Indexed OCR Text

Pages 221-240

https://arabessam.blogspot.com/
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثاني
٢٢١
يسمع منه حرفًا . وأي شيءٍ يشبه المعلى من أبي حنيفة ؟! المعلى صدوق(١).
وانظر إلى كلام أبي زرعة في محمد بن مقاتل إمام أهل الرأي بالريّ :
(( قال أبو زرعة : قال محمد بن مقاتل لَمَّا قدم الري : رأيت أسباب
أبي حنيفة قد ضعفت بالعراق ، فلأنصرنه بغاية النصر . قال أبو زرعة
للبرذعي : فسلط عليه منَّا ما قد علمت ))(٢).
وقال البرذعي في كتابه الضعفاء ص٥٦٩ - ٥٧٠: (( سألته ( يعني
أبا زرعة ) عن نصر بن علّ الجهضمي فقال : اتق الله ذاك زَفّانْ يجتمع بالليل
مع هؤلاء المغبّرين ، يزفن ويرقص معهم. قال : فضربت على ما كتبت عنه )).
والتغبير : هو الغناء بالأشعار الزهدية والضرب على المخادّ مع ذلك
الغناء ، وهذا قال فيه الشافعي : أرى الزنادقة وضعوا هذا التغبير ليصدوا
الناس عن ذكر الله .
وانظر - رحمك الله - إلى هذه الحكاية التي تدل على شدة اتباع
أبي زرعة ، وهي حكايته مع يحيى بن معاذ الرازي ، وكان سليم الاعتقاد
يقصُّ ويعظ ، أثنى عليه الجمع الغفير من العلماء .
قال البرذعي في كتابه الضعفاء ص٥٦٥: ((شهدت أبا زرعة، وأتاه
أبو العباس الهسنجاني ، فكلمه أن يُقيل يحيى بن معاذ . فقال : إنه يقول :
أنا على مذهبك، وأنا رجل نَوَّاحٌ ، أنوح وأنوح . فقال أبو زرعة : إنما النوح
لمن يدخل بيته ، ويغلق بابه ، وينوح على ذنوبه ، فأما من يخرج إلى أصبهان
وفارس ، ويجول في الأمصار في النوح ، فإنا لا نقبل هذا منه . هذا من
فعل المستأكلة ، الذين يطلبون الدراهم والدنانير . ولم يقبله))(٣).
(١) الضعفاء البرذعي ص ٥٧٠ .
(٢) الضعفاء للبرذعي ص ٧٥٥ - ٧٥٦ .
(٣) ورواه ابن الجوزي في كتاب القُصَّاص ص١٢٢.
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثاني
٢٢٢
قال أبو حاتم الرازي :
((علامة أهل البدع : الوقيعة في أهل الأثر . وعلامة الزنادقة :
تسميتهم أهل الأثر حشوية، يريدون إبطال الآثار عن رسول الله عَوية .
وعلامة الجهمية : تسميتهم أهل السنة مشبهةً ونابتةً .
وعلامة القدرية : أن يسموا أهل السنة : مجبرةً .
وعلامة المرجئة : تسميتهم أهل السنة : مخالفة ونقصانية .
وعلامة الرافضة : تسميتهم أهل السنة : ناصبة .
وكل هذا أم عصبات معصبات . ولا يلحق أهل السنة إلا اسمٌ
واحد ، ويستحيل أن تجمعهم هذه الأسماء )).
زَيْنِ الأُمَّة وأمير المؤمنين في الحديث الإِمام البخاري :
قال له مسلم : أشهد أنه ليس في الدنيا مثلك .
أبو عبد الله البخاري إمام أهل خراسان وسيدهم ، كتب إليه أهل
بغداد :
المسلمون بخيرٍ ما بقيتَ لهم وليس بَعْدَك خيرٌ حينَ تُفْتَقدُ
قال عنه الحسين بن محمد السمرقندي : كان لا يشتغل بأمور الناس ،
كل شغله كان في العلم .
كان - رحمه الله - جبلًا في الاتباع ، ومن مثله والناس كلهم محتاجون
لعلمه وحديثه .
يقول رحمه الله : لا أعلم شيئًا يحتاج إليه إلّا وهو في الكتاب والسنة .
فقال له محمد بن أبي حاتم : يمكن معرفة ذلك كله ؟ قال : نعم .
قال محمد بن أبي حاتم: (( كنت بنيسابور ، أجلس في الجامع ،
فذهب عمرو بن زرارة وإسحاق بن راهويه إلى يعقوب بن عبد الله والي
نيسابور ، فأخبروه بمكاني ، فاعتذر إليهم وقال : مذهبنا أنه إذا رفع إلينا
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

https://arabessam.blogspot.com/
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثاني
٢٢٣
غريبٌ لم نعرفه ، حبسناه حتى يظهر لنا أمره . فقال له بعضهم : بلغني
أنه قال لك : لا تُحسن تصلي ، فكيف تجلس ؟ فقال : لو قيل لي شيء
من هذا ، ما كنت أقوم من ذلك المجلس حتى أروي عشرة آلاف حديثٍ
في الصلاة خاصة )» (١).
هذا والله الشرف .
رحم الله البخاري ، فقد كان رأسًا في السنة والأثر ... ومن أراد سبر
غور الإِمام فلينظر إلى صحيح البخاري ، وخلق أفعال العباد .
((قال محمد بن العباس الفربري : أملى يومًا علَّ حديثًا كثيرًا فخاف
ملالي ، فقال : طب نفسًا ، فإن أهل الملاهي في ملاهيهم ، وأهل الصناعات
في صناعاتهم، والتجار في تجاراتهم، وأنت مع النبي عَ له وأصحابه))(٢).
قال البخاري : نظرت في كلام اليهود والنصارى والمجوس ، فما رأيت
أحدًا أضل في كفرهم من الجهمية ، وإني لأستجهل من لا يكفرهم .
