Indexed OCR Text
Pages 21-40
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ٢١ المقدمة ولهذا حرصت على اختيار العنوان المناسب الذي يصوّر الواقع. إن تحوَّل الدكتور زكي نجيب محمود من الاتجاه التغريبي إلى احتضان الإسلام والدفاع عنه، وبيان محاسنه والاقتناع بأنه يقدم حلولًا لمشاكل العصر، هذا الموقف يذكّرنا بمقولة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ظْه المشهورة: ((إنما تُنقض عرا الإسلام عروة عروة، إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية)) (١). رجوع الدكتور زكي نجيب محمود بعد خوضه لتجارب ثقافية حافلة : إن كتاباته في نهاية حياته تمثل تحولًا ثقافيًّا له دلالته، حيث رجع إلى التراث الإسلامي، قارئًا ودارسًا وباحثًا فيه عن حلول لمشاكلنا ومشاكل العصر وتمهيدًا لهذا العرض المدخر لتحوَّله، فقد وصف نفسه أنه كان ٢- د/ عبد الوهاب المسيري. ٣- د/ عبد العزيز حموده. ٤ - د/ محمد عمارة. ٥- د/ محمد حسين هيكل. ٦ - خالد محمد خالد. ٧- منصور فهمي. ٨- د/ مصطفى محمود. ٩- الكاتب الصحفي الأستاذ محمد جلال كشك. ١٠ - الدكتور طه حسين وإن لم يعلن رجوعه على الملأ. ولا نغفل أن هناك هيئات غربية الصبغة، وهي تؤدي وظائفها بنشاط، كالمجلس الأعلى للثقافة، والمسارح، والسينما، ولها مؤتمراتها ومهرجاناتها وندواتها وبرامجها. (١) د/ علي محمد الصلابي ((فصل الخطاب في سيرة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لأنه - شخصيته وعصره)) (ص١٩) دار ابن كثير - دمشق - بيروت ١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧م. تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://web lessam.blogspot.com/ ٢٢ صلاح الأمة في علو الهمة واحدًا من آلاف المثقفين العرب الذين ما أن فتحت عيونهم على فكر أوروبي قديم أو جديد، حتى سبقت إلى خواطرهم ظنون بأن ذلك هو الفكر الإنساني الذي لا فكر سواه؛ لأن عيونهم لم تفتح على غيره لتراه .. ويقول: ((ولبثتْ هذه الحال مع كاتب هذه الصفحات أعوامًا بعد أعوام: الفكر الأوروبي دراسته وهو طالب، والفكر الأوروبي تدريسه وهو أستاذ، والفكر الأوروبي مسلاته كلما أراد التسلية في أوقات الفراغ، وكانت أسماء الأعلام والمذاهب في التراث العربي لا تجيئه إلَّا أصداء مفككة متناثرة، كالأشباح الغامضة يلمحها وهي طافية على أسطر الكاتبین .. استيقظ صاحبنا -كاتب هذه الصفحات- بعد أن فات أوانه أو أوشك، فإذا هو يحس الحيرة تؤرقه، فطفق في بضعة الأعوام الأخيرة، التي قد لا تزيد على السبعة أو الثمانية يزدرد تراث آبائه ازدراد العجلان))(١). ووصف الجماعة المستغربة بأنها تنظر إلى الأمور بعين أوروبية أو أمريكية، ولكنها تكتب باللغة العربية، وقد تمثلت ثقافة الغرب وعرضته بأسلوب حي فيه روحها وشخصيتها (٢). (١) د/ زكي نجيب محمود ((تجديد الفكر العربي)) (ص٥-٦)-دار الشروق- القاهرة ١٩٨٢ م. ويقول في مقدمة كتابه ((عن الحرية أتحدث)) [والمطلوب هو عودة الضال إلى طريق آبائه، وليس من شك في أن الأصيل عائد إلى أصله كما يكون للشمس شروق جديد بعد كل غروب، وبالله التوفيق)) (ص٧) ط دار الشروق نوفمبر سنة ١٩٨٦. (٢) د/ زكي نجيب محمود ((ثقافتنا في مواجهة العصر)) (ص١٦) -دار الشروق يناير ١٩٧٦ م. تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://web lessam.blogspot.com/ ٢٣ المقدمة ووصف الحضارة الغربية بأنها غازية غالبة متسلّطة (١) كما حكم على عصرنا بأنه أدى بشبابه إلى حالة من التمزق والتفسخ والضياع، ثم تقدم مقترحًا الحل بقوله: ((فلو استطعنا نحن أن نقدم للعالم مجموعة متسقة الأجزاء من القيم الهادية للإنسان على طريق الحياة، كان هذا دورنا في بناء الحضارة المعاصرة))(٢). ويقدّم منظومة من القيم، لم تعرف بها أمة كما عرفنا ويعني بها القيم المتمثلة في أسماء الله الحسنى، وتوجه مجرى الحياة إلى أهداف تليق بالإنسان كما تصوره الثقافة الإسلامية العربية ((هي صفات تكون مطلقة بالنسبة إلى الله سبحانه، ومنقوصة متدرجة نحو الكمال بالنسبة إلى الإنسان (٣)، فلو استطعنا - عن طريق التربية بصفة خاصة، وعن طريق (١) نفسه (ص ٣٠). (٢) نفسه (ص٩١). (٣) يبدو أن الدكتور زكي نجيب محمود تأثر بعبارة من قال: ((يتخلّق بأسماء الله))، وهي في رأي الإمام ابن القيم ليست بعبارة سديدة، وهي منتزعة من قول الفلاسفة بالتشبيه بالإله على قدر الطاقة .. وأحسن منها العبارة المطابقة للقرآن، وهي الدعاء المتضمّن للتعبد والسؤال، وعلى هذا يكون الدعاء من العبادات التي توظف كل اسم بمقتضاه حيث يدعو الداعي بالاسم الذي يلائم الطلب والمسألة، ويتوسل إلى الله بذكر هذه الأسماء وما تضمنته من كمال الأوصاف وجلالها ((ابن القيم: بدائع الفوائد)). وقد اختلف العلماء في معنى الإحصاء الوارد بحديث الرسول وَله: ((إن لله تسعة وتسعين اسمًا مائة إلّا واحدة من أحصاها دخل الجنة)) متفق عليه، واختار الإمام ابن القيم إن الإحصاء على ثلاثة مراتب هي: ١- إحصاء ألفاظها وعددها. ٢- فهم معانيها ومدلولها. ٣- دعاؤه بها. وقال الشيخ ابن عثيمين في ((الفتاوى)): ((وليس معنى أحصاها أن تكتب في رقاع ثم https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ٢٤ صلاح الأمة في علو الهمة الفكر والنشر بصفة عامة- لو استطعنا ألا نجعلها مجرد ألفاظ نرددها على حبات المسابح، بل نجعل منها معايير حية نابضة نترسمها ونهتدي بهديها، إذن لكانت بين أيدينا منظومة منسقة كاملة من القيم التي تضاف إلى دنيا الواقع فتخرج الإنسان الكامل المتكامل، من وجهة نظر إسلامية، وفي ظروف هذا العصر، عصر العلم والصناعة))(١). وتوطئةً لاقتراحه العمل بهذه القيم يقرر أولًا: بأن الفكر لا يستحق أن يكون فكرًا بمعناه الصحيح، إلّا إذا رسم الطريق المؤدي إلى التغيير، وهي حقيقة التقت عندها كل مذاهب العصر (٢)، ثم يسأل ((وهل في هذا تكرر حتى تحفظ، ولكن معنى ذلك: أولًا: الإحاطة بها لفظًا. ثانيًا: فهمها معنى. ثالثًا: التعبد لله بمقتضاها ولذلك وجهان: [الأعراف: ١٨٠] بأن الوجه الأول: أن تدعو الله بها لقوله تعالى: ﴿ فَادْعُوهُ بِهَا تجعلها وسيلة إلى مطلوبك، فتختار الاسم المناسب لمطلوبك، فعند سؤال المغفرة تقول: يا غفور اغفر لي وليس من المناسب أن تقول: يا شديد العقاب اغفر لي بل هذا يشبه الاستهزاء بل تقول: أجرني من عقابك. الوجه الثاني: أن تتعرض في عبادتك لما تقتضيه هذه الأسماء، فمقتضى الرحيم الرحمة، فاعمل العمل الصالح الذي يكون جليًّا لرحمة الله، هذا هو معنى أحصاها، فإذا كان كذلك فهو جدير لأن يكون ثمنًا لدخول الجنة. يُنظر كتاب «المُجَلَّى في شرح القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى للعلامة محمد صالح العثيمين)) تأليف كاملة الكواري (ص١٣٨ - ١٣٩). دار ابن حزم - بیروت ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠٢م. (١) نفسه (ص٨٩). (٢) نفسه (ص٥١). https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://web lessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ٢٥ الذي يتطلبه منا العصر شيء جديد كل الجدّة على ما ورثناه عن تراثنا الفكري من مبادئ؟ إن القرآن الكريم كلما وجّه الخطاب إلى ﴿ الَّذِينَ ءَامَنُواْ ﴾ أضاف إلى ذلك قوله: ﴿وَعَمِلُواْ الصَّلِحَاتِ﴾(١). عد كأنَّ الإيمان لا يكون إيمانًا كاملًا إلَّا إذا اقترن بالعمل الصالح، وصلاحية العمل إنما تكون بالنسبة إلى الهدف المنشود .. فالسياسي لا يكون صالحًا إلّا إذا رسم لقومه خطة للعمل الناجح، والاقتصادي لا يكون صالحًا إلَّا إذا عرف الطريق الذي سينقذنا من التخلف، وهكذا، كل هؤلاء عاملون للصالحات -التي وإن بدت بدنيا الناس - فهي الطريق إلى مرضاة الله (٢). تقتضي المرحلة الراهنة الانتماء الصحيح إلى منابعنا: في إحدى مقالات الدكتور / زكي نجيب محمود يعالج قضية ضرورة الانتماء إلى منابعنا فيبدأ بالتقييم التاريخي لطريقنا الفكري منذ الغزو الاستعماري ويقسِّمه إلى مرحلتين: الأولى: منذ جاءت الحملة الفرنسية إلى مصر سنة ١٧٩٨ م. وكنا في هذه المرحلة على صلة وثيقة بما ينتجه الغرب من علم وأدب وفن، وكان أعلام هذه المرحلة يسرفون بالتباهي بثقافة الغرب وحضارته، وكان الصوت الأعلى هو لأصحاب الثقافة المنقولة عن الغرب، وكان الشعور