Indexed OCR Text

Pages 181-200

تبعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
https://web lessam.blogspot.com/
١٨١
أقوال عطرات نيرات في علو الهمة
عنوان حرمانه))(١).
■ وقال زَّهُ: ((لذّةُ كل أحدٍ على حسب قدره وهمّته وشرف نفسه،
فأشرف الناس نفْسًا وأعلاهم همّةً وأرفعهم قدرًا، مَن لَّتهم في معرفة الله
ومحبته والشوق إلى لقائه، والتودُّد إليه بما يحبه ويرضاه، فلذَّته في إقباله
عليه وعكوف همته عليه ودون ذلك مراتبٌ لا يُحصيها إلّا اللهُ، حتى تنتهي
إلى مَن لَذَّتُهُ في أخسِّ الأشياء من القاذورات والفواحش في كل شيءٍ من
الكلام والفِعال والأشغال، فلوْ عَرَض عليه ما يلتذّ به الأول لم تسمح
نفسهُ بقبوله ولا التفتت إليه، وربما تألَّت من ذلك، كما أنَّ الأول إذا
ءِ
عُرض عليه ما يلتذّ به هذا لم تسمح نفسُه به، ولم تلتفت إليه، ونَفَرَتْ نفسُه
منه))(٢)
.
ويقول: ((ولله الهمم ما أعجب شأنها وأشدَّ تفاوتها، فهمَّةٌ متعلِّقة
بالعرش، وهمّةٌ حائمة حول الأنتان والحش (٣)) (٤).
مستلزمات المطالب العالية :
قال رَمّتهُ: ((المطلبُ الأعلى موقوفٌ حصوله على همّةٍ عالية ونيّةٍ
صحیحة، فمن فقدهما تعذّر علیه الوصول إليه.
فإن الهمّةَ إذا كانت عاليةً تعلَّقت به وحده دونَ غيرِهِ، وإذا كانت النّيَّةُ
(١) ((مدارج السالكين)) لابن القيم الجوزية (١/ ٤٥٧) -طبع أنصار السنة
المحمدية ..
(٢) المصدر السابق (١٧١/٣ - ١٧٢).
(٣) بيت الخلاء.
(٤) ((مدارج السالكين)) (٣/ ١٤٧).
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
:

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
١٨٢
صلاح الأمة في علو الهمة
صحيحةً سلك العبدُ الطريق الموصلة إليه، فالنّة تُفرد له الطَريق، والهمّةُ
تُفرِد له المطلوبَ، فإذا توحَّد مطلوبه والطّريقُ الموصولةُ إليه كان الوصول
غایته.
وإذا كانت همَّتُه سافلةً تعلَّقت بالسُّفليات، ولم تتعلَّق بالمطلب الأعلى،
وإذا كانت النية غير صحيحة كانت طريقُهُ غيرَ موصلةٍ إليه، فمدارُ الشأن
على همّة العبد ونيَّتِهِ، وهما مطلوبُهُ وطريقُهُ، ولا يتمُّ له إلَّا بترك ثلاثة
أشیاء:
الأول: العوائدُ والرُّسوم والأوضاعُ التي أحدثها الناس.
الثاني: هجْر العوائق التي تعوقه عن إِفرادِ مطلوبه وطريقه وقطعِها.
الثالث: قطع علائق القلبِ التي تحولُ بينه وبين تجريد التعلّق
بالمطلوب.
والفرق بينهما أن العوائق هي الحوادث الخارجية، والعلائق هي
التعلّقات القلبية بالمباحات ونحوها .. واصل ذلك: ترك الفضول التي
تشغل عن المقصود من الطعام والشراب والمنام والخُلطة، فيأخذ من ذلك
ما يعينه على طلبه، يرفض منه ما يقطعه عنه أو يُضعف طلبه)) (١).
مَن جعل الهمّهَمّا واحدًا:
■قال ابن القيم وحمّلهُ: ((إذا أصبح العبد وأمسى -وليس همُّه إلَّا الله
وحده - تحمّل الله سبحانه حوائجه كلّها، وحمل عنه كل ما أَهمّه، وفرَّغ قلبَه
لمحبته، ولسانَه لذكره، وجوارحَه لطاعته. وإن أصبح وأمسى -والدنيا
(١) ((الفوائد)).
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٠

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
١٨٣
أقوال عطرات نيرات في علو الهمة
هُمُّه - حَمَّلَه اللهُ همومَها وغمومَها وأنكادَها، ووكله إلى نفسه، فشغل قلبه
عن محبته بمحبة الخلق، ولسانه عن ذكره بذكرهم، وجوارحَه عن طاعته
بخدمتهم وأشغالهم، فهو يكدح كذْحَ الوحش في خدمة غيره، كالکیر
ینفخ بطنه ویعصر أضلاعه في نفع غيره!
فكُلٌّ من أعرض عن عبوديَّة الله وطاعته ومحبته يُليَ بعبودية المخلوق
ومحبته وخدمته، قال تعالى: ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَنَّا
[الزخرف](١).