الإِمام بَقِّ بن مَخْلَد :
كان بقّ أول من كثر الحديث بالأندلس ونشره ، وهاجم به شيوخ
الأندلس ، فثاروا عليه لأنه كان أعلمهم بالمسائل ومذهب مالك ، وكان بقي
يفتي بالأثر ، فشذ عنهم شذوذًا عظيمًا ، فعقدوا عليه الشهادات وبدعوه ،
ونسبوا إليه الزندقة وأشياء نزهه الله منها. وكان بقي يقول: ((لقد غرست
لهم بالأندلس غرسًا لا يقلع إلا بخروج الدجال)) (٣).
قال الشاطبي في الاعتصام (٣٤٨/٢) في موقف المقلدة من بقي بن
مخلد: ((لقد لقي الإِمام بقي بن مخلد - حين دخل الأندلس آتيًا من
(١) السير ٤١٢/١٢.
(٢) السير ٤٤٥/١٢ .
(٣) السير ٢٩٠/١٣ - ٢٩١.
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثاني
٢٢٤
المشرق - من هذا الصنف الأمَرَّيْن ؛ حتى أصاروه مهجور الفناء ، مُهتَضَم
الجانب ، لأنه من العلم بما لا يد لهم به ، إذ لقي بالمشرق الإِمام أحمد
ابن حنبل ، وأخذ عنه مصنفه ، وتفقه عليه ، ولقي أيضًا غيره ، حتى صنف
((المسند المصنف)) الذي لم يصنف في الإِسلام مثله ، وكان هؤلاء
المقلدة قد صمموا على مذهب مالكٍ بحيث أنكروا ما عداه ، وهذا تحكيم
الرجال على الحق ، والغلو في محبة المذهب)).
فحكّموا الرجال على الشريعة ، ولم يحكموا الشريعة على الرجال .
عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ((اغْدُ عالمًا أو متعلِّمًا، ولا
تغذُ إِمّعَةً فيما بين ذلك)) قال ابن وهب : فسألت سفيان عن الإِمعة فقال :
الإِمعة في الجاهلية الذي يُدعى إلى الطعام ، فيذهب معه غيره ، وهو فيكم
اليوم المُحقب(١) دينه الرجال.
وهم الذين عناهم علّ - رضي الله عنه - حين قال لكميل بن زياد :
(( وهمج رعاع أتباع كلّ ناعِقٍ ، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجئوا إلى رُکنٍ
وثيق ... أَفْ لحامل حقَّ لا بصيرةً له ، ينقدح الشّكُّ في قلبه بأول عارِضٍ
من شبهة ، لا يدري أين الحق ، إن قال أخطأ ، وإن أخطأ لم يدر ، مشغوفٌ
بما لا يدري حقيقته، فهو فتنةٌ لمن فتن به )).
وعن علي رضي الله عنه: إياكم والاستنان بالرجال ، فإن الرجل ليعمل
بعمل أهل الجنة ، ثم ينقلب لعلم الله فيه فيعمل بعمل أهل النار ، فيموت
وهو من أهل النار ، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار ، فينقلب لعلم الله
فيه فيعمل بعمل أهل الجنة ، فيموت وهو من أهل الجنة ، فإن كنتم لا بُدَّ
(١) المحقب: المقلِّد التابع لغيره، من الأحقاب وهو الأرداف وشدّ المتاع وراء ظهر
الراكب .
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الثاني
٢٢٥
فاعلين، فبالأموات لا بالأحياء. وأشار إلى رسول الله عَ لّه وأصحابه
الكرام .
وفي الصحيح عن أبي وائل قال : جلست إلى شيبة في هذا المسجد
قال : جلس إلَّي عمر في مجلسك هذا ، قال : هممتُ أن لا أدَعَ فيها
صفراء ولا بيضاء إلّا قسمتها بين المسلمين . قلت : ما أنت بفاعلٍ . قال :
لم ؟ قلت: لم يفعله صاحباك . قال : هما المَرْءَانِ أهتدي بهما . يعني
النبي عٍَّ وأبا بكرٍ رضي الله عنه .
وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - في حديث عيينة بن حصن ،
حين استُؤْذِن له على عمر ، قال فيه : فلما دخل قال : يا ابن الخطاب !
والله ما تعطينا الجزل ، وما تحكم بيننا بالعدل . فغضب عمر حتى همّ
بأن يقع فيه ، فقال له الحُّ بن قيس : يا أمير المؤمنين ؟ إن الله قال لنبيه
عليه الصلاة والسلام: ﴿ خذ العفو وأمُرْ بالعُرف وأعرض عن الجاهلين ﴾
[ الأعراف: ١٩٩] فوالله ما جاوز عمر حين تلاها عليه ، وكان وقّافًا عند
کتاب الله .
الإِمام القُدْوَة ، شيخُ أهل السُّنَّة والجماعة في عصره : البَرْبَهارِيّ أبو محمد
الحسن بن عليّ بن خلَف :
قال أبو عبد الله الفقيه: ((إذا رأيت البغدادي يحب أبا الحسن بن
بشار ، وأبا محمدٍ البربهاريَّ، فاعلم أنه صاحب سنة))(١).
وقال أبو يعلى: (( شيخ الطائفة في وقته ، ومتقدمها في الإِنكار على
أهل البدع ، والمباينة لهم باليد واللسان )).
وقال ابن الجوزي: ((جمع العلم، والزهد ... وكان شديدًا على أهل
البدع)).
(١) طبقات الحنابلة (٥٨/٢).
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
٢٢٦
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثاني
وقال الذهبي في السير (٩٠/١٥ - ٩٢): ((كان قوّالًا بالحقّ،
داعية إلى الأثر ، لا يخاف في الله لومة لائم)).
