنٍ شريفٍ فاضلٍ
لمن هو أَوْلَى به منها . فالإِيثار به قُربةٌ إلى الله عز وجل للمُؤثِر . والله أعلم .
قال: ((ولا يُستطاع إلا بثلاثة أشياء: بتعظيم الحقوق، وَمَقْت
الشُّحّ ، والرَّغْبة في مكارم الأخلاق )).
ذكر ما يُعين على ((الإِيثار)) فيبعث عليه، وهو ثلاثة أشياء:
تعظيم الحقوق ؛ فإن من عظمت الحقوق عنده ، قام بواجبها ،
ورعاها حق رعايتها ، واستعظم إضاعتها ، وعلم أنه إن لم يبلغ درجة
الإِيثار ، لم يؤدّها كما ينبغي ، فيجعل إيثاره احتياطًا لأدائها .
الثاني : مَقْت الشُّحّ؛ فإنه إذا مَقَتَه وأبغضَهُ ، التزم الإِيثار ، فإنه يرى
أنه لا خَلَاصَ له من هذا المقت البغيض إلا بالإِيثار .
الثالث : الرغبة في مكارم الأخلاق ، وبِحَسَب رغبته فيها يكون
إيثاره ؛ لأن الإِيثار أفضل درجات مكارم الأخلاق .
((الدرجة الثانية : إيثار رضا الله على رضا غيره ، وإن عَظُمت فيه
المحن ، وتُقُلت فيه المُوَّن ، وضعف عنه الطَّوْل والبدن )).
قال ابن القيم : إيثار رضا الله على غيره : هو أن يريد ويفعل ما فيه
مرضاته ، ولو أغضب الخلق . وهي درجة الأنبياء ، وأعلاها للرسل عليهم
صّلالله
صلوات الله وسلامه ، وأعلاها لأولي العزم منهم، وأعلاها لنبيِّنَا عَّة
https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد

https://arabessam.blogspot.com/
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الثاني
٦٣٧
وعليهم ؛ فإنه قاوم العالم كله ، وتجرّد للدعوة إلى الله ، واحتمل عداوة
البعيد والقريب في الله تعالى ، وآثر رضا الله على رضا الخلق من كل وجهٍ ،
ولم يأخذه في إيثار رضاه لومة لائم ، بل كان هَمُّه وعَزْمه وَسَعْيه كلّه
مقصورًا على إيثار مرضاة الله ، وتبليغ رسالاته ، وإعلاء كلماته ، وجهاد
أعدائه ، حتى ظَهَر دين الله على كل دينٍ ، وقامت حجَّتُه على العالمين ،
وتمَّت نعمته على المؤمنين، فبلَّغ الرسالة ، وأدَّى الأمانة، ونَصَحَ الأُمَّة ،
· وجاهد في الله حقَّ جهاده ، وعبد الله حتى أتاه اليقين من ربه . فلم ينل
أحدٌ من درجة هذا الإِيثار ما نال صلوات الله وسلامه عليه .
وأما قوله : ((وإن عَظُمتْ فيه المحن ، وثَقُلتْ فيه المؤن)).
فإن المحنة تعظم فيه أولًا ، ليتأخّر من ليس من أهله ، فإذا احتملها
وتقدَّم انقلبت تلك المحن مِنَخًا ، وصارت تلك المؤن عَوْنًا . وهذا معروف
بالتَّجرِبة الخاصّة والعامة ؛ فإنه ما آثر عبدٌ مرضاة الله عز وجل على مرضاة
الخلق ، وتحمّل ثقل ذلك ومُؤْنَتَه ، وصبر على محنته ، إلا أنشأ الله من
تلك المحنة والمؤنة : نعمةً ومسرَّةً ومعونةً، بِقَدْر ما تحمَّل من مرضاته ،
فانقلبتْ مخاوفُهُ أمانًا ، ومظانُّ عَطَبِه نجاةً ، وتعبُهُ راحةً ، ومؤنتُهُ معونةً ،
وبليَّتُهُ نعمةً، ومحنتُهُ مِنحةً، وسخطُهُ رضًا. فيا خيبةَ المتخلِّفين ، ويا ذِلَّة
المتهِّين !