بالنقص هو نصيب من درس الكنز الموروث مكتفيًا به، وهو (١) نفسه (ص٥٣). (٢) نفسه (ص ٥٣). تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ المقدمة تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد https://web lessam.blogspot.com/ ٢٦ صلاح الأمة في علو الهمة - موقف فيه هزال المريض، وضعف الذليل، لا سيما إذا تذكرنا أن بلادنا في قبضة المستعمر، الذي هو صاحب تلك الثقافة، التي ينقلها ناقلوها ثم يفاخرون الناس بما نقلوا))(١). الثانية: وهي التي نحياها اليوم وتتميز بإصرارنا على تحقيق ذواتنا بالانتماء الصحيح إلى منابعنا، ولكن العيب في أبناء هذه المرحلة - في رأيه- إنهم لا يريدون أن يسمعوا إلَّا صوتًا واحدًا، ويتمثل بسؤال وجهه شاب إلى الدكتور/ زكي نجيب وصيغته ((ألا يكفينا إسلامنا ويغنينا عن الغرب بكل ما فيه؟)) ودُهش للسؤال، وكانت إجابته تتلخص في أن من دعائم هذا العصر وحضارته هو العلم بقوانين الطبيعة في مختلف ظواهرها، وقد حض الإسلام على طلب العلم. بدليل إنه بالرجوع إلى معجم القرآن الكريم يتضح إن لفظ ((العلم)) ومشتقاته جاء فيما يزيد على سبعين صورة من الألفاظ الدالة على العلم)) في آيات القرآن الكريم «فإذا ضممنا هذا القدر الهائل إلى قدر هائل آخر عن مادة ((فكر)) وما يشتق منها علميًّا، فإننا أمام كتاب جعل للعلم والفكر منزلة هيهات أن تجد لهما منزلة أعلى منها في أي مصدر آخر، إنه لم يرد للإنسان علمًا مجرد العلم بل أراد له ((رسوخًا)) فيه، وهداه إلى وجوب التفرقة بين العلم والظن))(٢). ويرى الدكتور زكي نجيب أن هناك من الآيات القرآنية التي تحض (١) د/ زكي نجيب محمود ((قيم من التراث)) (ص١٣٦) ويستطرد قائلا بصراحة تامة: ((ولقد كنتُ لفترة طويلة واحدًا من أولئك الذين ضلوا سبيل الحق في هذا الصدد، فبالغت كما بالغوا، حتى أراد لي الله رؤية أهدى)). (٢) د/ زكي نجيب محمود ((قيم من التراث)) (ص١٣٩). تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ المقدمة ٢٧ المسلم على التفكر في خلق السموات والأرض، ولكنه مطالب بعدم الوقوف عند التلاوة وحدها مجردة عن التنفيذ، بل يجب التنفيذ لمضامينها للظفر بالعلم المطلوب، ويقول: ((فانظر إلى النقلة الكبرى التي نتعلمها إذا نحن قرأنا كتاب الله قراءة نقفز بها إلى آفاق العمل والتطبيق))(١). إنه يضع شرطًا ضروريًّا لقراءة القرآن الكريم لتؤدي إلى النتائج التي حققها السلف الذين قاموا بتنفيذ أمر الله تعالى بالتفكير في خلق السموات والأرض ((ولقد اضطلع السلف بكثير من التفكير في الكون وكائناته وظواهره: فكان منهم علماء الفلك وعلماء الطب وعلماء الكيمياء وعلماء الطبيعة في هذه الظاهرة أو تلك، كما كان منهم علماء الحيوان وعلماء الطبيعة))(٢). أما عن صلة المسلمين بحضارة العصر، فإنه يبسط الفكرة ويغذيها بمن سَّه ((المسلم الجديد))، و((المسلم القديم))، فإن المسلم الجديد مطالب كما طولب المسلم القديم بالتصدي لعلوم عصره، ((إنه مطالب بقراءة الكون فيما يعرضه أمام حواسنا من صفحات، لكنها صفحات كتبت بلغة الصوت والضوء والمغناطيسية والكهرباء .. ))(٣). ويرسم الطريق للمسلم فيرى أن الانطلاق من كتاب الله وَّ يجعله يشارك بقوته التي يستمدَّها منه في هذه الحضارة ((مشاركة الأنداد فتكون له السيادة كما كانت لأسلافه)» (٤). (١) نفسه (ص١٤١). (٢) زكي نجيب محمود ((عن الحرية أتحدث)) (ص٨٨). (٣) د/ زكي نجيب محمود ((عن الحرية أتحدث)) (ص ٨١). (٤) نفسه (ص ٩٠). ... تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ٢٨ صلاح الأمة في علو الهمة وحجته في هذا أن الإسلام أراد للمسلم أن يكون قويًّا، وعصرنا قوته في علومه، ومن واجب المسلم الجديد ألا يكتفي بنقل علوم الآخرين، ((بل نصيبه من البحث العلمي الأصيل الذي يقدمه إلى الدنيا قائلًا: ها أنذا))(١). الرد على العلمانيين: كيف أنشأ الإسلام دولة مكتملة المعالم والمقوّمات: يعرَّف الدكتور/ زكي نجيب محمود الإسلام من حيث هو دين: ((له أركانه الخمسة التي يعرفها كل مسلم ويلتزمها كل مسلم))، فهو يؤكد فكرة الالتزام بأركانه، ومن حيث شريعة له أحكامه التي يفصلها