وقال في العبر: ((شيخ الحنابلة بالعراق ، قالا ، وحالًا، وحلالًا،
وكان له صيتٌ عظيم وحُرْمةٌ تامَّة )).
وقال ابن كثير: (( العالم الزاهد ، الفقيه الحنبلي ، الواعظ ... وكان
شديدًا على أهل البدع والمعاصي ، وكان كبير القَدْر ، تعظّمه الخاصة
والعامة)) .
لقد كان رحمه الله شديدًا على أهل البدع والأهواء، منابذًا لهم
باليد واللسان ، وكان موقفه منهم يدلّ على الصرامة والشدة ، غيرةً منه على
السنة ، أن يحاول النيل منها كل بِدْعِّ مارِق، فموقفه يعد أنموذجًا رائعًا
لمواقف أهل السنة من أهل البدع والضلال .
قال - رحمه الله - في كتابه القيم ((شرح السنة)): ((اعلموا أن
الإِسلام هو السنة ، والسنة هي الإِسلام، ولا يقوم أحدهما إلّا بالآخر)).
وقال : واعلم - رحمك الله - أن الدين إنما جاء من قبل الله تبارك
وتعالى ، لم يوضع على عقول الرجال وآرائهم ، وعلمه عند الله وعند
رسوله ، فلا تتبع شيئًا بهواك ، فتمرق من الدين فتخرج من الإِسلام ، فإنه
لا حجة لك، فقد بين رسول الله عَ لّه لأُمَّته السنة، وأوضحها لأصحابه،
وهم السواد الأعظم ، والسواد الأعظم : الحق وأهله .
واعلم أن الناس لم يبتدعوا بدعةً قطُّ حتى تركوا من السنة مثلها ،
فاحذر المُحدَثات من الأمور ، فإن كلَّ محدثةٍ بدعةٌ ، وكلّ بدعةٍ ضلالة ،
والضلالة وأهلها في النار .
واحذر صغار المحدثات من الأمور ، فإن صغير البدع يعود حتى
يصير كبيرًا ، وكذلك كل بدعة أُحدِثت في هذه الأمة ، كان أولها صغيرًا
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

https://arabessam.blogspot.com/
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الثاني
٢٢٧
يُشبه الحق ، فاغتر بذلك من دخل فيها ، ثم لم يستطع الخروج منها ،
فعظمت وصارت دينًا يدان بها ، فخالف الصراط المستقيم ؛ فخرج من
الإِسلام .
وقال : انظر - رحمك الله - كل من سمعت كلامه من أهل زمانك
خاصّةً ، فلا تعجلن ، ولا تدخلن في شيءٍ منه حتى تسأل وتنظر : هل
تكلم به أصحاب رسول الله عَ ليه، أو أحدٌ من العلماء ؟ فإن وجدت فيه
أثّرًا عنهم فتمسك به ، ولا تجاوزه لشيءٍ ولا تَخْتَرْ عليه شيئًا فتسقط في
النار .
واعلم أن الخروج من الطريق على وجهين ؛ أمّا أحدهما : فرجلٌ
قد زلّ عن الطريق وهو لا يريد إلا الخير ، فلا يُقتدى بزلته ؛ فإنه هالك .
وآخر عائد الحق ، وخالف من كان قبله من المتقين ، فهو ضالٌّ مضلّ ،
شيطانٌ مريد في هذه الأمة ، حقيقٌ على من يعرفه أن يحذر الناس منه ،
ويبين للناس قصته ، لئلا يقع أحدٌ في بدعته فيهلك .
واعلم - رحمك الله - أنه لا يتم إسلامُ عبدٍ ، حتى يكون مُتَّبِعًا
مُصدِّقًا مسلمًا ، فمن زعم أنه قد بقي شيءٌ من أمر الإِسلام ، لم يكفوناه
أصحاب محمد عَّمه، فقد كذّبهم، وكفى به فُرقةً وطَعْنًا عليهم، وهو
مبتدعٌ ضالّ ، محدِثٌ في الإِسلام ما ليس فيه .
واعلم - رحمك الله - أنه ليس في السنة قياس ، ولا يضرب لها
الأمثال، ولا تتبع فيها الأهواء، وإنما هو التصديق بآثار رسول الله معد له
بلا كيفٍ ، ولا شرحٍ ، لا يقال : لم ؟ وكيف ؟
والكلام والخصومة والجدال والمراء : محدّث ، يقدح الشك في
القلب وإن أصاب صاحبه الحق والسنة .
واعلم - رحمك الله - أن الكلام في الرب تعالى محدثٌ ، وهو
تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

https://arabessam.blogspot.com/
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الثاني
٢٢٨
بدعة ضلالة ، ولا يتكلم في الرب إلا بما وصف به نفسه في القرآن ،
وما بين رسول الله عَ لّه لأصحابه.
وإذا سمعت الرجل يطعن على الآثار ولا يقبلها ، أو ينكر شيئًا من
أخبار رسول الله عَبّةٍ، فاتّهِمه على الإِسلام ؛ فإنه رجلٌ رديء القول
والمذهب، وإنما طعن على رسول الله عَ لّه وأصحابه لأنه إنما عرفنا الله،
وعرفنا رسول الله عَ لَّم، وعرفنا القرآن، وعرفنا الخير والشر، والدنيا
والآخرة ، بالآثار .
واعلم - رحمك الله - أنه ما كانت زندقة قطُّ ولا كفر ، ولا
شك ، ولا بدعة ولا ضلالة ، ولا حيرة في الدين ؛ إلّا من الكلام ، وأهل
الكلام ، والجدل والمراء والخصومة . والعجب كيف يجترىء الرجل على
المراء والخصومة والجدال ، والله تعالى يقول : ﴿ ما يجادل في آيات الله
إلا الذين كفروا ﴾ [غافر: ٤]. فعليك بالتسليم والرضا بالآثار وأهل الآثار ،
والكف والسكوت .
