Indexed OCR Text
Pages 361-380
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في علوّ الهمة - المجلد الثالث ٣٦١ قال : وكنتُ تَبيعًا لطلحة بن عُبيد الله ، أسقي فرسَه وأحسُه وأخدمه ، وآكل من طعامه، وتركت أهلي ومالي إلى الله ورسوله عَ له. قال: فلما اصطلحنا نحن وأهل مكة ، واختلط بعضنا ببعض ، أتيتُ شجرةً فكسحتُ شوكها ، فاضطجعت في أصلها . قال : فأتاني أربعةٌ من المشركين من أهل مكة ، فجعلوا يقعون في رسول الله عَ ليه ، فأبغضهُم، فتحولتُ إلى شجرةٍ أخرى ، وعلّقوا سلاحهم واضطجعوا ، فبينما هم كذلك ، إذْ نادَى منادٍ من أسفل الوادي : يا للمهاجرين ، قُتِلَ ابن زنيم . قال : فاخترطتُّ سيفي ، ثم شددتُ على أولئك الأربعة وهم رقودٌ ، فأخذت سلاحهم ، فجعلتُه ضِغتًا في يدي . قال : ثم قلت : والذي كَرَّم وَجْهَ محمدٍ ، لا يرفع أحد منكم رأسَه إلا ضربتُ الذي فيه عيناه . قال: ثم جئت بهم أسوقهم إلى رسول الله عَّله، وجاء عمِّي عامٌ برجل من العَبَلات - يُقال له: ((مكرز)) - يقوده إلى رسول الله عَ لهم على فرس مُجَفَّفٍ في سبعين من المشركين ، فنظر إليهم رسول الله عَ ◌ّمِ فقال: ((دعُوهم، يكن لهم بَدءُ الفجور وثِنَاه)). فعفا عنهم رسول الله عَ ليه، وأنزل الله ﴿وهو الذي كفَّ أیدیھم عنكمْ وأيديَكُمْ عنْهُمْ بِبَطْنِ مكةً مِن بعدِ أنْ أظفرَكُم عليهم ... ) الآية كلّها . قال : ثم خرجنا راجعين إلى المدينة ، فنزلنا منزلًا بيننا وبين بني لِخْيان : جبل، وهم المشركون، فاستغفر رسول الله عَّ لمن رَقِي هذا الجبل الليلة ، كأنه طليعةٌ للنبي عَ لَّه وأصحابه . قال سلمة : فرقيتُ تلك الليلة مرتين أو ثلاثًا، ثم قدمنا المدينة، فبعث رسول الله عَّةٍ بِظَهْره(١) مع ((رباح)) غلامِ رسول الله عَّ ◌ُله وأنا معه، وخرجتُ معه بفرس طلحة، أنّيه مع الظَّهر ، فلما أصبحنا إذا عبد الرحمن الفَزَارِي قد أغار على ظَهْرِ رسول الله (١) الإِبل تُعَدُّ للركوب وحمْل الأثقال. تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٣٦٢ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث عٍَّ فاستاقه أجمع، وقَتَل راعيه. قال: فقلت: يا رباح، خذّ هذا الفرس، فأبلغه طلحة بن عبيد الله، وأخبرْ رسول الله عَ لِّ أَنّ المشركين قد أغاروا على سرحه . قال : ثم قمتُ على أُكَمَة فاستقبلتُ المدينة ، فناديتُ ثلاثًا : يا صَبَاحاه . ثم خرجتُ في آثار القوم أرميهم بالنَّبْل ، وأرتجز أقول : أنا ابنُ الأكوعْ واليومُ يومُ الرُّضّعْ فألحق رجلًا منهم فأصكُ سهمًا في رحْلِهِ ، حتى خلص نَصْلُ السهم إلى كَتِفِه . قال : قلت : خذْها . واليومُ يوم الُّضّعْ وأنا ابنُ الأكوعْ قال : فوالله ما زلت أرميهم وأعقر بهم ، فإذا رجع إلّ فارسٌ أتيتُ شجرةً فجلست في أصلها ، ثم رميْتُه فعقرتُ به ، حتى إذا تضايق الجبل فدخلوا في تضايُقه ، علوتُ الجبلَ فجعلتُ أُردّيهم بالحجارة ، فما زلتُ كذلك أتبعهم، حتى ما خَلَقَ اللهُ من بعيرٍ من ظهْرِ رسول الله عَ لَّه إلّا خلّفتُه وراء ظهري ، وخلَّوْا بيني وبينه ، ثم اتبعتُهم أرميهم حتى ألقوا أكثر من ثلاثين بُرْدةً، وثلاثين رمحًا يستخفّون ، ولا يطرحون شيئًا إلا جعلتُ عليه آرامًا من الحجارة ؛ يعرفها رسول الله عَ له وأصحابه ، حتى أتوا مُتَضايقًا من ثَنِيَّةٍ ، فإذا هم قد أتاهم فلان بن بدر الفزاري ، فجلسوا يتضحَّوْن - يعني يتغذّون - وجلستُ على رأسٍ قَرْنٍ . قال الفزاري : ما هذا الذي أرى ؟ قالوا : لقينا من هذا البّرْح، والله ما فارقنا منذ غَلَسِ يرمينا حتى انتزع كل شيء في أيدينا . قال : فليقمْ إليه نفرٌ منكم أربعةٌ . قال : فصعِد إلّي منهم أربعةٌ في الجبل . قال : فلمّا أمكنوني من الكلام ، قال : قلت : هل تعرفونني ؟ قالوا : لا ، ومن أنت ؟ قال : قلت : أنا سلمة بن الأكوع ، والذي كرّم وجه محمدٍ عَِّ لا أطلب رجلًا منكم إلا أدركتُهُ ، ولا يطلبني رجل منكم تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في غُلُوَ الهمة - المجلد الثالث ٣٦٣ فيدر كني . قال أحدهم : أنا أظنُّ . قال : فرجعوا ، فما برحتُ مكاني حتى رأيتُ فوارسَ رسول الله عَ لَّه يتخلَّلون الشجر. قال: فإذا أوّلهم: الأخْرم الأَسَدي، على إثْره أبو قتادة الأنصاري ، وعلى إثْره المقداد بن الأسود الكِنْدي . قال : فأخذتُ بعَنَانِ الأَخْرَم . قال : فولَّوا مدبرين . قلتُ : يا أخرم، احذرهم، لا يقتطعوك حتى يلحَقَ رسولُ الله عَ لّه وأصحابه. قال : يا سلمة ، إن كنتَ تؤمن بالله واليوم الآخر، وتعلمُ أن الجنة حَقّ والنَّار حقٍّ، فلا تَحُلْ بيني وبين الشَّهادة . قال : فخلّيْتُه ، فالتقى هو وعبد الرحمن . قال : فَعَقَرَ بعبدِ الرحمن فرسَه ، وطعنه عبدُ الرحمن فقتله، وتحوّل على فرسه، ولحِقَ أبو قتادة فارسُ رسول الله عَ ليه بعبد الرحمن فطعنه فقتله ، فوالذي كرّم وجه محمد عَّةٍ ، لتبعتهُم أعدو على رجلّ ، حتى ما أرى ورائي من أصحاب محمدٍ عَّةِ ، ولا غبارِهم شيئًا ، حتى يعدِلوا قبل غروب الشمس إلى شِعْبٍ فيه ماء ، يقال له : ذو قَرَد؛ ليشربوا منه وهم ◌ِطاشٌ . قال: فنظروا إلّ أعدو وراءهم ، فخلّيْتُهم عنه - يعني أجليْتُهم عنه - فما ذاقوا منه قطرةً . قال : ويخرجون فيشتدون فِي ثَنِيّةٍ . قال: فأعدو فألحق رجلًا منهم، فأصكُّه بسهم في نُغْض كَتِفِهِ . قال : قلتُ : خذها . وأنا ابنُ الأكوعْ واليومُ يومُ الرّضّعْ قال : يا ثَكِلَتْهُ أمُّهُ أَكْوَعُهُ بِكْرَةَ ؟ قال : قلتُ : نعم يا عدوّ نفسِهِ ، أَكْوَعُكَ بُكْرَة . قال : وأرادوا فرسين على ثَنِيَّة . قال : فجئت بهما ، أسوقهما إلى رسول الله عَّهِ، ولحقني عامرٌ بسطيحةٍ فيها مَزْقَةٌ من لبنٍ وسطيحةٍ فيها ماءٌ، فتوضأت وشربتُ، ثم أتيتُ رسول الله عَلَّمِ وهو على الماء الذي خلّيْتُهم عنه، فإذا رسول الله عَ لّهم قد أخذ تلك الإِبل وكلّ شيءٍ استنقذتُه من المشركين ، وكلّ رمحٍ وبْدةٍ ، وإذا بلال نَحَرَ ناقةً تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٣٦٤ صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثالث من الإِبل الذي استنقذتُ من القوم، وإذا هو يشوي لرسول الله عد له من كَبِدِهَا وسَنامها . قال : قلت : يا رسول الله ، خلّني فأنتخبُ من القوم مائةَ رجلٍ فأتّبع القوم ، فلا يبقَى منهم مُخبرٌ إلا قتلتُه . قال : فَضَحِكَ رسول الله عَ ليه، حتى بَدَتْ نَواجِذُهُ في ضوء النار. فقال: (( يا سلمة، أتراكَ كنتَ فاعلًا؟)) قال: قلت: نعم، والذي أكرمك. فقال: ((إنهم الآن ليُقْرَوْن في أرض غَطَفَان )) . قال: فجاء رجل من غَطَفَان، فقال : نَحَرَ لهم فلان جزورًا. فلما كشفوا جلدها رأوا غبارًا ، فقالوا : أتاكم القوم. فخرجوا هاربين، فلما أصبحنا قال رسول الله عَّ لهم: ((كان خيرَ فرساننا اليوم أبو قتادة، وخيرَ رَجَّالِتِنا سلمَةُ )) . قال: ثم أعطاني رسول الله عٍَّ سَهْمَيْن : سِهمَ الفارس وسهمَ الراجل فجمعهما إلي جميعًا ، ثم أردفني رسول الله عَ لّه وراءَه على العَضْبَاء راجعين إلى المدينة . قال : فبينما نحن نسير ، قال : وكان رجل من الأنصار لا يُسبَق شدًّا ، قال : فجعل يقول : ألا مُسابِقٌ إلى المدينة ؟ هل من مُسابقٍ ؟ فجعل يُعيد ذلك ، فلما سمعتُ كلامه ، قلت: أما تُكْرِم كريمًا، ولا تَهَاب شريفًا؟ قال: لا ، إلا أن يكون رسولَ اللهِ عَّ ◌ُلِّ . قال: قلت: يا رسول الله، بأبي وأمي، ذرني فلأسابقنَّ الرجلَ. قال: ((إنْ شئت)). قال: قلت: اذهب إليك. وثنيتُ رجلّ ، فطَفَرْتُ فعدوتُ ، فربطت عليه شَرَفًّا أو شَرَفَيْن أَستبقي نفسي (١)، ثم عدوتُ في إثْره فربطت عليه شرفًا أو شرفين ، ثم إني رفعت حتى ألحقه . قال : فأَصكُّه بين كَتِفِيْه ، قال : قلتُ : قد سُبِقتَ والله . قال : أنا أظنُّ . قال : فسبقتُه إلى المدينة ... )). (١) أي : حبست نفسي عن الجري الشديد. والشرف: ما ارتفع من الأرض . وطفرت : أي وَثَبْتَُ . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٣٦٥ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث فيا لبديع صُنع ابن الأكوع !! يطارد جيشًا بمفرده حتى يستردَّ منهم ما سلبوه ، وهو راجلٌ ، بل ويأخذ منهم السَّلَب والغنيمة ، ولا يسمح لهم حتى بشرْب الماء !! وعلى النقيض .. تطارد ملايينَ العرب شرذمةٌ من اليهود ، تأخذ منهم كل شيء ، ولا تُبقي لهم إلا العطش ، تأخذ أغلى مقدَّساتهم ، ولا تعطيهم إلا الذبح ... وهتْكَ الأعراض وبقْر البطون .. ومع هذا فالمسلمون نائمون .. ومنْ لم توقظْه النوائب وتُعلي همَّتَه .. فليطُلْ نومُه .. فإلى الجماهير الغافلة : نامي فإنْ لم تشبعي من يقظةٍ فمن المنامِ نامي على زَيَدِ الوعود يُدَافُ في عسَل الكلامِ نامي تَزُرْكِ عرائسُ الأحلام في جُنْحِ الظَلامِ تتنوّري قرصَ الرغيف كدورةِ البدر التمامِ وَتَرَي ذرائِبَكِ الفِساحَ مُبلَّطاتٍ بِالرُّخامِ نامي إلى يومِ النشورِ ويوم يُؤذنُ بالقيامِ نامي على المُسْتَقَعَاتِ تموجُ باللُّجَجِ الطَّوامي زخّارةً بشذا الأقاح يمدّه نَفْخُ الخُزَامِ نامي على قَتْل الرضيع كأنّه سجْعُ الحمامِ نامي على لون الدماءِ كأنّه شَهْدُ الطعامِ نامي على هتك النساءِ كأنّه طُهْر التمامِ نامني على ذبح الرجال كأنهم أضحَى اللئامِ نامي على مَهْد الأَذَى وتوسَّدي خدَّ الرّغامِ واستفرشي صُمَّ الحصَى وتلحّفي ظُلَلَ الغمامِ فالشمس لن تؤذيك بعدُ بما توهّج من ضِرامٍ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الثالث ٣٦٦ والنور لن يُعمي جفونًا قد جُبْنَ على الظلامِ نامي إليك تحيتي وعليك نائمةً سَلامي فارسُ رسول الله عَ ◌ّهِ ، أبو قتادةَ الحارثُ بن ربعي، الأنصاريّ السّلمِيّ ، رضي الله عنه : عن سلمة بن الأكوع، عن النبي عَّ ◌ُله: ((خير فرساننا أبو قتادة ، وخير رَجَّالتنا سلمةُ بن الأكوع))(١). قال أبو قتادة : إني لأغسل رأسي ، قد غسلتُ أحدَ شِقَّيْه إذ سمعتُ فرسي جِرْوَة تصهلُ وتبحث بحافرها ، فقلت : هذه حرب قد حضرتْ ، فقمتُ ولم أغسل شقّ رأسي الآخر ، فركبتُ وعلّ بْدةٌ ، فإذا رسول الله عٍَّ يصيح: ((الفَزَعِ الفَزَع)). فأُدرك المقدادَ فسايرتُه ساعةً، ثم تقدّم فرسي ، وكان أجودَ من فرسه ، وأخبرني المقدادُ بقتل مسعدة(٢) محرزًا - يعني ابن نضلة - فقلت للمقداد : إما أن أموت أو أقتل قاتلَ محرز . فضرب فرسَه ، فلحقه أبو قتادة ، فوقف له مسعدةُ ، فنزل أبو قتادة فقتله وجنب فرسه معه ، قال : فلما مّ الناس تلاحقوا ونظروا إلى بُرْدي فعرفوها ، وقالوا: أبو قتادة قُتِلَ. فقال رسول الله عَ له: ((لا، ولكنه قتيل أبي قتادة ، عليه بُرْدُه ، فخلّوا بينه وبين سَلَبه وفرسه )) . قال : فلما أدركني ، قال : ((اللهم باركْ له في شَعْره وبَشَرِه . أفلح وجهُك، قتلتَ مسعدةً؟ )) قلت : نعم. قال: ((فما هذا الذي بوجهك؟ )) قلت: سهمٌ رُميتُ به . قال : ((فادْنُ مِنّي )) ، فبصق عليه، فما ضربَ علّ قطّ، ولا قاح . فمات أبو قتادة وهو ابن سبعين سنة، وكأنه ابنُ خمسَ عشرةَ سنةً . قال : وأعطاني (١) أخرجه الطبراني وأحمد ومسلم . (٢) زعيم المشركين . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث ٣٦٧ فرسَ مسعدةَ وسلاحَهُ(١). وقال أبو قتادة: خرجنا مع رسول الله عَ ◌ّةِ عامَ حنينٍ ، فلما التقينا رأيت رجلاً قد علا المسلمين ، فاستدرتُ له مِن ورائه ، فضربتُه بالسيف على حبل عاتقي ضربَةً قطعت منها الدّرع ، فأقبل علّ ، وضمّني ضمّةً وجدتُ منها ريحَ الموت ، ثم أرسلني ومات - إلى أن قال -: فقال رسول الله عَ لَّهِ: ((مَنْ قَتَلَ قتيلًا له بيّنةٌ فله سَلَبُه)). فقمتُ فقلت: مَنْ يشهد لي ؟ وقصصتُ عليه ، فقال رجلٌ : صدق يا رسول الله ، وسلبُ ذلك القتيل عندي ، فأرضِه منه . فقال أبو بكر : لاها الله ! إذًا لا يعمد إلى أسد من أُسد الله يقاتل عن الله ورسوله، فيعطيك سلبَه. وقال النبي عَّهِ: ((صدق)). فأعطانيه، فبعتُ الدّرع وابتعت به مخرقًا في بني سلمة ، فإنه لأول مالٍ تأثلتُه في الإِسلام(٢). وعند أحمد بإسناد صحيح : فقال عمر : لا يُفيئها الله على أسد من أسده، ويعطيكَها. فضحك رسول الله عَ لّه، وقال: ((صدق عمر)). وعن أبي قتادة رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله عَلَّم في بعض أسفاره إذْ تأخر عن الراحلة، فدعَمْتُه بيدي، حتى استيقظ، فقال: ((اللهمّ احفظْ أبا قتادةَ كما حفظني منذ الليلة ، ما أرانا إلا قد شققْنا عليك))(٣). وعن عبد الله بن عُبيد بن عُمير أن عمر بعث أبا قتادة ، فقتلَ ملكَ فارس بيده ، وعليه منطقةٌ قيمتُها خمسةَ عشرَ ألفًا ، فنفَلَها إياه (١) المغازي للواقدي ، والمعجم الصغير ، والمستدرك، والاستيعاب، والإِصابة ١١ /٠٣٠٣ (٢) الموطأ ، والبخاري ، ومسلم، وأبو داود ، والترمذي . (٣) سنده صحيح ، أخرجه الطبراني ، وأحمد ، ومسلم . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثالث ٣٦٨ عمر (١). (١) البطلُ عُكَّاشةُ بن محصن يقتل فارسَيْن بطعنةٍ واحدةٍ : وأسدنا عكاشةُ أحدُ السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب . ذكر ابن إسحاق في سيرته أنه أدرك في غزوة الغابة أوْبارًا ، وابنَه عمرو بن أوْبار ، وهما على بعيرٍ واحدٍ ، فانتظمهما بالُّمحِ فقتلهما جميعًا ، واستنقذ بعض اللقاح(٢). قاتَل عكاشةُ يوم بدر بسيفه حتى انقطع في يده ، فأتى رسول الله عَّ له فأعطاه جذلًا من حطبٍ، فقال: ((قاتل بهذا يا عكّاشة)). فلما أخذه من رسول الله عَ لِ هَّه فعاد سيفًا في يده طويل القامةِ شديدَ المتْن أبيض الحديدة ، فقاتل به حتى فتح الله على المسلمين ، وكان ذلك السيف يُسمّى : العُوْن، ثم لم يزل عنده يشهد به المَشَاهدَ مع رسول الله عَ ليه حتى قتله طليحة الأسدي أيامَ الرِّدَّةَ(٣). لله ما أعظمَ شوقَهم للشهادة والجنة ! فهذا عُمير بن الحمَام الأنصاري : يوم بدرٍ يسمع قول رسول الله عَّةٍ: ((قوموا إلى جنةٍ عرضها السموات والأرض )) . فقال عمير : يا رسول الله ، جنة عرضها السموات والأرض؟ قال: ((نعم)). قال: بَخٍ بَخٍ. فقال رسول الله عَ له: ((ما يحملك على قول: بخٍ بخٍ ؟)) قال: لا والله يا رسول الله، إلا رجاءَةَ أن أكون من أهلها. قال: ((فإنك مِنْ أهلها)). فأخرج تمراتٍ من قَرنِهِ، (١) رجاله ثقات . (٢) مشارع الأشواق ٩٨٥/٢ . (٣) البداية والنهاية ٣ / ٢٩٠ . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثالث ٣٦٩ فجعل يأكل منهنَّ ، ثم قال : لئِن أَنا حييتُ حتى آكل تمراتي هذه ، إنها لحياةٌ طويلٌ . قال : فرمَى بما كان معه من التمر ، ثم قاتلهم حتى قُتل(١). حَرام بن ملحان الأنصاري ، رضي الله عنه : قال أنس بن مالك رضي الله عنه: (( لما طُعِنَ حرام بن ملحان - وكان خاله - يوم بئر معونة قال بالدَّم هكذا ، فنضحه على وجهه ورأسه ، ثم قال : فزتُ وربّ الكعبة )) . أخرجه البخاري . الله أكبر ... فزت وربّ الكعبة . وقالها عامر بن فهيرة ، فأسلم قاتلُه في الحال . حَنْظَلَةُ غِسِّيل الملائكة : عن الزبير بن العوام قال: سمعتُ رسول الله عَّه يقول عند قتْل حنظلة بن أبي عامر بعد أن التقى هو وأبو سفيان بن الحارث ، حين علاه شداد بن الأسود بالسيف فقتله ، فقال رسول الله عَ لفيلم: ((إن صاحبكم تغسّله الملائكة ، فسلوا صاحبته عنه)). فقالت: إنه خرج لمّا سمع الهائعةَ وهو جُنُبٌ. فقال رسول الله عَ له: ((لذلك غسّلته الملائكة))(٢). الله أكبر ، يستشهَد يوم زفافه! فهل هناك مثل أعلى للبطولة والشهامة ، والوفاء لدينه ونبيه فوق هذا ؟! قد كانت ليلةُ المعركة الليلة التي دخل فيها بزوجته جميلة بنت أُبّ (١) أخرجه مسلم وأحمد عن أنس بن مالك . (٢) حسن، رواه الحاكم وقال : هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه . وسكت عليه الذهبي ، وله شاهد مرسل عند البيهقي وشاهدٌ عند أبي يعلى والطبراني في الكبير . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٣٧٠ صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الثالث ابن سلول ، كما يقول الواقدي .. يترك زوجه بعد أن تشبثتْ به ، فيتركها ليمضي على عَجَلٍ ، ليخوض معركةً طاحنة رهيبة .. وقد كاد هذا البطل أن يَقتل أبا سفيان قائد عام المشركين، وحَمَل عليه ، وبعد أن عقر فرس أبي سفيان وقع أبو سفيان على الأرض ، فعلاه حنظلةُ ليذبحه .. فسارَع شدادُ بن الأسود الملقّب بابن شعوب ، فضرب حنظلةَ فقتله وهو بارِكٌ على صدر أبي سفيان(١). أنس بن النَّضر : عن أنسٍ رضي الله عنه قال: (( غاب عمّي أنس بن النضر عن قتال بدرٍ ، فقال : يا رسول الله ، غبتُ عن أول قتالٍ قاتلت المشركين ، لئن أشهدني الله قتالَ المشركين ، لَيرينَّ الله ما أصنع . فلما كان يوم أحد وانكشف المسلمون ، قال : اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء - يعني أصحابه - وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء - يعني المشركين - ثم تقدّم فاستقبله سعد بن معاذ ، فقال : يا سعد بن معاذ ، الجنةَ وربِّ النضر ، إني أجد ريحها من دون أُحدٍ . قال سعد : فما استطعتُ يا رسول الله ما