لنا علماء الفقه، فنعتز بها أحكامًا تضبط مناشط حياتنا، أي: أنه لا يقتصر على العبارات فحسب))(٢). وقد توسع في عرض تنظيم الدولة في الإسلام فذكر القطاع الحربي وفيه ((أمراء القتال وجنده))، وكتاب الجيش، وفارضو العطاء، والعرفاء رؤساء الجند .. إلخ. وعلى النواحي كان هناك ولاة وأمراء الأقاليم، وفيها كان القضاة وعمال الجباية والخراج .. والقائم على الحمى .. وصاحب المساحة، وعمال الزكاة والصدقات، والخارصون للثمار، كما كان هناك ((فارضو المواريث)) .. و((فارضو النفقات .. )) إلخ. (١) نفسه (ص ٩٠). (٢) د/ زكي نجيب محمود ((قيم من التراث)) (ص ١٧٢) مكتبة الأسرة بالقاهرة سنة ١٩٩٩ - دار الشروق. تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد المقدمة ٢٩ كذلك كان هناك من يقوم بهمة (المحتسب)) و((صاحب العسس))، و((متولي حراسة المدينة))، و((العين: الجاسوس .. و((السجان)) و((المنادي))، و(مقيم الحدود)) و((متولي التطبيب والعلاج)) .. إلخ. وعند الغزو، كان هناك ((أمراء الجهاد)) و((المستخلفون على المدينة))، ومن ((يستنفر الناس للقتال))، و((صاحب السلاح)) و((صاحب اللواء))، و(أمراء أقسام الجيش الخمسة))، و((حراس القائد)) عليه الصلاة والسلام (والقائمون على متاع السفر))، ومن (يخذّلون الأعداء))، ومن (يبشرون بالنصر)) إلخ إلخ. ويبدو من اطلاعه الواسع على كتب التراث، إنه استخرج مثل هذه الوظائف من بطون الكتب، وربما كدنا ننساها بسبب غياب تطبيق الشريعة، ويظهر من التعقيب على كل وظيفة بكلمة (إلخ .. إلخ) - وكان حريصًا على أن يذيِّل بها الوظائف ليعرف القارئ أنه اختصر في عرضها، ولم يتحدث إلَّا على أهمها، إذ يستطرد قائلا: ((وكثير من هذه الوظائف الإدارية كان لها أربابها الذين عينهم الرسول وَله فيها ابتداء .. فنحن أمام ((دولة)) اكتملت لها المعالم والمقوِّمات .. نشأت كضرورة اقتضاها الدفاع عن حرية العقيدة الجديدة وحرية الدعوة والدعاة للدين الجديد .. وكضرورة لإقامة شريعة الإسلام، وتنظيم المجتمع الذي قام بالمدينة بعد هجرة الرسول ( النت))(١). ونراه قد أجاد في تصور الجهاد في الإسلام لتحقيق الحرية للناس في (١) د/ زكي نجيب محمود ((عن الحرية أتحدث)) (ص٤٧/٤٦) - دار الشروق بالقاهرة نوفمبر سنة ١٩٨٦ م. تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد ٣٠ صلاح الأمة في علو الهمة اعتناق الإسلام أمام قوى البطش التي تريد استعباد الشعوب، وإذلالها لتحول بينهم وبين اختيار العقيدة التي تحقق لها القيم والفضائل والحياة الإنسانية الطيِّة، ولا نستبعد أنه استوحى مثل هذا التصور من اطلاعه الواسع، وقد سبقه إلى هذا التفسير أيضًا المهتدي للإسلام ((محمد أسد)) إذ علَّل الفتوحات الإسلامية بقوله: ((ولم يكن يحفز المجاهدين الأوليين إلى الجهاد طمع في خفض من العيش ورخائه على حساب الناس الآخرين، ولم يقصد منه إلّا بناء إطار عالمي لأحسن ما يمكن للإنسان من ارتقاء روحي، كما أن العلم بالفضيلة حسب تعليم الإسلام يفرض على الإنسان تبعة العمل بالفضائل. ويستطرد قائلًا: ((فإن الفضيلة -كما يقول الإسلام- تحيا إذا جاهد الإنسان لبسط سلطانها على الأرض وتموت إذا خذلها وتقاعد عن نصرتها)) (١). ■ ونعود للدكتور زكي نجيب محمود الذي يتساءل بعد عرضه للدولة الإسلامية ((فهل هناك، بعد هذا الذي قدّمنا مجال لزعم علماني يدَّعي أصحابه أن الإسلام: ((دين)) لا ((دولة)) ورسالة روحية محضة، لا علاقة لها بسياسة المجتمع .. وأن رسوله وَليو ما كان إلَّا رسولًا، كالذين سبقوه، لم يقم دولة، ولم يرأس حكومة، ولم يسس المجتمع الذي عاش فيه؟؟ !.. ثم يقرّر بحسم وقطع: ((لا نظن أن هناك مجالًا لزعم الذين أجهدوا الحقيقة ليقرروا ((علمانية الإسلام)). (١) محمد أسد ((الإسلام على مفترق الطرق)) (ص٢٩) نقلًا عن: الإمام أبو الحسن الندوي بكتابه ((ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين)) (ص١٢١) دار الكتاب العربي بيروت (١٣٨٧ هـ / ١٩٦٧ م). تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ٣١ ۔ المقدمة ولا يفوتنا أيضًا تسجيل رأيه في دولة الإسلام حيث تتميز عن ((دولة الكهانة)) و((الدولة الدينية)) التي عرفتها الحضارات غير الإسلامية، تستبد بها فئة خاصة بزعم أنها مفوضة للحكم بالحق الإلهي (١). ا ويستشهد في ذلك بحرب الردة أيام أبي بكر الصديق عامعنه ليستخلص منها أن وجود ((دولة الخلافة يومئذٍ))- كانت ضرورة مدنية وواجب سياسي - كان السبيل لتنظيم ((الزكاة)) التي هي واجب ديني، وركن من أركان الإسلام الدين .. وهذا هو المعنى الحقيقي والعميق لعبارة أبي بكر، التي حسمت الحوار الذي دار حول مشروعية قتال هؤلاء المرتدين عن وحدة الدولة الإسلامية: إن الزكاة هي حق لا إله إلّا الله. ((والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه لرسول الله وقطر -لقاتلتهم عليه .. وبهذا المنطق، الذي ربط به أبو بكر بين ((الدين)) و(الدولة)) شرح الله صدر عمر بن الخطاب لرأي الصديق الإفضها في هذا الموضوع الخطير. ■ ويستطرد الدكتور زكي نجيب محمود ليقطع برأي حاسم أمام الذين يخلطون بين الحكومة في الإسلام، والحكومة الدينية التي عرفها الغرب في العصور الوسطى، فيقول: ((بل لعلنا لا نغالي إذا قلنا: إن وجود (دولة الخلافة)) التي حماها الصحابة ودعموها بقتالهم للمرتدين رغم طابعها المدني، وانتفاء وصف ((الواجب الديني)) والفريضة الدينية، والدولة الدينية عنها -إن وجودها كان السبيل لما هو أكثر من إقامة ((فريضة الزكاة الدينية)) كركن من أركان الدين .. إذ أنها كانت السبيل لإقامة الإسلام كله كدين .. ((فالدولة)) هي التي نشرت الإسلام خارج (١) د/ زكي نجيب محمود ((عن الحرية أتحدث)) (ص ٤٧). بـ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com https://web lessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد صلاح الأمة في علو الهمة ٣٢ شبه الجزيرة. بعد أن أعادت رفع أعلامه التي طواها العرب المرتدون .. ولولاها لتهددت الإسلام مخاطر أن يصبح مجرد نحلة من النحل التي عرفها التاريخ، أو ديانة يقف شرف التدين بها عند قلة من الناس .. لقد كانت هذه ((الدولة)) هي الأداة التي تحقق بها وعد الله سبحانه في قرآنه الكريم: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّ لَهُ لَفِظُونَ (٥)﴾ [الحجر](١). ■ ولم يقف به التصور الإسلامي الشامل إلى بيان صلة الإسلام بنظام الحكم وإقامة العدل، بل امتد ليشمل تحقيقه لرغبات الإنسان في شُعَب الحياة الإنسانية، فإنه انتهز فرصة لإلقاء محاضرة عن الإسلام في إحدى جامعات أمريكا، وكان يعلم مسبقًا بجهل الأمريكيين بالإسلام مقرونًا في أنفسهم بشعور يميل بهم نحو الحكم الظالم. وقد استخدم نَمّهُ حيلة بارعة في تقديم محاضرته، فلم يصرّح في بدايتها إنه سيتحدث عن الإسلام -لأنه يعرف شعورهم نحوه، بل أخذ- كما يقول: ((أرسم لهم صورة ثقافية حضارية نتمنى جميعًا أن تتجه الإنسانية إلى تحقيقها، فما هي صورة الإنسان الفرد كما نريد له جميعًا أن يكون؛ وما هي صورة الروابط التي نتمناها جميعًا أن تربط الأفراد في المجتمع؟ وهكذا مضيت في حديثي معهم، وكأن موضوعنا هو مستقبل الإنسان ومستقبل الثقافة ومستقبل الحضارة حتى إذا ما بلغت بحديثي حدًّا ظهر منهم بالموافقة والرضى، قلت لهم: لكن هذه الصورة التي رسمتها لكم أيها السيدات والسادة هي صورة (١) د/ زكي نجيب محمود ((عن الحرية أتحدث)) (ص٤٩). تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ٣٣ المقدمة الإسلام !! فقال أحدهم قولًا شديد الشبه بما قاله مسيو جوردان لمعلمّه في مسرحية (موليير))- قال: أكنا إذن طوال زماننا مسلمين ونحن لا ندري؟))