واعلم أنه لم تجىء بدعةٌ قط إلّا من الهمج الرعاع ، أتباع كل ناعقٍ ،
يميلون مع كلّ ريحٍ ، فمن كان هكذا ، فلا دين له ، قال الله تبارك وتعالى :
فما اختلفوا إلّا من بعد ما جاءهم العلم بغيًا بينهم ﴾. [الجاثية: ١٧ ]،
وقال تعالى: ﴿ وما اختلف فيه إلّا الذين أُوتوه من بعد ما جاءتهم البينات
بغيًا بينهم ﴾ [البقرة: ٢١٣]. وهم علماء السوء وأصحاب الطمع والبدع.
واعلم أنه لا يزال الناس في عصابةٍ من أهل الحقّ والسنة ، يهديهم الله
ويهدي بهم غيرهم ، ويحيي بهم السنن ، فهم الذين وصفهم الله تعالى مع
قلتهم عند الاختلاف ﴿ وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم
البينات بغيًا بينهم ﴾ فاستثناهم فقال: ﴿ فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا
فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراطٍ مستقيم ﴾ [ البقرة :
٢١٣]، وقال رسول الله عَ ليه: ((لا تزال عصابةٌ من أمتي ظاهرين على
https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد

https://arabessam.blogspot.com/
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثاني
٢٢٩
الحق ، لا يضرُّهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون )).
واعلم - رحمك الله - أن العلم ليس بكثرة الرواية والكتب ، إنما
العالم من اتبع العلم والسنن ، وإن كان قليل العلم والكتب ، ومن خالف
الكتاب والسنة فهو صاحب بدعةٍ ، وإن كان كثير العلم والكتب .
واعلم - رحمك الله - أنّ من قال في دين الله برأيه وقياسه وتأويله ،
من غير حُجَّةٍ من السنة والجماعة ، فقد قال على الله ما لا يعلم ، ومن
قال على الله ما لا يعلم ، فهو من المتكلفين .
ومن اقتصر على سنة رسول الله عَ ◌ٍّ وما كان عليه أصحابه
والجماعة،فَلَجَ(١) على أهل البدع كلهم ، واستراح بدنه ، وسلم له دينه ،
إن شاء الله .
ومن عَرَف ما ترك أصحاب البدع من السنة ، وما فارقوا فيه ،
فتمسك به ، فهو صاحب سُنّةٍ وصاحب جماعةٍ ، وحقيقٌ أن يُتَّبَع وأن يُعان
وأن يُحفظ، وهو ممّن أوصى به رسول الله عَ ليهِ.
وإياك والنظر في الكلام والجلوس إلى أصحاب الكلام .
وكل علّمِ ادَّعاه العباد من علم الباطن ، لم يوجد في الكتاب وفي
السنة ، فهو بدعة وضلالة ، ولا ينبغي لأحد أن يعمل له ولا يدعو إليه .
وإذا سمعت الرجل يطعن على الآثار ، أو يردّ الآثار ، أو يريد غير
الآثار ، فاتَّهِمه على الإِسلام ولا تشك أنه صاحب هوِّى مبتدع .
وإذا رأيت الرجل جالسًا مع رجلٍ من أهل الأهواء ، فحذِّره وعُرِّفه ،
فإن جلس معه بعدما علم فاتّقه ، فإنه صاحب هوى .
وإذا سمعت الرجل تأتيه بالأثر ، فلا يريده ، ويريد القرآن ، فلا شك
أنه رجل قد احتوى على الزندقة .
(١) أي ظفر وفاز .
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
٢٣٠
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثاني
واعلم أنه من تناول أحدًا من أصحاب محمد عَِّ ، فاعلم أنه إنما
أراد محمدًا عَو ◌ّه وقد آذاه في قبره .
وإذا ظهر لك من إنسانٍ شيءٌ من البدع ، فاحذره ، فإن الذي أخفى
عنك أكثر مما أظهر .
رأى يونس بن عبيد ابنه ، وقد خرج من عند صاحب هَوَّى ، فقال :
يا بني، من أين جئت ؟ قال : من عند فلان. قال : يا بني ، لَأن أراك
خرجت من بيت خُنثى ، أحبّ إلَّي من أن أراك تخرج من بيت فلان
وفلان ، ولأن تلقى الله يا بُنَّي زانيًا فاسقًا سارقًا خائنًا، أحبّ إلَّي من أن
تلقاه بقولِ فلانٍ وفلان .
ألا ترى أن يونس بن عبيدٍ قد علم أن الخنثى لا يضل ابنه عن دينه ،
وأن صاحب البدعة يضله حتى يكفر .
ولا تطلب من عندك حيلةً تردّ بها على أهل البدع ، فإنك أُمرت
بالسكوت عنهم ، ولا تمكنهم من نفسك ، أما علمت أن محمد بن
سيرين - في فضله - لم يجب رجلاً من أهل البدع في مسألةٍ واحدةٍ ،
ولا سمع منه آيةً من كتاب الله عز وجل ، فقيل له ، فقال : أخاف أن
يحرفها ، فيقع في قلبي شيء .
وقال : قال بشر بن الحارث : الإِسلام هو السنة ، والسنة هي
الإِسلام .
وقال الفضيل : إذا رأيت رجلاً من أهل السنة ، فكأنما أرى رجلًا
من أصحاب رسول الله عَ ليه ، وإذا رأيت رجلاً من أهل البدع، فكأنما
أرى رجلًا من المنافقين .
وكان ابن عون يقول عند الموت: ((السُّنَّة السنة، وإياكم والبدع)).
حتى مات .