٣٦
فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ
مدارج السالكين:
] قال ابن القيم ◌َمّتْهُ: ((طالبُ النفوذ إلى الله والدار الآخرة - بل وإلى
کل علم وصناعة ورئاسة؛ بحیث یکون رأسًا في ذلك مُقتدى به فيه-
يحتاج أن يكون شجاعًا مقدامًا حاكِمًا على وَهْمِه، غيرَ مقهورٍ تحت سلطان
تخيُله، زاهدًا في كلِّ ما سوى مطلوبه، عاشقًا لما توجَّه إليه، عارِفًا بطريق
الوصولِ إليه والطرقِ القواطع عنه، مِقدامَ الهمَّة، ثابت الجأش، لا تثنيه
عن مطلوبه لومُ لائم ولا عَذْلُ عاذلٍ، كثيرَ السكوتِ دائمَ الفِكْرِ، غيرَ
مائِل مع لذّة المدح ولا ألمِ الذَّمِّ، قائمًا بما يحتاج إليه من أسباب معونتهِ،
لا تستفزُّهُ المعارضاتُ، شعارُه الصبرُ، وراحتُه التعب، محبًّا لمكارم
الأخلاقِ، حافظًا لوقته، لا يخالطُ الناسَ إلَّا على حذر - كالطائر الذي
يلتقَط الحَبَّ بينهم - قائمًا على نفسه بالرَّغْبة والرَّهْبة، طامِعًا في نتائج
الاختصاص على بني جنسِهِ، غير مُرْسِلٍ شيئًا من حواسِّه عبثًا، ولا
مُسرِّحًا خواطِرَه في مراتب الكون.
(١) ((الفوائد)).
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
١٨٤
صلاح الأمة في علو الهمة
وملاكُ ذلك: هجرُ العوائدِ وقطعُ العلائِقِ الحائلةِ بينك وبين
المطلوب)) (١).
عالي الهمة وقطع عوائق الطريق:
((إذا عزمَ العبدُ على السَّفَر إلى الله تعالى وإرادته؛ عَرَضت له الخوادعُ
والقواطعُ، فينخدع أوَّلًا بالشهوات والرِّياسات والملاذّ والمناكِحِ
والملابس، فإِن وقف معها انقطع.
وإنْ رفضَها ولم يقف معها وصَدَق في طلبه ابتُلي بوطء عقبه (٢)،
وتقبيل يده والتوسعة له في المجلسِ، والإشارة إليه بالدّعاء ورجاءٍ
بركتِهِ، ونحو ذلك !! فإن وقف معه انقطع به عن الله وكان حظّه منه. وإنْ
قطعَه ولم يقف معه ابتُلي بالكرامات والكشوفات فإنْ وقف معها انقطع
بها عن الله وكانت حظّه. وإن لم يقف معها ابتُلي بالتجريد والتخليِّ ولذّة
الجمعية (٣)وعزّة الوحدة والفراغ من الدُّنيا. فإن وقف معها مع ذلك
انقطع به عن المقصودِ.
وإن لم يقف معه وسارَ ناظِرًا إلى مراد الله منه وما يحبه منه بحيث يكونُ
عبدَه الموقوفَ على محابِّه ومراضيه أين كانت وكيف كانت، تعبَ بها أو
استراح، تنعَّم أو تألمَ؟! أخرجته إلى الناس أوْ عَزَلَتْه عنهم، لا يختار لنفسه
غير ما يختارُهُ له وليُّه وسيِّدُه، واقفٌ مع أمره يُنَفَّذْهُ بحسب الإمكانِ،
ونفسُه عندَه أهونُ عليه أن يقدِّم راحتَها ولذَّتها على مرضاة سيِّدِه وأمرِه.
(١) المصدر السابق.
(٢) أي بكثرة الأتباع والمريدين.
(٣) أي: اجتماع قلبه على ربه سبحانه.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
١٨٥
أقوال عطرات نيرات في علو الهمة
فهذا هو العبد الذي قد وصلَ ونفَذَ ولم يقطعه عن سيِّده شيءٌ ألبتة)(١).
أصل علو الهمة شرف النفس وعدم رضاها بالدّون:
قال ◌َمّتْهُ: ((أصلُ الخيْرِ كلِّه بتوفيق الله ومشيئته: شرفُ النّفْس
ونُبْلُها وكِبَرُها، وأصْلُ الشَّرِ خِسَّتُها ودناءَتُها وصِغَرُها، قال تعالى: ﴿ قَدْ
[الشمس]، أي: أفلحَ مَن
١٠
أَفْلَحَ مَنْ زَّكَّنَهَا () وَقَدْ خَابَ مَن دَسِّنْهَا
كبَّرَها وكَثْرَها ونَّاها بطاعة الله، وخابَ مَن صَغَّرَها وحقّرَها بمعاصي
الله، فالنفوس الشريفة لا ترضى من الأشياءِ إلّا بأعلاها وأفضلِها وأحمدِها
عاقبة.
والنفوس الدنيئة تحوم حول الدناءات وتقع عليها كما يقع الذُّبابُ على
الأقذارِ فالنفس الشريفةِ العليَّةُ لا ترضى بالظلم ولا بالفواحش ولا
بالسِّرقة والخيانة؛ لأنها أكبر من ذلك وأَجَلّ، والنفس المهينة الحقيرة
الخسيسة بالضدِّ من ذلك، فكُلّ نفْس تميل إلى ما يناسبها ويشاكلها. وهذا
معنى قوله تعالى: ﴿قُلّ كُلِّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ،﴾ [الإسراء: ٨٤]، أي: على
ما يشاكله ويناسِبُه، فهو يعمل على طريقته التي تُناسبُ أخلاقَه وطبيعته،
وكل إنسانٍ يجري على طريقته ومذهبه وعاداتِه التي أَلِفَها وجُبِل عليها،
فالفاجر يعمل على ما يشبه طريقته من مقابلة النَّعَم بالمعاصي والإعراض
عن المُنِعِم، والمؤمن يعمل بما يشاكلُهُ من شكر المنِعِم ومحبته، والثناءِ عليه
والتودُّد إليه، والحياء منه، والمراقبة له وتعظيمه وإجلاله))(٢).
(١) المصدر السابق.
