Indexed OCR Text
Pages 561-580
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثاني ٥٦١ وعن أصبغ بن زيد : كان أويس إذا أمسى تصدّق بما في بيته من الفضل من الطعام والشراب ، ثم قال : اللهم من مات جوعًا فلا تُؤاخذني به ، ومن مات ◌ُريًا فلا تؤاخذني به(١). وكان يقول في دعائه: (( اللهم إني أعتذر إليك اليوم من كل كبدٍ جائعةٍ وبَدَنٍ عاٍ ، فإنه ليس في بيتي من الطعام إلّا ما في بطني ، وليس لي شيء من الدنيا إلّا ما على ظهري)). ولم يكن على ظهره حينذاك إلَّا خرقة. إيه يا سيّد التابعين .. هذا والله الكرم .. وتعجز الكلمات عن أن توفيك قدرك . قال رسول الله عَ له: ((أَفْضَلُ الصدقة جهد المُقِلِّ، وابدأ بمن تعُول))(٢). زين العابدين علي بن الحسين رحمه الله : عن عمرو بن دينار قال : دخل علّ بن الحسين على محمدِ بنِ أسامة ابن زيد في مرضه فجعل يبكي ، فقال : ما شأنك ؟ قال : علَّ دَيْن ، قال : كم هو ؟ قال : خمسة عشر أو بضعة عشر ألف دينار . قال : فهي علّ . وروى أبو نُعيم عن زين العابدين أنه أعتق غلامًا له أعطاه فيه عبد الله ابن جعفر عشرة آلاف درهم وألف دينار . وعن سفيان : كان علي بن الحسين يحمل معه جرابًا فيه خبزٌ ، فيتصدّق (١) السير ٤ / ٣٠، والحلية ٢ / ٨٤، ٢ / ٨٧. (٢) صحيح. رواهأبو داود، والحاكم في ((المستدرك)) عن أبي هريرة وصححه ، وصححه الألباني في (( صحيح الجامع)) رقم (١١١٢ ). تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلْوَ الهمة - المجلد الثاني ٥٦٢ به ويقول : إن الصدقة تُطفئ غضب الَّبِّ عز وجل . وكان يقول : ما يسرّني بنصيبي من الذُّلّ حُمْر النَّعم. أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين الباقر : قال الوصّافي : كنت عند أبي جعفر فقال : يُدخل أحدكم يده في كمّ أخيه أو كِيسِهِ ، فيأْخُذ حاجتَهُ ؟ قلنا: لا. قال: ما أنتم بإخوان(١). شِئْشِنَة أَعْرِفُهَا مِنْ أَخْزَم .. هذا كرم بيت النبوة . ويرحم الله من قال من علماء سلفنا : إني لأستحي من الله عز وجل أن أسأله الجنة لأخٍ من إخواني ، أو أقول له : إني أحبك في الله ، ثم أمنعه شيئًا من الدنيا .. لا بل والله الدنيا كلها . موسى الكاظِمُ بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين رحمه الله : كان رحمه الله إذا بَلَغه عن الرجل ما يكره - يعني من الحاجة - بعث إليه بصُّرَّة دنانير ، وكانت صِرارُه ما بين الثلثمائة إلى المائتي دينار فكانت صراره مَثَلًا بالمدينة(٢). فقيه الشام أبو عبد الله مكحول : عن سعيد بن عبد العزيز أن مكحولًا أُعطي مرةً عشرة آلاف دينار ، فكان يُعطي الرجل من أصحابه خمسين دينارًا ثمن الفرس - أي ليغزو ويجاهد بها في سبيل الله - . قال سعيد : وكان مكحول يقول : إذا أعطيتَ . (١) إسناده حسن . رواه الدارقطني في المستجاد ، وأبو نعيم ، وابن أبي الدنيا في الإخوان ، وابن عساكر . (٢) تاريخ الخطيب ١٣ / ٢٧ - ٣٢. تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عَلَوَ الهمة - المجلد الثاني ٥٦٣ ء (١) فاجبر . الحَكَم بن المطّلب بن عبد الله بن حنطب المخزومي : سأل أعرابّي الحكمَ بن المطّلب، فأعطاه مالًا، فبكى الأعرابي ، فقال الحاكم : ما يُبكيك؟ قال : والله إني أُنْفَسُ على الأرض أن تأكُّلَ مثلك إذا مثَّ . وفي العقد الفريد : فقال : ما يُبكيك يا أعرابي ؟ لعلَّك استقللتَ ما أعطيناك ؟ قال : لا والله ، ولكني أبكي لما تأكُل الأرض منك ، ثم أنشأ يقول : أوصاك وهْو يجودُ بِالحَوْباءِ وكأنَّ آدَمَ حينَ حانَ وفاتُهُ وكَفَيتَ آدَمَ عَيْلَةَ الأبناءِ (٢) بَنِيهِ أنْ ترعاهمُ فرعيتَهُم قال العتبي : أخبرني رجل من أهل مَنْبِج ، قال : قدم علينا الحكم ابن حنطب وهو مُملِقٌ فأغنانا . قال له : كيف أغناكم وهو مُملق ؟ قال : علَّمَنا المكارمَ ، فعاد غنيُّنا على فقيرنا . ولما مات الحكمُ رثاه ابنُ هرمةً فقال : سألوا عن الجُودِ والمعروفِ أين هما فقلتُ إنهما ماتا مع الحَكَمِ يومَ الحِفَاظِ إذا لم يُوفَ بِالذِّمَمِ ماتا مع الرجل المُوَفِّي بِذِمَّتِهِ من التَّهَدُّمِ بالمعروفِ والكرمِ ماذا بَمنْبِجَ لو يُنْشَرِ مقابرُها خيثمة بن عبد الرحمن بن أبي سَبْرَة : كان رحمه الله من فقهاء التابعين . (١) المستجاد للدارقطني صـ ٩١ . (٢) مكارم الأخلاق صـ ١٣٧، والعقد الفريد ١ / ٣٠٢ ، والحوباء : النفس . تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في غلوَ الهمة - المجلد الثاني ٥٦٤ وكان رحمه الله يحمل صُرَرًا - وكان موسِرًا - فيجلس في المسجد ، فإذا رأى رجلاً من أصحابه في ثيابه رَثَائَةٌ ، اعترض له فأعطاه (١). أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام رحمه الله : (( عن أبي عمر القرشي المكي قال : خرج قوم من قريش ، يريدون بعض الخلفاء في الشام ، فمرّوا قريبًا من أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث ابن هشام ، فقالوا : لو مِلْنا إلى أبي بكر . فمالوا إليه ، فحبسهم ثم أرسل إليهم بثوبٍ فيه مال تحملُه عدَّة ، وقال : لو كان عندنا أكثر من هذا ، أرسلنا به إليكم . فلمّا رأوْا ذلك قالوا: ما نحتاج إلى الذهاب في وجهنا ، في هذا ما نكتفي به « فارتحلوا ، فلم يُدْنُ منهم أحدٌ مِنْ غلمانه وحَشَمِه يُعينهم على رحلتهم ، فلمّا ودّعوه قالوا : لقد رأينا من برّك وإكرامك وصنيعك ما أَعْجَبَنا، ولكنّا رأينا شيئًا أنكَرناه عند رحلتنا ، لم يدنُ منّا أحدٌ من غلمانك وحشمك فيعيننا على رحلتنا ، حتى تكلّفْنا نحن ذلك . فضحك وقال : إنهم لا يعينون أحدًا على رحلتهم عنا ))(٢). هذا والله الكرم يَسْرِي من السِِّّد إلى خدمه . عمرو بن عُتبة : دخل الفرزدق على عمرو بن عتبة وهو في داره بالزاوية ، فجعل يسلِت العرق عن وجهه وقال : ما كانتِ البصرةُ الحمقاءُ لي وَطَنَا لولا ابنُ عُتبةَ عمْرٌو والرّجاءُ له أو قُلتُ : أودعَ لي مالًا رآه لنا أعطاني المالَ حتى قلتُ : يُودعني (١) أبو نعيم في ((الحلية)) ٤ / ١١٣، وابن سعد ٦ / ٢٠٠. (٢) ((مكارم الأخلاق)) لابن أبي الدنيا صـ ١٤٢. تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثاني ٥٦٥ وكُلَّمَا ازْدَدْتُ شُكرًا زَادَني مِنْنَا فُجُودُهُ مُكسِبٌ شُكرًا ومِنَّتُهُ ولا يُريدُ على معروفه ثَمَنَا(١) يرمي بِهِمَّتِهِ أَقْصَى مسافتِهَا محمد بن سيرين : قال أبو خَلْدة : دخلنا على محمد بن سيرين رحمه الله ؛ أنا وعبدُ الله ابن عون ، فقال : ما أدري ما أُتَحِفُكم ؟ كلٌّ منكم في بيته خبزٌ ولحمٌ ، ولكنْ سأُطْعِمُكُم شيئًا لا أراه في بيوتكم . فجاء بِشُهْدَةٍ ، فكان يقطع بالسِّكّين ويُلقمنا(٢). الحسن البصري : قال رحمه الله : كُنّا نعدُّ البخيل الذي يُقرض أخاه(٣). رحمك الله يا أبا سعيد . قليلٌ منك يكفيني ولكنْ قَلِيلُك لا يُقالُ له قليلُ طلحةُ الجودِ .. طلحةُ النَّدَى .. طلحة بن عبد الله بن عوف : ابنُ أخي عبد الرحمن بن عوف . ((قال ابن عائشة : كان طلحة بن عبد الله بن عوف جوادًا ، وَوَلِي المدينة ، وأنشدني بعضُ قريش فيه : إِنَّ الَّدَى إن ماتَ طلحةُ ماتا يا طَلْحُ أنت أخُو النَّدَى وَعَقِيدُهُ فبحيثُ بِتَّ مِنَ المنازل باتا إِن الفَعَالَ إليكَ أَطْلَقَ رَحْلَهُ قدم الفرزدقُ المدينة وقد مات طلحة ، فقال : يا أهلَ المدينة ، أنتم (١) مكارم الأخلاق صـ ١٣٤. (٢) لباب الآداب صـ ٨٠ - ٨١ . (٣) حسن. رواه البيهقي في ((شعب الإِيمان)). تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثاني ٥٦٦ أذلّ قومٍ في الأرض . قالوا : وما ذاك ؟ قال : غَلَبكم الموتُ على طلحة ))(١). الطَّلحات المعروفون بالكرم : قال الأصمعي : طلحة بن عبيد الله التيمي ، وهو الفيَّاض . وطلحة بن عمر بن عبيد الله بن عمرو ، وهو طلحة الجواد . وطلحة بن عبد الله بن عوف الزهري ، وهو طلحةُ النَّدَى . وطلحة بن الحسن بن علي ، وهو طلحةُ الخير . وطلحة بن خلف الخزاعي ، وهو طلحة الطَّلَحاتِ . سُمِّي بذلك لأنه كان أجْوَدَهم(٢). طَلْحَةُ الطَّلَحاتِ : طلحة بن عبد الله بن خلف الخزاعي : أبو المطرف ، أحد الأجواد المشهورين . وفيه يقول الشاعر : رحم الله أعظُمَا دفنوها بِسِجِسْتَان طَلْحَة الطلحاتِ ((وَهَبَ في عامٍ واحدٍ ألف جاريةٍ ، فكانت كلّ جاريةٍ منهن إذا ولدتْ غلامًا، تسمِّيه طلحة على اسم سيّدها))(٣). (( قدم المغيرة بن حبناء على طلحة الطلحات يطلب صِلَتَه ، فأخرج إليه حَجَرَيْ ياقوت في دُرْج، فقال: أَيّما أحبُّ إليك : عشرة آلاف ، أو هذان الحجران ؟ فقال : ما كنت لأختار الحجارة على الدراهم . فأعطاه (١) لباب الآداب صـ ٩٥ . (٢) تهذيب التهذيب لابن حجر ٥ / ١٧ . (٣) الدر المنضود في ذم البخل ومدح الجود للمناوي صـ ٦٩ . تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ https://arabessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الثاني ٥٦٧ عشرة آلاف درهم ، فقال : إن نفسي قد تتبّعتْ أحَدَ الحجريْن . فدفعهما إليه . فقال المغيرة : بني خَلَفٍ إلَّا رواءَ المواردِ أرى الناس عاضوا ثم غاضُوا ولا أرى وكائن تَرَى من نافعٍ غير عائِدِ (١) إذا نفعوا عادوا لمن ينفعونه خارجة بن زيد بن ثابت المفتي الفقيه : عن صالح بن سنان قال: (( لما قدم سليمانُ بن عبد الملك المدينةَ، أهدى له خارجة بن زيد بن ثابت - رحمه الله - ألف عِرق موز ، وألف قَرْعة عسل أبيض ، وألف شاة ، ومائة أوزّة ، وألف دجاجة ، ومائة جزور ، فقال له سليمان : يا خارجة ، أجحفتَ بنفسك ، وما كنت تصنع بهذا في مثل هذا الموضع؟! فقال: يا أمير المؤمنين، قدمتَ بلد رسول الله عَ ليه ، ونزلت في بني مالك بن النجّار ، فأنتَ ضيفٌ ، وإنما هذا قِّى . قال : يغفر الله لك. هذا أجحفُ ببني مخزوم، وَصَلَكَ الله . قال صالح : فقال سليمان : هذا وأبيكم السُّؤْدُد ! رجلٌ أهدى إلَّي - فسمَّى كلّ ما أهدى له ، حتى أتى على آخره . ثم سأل : ما عليه من الدين ؟ فقال : خمسةٌ وعشرون ألف دينار . قال : اقضوها عنه . وأمَرَ له بعشرة آلاف دينار ، وهلك خارجة في تلك السنة حين صَدَرَ سليمان عن الحج ))(٢). قال المناوي: ((رجع خارجة بن زيد يومًا إلى داره فرأى فتى جالسًا عليها ، فقال : ما أَجْلَسَك هاهنا ؟ قال : خير ، قال : والله لتخبرني . قال : جئت سائلًا أهل هذه الدار ما آكُل ، فخرج إلَّي منها جارية أخذت قلبي وسلبتْ عقلي ، فأنا جالسٌ لعلَّها تخرج ثانيًا فأنظر إليها . قال: أتعرفُها إذا (١) لباب الآداب صـ ٨٩ . (٢) لباب الآداب صـ ١٠٣ - ١٠٤. تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثاني ٥٦٨ رأيتَها ؟ قال : نعم . فدعا بمن في الدار من الجواري ، وجعل يعرضهنّ عليه واحدةً واحدةً حتى مرّت الجارية ، فقال : هذه . قال : قف مكانك . ودخل داره وخرج بالجارية ودفَعَهَا إليه ، وقال : إنما أبطأتُ عليك لأنها لم تكُن لي ، بل كانت لبعض بناتي ، فابتعتُها منها، وقد وهبتُها لك ، وخُذ هذه الآلاف أصْلِحْ بها شأنَك))(١). زيد بن وهب الجُهَنِي التابعي : عن أبي المجالد الجهني : كان زيد بن وهب الجهني إذا خرج عطاؤه ، لم يَدَع أحدًا من كبار أهل ربيعة إلَّا كساه ثوبًا، ويَهَب لِمَنْ كان صغيرًا درهمًا ، فلا والله ما رأيتُ ألفي درهم أعْظَمَ بركةً من ألفيْ درهم زيدِ بنِ وهبٍ . وذلك أن القبيلة يظلّون فَرِحِينَ مِن ثيابٍ وطعامٍ ودراهِمَ : الصغير والكبير (٢). عبد الرحمن بن خالد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان : كان رجلًا فقيهًا فاضلاً موسرًا، كثير الغزو والحجّ ، أعطى حتى بلغت عطاياه قواعد المسجد . قال : فبينا هو يومًا يتغذَّى حيث فرغَ من غدائه ، إذ استأذنَ عليه رجلٌ مكفوف من بني فِهر ، تقوده أُمَةٌ سوداء ، فقال : يا غلام ، طعامك . فأقبل يأكُل معه كأنه لم يأكل شيئًا ، ثم قال: حاجتك ؟ قال : حفظك الله ، شيخ من بني فهر ، لي أربع بنات ، ليس لي ولا لهنّ إلّا الأمة السوداء، فإن خدمَتْني أضرّ ذلك بهنّ؛ وإن خَدَمَتْهُنَّ أضرّ ذلك بي ، ووالله ما أصبحتُ أملك شيئًا، فانظُر في حاجتي ، وَصَلَك اللهُ . فأقبل يعتذر إليه ، ويذكر مسيره وَمَنْ يأتيه من قومه وما يتكلّف ، فقُلنا : (١) الدر المنضود للمناوي صـ ٧٢ . (٢) لباب الآداب صـ ١٠٣ - ١٠٥ . تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ https://arabessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الثاني ٥٦٩ يعطيه خمسة دنانير ، فإن أعطاه عشرة فذلك كثير ! فقال : يا غلام ، أعطه مائة دينار ، وأخْدِمْ كلَّ ابنةٍ له خادِمًا، وأعطِهِ قائدًا، وأجْرٍ عليه من مالنا بالسُّقيا كذا وكذا وسقًا من تَمْر . فلمّا نهض الشيخ قيل له : يرحمك الله ، اعتذرت إليه ، فقلنا : يعطيه خمس دنانير ، فإن زاده أعطاه عشرة دنانير ! فقال : إي والله ، لأن يكون فِعْلي أحْسَن من قولي ، أحبُّ إلّ من أن يكون قولي أحسن من فِعْلي(١). إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله ، أسَدُ قريش : قال إبراهيم بن هرمة : أردتُ البناء على ابني ، وخروجًا إلى باديتي - وكان يخرج إلى العقيق في كلِّ سنةٍ - ومؤنةً للشتاء ، فتفكّرتُ في قريش ، فلم أذكُر إلا إبراهيم بن محمد بن طلحة ، فخرجتُ إليه في مالٍ له بين شرقي المدينة وغربيها ممّا يلي أُحُدًا، يقال له : رحبة، وقد هيَّأْتُ له شِعرًا، فلمّا جئتُه قال لبنيه : قوموا إلى عمِّكم . فقاموا إلّ حتى أنزلوني عن دابّتي فسلَّمتُ عليه ، وجلستُ أتحدّث معه ، ورحّب بي ، وبشَّ إلَّي ، فقلتُ له ، حيث اطمأنّ بي المجلس : أردتُ الباديةَ، وحَضَر الشتاءُ ومؤنتُه، وأردتُ أن أجمع على ابني أَهْلَهُ ، وكانت الأشياء متعدِّرة فتفكّرتُ في قومي ، فلم أذكُر إلا أنت وقد هيَّأْتُ لك ما أُحبُّ أن تسمعه . فقال : بحقي عليك أن لا تسمعني شعرًا ؛ ففي قَرَابِتِك ورَحِمك وواجب حقِّك، ما تُوصل به رحمُك ، وتُقضى به حاجتُك ، فامضٍ إلى باديتك واعذرْني فيما يأتيك مني . قال : فلمّا انصرفتُ ، مضيتُ إلى باديتي بالعقيق ، فإني لجالس بعد أيامٍ إذ نظرتُ إلى شُوَيْهاتٍ تتسايل : يتبع بعضُها بعضًا ، فأعجبني ما رأيت من حُسنها ، فما زالت تتسايل حتى انفرشتْ في الوادي ، وإذا غلامان أسودان فيها ، (١) لباب الآداب صـ ١٠٣ - ١٠٥ . تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثاني ٥٧٠ وإنسان راكب على بغلٍ يحمل بين يديه رِزْمَةً ، حتى جاءني فثنى رِجْلَه ، ثم قال : أرسلني إليك أخوك إبراهيمُ بن محمد بن طلحةٍ ، وهذه ثلثمائة شاة من غنمه ، وهذان راعيان ، وهذه أربعون ثوبًا ، ومائتا دينار ، وهو يسألك أن تعذِره(١). أمير المؤمنين المهدي : قال المهدي : ما توسّل إلّ أحدٌ بوسيلة، ولا تذرَّع بذريعةٍ ، هي أقرب من تذكيره إياي يدًا سلفتْ مني إليه ، أُتبعها أُختَها وأُحْسِن رَبَّها ؛ لأن منْع الأواخر يقطع شُكْر الأوائل(٢). إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس المعروف بالإِمام : قدم إبراهيم بن محمد المدينة ، فأَتَنْهُ عجوزٌ من ولد الحارث بن عبد المطّلب ، فشكت إليه ضنْك المعيشة ، فقال : ما يحضرني لك الكثير ، ولا أرضى لك بالقليل ، وإنّا على ظهر سفرٍ ، اقْبَلي ما حضر ، وتفضّلي بالعُذر ، ثم دعا مولَّى له ، فقال : ادفع إليها ما بقي من نفقتنا ، وخذي هذا البعير والعبد . فقالت : بأبي وأمي ! أجزل الله لك في الآخرة أجرك ، وأعلى في الدنيا كعبك ، ورفع فيها ذكْرك ، وغفر لك يوم الحساب ذنبك . وقدم إبراهيم المدينة ، فأتاه قومه يكلِّمونه في حمالةٍ ، فأجابهم ، فقال له رجل من الأنصار : أنت والله كما قال الأعشى : ترى البخلَ مًُّّا والعطاءَ كأنَّما تَلَذُّ به عذْبًا من الماء باردًا بِذِي الغيل من جفانٍ أصبح حارِدًا وأحْلَمُ من قيسٍ وأَمْضَى من الذي (١) المستجاد صـ ٩٥ - ٩٦ . (٢) المستجاد صـ ٩٧ . تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ https://arabessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثاني ٥٧١ فقال : يا أخا الأنصار ، لسنا نفعل ما ترى من سعةٍ، ولكن وَلَّدُ أبي - أي بني هاشم - لا يُحسنون إلا ما ترى . ثم تمثّل بقول لبيد : وبنو الديّان لا يأتُون لا وعلى ألسُنهم خفَّت نعمْ زيّنتْ أحلامُهم أحسابَهم وكذاك الدِّينُ زَيْنٌ للكرم(١) مُحمَّد بن عبَّاد بن حبيب بن المهلّب : كتب المنصور ابنُ المهْدي إلى محمد بن عبَّاد يشكو دَيْنًا وضيقَ ذات يدٍ وجفوة سلطانه ، فبعث إليه بعشرة آلاف دينار . وكان رحمه الله يقول : منْعُ الموجودِ سوءُ ظنِّ بالمعبودِ . عمارة بن حمزة الهاشمي مولاهم : من أولاد عكرمة مولى ابن عباس رضي الله عنهما ، وكان سخيًّا ، حتى يخبز في بيته ألفا رغيفٍ كل يومٍ لألفي إنسان . عبد الرحمن الكندي : قال محمد بن يونس بن موسى : كنت عند أبي نعيم ، فجاءه ابنه عبد الرحمن يكلِّمه أن يكلم له رجلًا في حاجته ، فقال : يا بني ، لا تَخْلِقْ وجهي ، فقد ذهب الأحرار . فأعاد عليه ، فَبَرَهُ ، ثم أقبل علَّ فقال : يا محمد بن يونس . قلت : لبيك وسعديك . قال : إن الغناء عن الناس بابٌ جَسِيم . ثم قال : لقد جاءني حفصُ بن غياث ومحمد بن بشر معهما رجل ، فقالا : يا أبا نعيم ، قم معنا إلى عبد الرحمن الكندي في حاجةٍ لهذا الرجل . قال أبو نعيم : وكان الكندي كريمًا ما شئت ، فأتيناه ، فقال حفص : یا أبا محمد ، نعرض الحاجة ، وأنت مخيّرٌ في القضاء ، قال : وما هي ؟ قال : (١) ابن عساكر (٢ / ٥٤١ / ق)، والمستجاد صـ ١٠٤ . تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في غُلُوَ الهمة - المجلد الثاني ٥٧٢ إنّ هذا الرجل اشتريتُ منه ضيعةً بمائة ألف ، هي قُوته وقوت عياله ، وقد جئناك طالبين أن تُقِيله ، وتأخذ المائة الألف ! فقال: ليس إلى الإِقالة سبيل ، ولكن يا بُني ، هات عهدة الرجل . فجاء بها ، فأقبل على حفصٍ ، فقال: يا أبا عمرو . وعلى محمد بن بشر، فقال: يا أبا عبد الله . وعلَّي فقال : يا أبا نعيم ، اشهدوا علَّ أنَّ هذه الضيْعة لهذا الرجل بحقوقها ، كما لا حقَّ لي فيها ، ولا دعوى ، ولا طلبة بوجهٍ من الوجوه ، ولا سببٍ من الأسباب ، ورُدَّ يا بني عليه المائة الألفَ وخَراجُها علَّ . قال أبو نعيم: فنحن اليوم في كُسَيْر وعُوَيْرِ (١). ((كُسير وعُوير، وكل غير خير))(٢). مَسْرُوق بن الأجدع التابعي الجليل : قال أبو إسحاق السَّبيعي : زوَّج مسروق بنته بالسائب بن الأقرع على عشرة آلاف ، يجعلها في المجاهدين والمساكين(٣). عامر بن عبد الله بن الزبير ، الإِمام الرباني أبو الحارث : قال أحمد بن حنبل : حدثنا سفيان أن عامر بن عبد الله اشترى نفسه من الله سِتَّ مَرَّاتٍ ، يعني يتصدق كل مرة بدِيَتِهِ(٤). محمد بن كعب القرظي : قال الذهبي : قيل : كان له أملاكٌ بالمدينة ، وحصَّل مالًا مرة ، فقيل (١) المستجاد صـ ١١٩ . (٢) أمثال العسكري ٢ / ١٢٧ . يعنون بالخصلتين المكروهتين والرجلين الرديئين . (٣) السير ٤ / ٦٦ . (٤) السير ٥ / ٢١٩ . تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ https://arabessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد صلاح الأمة في علوّ الهمة - المجلد الثاني ٥٧٣ له : ادَّخر لولدك ، قال : لا، ولكن أدخره لنفسي عند ربِّي، وأُدَّخر ربي لولدي(١). بكر بن عبد الله المزنّ : كان بكر بن عبد الله المزني - رحمه الله تعالى - يطعم الضيفَ ثم يكسوه إذا أراد الانصراف ، ويقول : إنَّ فَضْلَ إجابتِهِ إلى طعامي أعظم مما صنعت أنا معه . حبيب العجمي : انْتَبَه من رقدة الغفلة ، فخرجَ عن جميع مَالِهِ . عبد الله بن أبي ربيعة : كان - رحمه الله تعالى - إذا حَجَمه عبدٌ من عبيده أعتقه ، وإذا كان لغيره اشتراه من مولاه وأعتقه (٢). مُحمَّد بن شِهاب الزُّهْريّ : قال الإِمام مالك : كان ابنُ شهابٍ من أسخى الناس ، فلما أصاب تلك الأموال ، قال له مولى له وهو يعظه : قد رأيت ما مَّ عليك من الضِّيق ، فانظر كيف تكون ، أَمْسِكْ عليك مالك ، قال : إن