صنع . قال أنس : فوجدنا به بضعًا وثمانين : ضربةً بالسيف ، أو طعنةً برح ، أو رميةً بسهمٍ ، ووجدناه قد قُتل وقد مَثَّلَ به المشركون ، فما عرفه أحدٌ إلا أُختُه ، ببنانِهِ . قال أنس : كنا نرى - أو نظنُّ - أنّ هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه : ﴿ مِنَ المؤمنينَ رجالٌ صدقُوا ما عاهدوا الله عليه ... ) إلى آخر الآية))(٢). سَيِّد الأنصارِ سعد بن معاذ ، رضي الله عنه : رضي الله عن السيِّد البطل، الذي قال للرسول عٍَّ في يوم بدر (١) انظر سلسلة معارك الإسلام الفاصلة لبشاميل ((أحد)) صـ ١٤٤ - ١٤٦ . (٢) أخرجه البخاري . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الثالث ٣٧١ لما قال: ((أشيروا علّي أَيُّهَا الناس)). قال: والله لكأنك تريدنا يا رسول الله ؟ قال: ((أَجَل)). قال: فقد آمنا بك وصدّقناك، وشهدنا أنّ ما جئتَ به هو الحق ، وأعطيناك على ذلك عهودَنًا ومواثيقنا ، على السمع والطاعة لك ، فامضٍ يا رسول الله لما أردت فنحن معك ، فوالذي بعثك بالحق ، لو استعرضتَّ بنا البحر لخضناه معك ما تخلّف منا رجل واحد ، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدًا ، إنا لصُبُرٌ في الحرب ، صُدُقٌ عند اللقاء ، لعلّ الله أَن يُرِيَكَ منا ما تَقّ به عينُك، فسرْ على بركة الله . قال ابن إسحاق: فسُرّ رسول الله عَ لِ بقول سعد ونشّطه ، ثم قال: (( سيروا وأبشروا؛ فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين ، والله لكأني أنظر إلى مَصَارِعِ القَوْمِ ))(١). ((واللهِ لا تُعطيهم إلا السَّيْف)): كلماتٌ لسعد بن معاذ تسطّر بمدادٍ من نور في تاريخ أمتنا . لما تكالبت قُوى الشرك بكتائبها الهائجة ، وكادت تغرق القِلة المؤمنة ، أراد رسول الله عَ لِّ أن يعقد صلحًا منفردًا بينه وبين غَطَفَان ، وسيديْها: عيينة بن حصن والحارث بن عوف ، على أن تفكّ غطفان الحصارَ عن المدينة ، وتنسحب بجيوشها وتخذل الأحزابَ ، على أن يعطيهم رسول الله عَِّ ثلثَ ثمار نخْل المدينة ، واستشار رسول الله السعديْن، فقال سعد بن معاذ : يا رسول الله ، قد كنا نحن وهؤلاء القوم - يعني غطفان - لا يطمعون أن يأكلوا منا تمرة، إلا قِرَّى(٢) أو بَيْعًا، وإن كانوا ليأكلون العِلْهز(٢) في (١) البداية والنهاية ٣ / ٢٦١ . (٢) القِرَى: الضيافة، والعلهز: وبر يُخلط بدماءِ الحَلَم ، كانت العرب في الجاهلية تأكله في الجَدْب . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٣٧٢ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث الجاهلية في الجهد ، أَفَحينَ أكرمنا الله بالإِسلام وهدانا له ، أعزّنا بك وبه ، ونُقطعهم أموالنا ؟! ما لنا بهذا من حاجة ، والله لا نعطيهم إلا السيف ، حتى يحكم الله بيننا وبينهم . ثم خرج سعد إلى سيِّدَيْ غطفان وقد رفع صوته في تحدٍّ : ارجعا ، ليس بيننا وبينكم غير السيف . يا للرجال ! في وقتٍ بلغتْ القلوب الحناجر من شدّة الكرْب وتقاطُر البلايا ؟! كلمات تصدر من فمِ الصادق سعد ، تتفجّر منها ينابيع الرجولة والشجاعة والأنَّفَة ، فتبتُّ الأملَ في نفوس المسلمين ، وتُدهش سيِّدَيْ غطفان ؛ فيفيقوا ، ويعلّمهم سعد أن الذي يصنع النصر قوةً العقيدة ، وزخم الإِيمان بالله والثقة به . الأنصارُ أكثرُ الناس شهيدًا : قال ابن عبد ربه في ((العقد الفريد)) (١ /١١٨): ((رجالُ الأنصار أشجعُ الناس . قال عبد الله بن عباس : ما استُلَّتْ السيوف ، ولا زحفتِ الزحوف ، ولا أقيمتِ الصفوف ، حتى أسلم ابنا قيلة ، يعني الأوس والخزرج ، وهما الأنصار من بني عمرو بن عامر ، من الأزد)). عن قتادة قال: (( ما نعلم حيًّا من أحياء العرب أكثر شهيدًا،. أغَّ يوم القيامة من الأنصار . قال قتادة : وحدّثنا أنس بن مالك أنه قُتل منهم يوم أحدٍ سبعون ، ويوم بئر معونة سبعون ، ويوم اليمامة سبعون . قال : وكان بئر معونة على عهد رسول الله عَّةٍ ، ويوم اليمامة على عهد أبي بكر يوم مسيلمة الكذاب ))(١). وعن أنس أنه كان يقول : يا ربّ، سبعين من الأنصار يوم أحد ، (١) أخرجه البخاري . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٣٧٣ صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الثالث وسبعين يوم بئر معونة ، وسبعين يوم مسيلمة الكذاب ، وسبعين يوم جسر أبي عبيدة . سعد بن خَيْئمة الأنصاري رضي الله عنه : أحد نقباء الأنصار الاثني عشر ، شهد العقبة الأخيرة مع السبعين ، ولما ندب رسول الله عَ لّم الناس إلى غزوة بدر قال له أبوه خيثمة: إنه لا بدّ الأحدنا أن يقيم ، فآثرني بالخروج وأقمْ مع نسائِك . فأبى سعد ، وقال : لو كان غير الجنة آثرتك به ؛ إني لأرجو الشهادة في وجهي هذا . فاستَهما ، فخرج سهمُ سعد ، فخرج فقتِل بيدٍ (١). أبو عَقيل عبد الرحمن بن ثعلبة الأنصاري ، رضي الله عنه : بدريّ ، شهد المشاهد كلها مع رسول الله عَ ليه. روى ابن الجوزي ، عن جعفر بن عبد الله بن أسلم ، قال : لما كان يوم اليمامة واصطفّ الناس ، كان أول من جُرح أبو عَقِيل ، رُمِي بِسهمٍ ، فوقع بين منكبيْه وفؤادِه في غير مَقتل ، فأخرج السهم ووهَن له شقَّه الأيسر في أول النهار ، وجُرّ إلى الرّحل . فلما حمي القتال وانهزم المسلمون وجاوزوا رحالهم - وأبو عقيل واهِن من جُرحه - سُمع معن بن عدي يصيح : یا لَلأنصارِ، اللهَ اللهَ والكّةَ على عدوّكم . قال عبد الله بن عمر : فنهض أبو عَقيل يريد قومه ، فقلت : ما تريد ؟! ما فيك قتال . قال : قد نوَّه المنادي باسمي . قال ابن عمر : فقلت : ماذا تريد ؟! ما فيك قتال . قال : قد نوّه المنادي باسمي . قال ابن عمر : فلت له : إنما يقول: يا لَلأنصار . ولا يعني الجرحى . قال أبو عَقيل: أنا من الأنصار، وأنا أجيبه ولو حَبْوًا . قال (١) صفة الصفوة ١ / ٤٦٨ . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٣٧٤ صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الثالث ابن عمر : فتحزّم أبو عَقيل وأخذ السيف بيده اليمنى ، ثم جعل ينادي : يا لَلأنصار، كرّةً كيومٍ حُنين، فاجتمِعوا رحمكم الله جميعًا، تقدّموا فالمسلمون دريئة دون عدوّهم . حتى أقحموا عدوّهم الحديقة ، فاختلطوا واختلفتِ السيوف بيننا وبينهم . قال ابن عمر : فنظرتُ إلى أبي عَقيل وقد قُطعت يده المجروحة من المنكب فوقعتْ إلى الأرض ، وبه من الجراح أربعةَ عشرَ جرحًا ، كلّها قد خلصتْ إلى مقتل ، وقُتل عدوّ الله مسيلمة . قال ابن عمر : فوقفتُ على أبي عَقِيل وهو صريعٌ ، بآخر رَمَقٍ ، فقلت : يا أبا عَقيل . قال: لبيك - بلسان ملتاث - لمن الدّبَرَة؟ قلت : أبشِر ، قد قُتل عدو الله . فرفع إصبعه إلى السماء يحمد الله . ومات يرحمه الله . قال ابن عمر : فأخبرت عمر ، بعد أن قدمت ، خبره كله . فقال : رحمه الله ، ما زال يسعى للشهادة ويطلبها ، وإن كان - ما علمتُ - من خيار أصحاب نبينا عَ ◌ّةِ، وقديم إسلامهم، رضي الله عنه(١). ((لقد كان يوم اليمامة يومًا من أيام الله .. يوم عَلَتْ فيه الهمم، حمي البراء بن معرور .. وكان إذا رأى الحرب أخذتْه العرواء ، فيجلس على ظهر الرجال حتى يبول في سراويله ، ثم يثور كما يثور الأسد ، وقاتلتْ بنو حنيفة قتالًا لم يعهد مثله ، وجعلتِ الصحابة يتواصُوْن بينهم ، ويقولون : يا أصحابَ سورة البقرة ، بطل السِّحر اليوم . وقال زيد بن الخطاب : أيّها الناس ، عَضُّوا على أضراسكم ، واضربوا في عدوّكم ، وامضوا قدمًا . وقال : والله لا أتكلم حتى يهزمهم الله، أوْ ألقى الله فأكلمه بحُجَّتِي. فَقُتل شهيدًا ، رضي الله عنه . وقال أبو حذيفة : يا أهل القرآن ، زيّنوا القرآن بالفعال . وحملَ فيهم حتى أبعدهم ، وأصيب ، رضي الله عنه . وحَمَل (١) صفة الصفوة ١ / ٤٦٦، ٤٦٧ . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الثالث ٣٧٥ خالد بن الوليد حتى جاوزهم ، ورجع ثم وقف بين الصفيْن ودعا للبِراز ، وقال : أنا ابن الوليد العود، أنا ابن عامٍ وزيد. ثم نادَىَ بشعار المسلمين - وكان شعارهم يومئذٍ : يا محمداه - وجعل لا يبرز له أحدٌ إلا قتله ، ولا يدنو منه شيءٌ إلا أكلَه، وميّز خالدٌ المهاجرين من الأنصار من الأعراب، وكل بني أب على رايتهم ، يقاتلون تحتها ، حتى يعرف الناس من أين يُؤْتَّوْن ، وصبرت الصحابة في هذا الموطن صبرًا لم يُعهد مثلُه ، ولم يزالوا يتقدمون إلى نحور عدوّهم حتى فتح الله عليهم ، وولّى الكفار الأدبارَ ، واتّبعوهم يقتلون في أقفائهم ، ويضعون السيوف في رقابهم حيث شاءوا ، حتى أُلجَئُوهم إلى حديقة الموت ، وقد أشار عليهم