(٢) المصدر السابق.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
١٨٦
صلاح الأمة في علو الهمة
لقاح الخير:
((العزيمة لقاحُ البصيرة، فإذا اجتمعا نالَ صاحبُهما خيرَ الدنيا
والآخرة، وبلغتْ به همَّتُهُ مِنَ العلياء كلَّ مَكانٍ. فتخلّفِ الكمالاتِ إِمَّا من
عدم البصيرة، وإِمَّا من عدم العزيمة.
ولقاحُ الهِمَّةِ العاليةِ النَّة الصحيحة، فإذا اجتمعا بلغ العبدُ غايةً
المُرادِ)(١).
أعلى الهمم:
■ وقال نَّهُ: ((أَعْلَى الهِمَمِ هِمَّة من استعدَّ صاحبُها للقاء الحبيب،
وقدَّم التقادِمَ بين يدي الملتقَى فاستبشر بالرِّضا عند القدوم ﴿ وَقَدِّمُواْ
ج
[البقرة: ٢٢٣].
لانفسِكْـ
■ والجنة رَضى منك بأداءِ الفرائض، والنار تندفع عنك بترك
المعاصي، والمحبة لا تقنع منك إلَّا ببذل الروح))(٢).
الهمَّة العليّة في عكوفِ القلب على ربِّ البَريّة:
■ قال رَحمّلهُ: ((الإنابة هي عكوف القلب على الله وَّ؛ كاعتكاف
البدن في المسجد لا يفارقه.
وحقيقة ذلك: عكوفُ القلب على محبّته وذكره بالإجلال والتعظيم،
وعكوف الجوارح على طاعته بالإخلاص له والمتابعة لرسوله، ومن لم
يعكف قلبُه على الله وحده عَكَف على التماثيل المتنوِّعة؛ كما قال إمام
٠٠
(١) المصدر السابق.
(٢) المصدر السابق.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
١٨٧
أقوال عطرات نيرات في علو الهمة
[الأنبياء]،
الحنفاء لقومه: ﴿ مَا هَذِهِ التَّمَاثِلُ اٌلَّ أَنْتُمْ لَمَا عَكِّفُونَ
فاقتسم هو وقومه حقيقة العكوفِ، فكان حظّ قومه العكوف على
التماثيل، وكان حظّه العكوف على الربِّ الجلیل.
والتماثيل جمع تمثالٍ، وهي الصُّورُ الْمُمَثَلَة، فتعلّقُ القلبِ بغير الله
واشتغالُه به والُّكُونُ إليه عكوفٌ منه على التماثيل التي قامت بقلبه، وهو
نظير العكوف على تماثيل الأصنام، ولهذا كان شركٌ عُبَّاد الأصنام
بالعكوفِ بقلوبهم وهِمَمم وإراداتهم على تماثيلهم، فإذا كان في القلب
تماثيلٌ قد مَلَكَتْه واستعبدَتْه بحيث يكون عاكِفًا عليها، فهو نظير عكوفٍ
الأصنام عليها، ولهذا سّاه النبي ◌َّهُ عبدًا لها، ودعا عليه التَّعْس والنُّكْس،
فقال: (تَعِسَ عبدُ الدِّينارِ، تَعِسَ عبدُ الدِّرهم، تَعِسَ وانتكس، وإذا شِيكَ
فلا انتقش))(١).
الناس في هذه الدَّار على جَنَاح سفرٍ كلُّهم، وكلُّ مسافِرٍ فهو ظاعنٌّ إلى
مقصده، ونازلٌ على مَن يُسُّ بالنزولِ علیه.
وطالب الله والدار الآخرة إنّما هو ظاعن إلی الله في حال سفره، ونازل
عليه عند القدوم عليه، فهذه همته في سفره وفي انقضائه ﴿ يَأَيَُّهَا النَّفْسُ
أَرْجِعِيّ إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةُ (٥) فَادْخُلِ فِ عِبَدِىِ ) وَآَدْخُلِ جَنَِّ
٢٧
اُلْمُطْمَنَّةُ
٣٠
[الفجر]، وقالت امرأة فرعون: ﴿﴿رَبِّ ابْنِ لِ عِندَكَ بَيْتًا فِى الْجَنَّةِ
[التحريم: ١١]، فطلبت كون البيتِ عنده قبل طلبها أن يكون في الجنة، فإن
الجار قبل الدار))(٢).
(١) رواه البخاري (٢٨٨٧) عن أبي هريرة.
(٢) ((فوائد الفوائد)) لعلي حسن عبد الحميد.
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://web lessam.blogspot.com/
١٨٨
صلاح الأمة في علو الهمة
أعلى الهمم:
أعلى الهمم: الجَمْع في الألوهية، وهو جمعُ القلب والهم والسِّرِّ على
محبوبه ومراضيه، ومراده منه، فهو عكوف القلب بكُلِّيته على الله وَ لا
يتلفت عنه يَمْنَةً ولا يَسْرة. فإذا ذاقت الهمَّة طعم هذا الجمع اتصل اشتياقُ
صاحبها، وتأجَّجت نيرانُ المحبة والطلب في قلبه، ويجدُ صبره من محبوبه
من أعظم كبائره كما قيل:
إلَّا عليك فإِنَّه لا يُحمد
والصبر يحمدُ في المواطن كلُّها
وفي الأثر الإلهي ((إني لا أنظرُ إلى كلام الحكيم، وإنما أنظر إلى همَّته)).
فلله همَّةُ نفْس قطعتْ جميع الأكوان، وسارت فما ألقت عصى السير
إلَّا بين يدي الرحمن تبارك وتعالى، فسَجدت بين يديْه سجدةً الشكر على
الوصول إليه، فلم تزل ساجدة حتى قيل لها: ﴿ يَأَيُّهَا النَّفْسُ الْمُطْمَيِنَّةُ
٢٧
[الفجر:
٣٠
أَرْجِعِىّ إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّضِيَّةُ (٥) فَأَدْخُلِ فِ عِبَدِى ) وَآدْخُلِ جَنَِّي
٢٧-٣٠].