(١). ويضفي على العقيدة أهميتها الخاصة كأداة مقاومة في الحرب مع إسرائيل، إذ يرى أن قوة العقيدة لا تقل شأنًا عن قوة الجيش والطيران والأسطول وقوة السلاح الذري وغير الذري من نتاج العلم التكنولوجي الجديد، فإذا وازنًّا بين طرفين أحدهما هو قوة الوسائل المادية، والآخر هو قوة العقائد والأفكار، كان السداد في اختيار الطريق الثاني .. ((هذه هي حركة التاريخ، لن يشذّ فيها صراع الأمة العربية مع إسرائيل))(٢). ■ ولنقارن بالتصور الإسلامي للإنسان في الفكر الإسلامي يقول د/ زكي نجيب محمود: «وأما عن حياة الروح .. فأهم ما يرد عنها الخاطر، هو عبادة الله جل شأنه، وعلى الرغم من أن العبادة في معظم أركانها تعتمد على الجسد، فالشهادة ينطق بها اللسان، ومعه سائر أجزاء الجهاز الصوتي، (١) د/ زكي نجيب محمود ((قيم من التراث)) (ص٣٦٨). (٢) د/ زكي نجيب محمود ((ثقافتنا في مواجهة العصر)) (ص٣١٩)، ويرى الدكتور زكي نجيب محمود أن هناك تشابهًا بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، فكلتاهما أرادت أن تنزع شعبًا من أرضه لتأخذ مكانه، وفي ذلك أفلحت أمريكا بالفعل- وفي ذلك أيضًا أرادت إسرائيل أن تفلح. كذلك يؤيد الرأي القائل بأن الاستعمار الأمريكي الجديد الذي حل محل الاستعمار بصورته الكلاسيكية ولكنه استحدث لنفسه أساليب جديدة ينفذ بها إلى الشعوب الأسيوية والأفريقية، وذلك عن طريق السيطرة الاقتصادية والعقلية والجسمية، بواسطة مجموعة صغيرة، ولكنها دخيلة، نفس المصدر (ص ٣١٧). تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ٣٤ صلاح الأمة في علو الهمة والصلاة وقوف وركوع وسجود ونطق، والحج طواف ووقفة على عرفات وعبارات تقال ورمي للجمرات .. إلخ. وكلها يؤديها الجسد، أقول: إنه على الرغم من أن الجسد أداة ضرورية لأداء العبادات إلَّا أنه في ذلك مجرد أداة، وأما الغاية فهي شأن الروح التي لا يعرف أمرها وسرها إلَّا ربها(١). يضفي الإسلام على الحياة المعنى المفتقد في حضارة الغرب: وفي وصفه لأهل الغرب، یری أنهم يسعون بلا هدف نهائي وهدفهم الحاضر هو تحصيل لقمة العيش، ومع التقدم العلمي الذي أنتج الآلات ربما سأل سائل ((وماذا جناه الإنسان من علم وآلاته؟)). وفي غياب الإجابة نشأ في أهل الغرب ما نشأ من قلق ومن شعور بالاغتراب ((لأن الواحد منهم يحس، وكأنه انسلخ عن ذات نفسه ليصنع أشياء الآخرين))(٢). ■ وقد أسهمت المذاهب الفلسفية المعاصرة في الإحساس بالقلق، إذ لها اتجاهان: الأول: ينصب على العلم في بنيته ومنهجه. والثاني: يصب اهتمامه على حياة الإنسان نفسها. ((وكلا الاتجاهين -كما نرى- لا يفسح مكانًا لما هو وراء هذه الحياة (١) د/ زكي نجيب محمود ((في مفترق الطرق)) (ص ٤٥) ط الشروق ١٤١٤هـ - ١٩٩٣ م. (٢) د/ زكي نجيب محمود «قيم من التراث)) (ص١٣١)، الهيئة المصرية العامة للكتاب بالقاهرة -مكتبة الأسرة سنة ١٩٩٩ م. تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://web lessam.blogspot.com/ ٣٥ المقدمة بتاريخها الماضي وعلمها الحاضر، إذ هو لا يهتم بما كان من قبل الحياة ونشأتها، ولا بما سوف يكون بعد فنائها .. فإذا سائل: وماذا بعد؟ فإنه يشعر بالقلق والاغتراب؛ لأنه لا يجد الجواب)) (١). ■ ويقول الدكتور/ زكي نجيب محمود ((لكن المسلمين عندهم في ديانتهم الجواب، فالصورة في عقيدتهم الدينية لما سوف يكون بعد فناء الأرض وما عليها ومن عليها صورة واضحة بكل تفصيلاتها، فهنالك البعث والنشور، وهنالك الحساب وهنالك الثواب والعقاب .. وهنالك العدالة بأدق موازينها))(٢). ولم يفته أيضًا الإجابة عن سؤال آخر، وهو ((قيم الحياة وشقاؤها))؟ فيجيب ((إنك تحيا بأمر الله وتعمل طاعةً لله، وسيكون يوم الحساب موعدًا لإقامة العدل فيما قدمت يداك، وبهذا تنتفي دواعي القلق والاغتراب، وغير ذلك من الحصاد المرّ الذي تغص به حلوق المعاصرين))(٣). وبهذه الإجابة الواضحة يضيف المسلمون إلى حضارة العصر معنى الحياة، ويقول: ((إننا لا نرفض العصر، بل نضيف إليه ما ينقصه))(٤). الفروق بين الدين والفلسفة : كع. ويرى الدكتور زكي نجيب محمود أن الفروق بين الدين والفلسفة واسعة وعميقة، ويعدّد أوجه الخلاف بينهما، فهو اختلاف في المصدر، إذ الدين مصدره وحي يوحي إلى نبيٍّ أو رسول، وأما الفلسفة فهي قائمة (١) د/ زكي نجيب محمود ((ثيم من التراث)) (ص ١٣٢). (٢) نفسه. (٣) نفسه. (٤) نفسه. ٠ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ . تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ٣٦ صلاح الأمة في علو الهمة على رؤى يحدسها إنسان من البشر .. واختلاف أيضًا بينهما في الوظيفة، فالدين منظومة من العقائد والشرائع والعبادات والمبادئ، يتكون منها خطة حياة هنا في هذه الدنيا، وتمهد