هذا، وقد جرت سُنَّة الله - التي لا تبديل لها - أن مَنْ آثَرَ مرضاة
الخلْق على مرضاته ، أن يسخطَ عليه مَنْ آثر رضاه ، ويخذُله مِن جهته ،
ويجعل محنتَهُ على يديه ، فيعود حامدُهُ ذامًّا، ومَن آثر مرضاته ساخطًا ،
فلا على مقصوده منهم حَصَل ، ولا إلى ثواب مرضاة رَبِّه وَصَل ، وهذا
أعجز الخلْق وأحمقُهم .
https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
٦٣٨
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثاني
هذا مع أن رضا الخلْق : لا مقدور ، ولا مأمور ، ولا مأثور . فهو
مستحيلٌ، بل لا بدَّ من سخطهم عليك ، فَلأَنْ يسخطوا عليك وتفوز
برضا الله عنك ، أحبُّ إليك وأَنْفَعُ لك من أن يَسْخوا عليك واللهُ عنك
غير راضٍ . فإذا كان سخطهم لا بدَّ منه - على التقديريْن - فَآئِرْ سخطَهم
الذي يُنال به رِضَا الله ، فإنْ هم رضوا عنك بعد هذا ، وإلَّا فَأَهْوَن شيءٍ
رضا مَنْ لا ينفعك رضاه ، ولا يضرُّك سخطُه في دينك ، ولا في إيمانك ،
ولا في آخرتك . فإن ضَرَّك في أمرٍ يسيرٍ في الدنيا ، فمضرّةُ سخطِ اللهِ
أَعْظَمُ وأعظمُ . وخاصّة العقل : احتمال أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما ،
وتفويت أدنى المصلحتيْن لتحصيل أعلاهما . فوازِنْ بعقلك، ثم انظر أَّ
الأمريْن خيرٌ فآثره ، وأيهما شُّ فابْعُدْ عنه ، فهذا برهان قطعّ ضروري
في إيثار رِضَا الله على رِضَا الخلْق .
هذا مع أنه إذا آثر رِضَا الله ، كفاه اللهُ مؤنةَ غضب الخلق ، وإذا
آثر رضاهم ، لم يكفوه مؤنةً غضب الله عليه .
قال بعض السَّلف : لَمُصَانَعَةُ وجهٍ واحد أيسرُ عليك من مصانعة
وجوه كثيرةٍ ؛ إنك إذا صانعت ذلك الوجه الواحد كفاك الوجوه كلها .
وقال الشافعي رضي الله عنه : رضا الناس غايةٌ لا تدرك ، فعليك
بما فيه صلاح نفسك فالزمه .
ومعلوم : أنه لا صلاحَ للنفس إلَّا بإيثارٍ رضا ربها ومولاها على
غيره . ولقد أحسن أبو فراس في هذا المعنى ، إلا أنه أساء كل الإِساءة
في قوله ؛ إذ يقوله لمخلوق لا يملك له ولا لنفسه نفعًا ولا ضَّا:
وَلَيْتَكَ ترضى والأنام غِضَابُ
فليتكَ تَحْلُو والحياة مَريرة
وبيني وبين العَالِمِينَ خَرَابُ
وليتَ الذي بيني وبينك عامٌ
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://web lessam.blogspot.com/

https://arabessam.blogspot.com/
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الثاني
٦٣٩
إذا صَحَّ منك الوُدُّ فالكل هَيِّن وكلُّ الذي فوق الترابِ تُرابُ
ثم ذكر الشيخ - رحمه الله - ما يُستطاع به هذا الإِيثار العظيم
الشأن فقال: ((ويستطاع هذا بثلاثة أشياء : بطيب العود ، وحُسْن الإِسلام ،
وقوة الصبر)) .