فسبحان مَن فاوت بين الخلق في هممهم، حتى ترى بيْن الهمَّتْن أبعد مما
بين المشرقيْن، بل أبعد مما بين أسفل سافلين وأعلى علِّيين، وتلك مواهب
العزيز الحكيم، ذلك فضلُ الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم (١).
استقامة السير إلى الله وعلو الهمة:
■ قال ابن قيم الجوزية ريخملّهُ: ((طالب الله والدار الآخرة لا يستقيم له
سيره وطلبه إلّ بحبسيْن: حَبْسٍ قلبه في طلبه ومطلوبهِ، وحبسِه عن
(١) ((مدارج السالكين)) (٩٩/٩٨/٣).
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://web lessam.blogspot.com/
١٨٩
أقوال عطرات ذيرات في علو الهمة
الالتفاتِ إلى غيره، وحبسٍ لسانهِ عمَّا لا يفيدُ، وحبسِه على ذكر الله وما
يزيد في إيمانه ومعرفته، وحبسٍ جوارحه عن المعاصي والشهوات،
وحبسِها على الواجبات والمندوبات، فلا يفارق الحبس حتى يلقى ربه،
فيخلِّصه من السجن إلى أوسع فضاءٍ وأطيبه.
ومتى لم يصبرْ على هذيْن الحبْسيْن وفرَّ منهما إلى فضاء الشهوات؛ أعقبَهُ
ذلك الحبسَ الفظيعَ عند خروجه من الدنيا، فكلُّ خارجٍ من الدنيا؛
إمَّا متخلّصٌ من الحبس أو ذاهبٌ إلى الحبْس))(١).
من مراتب الحياة: حياة الإرادة والهمة:
قال ابن قيم الجوزية تحمّهُ في مرتبة ((الحياة)) في كتابه القيم ((مدارج
السالكين)): ((المرتبة السادسة: حياة الإرادة والهمَّة. وضعف الإرادة
والطََّب من ضَعْف حياة القلب. وكُلّما كان القلب أتم حياة، كانت همته
أعلى، وإرادته ومحبته أقوى؛ فإن الإرادة والمحبة تتبعُ الشعورَ بالمراد
المحبوب. وسلامةُ القلب من الآفة التي تحول بينه وبين طلبه وإرادته.
فضعفُ الطلب، وفتور الهمَّة: إمَّا من نقصان الشعور والإحساس، وإِمَّا
من وجود الآفة المضعفة للحياة، فقوَّة الشعور، وقوة الإرادة: دليل على
قوَّة الحياة. وضعفهما دليلٌ على ضعفها.
وكما أن عُلُوَّ الهمّة، وصدقَ الإرادة، والطلب من كمال الحياة، فهو
سبب إلى حصول أكمل الحياة وأطيبها، فإن الحياة الطيِّية إنما تُنَال بالهمّة
العالية، والمحبة الصادقة، والإرادة الخالصة. فعلى قدر ذلك تكونُ الحياة
الطيِّية. وأخَسُ الناس حياة أختُّهم همّة، وأضعفهم محبَّةً وطلبًا، وحياةٌ
٠٠
(١) ((فوائد الفوائد)) (ص٤٢٣ - ٤٢٤).
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
١٩٠
صلاح الأمة في علو الهمة
ثـ
البهائم خيرٌ من حیاته، کما قيل:
وليلك نومٌ والرَّدى لك لازمُ
نهارك، يا مغرورُ سَهْوٌ وغفلةٌ
كذلك في الدنيا تعيش البهائمُ
وتكدح فيما سوف تنکِرُ غَبَّه
كما غُرّ باللذَّات -في النوم- حالٌ
تُسَرُّ بما يَفْنى، وتفرحُ بِالْمُتَّى
والمقصود: أن حياةَ القلب بالعلم والإرادة والهمَّة، والناس إذا شاهدوا
ذلك من الرجل، قالوا: هي حيُّ القلب، وحياة القلب بدوام الذكر،
وترك الذَّنوب كما قال عبد الله بن المبارك زَمّتْهُ:
وقد يورثُ الذُّنَّ إدمانُها
رأيتُ الذُّنوبَ تميتُ القلوبَ
وخيْرٌ لنفسك عصيانُها
وترك الذُّنوب حياةُ القلوبِ
ك وأحبارُ سُوءٍ ورُهابها؟
وهل أفسدَ الدين إلَّا الملو
ولم يَغْلُ في البيع أثمانها
وباعُوا النَّفُوسَ ولمْ يربحوا
يبين لذي اللُّبِّ خسرانها
فقد رتعَ القوم في جيفةٍ
■ وسمعتُ شيخ الإسلام ابن تيمية رَاللهُ يقول: «مَن واظب علی «یا
حيُّ يا قيوم لا إله إلّا أنت)) كل يوم -بين سُنّة الفجر وصلاة الفجر -
أربعين مرّة أحیی الله بها قلبه)).
وكما أن الله سبحانه جعل حياة البدن بالطّعام الشراب، فحياةُ القلب
بدوام الذكر والإنابة إلى الله، وتركِ الذنوب، والغفلةُ الجاثمة على القلب،
والتعلّق بالرذائل والشهوات المنقطعة عن قريب يُضعف هذه الحياة. ولا
يزال الضعف يتوالى عليه حتى يموت، وعلامة موته: أنه لا يعرف
معروفًا، ولا ينكر منكرًا. كما قال عبد الله بن مسعود ظلعنه: («أتدرُون مَن
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://web lessam.blogspot.com/
١٩١
أقوال عطرات نيرات في علو الهمة
ميِّت القلب، الذي قيل فيه:
إنما الَيْتُ مَيِّتُ الأحياءِ؟
لیس من مات فاستراحَ بمیِّتٍ
قالوا: ومن هو؟ قال: الذي لا يعرف معروفًا ولا يُنِكِرِ منكرًا».