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

https://arabessam.blogspot.com/
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثاني
٢٣١
وقال أحمد بن حنبل : مات رجل من أصحابي ، فُرُئِي في المنام
فقال: قولوا لأبي عبد الله : عليك بالسنة ، فإنه أول ما سألني الله ، سألني
عن السنة .
وقال أبو العالية : من مات على السنة مستورًا ، فهو صدِّيق .
وقال الفضيل بن عياض : من جلس مع صاحب بدعةٍ في طريق ،
فجُزْ في طريقٍ غيره .
وقال : من عظّم صاحب بدعةٍ ، فقد أعان على هدم الإِسلام ، ومن
تبسّم في وجه مبتدعٍ ، فقد استخفّ بما أنزل الله عز وجل على محمد
◌َّله ، ومن زوّج كريمته من مبتدِعٍ ، فقد قطع رحمها ، ومن تبع جنازة
مبتدِعٍ ، لم يزل في سخط الله حتى يرجع .
وقال فضيل بن عياض : إذا علم الله من الرجل أنه مُبِغضٌ لصاحبٍ
بدعةٍ ، غفر له وإن قلَّ علمُه ، ولا يكون صاحب سُنةٍ يُمالىء صاحبَ بدعةٍ
إلا نفاقًا، ومن أعرض بوجهٍ عن صاحب بدعةٍ ، ملأ الله قلبه إيمانًا ، ومن
انْتَهَرَ صاحب بدعة ، آمنه الله يوم الفزع الأكبر ، ومن أهان صاحب بدعة ،
رفعه الله في الجنة مائة درجةٍ ، فلا تكن صاحب بدعةٍ في الله أبدًا (١).
وقال البربهاري: ((مثل أصحاب البدع مثل العقارب ، يدفنون
رؤوسهم وأبدانهم في التراب ، ويُخرجون أذنابهم ، فإذا تمكّنوا لدغوا،
وكذلك أهل البدع، هم مختفون بين الناس، فإذا تمكنوا بلغوا ما يريدون))(٢).
(١) شرح السنة للبربهاري ، تحقيق: خالد بن قاسم الردادي . طبع مكتبة الغرباء
الأثرية بالمدينة .
(٢) طبقات الحنابلة ٤٤/٢ .
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
٢٣٢
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الثاني
ما فتئ أهل الأهواء والبدع المُعادُون له يُؤْلِّبون السلطان ، ويغيظون قلبه
عليه ، حتى أمر الخليفة القاهر وزيره ابن مقلة في سنة ٣٢١ بالقبض على
البربهاري وأصحابه ، فاستتر البربهاريُ ، وقُبض على جماعةٍ من كبار
أصحابه ، وحملوا إلى البصرة ، وعاقب الله ابن مقلة على فعله هذا ، بأن
أسخط القاهر عليه ، وعزل عن الوزارة ، وطرح في داره النار ، وحُبس
وخلع وسملت عيناه .
ثم تفضل الله وأعاد البربهاريّ إلى حشمته .
وفي سنة ثلاثٍ وعشرين وثلاثمائة ازدادت حشمة البربهاري ،
وعلت كلمته ، وظهر أصحابه ، وانتشروا في الإنكار على المبتدعة ، حتى
إن البربهاري لما اجتاز بالجانب الغربي ، فعطس ، فشمته أصحابه ،
فارتفعت ضجتهم حتى سمعها الخليفة وهو في روشنه ، فسأل عن الحال ،
فأُخبر بها ، فاستهولها . ولم تزل المبتدعة يثقلون قلب الراضي على
البربهاري ، حتى نودي : أن لا يجتمع من أصحاب البربهاري نفسان ،
فاستتر البربهاري رحمه الله .
قال ابن الجوزي في مناقب الإمام أحمد (ص٦١٨ - ٦١٩) عن
البربهاري: ((جمع بين العلم والزهد، وصحب المروذي ، وسهلًا
التستري ، وكان البربهاري شديدًا على أهل البدع ، فما زالوا يثقلون قلب
السلطان عليه ، وكان ينزل بباب محول ، فانتقل إلى الجانب الشرقي ،
واستتر عند أخت توزون(١)، فبقي نحوًا من شهر، ثم أخذه قيام الدَّم ،
فمات ، فقالت المرأة لخادمها : انظر من يغسله . وأغلقت الأبواب حتى لا
يعلم أحدٌ ، فجاء الغاسل فغسله ، ووقف يصلي عليه وحده ، فاطلعت -
(١) أحد القُوّاد الأتراك، خلع عليه المُتَّقي، وجَعَلَه أمير الأمراء . أخباره في الكامل
٣٣٩/٨ .
تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الثاني
٢٣٣
من الروشن - فإذا الدار ممتلئة رجالًا بثيابٍ بيضٍ وخُضرٍ ، فاستدعت
الخادم وقالت : ما الذي فعلت ؟ فقال : يا سيدتي ، رأيت ما رأيت ؟
قالت : نعم . قال : هذه مفاتيح الباب ، وهو مغلق . فقالت : ادفنوه في
بيتي ، وإذا متُّ فادفنوني معه . فدفنوه في دارها ، وماتت بعده فدفنت
هناك .
قال ابن الزاغوني : كشف قبر أبي محمدٍ البربهاريٌّ ؛ وهو صحيحٌ
لم يرم، وظهر من قبره روائح الطيب حتى ملأت مدينة السلام)) (١).
ولا تعجب يا أخي ، فهاك كلام الإِمام أحمد إمام أهل السنة :
(( قبور أهل السنة من الفساق روضة من رياض الجنة ، وقبور أهل
البدع من الزُّهّاد حفرة من حفر النار))(٢) .
فكيف بأئمة أهل السنة ممن لهم القدم العالي في الاتباع ، وحمل الناس
عليه ، كالبربهاري .