للحياة الآخرة يوم يكون الحساب .. بينما الفلسفة تصب فاعليتها على ظاهرة معينة لتكشف عن طبيعتها أولًا، وعن علاقاتها ببقيّة الظواهر ثانيًا .. )) (١). ■ ويقول في موضع آخر: ((فبينما تتعدد البناءات الفلسفية بتعدد الفلاسفة، يظل البناء الديني واحدًا لوحدانية الموحي به والمحوى إليه، وإذا جعلنا حديثنا هنا مقصورًا على الإسلام، قلنا: إن شهادة ألا إله إلَّا الله وأن محمدًا رسول الله تتضمَّن فيما تتضمنه، وحدانية من أوحى بالدين ومن نزل عليه الوحي، وذلك يستتبع أن يظل البناء الديني عند المؤمنين به واحدًا عند الجميع))(٢). ■ وبعد أن يستطرد بشرح أوجه الخلاف بين الدين والفلسفة يقرر في نهاية المطاف حكمه النهائي بقوله: ((إنه الخلط الفكري الذي رُزئنا به في حياتنا الثقافية، حتى أصبحنا وكأننا في تلك الحياة نخوض في عماءٍ فوقه سحاب أدكن، ويكتنفه ضباب قاتم كثيف))(٣). قد أصاب بهذا الحكم على الفلسفة فهي عاجزة عن تحقيق حياة واقعية (١) د/ زكي نجيب محمود ((قيم من التراث)) (ص١٢١ - ١٢٢) باختصار مكتبة الأسرة (سنة ١٩٩٩). (٢)نفسه (ص ١٢٠). (٣) نفسه (ص١٢٣)، وكان في أول المقال قد أبدى دهشته إذ رأى بين صفوة المثقفين من يجب الدين فلسفة ومن يحب الفلسفة دينًا (ص١١٥)، وعنوان المقال ((الفلسفة شيء والدین شيء آخر)). تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ٣٧ المقدمة فاضلة، إذ أنه لا بديل عن الدين في تنظيم حياتنا. هذا، وقد حجبت الفلسفة الغربية قديمًا وحديثًا بمناهجها ومدارسها وروادها، حجبت الإسلام-بمصدريه كتاب الله تعالى وسنة رسوله وَله - عن الأجيال تلو الأجيال منذ عصر الاستعمار الغربي لبلاد المسلمين، وهم آلاف المثقفين ((الذين ما أن فتحت عيونهم على فكر أوروبي قديم أو جديد، حتى سبقت على خواطرهم ظنون بأن ذلك هو الفكر الإنساني الذي لا فكر سواه؛ لأن عيونهم لم تفتح على غيره لتراه))(١). وتاريخ إدخال الفلسفة الغربية القديمة والوسطى والحديثة إلى جامعاتنا ينمُّ عن إحدى أدوات التغريب لشباب المسلمين، لسلخهم من هويتهم الإسلامية وجعل ولائهم الفكري تابعًا للغرب، وقد نجح الغرب في تحقيق غرضه إلى أبعد حد، فإن واقعنا المتمثل في مناهج التعليم، وجهل أغلب أبنائنا بتراثهم الإسلامي، دليل ساطع على نجاحه. ■ يقول فنسامي مونتاي الفرنسي -المهتدي للإسلام -: ((إن مثل الفكر العربي الإسلامي المبعد عن التأثير القرآني، كمثل رجل أفرغَ من دمه)) (٢). ك وفي الختام، نرى أن آراء الدكتور زكي نجيب محمود اتسمت بدقة الملاحظة والصراحة والحرص على متابعة واقع الحياة ببلادنا، لتصحيح ما يراه من انحرافات ربما تخفي عن أعين الكثيرين ولعل أبرزها ما لاحظه في (١) د/ زكي نجيب محمود ((تجديد الفكر العربي)) (ص ٥ - ٦) -دار الشروق- القاهرة ١٩٨٢ م. (٢) مجدي الهلالي ((تحقيق الوصال بين القلب والقرآن)) (ص١٢٢) - مؤسسة اقرأ - القاهرة ١٤٢٩ هـ/ ٢٠٠٨م. تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://web lessam.blogspot.com/ ٣٨ صلاح الأمة في علو الهمة البلاد النامية من المفارقات بين القول والعمل، وقد تجسَّدت الظاهرة في هذه البلاد التي ظفرت بحريتها وتولى الحكم فيه حكومة من أبنائها بعد أن كانت في أيدي أجانب غاصبين، وأخذ يصف الحكام الوطنيين بقوله: ((قد تذهلهم السلطة التي جاءت إليهم فجأة، بكل ما يتبعها من مكاسب، فتأخذهم خشية أن يكون هذا ((العزّ)) المفاجئ مصيره إلى زوال مفاجئ أيضًا .. فيحاولون جمع أكثر ما يمكن جمعه، وفي أقصر مدّة ممكنة، قبل أن يُباغَتوا بأحكام القدر. ومن هنا تراهم يقسِّمون حياتهم قسمين: أحدهما في العلن، والآخر في الخفاء، فيبشرون بكل ما يطيب وقعه على الأسماع، لكنهم من وراء ظهر المجتمع يكنزون ويكرّسون)»(١). شهادة الدكتور طه حسين ورجوعه عن سابق أقواله : كان مؤلف كتاب ((دور جامعة القاهرة في بناء مصر الحديثة)) قد وصف الدكتور طه حسين بأنه [داعية الحداثة المكافح](٢) ولكن يبدو أنه رجع في نهاية حياته وإن لم يصرّح بذلك على العلن كما كان يفعل في مواقفه السابقة، وقد نشر الشيخ محمود محمد شاكر -رحمه الله تعالى- شهادة الدكتور