والرَّجُل: هو الذي يخاف موتَ قلبه، لا موتَ بدنه، إذ أكثر هؤلاء
الخلق يخافون موت أبدانهم، ولا يُبالون بموت قلوبهم، ولا يعرفون مِن
الحياة إلَّا الحياة الطبيعية، وذلك من موت القلب والروح.
وقد قيل: ((إن الموت موتان: موتٌ إرادي، وموتٌ طبيعي. فمَن أمات
نفسه موْتًا إراديًّا كان موته الطبيعي حياة له))، ومعنى هذا: أن الموت
الإرادي: هو قمعُ الشهوات المُرْدِية، وإخمادُ نيرانها المحرقة، وتسكينُ
هوائجها المتلفة، فحينئذٍ يتفرَّعُ القلب والروح للتفكّر فيما فيه كمالُ العبد،
ومعرفته، والاشتغال به. ويرى حينئذٍ أن إيثار الظلّ الزائل عن قريب على
العيش اللذيذ الدائم أخسرُ الخسران.
فأمَّا إذا كانت الشهوات وافدة، واللذَّات مُؤثَرة، والعوائد غالبة،
والطبيعة حاكمة، فالقلب حينئذٍ: إمّا أن يكون أسيرًا ذليلًا، أو مهزومًا
مُخُرَجًا عن وطنه ومستقرِّه الذي لا قرار له إلَّا فيه، أوْ قتيلًا ميِّتًا وما لجُرْح
بميِّت إيلامُ، وأحسن أحواله: أن يكون في حرب، يُدال له فيها مَرَّة،
ويُدال عليه مرَّة، فإذا مات العبدُ موتَه الطبيعي: كانت بعده حياة روحه
بتلك العلوم النافعة، والأعمال الصالحة، والأحوال الفاضلة التي حصَلت
له بإماتة نفسه، فتكون حياته هاهنا على حسب موته الإرادي في هذه
الدار.
وهذا موضِعٌ لا يفهمه إلَّا أَلبَّاءُ الناس وعقلاؤهم، ولا يعمل بمقتضاه
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://web lessam.blogspot.com/
١٩٢
صلاح الأمة في علو الهمة
إلَّا أهل الهمم العَلِيّة والنفوس الزكِيّة الأَبِيَّة)(١).
لا عيش إلا عيشُ المحبّين علاة الهمَّة:
■ قال ابن قيم الجوزية: ((لا عيشَ إلَّا عيش المحبين، الذين قرّت
أعينهم بحبيبهم، وسَكَنَتْ نفوسِهم إليه، واطمأنّت قلوبهم به، واستأنسوا
بقربه، وتنعَّمُوا بحبِّه، ففي القلب فاقه لا يسدُّها إلّا محبة الله، والإقبال
عليه، والإنابة إليه، ولا يَلُمُّ شَعْتُه بغير ذلك ألبتة. ومَن لم يظفر بذلك
فحياته كلها هموم وغموم وآلام وحسرات. فإنه إن كان ذا هِمَّة عالية
تقطَّعت نفسه على الدنيا حسرات، فإن هِمَّته لا ترضى فيها بالدُّون وإِن
كان مهينًا خسيسًا فعيشه كعيش أَخسِّ الحيوانات، فلا تقرُّ العيون إلّا
بمحبة الحبيب الأوَّل ..
ما الحبُّ إِلَّا للحبيب الأوَّلِ
نقِّل فؤادَكَ حيثُ شئت من الهوى
وحنينه أبدًا لأوَّل منزِلٍ (٢)
كمْ منزل في الأرض يألفه الفتى
عُلاة الهمم السبّاقون أولئك ذخائر الله حیث کانوا:
■ قال ابن القيم عنهم: «أنهم لعلوَّ هممهم - سبقوا الناس في السَّيْرِ،
فلم يقفُوا معهم، فهم المفرِدون السابقون، فلِسبقهم لم يُوقف لهم على أثر
في الطريق. ولم يعلم المتأخَّر عنهم أين سلكوا؟ والمشمِّر بعدهم قد يَرَى
آثار نيرانهم على بُعْدٍ عظيم، كما يرى الكوكب، ويستخبر ممن رآهم: أين
رآهم؟ فحاله کما قيل:
(١) ((مدارج السالكين)) (٢٦٤/٢ - ٢٦٥).
(٢) المصدر السابق (٢٧٤/٢).
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
١٩٣
أقوال عطرات نيرات في علو الهمة
أسائِل عنكم كلَّ غادٍ ورائح
وأومي إلى أوطانِكم وأُسَلِّمُ
لم يتقیدُّوا بعمل واحد، يجري علیھم اسمه فیعرفون به دون غيره من
الأعمال، فإنّ هذه آفة في العبودِيّة، وهي عبودِيَّة مقيّدة، وأما العبوديّة
المطلقة، فلا يُعرَف صاحبها باسم معيَّن من معاني أسمائها، فإنه مجيب
لداعيها على اختلاف أنواعها، فَلَهُ مع كل أهل عبوديةٍ نصيبٌ يضرب
معهم بسهم، فلا يتقيَّد برسم ولا إشارة، ولا اسم ولا زي، ولا طريق
وضعي اصطلاحي. بل إن سُئِل عن شيخه؟ قال: الرسول. وعن طريقه؟
قال: الاتِّباع. وعن خِرْقته؟ قال: لباس التقوى. وعن مذهبه؟ قال: تحكيم
السُّنَّة. وعن مقصوده ومطلبه؟ قال: ﴿﴿يُرِيدُونَ وَجْهَةٌ.