الكريم لا تحنكه التجارب . قال الشافعي : قال عمي : ونزل ابن شهاب بماءٍ من المياه ، فالتمس سَلَفًّا فلم يجد ، فأمر براحلته فنحرت ، ودعا إليها أهل الماء ، فمرّ به عمُّه ، فدعاه إلى الغداء، فقال : يا ابن أخي ، إنَّ مروءة سنة تذهب بِذُلِّ الوجهِ (١) السير ٥ / ٦٨ . (٢) تنبيه المغتّين للشعراني صـ ٩٠، ٩١ . تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثاني ٥٧٤ ساعة ، قال : يا عم ، انزل فاطْعَمْ ، وإلا فامضِ راشدًا . ونزل مَّة بماء ، فشكا إليه أهل الماء أن لنا ثماني عشرة امرأة عُمرية ؛ أي لهن أعمار ليس لهن خادم ، فاستسلف ابن شهاب ثمانية عشر ألفًا، وأخدم كل واحدةٍ خادمًا بألف . وقال رحمه الله : وجدنا السَّخِّي لا تَنْفَعُه التجارب . وقال الشافعي : مَرَّ رجلٌ تاجر بالزهري وهو بقريته ، والرجل يريد الحج ، فأخذ منه بأربعمائة دينار إلى أن يرجع من حَجِّهِ ، فلم يبرح الزهري حتى فَرَّقه ، فَعَرَف الزهريُّ في وجه التاجر الكراهية ، فلما رجع قَضَاه ، وأمر له بثلاثين دينارًا ينفقها . وقيل للزهري : إنهم يعيبون عليك كثرة الدَّيْن ، قال : وكم دَيْني ؟ قيل : عشرون ألف دينار ، قال : ليس كثيرًا ، وأنا مليء لي خمسةُ أعين ، كل عينٍ منها ثَمَنُ أربعين ألف دينار . وعن عقيل بن خالد أن ابن شهاب كان يَخْرج إلى الأعراب يُفقِّههم ، فجاء أعرابي وقد نَفِدَ ما بيده ، فمدَّ الزهري يده إلى عمامتي ، فأخذها فأعطاه، وقال: يا عقيل، أُعطيك خيرًا منها (١). اللَّيثُ بن سَعْد، إمامُ مصر وفقيهها ومُحدِّثُها ومُخْتشمها ورئيسها وَمَنْ يَفْتخر بوجودِهِ الإِقلیمُ : قال ابن وهب : كتب مالك إلى الليث بن سعد : إني أريد أن أُدخل بنتي على زوجها ، فأحبُّ أن تبعث لي بشيءٍ من عُصْفرٍ ، فبعث إليه بثلاثين (١) سير أعلام النبلاء ٥ / ٣٣٨ - ٣٤١. تبعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ https://arabessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثاني ٥٧٥ حِمْلًا عصفرًا، فباع منه بخمسمائة دينارٍ ، وبقي عنده فضلة (١). قال أبو داود: قال قتيبة : كان الليث يستغلُّ عشرين ألف دينار في كل سنة ، وقال : ما وجبت علَّ زكاة قَطُّ . وأعطى الليثُ ابنَ لهيعة ألفَ دينار ، وأعطى مالكًا ألف دينار ، وأعطى منصور بن عمار ألف دينار ، وجارى تَسْوى ثلاثمائة دينار . قال : وجاءتْ امرأة إلى الليث ، فقالت: يا أبا الحارث، إن ابنًا لي عليلٌ ، واشتهى عسلًا، فقال: يا غلام ، أعطها مِرْطًا من عسلٍ ، والمِرْط : عشرون ومائة رطل . وقال رحمه الله : ما وجبتْ علَّ زكاةٌ مُنْذُ بلغتُ . وقال أبو صالح : سألت امرأةٌ الليثَ مَنَّا من عسلٍ ، فأمر لها بِقٌّ ، وقال : سألت على قدرها ، وأعطيناها على قدر السَّعة علينا . وعن يحيى بن إسحاق قال: جاءت امرأةٌ بسُكُّجةٍ (٢) إلى الليث تطلب عسلًا، فأمر من يحمل معها زِقًّا ، فجعلت تأبى ، وجعل الليث يأبى إلّا أنْ يَحمل معها من عسل ، وقال : نعطيك على قدرنا . وعن الحارث بن مسكين ، قال : اشترى قومٌ من الليث ثمرةً فاسْتَغْلَوْها . فاستقالوه فأقالهم ، ثم دعا بخريطةٍ فيها أكياس ، فأمر لهم بخمسين دينارًا ، فقال له ابنه الحارث في ذلك . فقال : اللهم غفّرًا ، إنهم قد كانوا أمَّلُوا فيها أملًا ، فأحببت أن أُعوّضهم من أملهم هذا . وقال شعيب بن الليث : خرجتُ حَاجًّا مع أبي ، فقدم المدينة ، (١) تاريخ بغداد ١٣ / ٧، ٨، وحلية الأولياء ٧ / ٣١٩، والسير ٨ /١٤٨. (٢) إناءٌ صغير يؤكل فيه الشيء القليل من الأُدْم ، وهي فارسية . تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثاني ٥٧٦ فبعث إليه مالك بن أنس بطبقٍ رطبٍ ، قال : فجعل على الطبق ألف دينار ، وردّه إليه . وقال عبد الله بن صالح : صحبتُ الليث عشرين سنة ، لا يتغدَّى ولا يتعشَّى إلا مع الناس . وكان له كل يوم أربعة مجالس ، منها مجلس لحوائج الناس ، لا يسأله أحد فيردّه ، كَبُرتْ حاجته أو صَغُرت ، وكان يُطْعم