شيخُ الإِسلام ابنُ تيمية :
حاملُ راية الدعوة إلى الكتاب والسنة ، وإرجاع الإِسلام إلى منابعه
الصحيحة في القرن السابع الهجري .
نصَر السُّنَّة بأوضح حُجَجٍ وأبهر براهين ، وأُوذِيَ في ذات الله من
المخالفين ، وأُخِيفَ وسجن في نصر السنة المحمدية ، حتى أعلى الله مناره .
قال الحافظ ابن سيد الناس عنه: ((كان يستوعب السنن والآثار
حفظًا )).
وقال ابن الزملكاني عنه: (( ما رأينا في عصرنا هذا من تُستجلى النبوة
(١) مناقب الإِمام أحمد ص٦١٨ - ٦١٩، السير ٩٠/١٥ - ٩٢.
(٢) مناقب الإِمام أحمد ص٢٣٩ .
تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثاني
٢٣٤
المحمدية وسننها من أقواله وأفعاله إلا هذا الرجل ، يشهد القلب الصحيح
أن هذا هو الاتباع حقيقةً )) .
وقال الحافظ المزي: (( ما رأيت أحدًا أعلم بكتاب الله وسنة رسوله ،
ولا أتبع لهما منه)) (١).
دعا شيخ الإِسلام إلى الرجوع إلى الكتاب والسنة في عقائد الدين
وأصوله وفروعه .
قال رحمه الله: (( وليعلم أنه ليس لأحدٍ من الأئمة المقبولين عند الأمة
قبولًا عامًّا، يعتمد مخالفة رسول الله عَ له بشيءٍ من سنته، لا دقيق ولا
جليل؛ فإنهم متفقون اتفاقًا يقينيًّا على وجوب اتباع الرسول عَ ◌ّةٍ، وعلى
أن كلّ أحدٍ من الناس يؤخذ من قوله ويترك، إلا رسول الله عَ اله)).
صَلىالله
وقال: ((وليس لأحدٍ أن يعارض الحديث الصحيح عن النبي
بقول أحدٍ من الناس ، كما قال ابن عباس - رضي الله عنهما - لرجل سأله
عن مسألةٍ ، فأجابه فيها بحديثٍ ، فقال له : قال أبو بكر وعمر ، فقال ابن
عباس : يوشك أن تنزل عليكم حِجَارٌ من السماء ؛ أقول : قال رسول الله
عٍَّ، وتقولون: قال أبو بكر وعمر)).
وقال رحمه الله: (( قد ذم الله في القرآن من عدل عن اتباع الرسل
إلى ما نَشَأْ عليه من دين آبائه ، وهذا هو التقليد الذي حرمه الله ورسوله ،
وهو أن يتبع غير الرسولِ فيما خَالفَ فيه الرسولَ . وهذا حرامٌ باتفاق
المسلمين على كل أحدٍ ؛ فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، والرسول
طاعتُهُ فرض على كل أحدٍ من الخاصة والعامة في كل وقت وكل مكان ،
في سرِّه وعلانيته وفي جميع أحواله )).
(١) الرّدُّ الوافر ص١٢٩ .
https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد

https://arabessam.blogspot.com/
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثاني
٢٣٥
وقال رحمه الله: (( قد أوجب الله طاعة الرسول على جميع الناس
في قريبٍ من الأربعين موضعًا من القرآن ، وطاعته طاعة الله )).
وقال: ((التقليد المحرم بالنص والإجماع ، أن يعارض قول الله
ورسوله بما يخالف ذلك، كائنًا من كان المخالف لذلك )).
وقال: ((إن الله سبحانه لما ذكر حال من يقول على الله بلا علّم.
بل تقليد السلف ، ذكر حال من يكتم ما أنزل الله من البينات والهدى من
بعد ما بينه للناس في الكتاب ، فقال : ﴿ إنّ الذين يكتمون ما أنزل الله
من الكتاب ويشترون به ثمنًا قليلًا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار
ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يُزكيهم ولهم عذابٌ أَليمٌ ﴾ [البقرة: ١٨٤ ]
فهذا حال من كتم علم الرسول ، وذلك حال من عدل عنها إلى خلافها ،
والعادل عنها إلى خلافها يدخل فيه من قلد أحدًا من الأولين والآخرين فيما
يعلم أنه خلاف قول الرسول عَ لّه، سواءً كان صاحبًا أو تابعًا أو أحد
الفقهاء أو غيرهم . ومن ادعى إجماعًا يخالف نصَّ الرسول، من غير نصٍّ يكون
موافقًا لما يدعيه ، واعتقد جواز مخالفة أهل الإِجماع للرسول برأيهم ، وأن
الإجماع ينسخ النص - كما تقوله طائفةٌ من أهل الكلام والرأي - فهذا من
جنس هؤلاء )).
وقال رحمه الله: (( وكثير من الفقهاء المتأخرين ، أو أكثرهم يقولون:
إنهم عاجزون عن تلقي جميع الأحكام الشرعية من جهة الرسول ، فيجعلون
نصوص أئمتهم بمنزلة نص الرسول ، ويقلدونهم . ولا ريب أن كثيرًا من
الناس يحتاج إلى تقليد العلماء في الأمور العارضة التي لا يستقل هو بمعرفتها .