من المعلوم : أن المؤثر لرضا الله مُتصدٍّ لمعاداةِ الخلق وأذاهم ،
وسعيهم في إتلافه ولا بد . هذه سنة الله في خلقه ، وإلا فما ذنب الأنبياء
والرسل ، والذين يأمرون بالقسط من الناس ، والقائمين بدين الله ، الذَّابِينَ
عن كتابه وسنة رسوله عندهم ؟
فمن آثر رضا الله فلا بد أن يُعادِيه رُذَالةُ العالم وسَقَطُهم، وغَرْثَاهم (١)
وجُهَّالهم ، وأهلُ البدع والفجور منهم ، وأهلُ الرِّيَاسات الباطلة، وكلُّ من
يخالف هَدْيُه هَدْيَه . فما يُقْدم على معاداة هؤلاء إلا طالبُ الرجوع إلى الله ،
عامل على سماع خطاب : ﴿يأَيَّتُها النَّفْسُ المطمئنة ارجعي إلى رَبِّك
راضيةً مَرْضِيةً﴾ [ الفجر : ٢٧ - ٢٨] ومَنْ إسْلَامه صُلبٌ كامل لا تُرَعْزعه
الرجال ، ولا تُقَلْقله الجبال ، ومَنْ عَقْد عزيمةِ صَبْره مُحْكَمٌ لا تَحُلُّه المحن
والشدائد والمخاوف .
قلت : ومَلاكُ ذلك أمران : الزهد في الحياة والثناء . فما ضَعُفَ من
ضعف، وتَأَخَّر من تأخر إلا بحبه للحياة والبقاء ، وثناء الناس عليه ، ونفرته
من ذَمِّهم له . فإذا زهد في هذين الشيئين ، تأخّرت عنه العوارضُ كلها ،
وانغمس حينئذٍ في العساكر .
ومَلاكُ هذين الشيئين بشيئين : صحة اليقين ، وقوة المحبة .
(١) جوعاهم .
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثاني
٦٤٠
ومَلاكُ هذين بشيئين أيضًا: بصدق اللُّجْأ والطَّلب، والتَّصدي للأسباب
الموصلة إليهما .
فإلى هاهنا تنتهي معرفة الخَلْق وقدرتهم . والتوفيق بعدُ بِيَدِ مَنْ أَزِمَّةُ
الأمور كلها بيده ﴿ وما تشاءُون إلّا أنْ يشاءَ الله إنَّ الله كان عليمًا حكيمًا
يُدْخِلِ مَنْ يشاءُ في رحمته والظَّالمين أَعَدَّ لهم عذابًا أليمًا ﴾ [الإنسان: ٣٠ - ٣١].
قال: ((الدَّرجة الثالثة: إيثارُ إيثارِ الله . فإن الخوض في الإِيثار
دعوى في المِلْك . ثم تَرْك شهودٍ رؤيتك إيثار الله. ثم غيبتك عن الترك)).
يعني بإيثار إيثار الله : أن تَنْسب إيثارَك إلى الله دون نفسك ، وأنه
هو الذي تفرد بالإِيثار ، لا أنت . فكأنَّك سَلَّمت الإِيثار إليه . فإذا آثرتَ
غيرك بشيءٍ فإن الذي آثره هو الحق ، لا أنت . فهو المُؤثر حقيقةً ؛ إذْ
هو المعطي حقيقة .
ثم بَيَّنَ الشيخ السببَ الذي يصحُّ به نسبة الإِيثار إلى الله ، وترك نسبته
إلى نفسك، فقال: ((فإن الخوض في الإِيثار: دعوى في الملك)).
فإذا ادَّعى العبد : أنه مُؤثر فقد ادَّعى مِلْك ما آثر به غيره . والملك
في الحقيقة : إنما هو الله الذي له كل شيءٍ . فإذا خرج العبد عن دعوى
الملك فقد آثر إيثار الله - وهو إعطاؤه - على إيثار نفسه ، وشهد أن الله
وحده هو المؤثر بملكه . وأما من لا ملك له : فأي إيثار له ؟
وقوله : (( ثم تركُ شهود رؤيتك إيثار الله)).
يعني أنك إذا آثرتَ إيثار الله بتسليمك معنى الإِيثار إليه ؛ بقيتْ عليك
من نفسك بقية أخرى لا بدَّ من الخروج عنها ، وهي أن تُعْرِض عن شهودك
رؤيتك أنك آثرت الحق بإيثارك ، وأنك نسبتَ الإِيثار إليه لا إليك. فإن
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/