[الكهف: ٢٨]
وعن رباطه وعن خانكاه؟ قال: ﴿فِي ◌ُوتٍ أَذِنَ اللّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا
اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ, فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْأَصَالِ رِجَالٌ لََّ نُلْهِمْ فِجَرَةٌ وَلَا بَعُ عَن ذِكْرِ اللَّهِ
وَإِقَامِ الصَّلَوْةِ وَإِنَآء الزَّكَوْءِ
﴾ [النور: ٣٦ -٣٧]، وعن نسبه؟ قال:
أبي الإسلام لا أبَ لي سواهُ
إذا افتخروا بقيس أو تميم
وعن مأكله ومشربه؟ ((مالك ولها؟ معها حِذاؤها وسقاؤها تِرد الماء
وترعى الشجر حتى تلقى ربها (١)).
ساعاتُه بين ذُلِّ العجز والكسلِ
واحَسْرَتهُ تقضَّى العمرُ، وانصرمت
ساروا إلى المطلب الأعلى على مَهَلِ
والقومُ قد أخذوا درب النجاة وقدْ
((أولئك ذخائر الله حيث كانو)) ذخائر الملك: ما يخبأ عنده،
ويَذْخره لمهَماته، ولا يبذله لكل أحد، وكذلك ذخيرة الرجل: ما يَذْخَره
(١) يشير إلى جواب النبي وَلهو لمن سأله عن لقطة الإبل؟.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://web lessam.blogspot.com/
١٩٤
صلاح الأمة في علو الهمة
حوائجه ومهماته.
وهؤلاء لما كانوا مستورِين عن الناس بأسبابهم، غيرَ مشارٍ إليهم ولا
متميِّزین برسم دون الناس، ولا منتسبين إلى اسم طريق، أوْ مذهب، أو
شيخ أو زِيٍّ: كانوا بمنزلة الذخائر المخبوءة، وهؤلاء أبعدُ الخلق عن
الآفات، فإن الآفات كلَّها تحت الرسوم والتقيُّد بها، ولزوم الطرق
الاصطلاحية، والأوضاع المتداولة الحادثة، هذه هي التي قطعت أكثرَ
الخلق عن الله، وهم لا يشعرون.
والعجب أن أهلها: هم المعروفون بالطلب والإرادة، والسير إلى الله.
وهم - إلّا الواحد بعد الواحد - المقطوعون عن الله بتلك الرسوم والقيود.
وقد سُئل بعض الأئمة عن السُّنَّة؟ فقال: ما لا اسم له سوى ((السُّنَّة))
يعني: أن أهل السُّنَّة ليس لهم اسم يُنْسَبُون إليه سواها.
فمن الناس: من يتقيَّد بلباس لا يلبس غيره، أو بالجلوس في مكانٍ لا
يجلس في غيره، أو مِشيةٍ لا يمشي غيرها، أو بزيٍّ وهيئةٍ لا يخرج عنهما، أو
بعبادةٍ معينة لا يتعبَّد بغيرها، وإن كانت أعلى منها، أو شيخ معيَّن لا
يلتفت إلى غيره، وإِنْ كانَ أقربُ إلى الله ورسوله منه. فهؤلاء كلهم
محجوبون عن الظفَر بالمطلوب الأعلى، مصدودون عنه، قد قيَّدتهم العوائد
والرسومُ والأوضاع والاصطلاحات عن تجريد المتابعة، فأضحَوْا عنها
بمعزل، ومنزلتُهم منها أبعدُ منزل، فترى أحدَهم يتعبَّد بالرياضة،
والخلوة، وتفريغ القلب، ويَعُدُّ العلمَ قاطعًا له عن الطريق، فإذا ذُكِر له
الموالاة في الله، والمعاداة فيه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عَدَّ ذلك
فضولًا وشرًّا. وإذا رأوا بينهم من يقوم بذلك: أخرجوه من بينهم، وعَدُّوه
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
أقوال عطرات نيرات في علو الهمة
https://weblessam.blogspot.com/
١٩٥
غَيْرًا عليهم، فهؤلاء أبعد الناس عن الله، وإن كانوا أكثر إشارة))(١).
عُلاةُ الهِممِ والرُّسُل:
■ يقول ابنُ القيم عن اختلاف أحوال الناس مع الرسل، وانقسامهم
أقْسامًا: فقال عن هذه الطوائف:
] ((الطائفة الثالثة: ركِبت ظهورَ عزائمها، ورأت أن بلاد الملِك أوْلَى
بها، فوطَّنت أنفسها على قصدها، ولم يُثنيها لوم اللَّوَّام، لكن في سيرها بطء
بحسب ضعف ما كُشِف لها من أحوال تلك البلاد وحال الملِك.
■ والطائفة الرابعة: جَدَّت في السَّيْر وواصلَتْه، فسارت سیرًا حثيثًا،
فھُم کما قيل:
على كُلِّ مُغَرِّ المطالعِ قائِمِ
وَرَكْبٍ سَرَّوْا والليلُ مُرْخِ سُدُوله
فصارَ سُرَاهم في ظهور العزائم
حَذَوا عَزَماتٍ ضاعت الأرض بينها
على عاتِقِ الشُّعْرَى وهامِ النعائِمِ
تُريهم نجوم الليل ما يطلبونه
فهؤلاء هممهم مصروفة إلى السَّيْر، وقواهم موقوفة عليه من غير
تثنية (٢) منهم إلى المقصود الأعظم، والغاية العُليا.