ومن سالكي طريق الإِرادة والعبادة والفقر والتصوف من يجعل شيخه
كذلك ، بل قد يجعله كالمعصوم !! ولا يتلقى سلوكه إلا عنه ، ولا يتلقى
عن الرسول سلوكه ، مع أن تلقي السلوك عن الرسول أسهل من تلقي
تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الثاني
٢٣٦
الفروع المُتنازَع فيها ، فإن السلوك هو الطريق التي أمر الله بها ورسوله
من الاعتقادات والعبادات والأخلاق ، وهذا كله مبين في الكتاب والسنة ؛
فإن هذا بمنزلة الغذاء الذي لا بد للمؤمن منه ، ولهذا جميع الصحابة
يعلمون السلوك بدلالة الكتاب والسنة والتبليغ عن الرسول ، ولا يحتاجون
في ذلك إلى فقهاء الصحابة ... )) إلى أن قال: ((ولكن كثيرًا من أهل
العبادة والزهادة أعرض عن طلب العلم النبوي الذي يعرف به طريق الله
ورسوله ، فاحتاج لذلك إلى تقليد شيخٍ ، وفي السلوك مسائل تنازع فيها
الشيوخ ، لكن يوجد في الكتاب والسنة من النصوص الدالة على الصواب
في ذلك ما يفهمه غالب السالكين ، فمسائل السلوك من جنس مسائل
العقائد ، كلها منصوصة في الكتاب والسنة ؛ وإنما اختلف أهل الكلام لمّا
أعرضوا عن الكتاب والسنة ، فلما دخلوا في البدع وقع الاختلاف ، وهكذا
طريق العبادة، عامَّةُ ما يقع فيه من الاختلاف إنما هو بسبب الإِعراض عن
الطريق المشروع ، فيقعون في البدع ، فيقع فيهم الخلاف ، وهكذا الفقه
إنما وقع فيه الاختلاف لما خفي عليهم بيان صاحب الشرع)).
محاربته للبدع والعقائد المخالفة للكتاب والسنة :
يقول ابن تيمية في الحموية: ((من المحال أن يكون الرسول عَ اللّه قد
علم أمته كل شيءٍ حتى الخراءة، وقال: (( تركتكم على المحجة البيضاء ،
ليلها كنهارها ، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك». وقال فيما صح عنه أيضًا :
(( ما بعث الله من نبي إلا كان حقًّا عليه أن يدلَّ أمته على خير ما يعلمه
لهم ، وينهاهم عن شر ما يعلمه لهم)).
وقال أبو ذرِّ: لقد توفي رسول الله عَ له وما طائر يقلب جناحيه
في السماء إلا ذكر لنا منه علمًا .
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ((قام فينا رسول الله عَ طله
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

https://arabessam.blogspot.com/
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثاني
٢٣٧
مَقَامًا ، فذكر بدء الخلق ، حتى دخل أهل الجنة منازلهم ، وأهل النار
منازلهم ، حفظ ذلك من حفظه ، ونسيه من نسيه )) رواه البخاري .
مُحالٌ مع هذا ، ومع تعليمهم كل شيءٍ لهم فيه منفعةً في الدين ،
وإن دق - أن يترك تعليمهم ما يقولونه بألسنتهم ، ويعتقدونه بقلوبهم في
ربهم ومعبودهم، رب العالمين)).
وقال: ((إن هؤلاء المبتدعة الذين يفضلون طريقة الخلف من المتفلسفة-
ومن حذا حذوهم - على طريق السلف ، إنما أتوا من حيث إن طريقة السلف
هي مجرد الإِيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقٍ لذلك ، بمنزلة الأميين
الذين قال الله فيهم: ﴿ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني﴾)) (١).
. يقول أبو حفص البزار تلميذ شيخ الإسلام ابن تيمية عن محاربته
للبدع: (( وأما ما خصه الله تعالى به من معارضة أهل البدع في بدعتهم ،
وأهل الأهواء في أهوائهم ، وما ألفه في ذلك من دحض أقوالهم ، وتزييف
أمثالهم وأشكالهم ، وإظهار عوارهم وانتحالهم ، وتبديد شملهم ، وقطع
أوصالهم ، وأجوبته عن شبههم الشيطانية ، ومعارضتهم النفسانية للشريعة
الحنيفية المحمدية ، بما منحه الله تعالى من البصائر الرحمانية ، والدلائل النقلية
والتوضيحات العقلية ، حتى انكشف قناع الحق ، وبان فيما جمعه في ذلك
وألفه : الكذبُ من الصدق ، حتى لو أن أصحابها أحياء ووفّقوا لغير الشقاء ،
لأذعنوا له بالتصديق ودخلوا في الدين العتيق)).
، وقال ابن فضل الله العمري: (( أخمل من القرناء كل عظم ، وأحمد
من أهل البدع كل حديثٍ وقديم ، ولم يكن فيهم إلا من يجفل عنه إجفال
الظليم ، ويتضاءل لديه تضاؤل الغريم))(٢).
(١) العقود الدرية ص٧٦ .
(٢) الرد الوافر ص ٩٦ .
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
٢٣٨
صلاح الأمة في عُلُوْ الهمة - المجلد الثاني
لقد تصدى ابن تيمية للفرق المنحرفة عن الكتاب والسنة القائمة في
عصره :
فدحض مناهج الفلاسفة والمتكلمين ، وبين أنهم أبعد الناس عن
معرفة الأمور الإلهية .
ورد على الأشاعرة وتأويلهم ، وكان لهم منه أوفر نصيبٍ ، ورد
على القدرية والشيعة، وأفحم النصارى في كتاب (( الجواب الصحيح لمن
بدل دين المسيح )) .
وهاجم ضلال الصوفية والاتحادية وأصحاب وحدة الوجود ... رد
على ابن الفارض وابن عربي والعفيف التلمساني والصدر القونوي وابن
سبعين، وألف ((الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان)).
وتصدى للأحمدية والرفاعية .
وقام شيخ الإسلام بتحدي هؤلاء الصوفية ، الذين يزعمون الدخول
في النيران ، وضربهم أنفسهم بالسيوف والسهام ، وحملهم الحيات والثعابين ،
وغيرها من أنواع المخاريق .