الناسَ في الشِّتَاءِ الهَرَائسَ بعسل النَّحل وسمن البَقَرِ ، وفي الصيف سويق اللَّوزِ في السُّكر(١). قال قتيبة : قَفَلْنا مع الليث بن سعدٍ من الإِسكندرية ، وكان معه ثلاث سفائن ، سفينةٌ فيها مَطْبخه ، وسفينةٌ فيها عائلته ، وسفينة فيها أضيافه(٢). وقال : ولمَّا احترقتْ كتبُ ابن لهيعة ، بعث إليه الليث من الغد بألف دينارٍ . قال شعيب بن الليث : يستغلُّ أبي في السَّنَةِ ما بين عشرين ألفَ دينارٍ إلى خمسة وعشرين ألفًا، يأتي عليه السَّنَة وعليه دَيْنٌ . قال سعيد الآدم - وكان من سَادَات العُبَّد -: مررتُ بالليث بن سعد فتَنَحْنَحِ لي ، فرجعت إليه ، فقال لي : يا سعيد ، خُذْ هذا القُنْداقَ(٣) فاكتب لي فيه مَنْ يلزم المسجد ممن لا بضاعة له ولا غلَّة . فقلت : جزاك الله خيرًا يا أبا الحارث ، وأخذت منه القنداقَ ، ثم صرت إلى المنزل ، فلما صليتُ أوقدت السِّراج ، وكتبتُ : بسم الله الرحمن الرحيم ، ثم (١) تاريخ بغداد ١٣ / ٩، وفيات الأعيان ٤ / ١٣١. (٢) السير ٨/ ١٥٠. (٣) صحيفة الحِسَاب. https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثاني ٥٧٧ قلت : فلان بن فلان . ثم بدرتني نفسي ، فقلت : فلان بن فلان . قال : فبينا أنا على ذلك إذْ أتاني آتٍ ، فقال : هالله يا سعيد ، تأتي إلى قومٍ عاملوا الله سِرًّا فتكشفهم لآدمي ؟! مات الليث ، ومات شعيب ، أليس مَرْجِعُهُمْ إلى الله الذي عاملوه ؟! فقمتُ ولم أكتب شيئًا ، فلما أصبحتُ أتيت الليث ، فتهلَّل وجهه ، فناولتُه القُنْداق ، فنشره ، فما رأى فيه غير : بسم الله الرحمن الرحيم ، فقال : ما الخبر ؟ فأخبرته بصدقٍ عمّا كانَ ، فصاح صيحةً ، فاجتمع عليه الناس من الحِلَقَ فسألوه فقال : ليس إلا خير ، ثم أقبل علّ فقال : يا سعيد ، تَبَيَّنْتَهَا وحُرِمْتُها ، صَدَقتَ ؛ مات الليث ، أليس مرجعهم إلى الله(١)؟! عن أبي صالح - كاتب الليث - قال : كُنَّا على باب مالك ، فامتنع عن الحديث ، فقلت : ما يُشبه هذا صاحبنا ؟ قال : فسمعها مالك فأدخلنا ، وقال : من صاحبكم ؟ قلت : الليث . قال : تُشبِّهونا برجلٍ كتبتُ إليه في قليل عُصْفٍ ، نَصْبِغ به ثيابَ صِبْياننا ، فأنفذَ منه ما بعنا فَضْلَته بألف دينارٍ (٢). قال أَسَد بن موسى : كان عبد الله بن علي يطلب بني أمية فيقتلهم . قال : فدخلت مصر في هيئةٍ رَتَّةٍ ، فأتيتُ الليث ، فلما فرغت من المجلس ، تبعني خادمٌ له بمائة دينار ، وكان في حُزَّتِي هِمْيان(٣) فيه ألف دينار فأخرجتها ، فقلت : أنا في غنى ، استأذن لي على الشيخ . فاستأذن فدخلت ، وأخبرته بنسبي واعتذرت من الرّدِّ ، فقال: هي صلةٌ . قلت : أكره أن أُعوّد نفسي . قال : ادفعها إلى من ترى من أصحاب الحديث . (١) تهذيب الكمال ١١٥٣، وتاريخ بغداد ١٣ / ١١، ١٢، والسير ٨ / ١٥٣. حلية الأولياء ٧ / ٣١٩، والسير ٨ / ١٥٧. (٢) (٣) هي موضع شَدِّ السَّراويل. تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلَوَ الهمة - المجلد الثاني ٥٧٨ قال قتيبة : كان الليث يتصدق كل يوم على ثلاثمائة مسكين . وقال منصور بن عمار : دخلتُ على الليث خلوة ، فأخرج من تحته كيسًا فيه ألف دينار ، وقال : يا أبا السَّري، لا تُعْلِمْ بها ابني ، فتهون عليه . رحم الله الليث .. لله دَرُّهُ من إمامٍ عالمٍ بالمروءة ، ورأس في الفتوَّة . مُحمَّد بن عُمَر الوَاقِديّ : قال الحسن بن شاذان : قال الواقدي : صَار إلَّي من السُّلطان ستمائة ألف درهم(١)، ما وجبت علَّ فيها الزكاة . قال محمد بن سعد : رآني الواقديّ مغتمًّا فقال لي : لا تغتمّ ، فإن الرزق يأتي من حيث لا تحتسب ؛ أملقتُ مرةً حتى بعت برْذَوني ، فاستبطأ ني يحيى بن خالد(٢) ، فاعتذرت إليه ، فوقف على حالي فأمر لي بخمسمائة دينار ، فصرتُ بها إلى البيت ، فأنا في تصريفها في قضاء الدَّيْن والعيال إذ طرقني رجلٌ من أهل المدينة قد قُطع عليه الطريق ، من وَلَد أبي بكرٍ رضي الله عنه ، فشكا إلَّي حاله ، فدفعت إليه ما فضل ، ولم أشتر بِرذونًا ، فاستبطأ ني يحيى بن خالد، فأخبرته الخبر ، فوجَّه إلى البكري فسأله ، فقال : نعم ، أخذتُ الدنانير منه ، فلما صرتُ بها في البيت جاءني فلان الأنصاري ، فشكا إلَّي حاله ، فدفعتها إليه . فوجّه يحيى إلى الأنصاري يسأله : هل وجَّه البكري إليه المال ؟ فأخبره الخبر ، فتعجّب يحيى بن خالد من الكرم ، ثم أمر لي بألفٍ دينار ، وللبكري بمثلها ، وللأنصاري بمثلها ، ولزوجتي بخمسمائةٍ لغمِّهَا حين (١) يعني في عطاءات متكررة . (٢) البرامكة كانوا من الزنادقة . تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الثاني ٥٧٩ دفعتُ الدنانير إلى البكري . قال الواقدي : وكان لي صديقان ؛ أحدهما هاشمي ، وكنا كَنَفْسٍ واحدة ، فنالتني ضِيقَةٌ شديدة ، وحضر العيد ، فقالت لي امرأتي : أمّا نحن في أنفسنا فنصبر على البؤس والشدة ، وأما صبياننا فقد قطّعوا قلبي رحمة لهم ؛ لأنهم يرون صبيان الجيران قد تزيّنوا في عيدهم ، وأصلحوا ثيابهم ، وهم على هذه الحال من الثياب الرَّثَّة ، فلو احتلتَ بشيءٍ تصرفه في كسوتهم . فكتبتُ إلى صديقي الهاشمي أسأله التوسعة علَّي بما حضره ، فوجَّه إلَّي كيسًا مختومًا ، ذَكَر أنَّ فيه ألفَ درهم ، فما استقر قراري حتى كتب إلَّي الصديق الآخر يشكو مثل شكواي إلى صاحبي ، فوجَّهتُ إليه الكيس بحاله ، وخرجتُ إلى المسجد ، فأقمت في ليلي مُسْتحييًّا من امرأتي ، ثم رجعت ، فلما دخلتُ عليها استحسنتْ ما كان مني ولم تعنِّفْني عليه ، فبينا أنا كذلك ، إذْ وافاني صديقي الهاشمي ومعه الكيس كهيئته ، فقال لي : اصدقني عمَّا فعلته فيما وجهتُ إليك . فعرَّفْته الخبر على جهته . فقال : إنَّك وجهت إلَّي تسألني العونَ ، وما أملك إلا ما بعثت به إليك ، وكتبتُ إلى صديقنا أسأله المواساة ، فوجَّه إلّي كيسي بخاتمي ، قال الواقدي : فتواسينا الألفَ وقسمناها بيننا أثلاثًا ، بعد أن أخرجنا للمرأة مائة درهم ، ونُمِيَ الخبرُ إلى المأمون ، فدعاني ، فشرحتُ له الأمر ، فأمر لنا بسبعة آلاف دينار ؛ لكل واحدٍ منا ألفا دينار ، وللمرأة ألف دينار(١). الإِمام الشافعيُّ : قال أبو ثور : قلّ ما كان يُمسك الشافعيّ الشيءَ من سماحته . (١) مُروج الذهب للمسعودي ٧ / ٧٣ - ٧٥، وترتيب المدارك للقاضي عياض ٢١٢ - ٢١٣. تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلْوَ الهمة - المجلد الثاني ٥٨٠ وقال عمرو بن سواد : كان الشافعي أسخى الناس على الدِّينار والدِّرْهم والطَّعام ، فقال لي الشافعي : أفلستُ من دهري ثلاث إفلاسات ، فكنتُ أبيع قليلي وكثيري ، حتى حُلّ بنتي وزوجتى ، ولم أرهن قطُّ . قال الربيع : أخذ رجلٌ برِكَاب الشَّافعي ، فقال لي : أعطه أربعةً دنانير ، واعْذِرْني عنده(١). قال المزني : كنتُ مع الشافعي يومًا ، فخرجنا الأكوام ، ومَّ بهدفٍ ، فإذا برجلٍ يرمي بقوسٍ عربيّةٍ ، فوقف عليه الشافعي ينظر ، وكان حَسَن الرمي ، فأصاب بأُسْهمٍ ، فقال الشافعي : أحسنتَ ، وبَّك عليه ، ثم قال : أعطه ثلاثة دنانير ، واعْذِرني عنده . وقال الربيع: كان الشافعي مارًّا بالحذَّائين ، فسقط ثوبه ، فوثب غلامٌ ومسحه بكُمِّه وناوله ، فأعطاه سبعة دنانير . قال الربيع : تزوجتُ ، فسألني الشافعي : كم أَصْدَقْتَهَا ؟ قلتُ : ثلاثين دينارًا، عجّلتُ منها ستة ، فأعطاني أربعةً وعشرين دينارًا . وقال الربيع : ناول الشافعي إنسان رُقعةً يقول فيها : إنني بقَّال، رأس مالي درهم ، وقد تزوجتُ فأعنِّي. فقال : يا ربيع ، أعْطِهِ ثلاثين دينارًا واعْذرني عنه . فقلت : أصلحك الله ، إنَّ هذا يكفيه عشرة دراهم . فقال : ويحك ! وما يصنع بثلاثين ؟ أفي كذا ، أم في كذا - يَعُدُّ ما يصنع في جهازه - أعطه . وعن الشافعي قال : خرج هرثمة ، فأقرأني سَلَامَ أمير المؤمنين هارون ، وقال: قد أمر لك بخمسة آلاف دينار ، قال: فَحُمِلَ إليه المال ، (١) مناقب الشافعي للبيهقي ٢ / ٢٢٠ . تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/