والطائفة الخامسة: أخذوا في الجدِّ في المسير، وهمتهم متعلّقة بالغاية،
فهم في سيرهم ناظرون إلى المقصود بالمسير، فكأنهم يشاهدونه من بُعْد،
وهو يدعوهم إلى نفسه وإلى بلاده، فهم عامِلون على الشاهد الذي قام
بقلوبهم.
(١) ((مدارج السالكين)) (١٧٣/٣ - ١٧٤، ١٧٥ - ١٧٦).
(٢) أي: من غير انثناء ولا التفات.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
١٩٦
صلاح الأمة في علو الهمة
وعمل كل أحد منهم على قدْر شاهده. فمن شاهَد المقصود بالعمل
في علمه كان نصحُه فيه، وإخلاصُه وتحسينه، وبذلُ الجهد فيه: أتمَّ ممن لم
يشاهده ولم يلاحظه. ولم يجدْ من التعب والنصب ما يجده الغائب،
والوجود شاهد بذلك. فمن عمل عملًا لملك بحضرته، وهو يشاهده:
ليس حاله كحال من عمل في غيبته وبعده عنه، وهو غير متيقن وصوله
إلیه.
وقوله: ((ويصحح همة القاصد))، أي: ويصححُ له صفاءَ هذا العلم
همتَه، ومتى صحَّت الهمة علت وارتفعت. فإن سقوطَها ودناءتها من
علتها وسقمها، وإلَّا فهي كالنار تطلبُ الصعود والارتفاع ما لم تُمنع.
وأعلى الهمم: همةٌ اتصلت بالحق سبحانه طلبًا وقصدًا. وأوصلت
الخلق إليه دعوةً ونصحًا. وهذه همةُ الرسل وأتباعهم. وصحتُها: بتميزها،
من انقسام طلبها، وانقسام مطلوبها، وانقسام طريقها. بل توحَّد مطلوبها
بالإخلاص، وطلبها بالصدق، وطريقُها بالسلوك خلفَ الدليل الذي
نصبه الله دلیلًا. لا مَنْ نصبه هو دليلًا لنفسه.
ولله الهمم! ما أعجبَ شأنها، وأشد تفاوتها. فهمةٌ متعلقةٌ بمن فوق
العرش. وهمةٌ حائمةٌ حول الأنتان والحُشِّ. والعامةُ تقول: قيمةُ كل
امريء ما يحسنه. والخاصةُ تقول: قيمةُ المرء ما يطلبه. وخاصةُ الخاصة
تقول: همة المرء إلى مطلوبه.
وإذا أردتَ أن تعرف مراتب الهمم، فانظر إلى همة ربيعة بن كعب
الأسلمي ظه -وقد قال له رسولُ الله وَلهو: (سلني))-، فقال: ((أسألُك
مرافقتك في الجنة))، و کان غيرُه يسأله ما يملأ بطنه، أو یواري جلده.
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
١٩٧
أقوال عطرات نيرات في علو الهمة
وانظر إلى همة رسول الله وَ﴿ -حين عُرضت عليه مفاتيحُ كنوز
الأرض - فأباها، ومعلومٌ أنه لو أخذها لأنفقها في طاعة ربه تعالى، فأبت
له تلك الهمَّةُ العالية أن يتعلَّق منها بشيءٍ ممّاً سوى الله ومحابِّه. وعُرض
عليه أن يتصرَّف بالمُلْك، فأباه. واختار التصرُّف بالعبوديَّة المحضة. فلا إله
إلّا الله خالق هذه الهمَّة، وخالقِ نفس تحملُها، وخالق همم لا تعدوهم
أخسُّ الحيوانات))(١).
واشوقاه إلى أوقات البداية:
قالها الجنيد العابد والإمام، وهو الخبير بالطريق إلى الله. وقد قالوا:
أولَ الأمر خطوةُ هول .. ائت الديارَ البِكر، وائتٍ في التنافس بجديد،
وارتَدْ کل یوم منزل فقيل لا يُعرَف لأحد قبلك.
ففي بدايات السلوك إلى الله، وعلوِّ الهمة في الطلب، لا يلتفتُ العبد
إلى ما وراءه لشغله بما بين يديه، وغلبةٍ أحكام الهمَّة عليه، وجمع الهمة على
الطلب والسير إلى الله.
• «مرَّ أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه على رجل، وهو يبكي
من خشية الله فقال: ((هكذا كنا حتى قست قلوبنا.
وقد أخبر النبي وَّ: ((إن لكل عامل شِرَّة، ولِكُلِّ شِرَّة فترة)).
فالطالبُ الجادُّ لابد أن تَعرض له فترة، فيشتاق في تلك الفترة إلى حاله
وقت الطلب والاجتهاد))(٢).
فلتسامي أخلاقُنا صُعُدًا ونعود إلى بداياتنا.
(١) «مدارج السالكين)) (١٤٦/٣ - ١٤٨).
(٢) المصدر السابق (١٢٥/٣).
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://web lessam.blogspot.com/
١٩٨
صلاح الأمة في علو الهمة
طاحت الإشارات وغابت العبارات ولم تنفعنا إلا ركيعات:
■ قال الجيد: «العبادةُ على العارفین أحسنُ من التیجان على رؤوس
الملوك))(١).
■ ورأى محمد بن إبراهيم الجُيْد سيد الطائفة في المنام بعد موته فقال
له: ((ما فعل الله بك؟ قال: ((طاحت تلك الإشارات، وغابت تلك
العبارات، وفَنِيت تلك العلوم، ونَفِدت تلك الرُّسوم، وما نفعنا إلَّا
رُكَيْعات كنّا نركعها في الأسحار))(٢).