· تحداهم أنه يدخل معهم النار التي يزعمون دخولهم فيها ، وأنها
تحرقهم إن شاء الله ، ولا تحرقه ، شريطة أن يغسلوا أنفسهم أوّلًا بالخلّ ،
وذلك لإِزالة دهن الضفادع الذي يدهنون به أنفسهم حتى لا تؤثر فيهم
النار ، فلما كشف حيلهم وتحداهم ، وكان ذلك بمحضر السلطان ،
تراجعوا من ذلك ، وظهر كذبهم ومخاريقهم .
وقد كان للشيخ استقلاله في أخذ الفقه من الكتاب والسنة .. واختار
ما ترجح بالكتاب والسنة ، وجهر به ، من دون أن يبالي بالذي قال خلافه
من الأئمة السابقين ، فهو تابع للدليل ، يدور معه حيث دار .
يقول تلميذه أبو حفص البزار: ((كان لا يذكر رسول الله عَ ليه إلّا
تبعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

https://arabessam.blogspot.com/
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الثاني
٢٣٩
ويصلي ويسلم، ولا والله ما رأيت أحدًا أشد تعظيمًا لرسول الله عَ ليه،
ولا أحرص على اتباعه ونصر ما جاء به منه ، حتى إذا أورد شيئًا من حديثه
في مسألةٍ ، ويرى أنه لم ينسخه شيءٌ غيره من حديثٍ ، يعمل به ويقضي
بمقتضاه ، ولا يلتفت إلى قول غيره من المخلوقين ، كائنًا من كان . وقالّ
رضي الله عنه: ((كلَّ قائلٍ إنما يحتج لقوله، لا به ، إلا الله ورسوله)) (١).
وقال ابن الوردي: (( له باعٌ طويل في معرفة مذاهب الصحابة
والتابعين ، قل أن يتكلم في مسالةٍ إلّا ويذكر فيها مذاهب الأربعة . وقد
خالف الأربعة في مسائل معروفة ، وصنف فيها واحتج لها بالكتاب والسنة )) .
ثم قال: (( وبقي سنين لا يفتي بمذهبٍ معين ، بل بما قام الدليل عليه عنده .
ولقد نصر السنة المحضة واحتج لها ببراهين ومقدمات وأمور لم يسبق
إليها )) (٢).
وقبل أن نذكر طيب قول الشيخ عماد الدين الواسطي في شيخه شيخ
الإِسلام ابن تيمية ، نذكر ما قاله ابن كثير ، من أن الواسطي كان في أول
الأمر من الفقهاء المتكلمين ، وكان يغلب عليه الجدل والكلام والرأي ، فلما
انتقل من مصر إلى بغداد ، والتقى بأهلها وعلمائها ، وتوسعت مداركه
وحاسب نفسه ، وجدها فارغة من الطمأنينة ، فترك سبيل الفقهاء والمتكلمين ،
واتجه إلى التصوف واقترب من المتصوفة ، فلما رأى ما رأى عندهم من
الغرائب ، تكدر طبعه ، وقرر السفر إلى دمشق ، وحضر مجلس شيخ الإِسلام
ابن تيمية ، وكان الدرس الأول عن المتكلمين والفلاسفة وعن فقدهم طمأنينة
القلب ، وأن مشاهيرهم اعترفوا بهذا ، وشهدوا على أنفسهم بالاضطراب
(١) الأعلام العلية ص٢٩ .
(٢) تاريخ ابن الوردي ٤٠٦/٢، ٤١٣.
https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثاني
٢٤٠
والحيرة اللذين سببهما الكلام والفلاسفة .
يقول الشيخ عماد الدين ما معناه : إن شيخ الإِسلام استمر في
كلامه ، وأوضح أن الدواء الناجع لأمراض القلب ، والسبيل الوحيد لنيل
طُمأنينته ، هو التمسك بما جاء في كتاب الله وسنة رسوله عَةٍ ، فانقشع
الظلام ، وزالت الحيرة ووجدت نور الحقيقة الذي كنت حيران من أجله .
قال : فلما اطلع شيخ الإِسلام على أحوالي ، أوصاني بقراءة السيرة النبوية ؛
فإنها الوصفة الكافية الشافية من جميع أمراض القلوب .
ولقد كتب الشيخ عماد الدين الواسطي في الثناء على ابن تيمية -
ووصى تلامذته به - رسالةً سمَّاها ((التذكرة والاعتبار، والانتصار للأبرار))
وسمى فيها بعض تلامذة ابن تيمية : عمر بن عبد الله بن شقير ، ومحمد
ابن عبد الأحد ، ومحمد بن المنجى ، ومحمد بن محمد بن الصائغ ؛
وغيرهم من اللائذين بحضرة شيخهم وشيخنا السيد الإِمام ، الأُمَّة الهمام ،
محيي السنة ، وقامع البدعة ، ناصر الحديث ، مفتي الفرق ، الفائق عن
الحقائق ، وموصلها بالأصول الشرعية للطالب الذائق ، الجامع بين الظاهر
والباطن ، فهو يقضي بالحق ظاهرًا وقلبه في العلى قاطن ، أنموذج الخلفاء
الراشدين ، والأئمة المهديين ، الذين غابت عن القلوب سيرهم ، ونسيت
الأُمَّة حذوهم وسبلهم ، فذكرهم بها الشيخ ؛ فكان في دارس نهجهم
سالكًا ، ولموات حذوهم محييا . ولأعنة قواعدهم مالكا : الشيخ الإِمام
تقي الدين أبو العباس ، أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية ،
أعاد الله علينا بركته ، ورفع إلى مدارج العُلى درجته ، وأدام توفيق السادة
المبدوّ بذكرهم وتسديدهم ، وأجزل لهم حظهم ، ومزيدهم .
السلام عليكم - معشر الإِخوان - ورحمة الله وبركاته ، جعلنا الله
وإياكم ممن ثبت على قرع نوائب الحق جأشه ، واحتسب لله ما بذله من
٠
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/