طه حسين التي تتضمن النقد لحضارة الغرب إذ رأى إنها حملت إلى عقولنا شرًّا غير قليل، ساخرًا من الذين قلّدُوها تقليد القردة، مشفقًا على ضحايا الحضارة الحديثة الذين ظنوا أن التجديد في إماتة القديم، وقد وصف أحدهم بقوله: ((ينفث السم ويفسد العقول ويمسخ في نفوس الناس المعنى الصحيح لكلمة التجديد»(٣). (١) ((قيم من التراث)) (ص٣٥٨). (٢) دونالد مالكولم ريد ((دور جامعة القاهرة في بناء مصر الحديثة)) (ص ٩٥) ترجمة إكرام يوسف مكتبة الأسرة بمصر سنة ٢٠٠٧م. (٣) محمود محمد شاكر ((رسالة في الطريق إلى ثقافتنا)) (ص ٢٤٥) كتاب الهلال -مصر = تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد المقدمة https://weblessam.blogspot.com/ ٣٩ وقد سجل الشيخ شاكر اعتراف الدكتور بتصحيح مواقفه السابقة، فقال: قد بيَّنت في بعض مقالاتي أن الدكتور طه، قد رجع عن أقواله التي قالها في الشعر الجاهلي، بهذا الذي كتبه، وببعض ما صارحني به بعد ذلك، وصارح به آخرين، من رجوعه عن هذه الأقوال؛ ولكنه لم يكتب شيئًا صريحًا يتبرأ به مما قال أو كتب. وهكذا كانت عادة ((الأساتذة الكبار))! يخطئون في العلن، ويتبرؤون من خطئهم في السرّ)) (١). نبذة عن نشأة الجامعات المصرية ودورها في حركة التغريب: إن حركة إحياء التراث الإسلامي -وهو مرآة حضارتنا العظمى- تقتضي أن يحتل مكانته في الجامعات، ويتطلب تضافر الجهود والتخطيط وفق مناهج علمية تربوية لإزاحة الكم الهائل من آثار مناهج التغريب التي نبعت من جامعاتنا إذْ أُنشئت في الأغلب بواسطة المستشرقين الذين صبغوها بصبغة الثقافة الغربية، وعلى رأسها الفلسفة (٢) واستمر تلاميذهم في أداء أدوارهم. العدد ٤٨٩ صفر - سبتمبر سنة ١٩٩١م، وقد علق الشيخ شاكر على الشهادة بقوله: ((وأخشى أن أقول إن هذه الصفة تشمل عامة المثقفين في زماننا هذا إلى سنة ١٩٧٧ . (١) نفسه (ص٢٤١). (٢) بعد أن عرض الدكتور التفتازاني - رحمه الله تعالى- للصراع بين المذاهب الفلسفية، قال: ((وهكذا ينقل الأساتذة الصراع الأجنبي حول الآراء والمذاهب الفلسفية إلى أرض العروبة والإسلام، وكان تخصيصهم الجامعي في هذا الميدان من الدراسات يُفرض عليهم فرضًا أَنْ يغفلوا ذاتيتنا وتراثنا الفلسفي عند تقييم مادرسوه ويدرسون، لهذا ليس بدعًا أن نؤكد على ذاتيتنا بإزاء فكر العصر)) بحث بعنوان: ((منهج إسلامي في تدريس الفلسفة الأوربية الحديثة والمعاصرة في الجامعة)) (ص٣٦٥) مجلة ((الجمعية الفلسفية المصرية)) العدد الرابع -السنة الرابعة- يناير سنة ١٩٩٦ م. تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ٠ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ٤٠ صلاح الأمة في علو الهمة وقصة إنشاء جامعاتنا ودورها التغريبي العلماني تحتاج إلى دراسة مستقلة لنعرف مدى العبء الذي يجب أن يقوم به علماؤنا المخلصون لإزاحة الركام الثقافي الغربي الدخيل، ولكننا سنكتفي بسرد بعض الوقائع كلمحات نستخلص منها نتائج ذات مغزى. ■ يصف ((دونالد مالكولم ريد» جامعة القاهرة عند إنشائها بأنها مؤسسة تعليمية تزهو بما تراه في نفسها من عصرية علمانية))(١). وقد تولى المستشرقون وغيرهم من الأساتذة الأوروبيين إلقاء الكثير من المحاضرات في هذه المؤسسة الناشئة، وهي تشق طريقها بصعوبة في سنواتها الأولى، وكان بعضهم يقوم بتدريس الفلسفة الإسلامية والأدب العربي، وقد كرّس المستشرقون خبراتهم لخدمة الإمبراطورية الغربية (٢). ■ وقد قام كل من نالينو، وفيث، وماسينيون وكريزويل وسناوك وهرجرونج بمعاونة حكوماتهم على محاربة المسلمين أو السيطرة عليهم(٣). وقامت جامعة فاروق ((الإسكندرية حاليًا)) بالتركيز على دراسة الحضارة الإغريقية، الرومانية والتاريخ الأوروبي الحديث (٤)، وكانت جامعة عين شمس تعكس أوضاع العصر باتباع بعض التوجهات (١) ((دونا لدمالكولم ريد)) ترجمة إكرام يوسف ((دور جامعة القاهرة في بناء مصر الحديثة)) (ص٩٥) -مكتبة الأسرة سنة ٢٠٠٧م ويذكر أَنَّ علمانيتها كانت بإرادة سعد زغلول (ص٦٢). (٢) نفسه (ص٢٣)، (ص٦٤). (٣) نفسه (ص٧٧). (٤) نفسه (ص٢٠١). تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/