كلُّ عِلْمٍ وإشارَة
والجُنید یقولُ طاحتْ
وانمَّحَتْ تلك العبارة
ورسومات تلاشت
سَحَرًا فيها البشارة
وركيعات توالتْ
· ذلك الكنز الدَّفِينا
ورأينا في المآل
بصلاة الخاشعينا
فاز من قام الليالي
حافظ على علوهمتك:
البحث عن ما يجرى للناس، وطلب تعرُّفِ أحوالهم ((يَحُطّ الهمم
العالية من أَوْجها إلى حضيضها وربما يعزّ عليه أن يُحَصِّل همةً أخرى
يصعد بها إلى موضعه الذي كان فيه، فأهلُ الهمم والفِطَن الثاقبة لا
يفتحون من آذانهم وقلوبهم طريقًا إلى ذلك، إلَّا ما تقاضاه الأمر وكانت
مصلحتُه أرجح، وما عداه فبطالةٌ وحطّ مرتبة))(٣).
(١) ((الحلية)) (١٠/ ٢٥٧).
(٢) المصدر السابق (١٠/ ٢٥٧).
(٣) ((مدارج السالكين)) (١٨١/٣).
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
١٩٩
أقوال عطرات نيرات في علو الهمة
الغرباء وغربة الهمَّة :
الغرباء الممدوحون المغبوطون لله درُّهم .. أهلُ الإسلام في الناس
غرباء. والمؤمنون في أهل الإسلام غرباء. وأهلُ العلم في المؤمنين غرباء.
وأهل السنة -الذين يميزونها من الأهواء والبدع- فهم غرباء.
والداعون إليها الصابرون على أذى المخالفين: هم أشدُّ هؤلاء غربةً.
ولكن هؤلاء هم أهل الله حقًّا. فلا غربةً عليهم. وإنما غربتُهم بين
الأكثرين، الذين قال الله وَّ فيهم: ﴿ وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِى الْأَرْضِ
يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِّ﴾ [الأنعام: ١١٦] فأولئك هم الغرباء من الله
ورسوله ودينه. وغربتُهم هي الغربة الموحشة. وإن كانوا هم المعروفين
المشار إليهم. كما قيل:
ولكِنَّ من تَنأيْنَ عنه غریبُ
فليس غريبًا من تناءت دياره
■ ولما خرج موسى نَّّلز هاربًا من قوم فرعون انتهى إلى مدين، على
الحال التي ذكر الله. وهو وحيد غريب خائف جائع. فقال: ((يا رب، وحيدٌ
مريضٌ غريب. فقيل له: يا موسى، الوحيد: مَن ليس له مثلي أنيس. والمريض:
مَن ليس له مثلي طبيب. والغريب: من ليس بيني وبينه معاملة)).
· فالغربةُ ثلاثة أنواع: غربةُ أهل الله وأهلُ سنة رسوله بين هذا
الخلق. وهي الغربة التي مدح رسول الله وَّ ر أهلها. وأخبر عن الدين
الذي جاء به: أنه ((بدأ غريبًا))، وأنه ((سيعود غريبًا كما بدأ))، وأن ((أهله
یصیرون غرباء)).
■ وهذه الغربة قد تكون في مكان دون مکان، ووقتٍ دون وقت،
وبين قوم دون قوم. ولكن أهل هذه ((الغربة)) هم أهل الله حقًا. فإنهم لم
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
٢٠٠
صلاح الأمة في علو الهمة
يأووا إلى غير الله. ولم ينتسبوا إلى غير رسوله وَّ ه. ولم يدْعوا إلى غير ما
جاء به. وهم الذين فارقوا الناس أحوجَ ما كانوا إليهم. فإذا انطلق الناس
يوم القيامة مع آلهتهم بقوا في مكانهم. فيقال لهم: ((ألا تنطلِقون حيث
انطلق الناس؟ فيقولون: ((فارقنا الناس، ونحن أحوج إليهم منا اليوم.
وإنا ننتظر ربنا الذي كنا نعبده)).
■ فهذه ((الغربة)) لا وحشةً على صاحبها. بل هو آنَسُ ما يكون إذا
استوحش الناس. وأشدُّ ما تكون وحشته إذا استأنسوا. فوليُّه الله ورسوله
والذين آمنوا، وإن عاداه أكثر الناس وجفوه.
■ ومن صفات هؤلاء الغرباء -الذين غبطهم النبي ◌َّ -: التمسك
بالسنة، إذا رغب عنها الناس. وتركُ ما أحدثوه، وإن كان هو المعروف
عندهم. وتجريدُ التوحيد. وإن أنكر ذلكم أكثر الناس. وترك الانتساب
إلى أحد غيرِ الله ورسوله. لا شيخ، ولا طريقة، ولا مذهب، ولا طائفة.
بل هؤلاء الغرباءُ منتسبون إلى الله بالعبودية له وحده، وإلى رسوله بالاتباع
لما جاء به وحده. وهؤلاء هم القابضون على الجمر حقًّا. وأكثر الناس
- بل كلهم - لائِمٌ لهم.
فلغربتهم بين هذا الخلق يَعُدُّونهم أهل شذوذٍ وبدعة ومفارقة للسَّواد
الأعظم.
■ والإسلام الحق -الذي كان عليه رسول الله وَله وأصحابه الخضر -
هو اليوم أشدُّ غربةً منه في أول ظهوره. وإن كانت أعلامُه ورسومه
الظاهرةُ مشهورةً معروفة. فالإسلام الحقيقي غريب جدًّا. وأهله غرباء
أشد الغربة بين الناس.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/