محكم اليمامة - وهو محكم بن الطفيل لعنه الله - بدخولها ، فدخلوها وفيها عدوّ الله مُسيلمة لعنه الله ، وأدرك عبدُ الله بن أبي بكر محكمَ بن الطفيل فرماه بسهم في عنقه وهو يخطب فقتله ، وأغلقتْ بنو حنيفة الحديقة عليهم ، وأحاط بهم الصحابة . وقال البراء بن مالك : يا معشر المسلمين ، ألقوني عليهم في الحديقة . فاحتملوه فوق الجحفِ ، ورفعوها بالرماح حتى ألقوه عليهم من فوق سورها ، فلم يزل يقاتلهم دون بابها حتى فتحه ، ودخل المسلمون الحديقة من حيطانها وأبوابها ، يقتلون مَن فيها من المرتدّة من أهل اليمامة ، حتى خلصوا إلى مُسيلمة لعنه الله ، وإذا هو واقفٌ في ثلمةِ جدارٍ كأنه جملٌ أوْرق ، وهو يريد يتساند ، لا يعقل مِن الغيظ ، وكان إذا اعتراه شيطانه أزبَدَ ، حتى يخرج الَّبد من شِدْقِيْه ، فتقدم إليه وحشُّ بن حرب مولى جُبَيْر بن مُطعم - قاتل حمزة - فرماه بحربته فأصابه وخرجتْ من الجانب الآخر ، وسارع إليه أبو دُجانة سِمَاك بن خَرشة ، فضربه بالسيف فسقط ، فنادتْ امرأةٌ من القصر : واأمير الوضاءة ، قتله العبد الأسود . فكان جملةُ من قُتلوا في الحديقة وفي المعركة قريبًا من عشرة آلاف مقاتل ، تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث ٣٧٦ وقيل: واحدٌ وعشرون ألفًا)) (١). قال ضرار بن الأزور البطل في غزوة اليمامة : عَشِيَّةَ سَالَتْ عَقِرباءُ ومُلْهَمُ فَلَو سُئِلَتْ عَنَّا جَنوبٌ لأَخْبرتْ حجارتُهُ فيه من القومِ بالدَّمِ وسال بفرع الوادي حتى ترقرقتْ ولا النَّبُلُ إلا المشرفُّ المُصَمِّمُ عشيةً لا تُغني الرماحُ مكانها جَنوبٌ فإني تابعُ الدين مُسْلِمُ فإن تبتغي الكفارَ غير مسلمٍ وللهُ بالمرءِ المجاهد أعلمُ أُجاهدُ إذْ كانَ الجهادُ غنيمةً أبو يحيى صُهيب الرومي ، الرابح بيْعه : عن حماد بن سلمة : حدثنا علّ بنُ زيد ، عن ابن المسيِّب ، قال : أقبل صُهَيبٌ مُهَاجرًا، واتَّبَعه نفرٌ، فنزلَ عن راحلته، ونَثَل كِنَانَتَهُ، وقال : لقد علمتم أني من أرما كم ، وأیمُ الله ، لا تَصِلون إلَّي حتی أرمي بکلّ سهم. معي ، ثم أضربُكم بسيفي ، فإن شئتُم دللتُكم على مالي ، وخلّيتُم سبيلي ؟ قالوا: نفعل. فلما قَدِمَ على النبي عَّ ◌ُلِّ قال: رَبِحَ البيعُ أبا يحيى. ونزلتْ: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضاتِ الله ... ﴾. وفي رواية أخرى: (( أخرج منها أربعين سهمًا، فقال: لا تصلون إلّ حتى أضع في كل رجل منكم سهمًا ، ثم أصيرُ بعدُ إلى السيف ، فتعلمون أني رجلٌ )). وعن أنس: (( ونزلتْ على النبي عَِّ ﴿وَمِنَ الناسِ مَن يشري نفسَه ابتغاءَ مرضاتِ الله ... ) الآية، فلما رآه النبي عَ ليه، قال: ((يا أبا يحيى، رَبِحَ البيعُ)). قال : وتلا عليه . (١) البداية والنهاية ٦ / ٣٢٩ - ٣٣٠. تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث ٣٧٧ الآية))(١). عبدُ الله بن أنيس البطل ، قاتل خالد بن سفيان الهذَلي : ذكر البيهقي في الدلائل: ((عن عبد الله بن أنيس قال : دعاني رسول الله عَ لّم فقال: ((إنه قد بلغني أن خالد بن سفيان بن نبيح الهذلي يجمع لي الناس ليغزوني، وهو بعُرَنة، فائْتِه فاقتلْه)). قال: قلت : يا رسول الله، انعتْه لي حتى أعرفه. قال: ((إذا رأيتَه وجدتَّ له قشعريرة)). قال : فخرجتُ متوشّحًا سيفي ، حتى وقعتُ عليه وهو بعرنة مع ظعْنٍ يرتادُ لهُنَّ منزلًا ، وحين كان وقت العصر فلما رأيته ، وجدت ما وصف لي رسول الله عَ لِ من القشعريرة ، فأقبلتُ نحوه ، وخشيتُ أن يكون بيني وبينه محاولة تشغلني عن الصلاة ، فصلّت وأنا أمشي نحوه أومىء برأسي للركوع والسجود ، فلما انتهيتُ إليه قال : مَنِ الرجل ؟ قلت : رجلٌ من العرب ، سمع بك وبجمْعك لهذا الرجل ، فجاءك لذلك . قال : أجَل ، أنا في ذلك. قال : فمشيتُ معه شيئًا، حتى إذا أمكنني ، حملتُ عليه بالسيف حتى قتلتُه ، ثم خرجتُ وتركتُ ظعائنه(٢) مُكِّاتٍ عليه ، فلما قدِمتُ على رسول الله عَ له فرآني قال: ((أفلح الوجه)). قال: قلت : قتلتُه يا رسول الله ." قال: ((صدقت)). قال: ثم قام معي رسول الله عَ لِ فدخل في بيته ، فأعطاني عصا، فقال: (( أمسِكْ هذه عندك يا عبد الله بن أنيس)). قال : فخرجتُ بها على الناس، فقالوا: ما هذه العصا؟ قلت: أعطانيها رسول الله عَ ليه، وأمرني أن أُمسكها . قالوا: أوَ لا ترجع إلى رسول الله عَ لِ فتسأله عن ذلك. (١) صحيح، أخرجه الحاكم في المستدرك ، وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرّ جاه . (٢) نساؤه . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٣٧٨ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث قال: فرجعت إلى رسول الله عَ ◌ٍّ، فقلت: يا رسول الله ، لِمَ أعطيتني هذه العصا ؟ قال: (( آية بيني وبينك يوم القيامة. إن أقلّ الناس المنحصرون يومئذ)). قال: فقرنها عبد الله بسيفه فلم تزل معه، حتى إذا مات أُمِرَ بها فضُمّتْ في كفنه ، ثم دُفِنَا جميعًا ))(١). قال عبد الله بن أنيس في قتله خالد بن سفيان : نوائحُ تفري كلّ جَيبٍ مُعدَّدٍ تركتُ ابنَ ثورٍ کالحوار وحولَهُ بأبيضَ مِنْ ماءِ الحديد المُهَنَّدِ تناولتُه والظعنُ خلفي وخلفَهُ أنا ابنُ أنيسٍ فارسٌ غيرُ قعددٍ أَقولُ له والسيفُ يعجمُ رأسَهُ رحيبُ فناءِ الدار غيرُ مزيّدٍ أنا ابنُ الذي لم ينزل الدهر قدرَهُ خفيفٍ على دين النبّ محمَّدٍ وقلتُ له خذهَا بضرْبةِ ماجدٍ سبقتُ إليه باللّسان وباليَدِ(٢) وكنتُ إذا هَمَّ النبيُّ بكافٍ أبو سنان وهب الأسدي ، أوَّلُ مَن بايع تحت الشجرة : يا له من سبّاق إلى الخير .. بلغت همته فوق الثريا !! أنتَ تدري أيّها الحيرانُ عنَّا كيفَ فوقَ الشمسِ أزمانًا حَلَلْنَا عن الشّعبي: أنّ أول من بايع رسولَ الله عَّ له بيعة الرضوان أبو سنان الأسدي . ((وأخرج الحميدي، عن الشعبي قال: لما دعا رسول الله عَ لّه الناسَ إلى البيعة ، كان أول من انتهى إليه أبو سنان ، فقال : ابسطْ يدَكَ أبايعك . فقال النبي عَّةٍ: ((علامَ تبايعني؟ )) فقال أبو سنان: على ما في ..... (١) رواه أحمد بلفظه، وأخرجه أبو داود مختصرًا والبيهقي بلفظ أحمد ، وقال الساعاتي في الفتح الرباني ٧ / ٢٨ : حسَّنَ الحافظ إسناده . (٢) البداية والنهاية ٤ / ١٤٣ . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثالث ٣٧٩ نفسك ))(١). يا الله .. ((على ما في نفسك)) .. تُغني عن أي تعليق ! أمير المؤمنين ، وفارسُ الخلفاء ، وابن الحواري أبو خبيب عبد الله بن الزبير ابن العوّام ، رضي الله عنه : عن عثمان بن طلحة قال : كان ابن الزبير لا ينازَع في ثلاثة : شجاعة ، ولا عبادةٍ ، ولا بلاغةٍ (٢). شهد عبد الله معركة اليرموك الحاسمة مع أبيه ، فلما انهزم الروم يوم اليرموك ، جعل يُجْهز على جَرْحاهم(٣). ولما انتهى عمرو بن العاص من فتح طرابلس ، أمر الخيل بالإسراع إلى ((صبراته )) لفتحها ، وأسرعت الخيل بقيادة عبد الله بن الزبير ، فصبحوها من ليلتهم على غّةٍ ، فوجدوا أبواب السور مفتوحةً وأهلها مشغولين بإخراج الحيوانات للمرعى ، فاقتحموها عليهم بالقوة وأوقعوا فيهم القتل حتى استسلموا ، ولم يهرب منهم أحد إلا من ركب البحر هاربًا إلى صقلية ، وهدَم المسلمون سورها خوفًا من تحصُّن الروم به مرةً ثانية ، وغنموا كلّ ما فيها ، وكان شيئًا كثيرًا . قَتْل عبدِ الله بن الزبير لملك إفريقية ((جُرْجِير)): وشهد ابن الزبير فتح ( إفريقية ) أيام عثمان بن عفان ، تحت لواء عبد الله بن سعد بن أبي السرح ، وكان الفتح على ... (١) تفسير ابن كثير ٧ / ٣١٥. (٢) سير أعلام النبلاء ٣ / ٣٧٠ . (٣) تهذيب ابن عساكر ٧ / ٣٩٦ - ٣٩٧. تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث ٣٨٠ يديْه(١). قال ابن الزبير : هَجَمَ علينا جُرْجِيرُ في عشرين ومائة ألف ، فأحاطوا بنا ونحن في عشرين ألفًا (٢). (( سيّر عثمانُ ابنَ الزبير في جماعة إلى إفريقية، سنة ستٍ وعشرين الهجرية، ليأتيه بأخبار الفتح، فسار مُجِدًّا حتى وصل إلى المسلمين هناك وأقام معهم، ولما وصل كثُر الصِّياحُ والتكبير في المسلمين، فسأل ((جُرجيرُ)) ملكُ إفريقية عن الخبر ، فقيل: ((قد أتاهم ◌َسْكُرٌ )) . ففتَّ ذلك في عضُده ... ورأى عبد الله قتالَ المسلمين كلّ يوم ، من بكْرةٍ إلى الظهر ، فلما أُذّن سمع منادي (( جُرجير )) يقول : من قتل عبد الله بن سعد فله مائة ألفٍ دينارٍ ، وأزوِّجه ابنتي . فخاف عبد الله بن سعد على نفسه ، فحضر ابن الزبير عند عبد الله بن سعد وقال له : تأمر مناديًا ينادي : مَن أتاني برأس (( جُرجير )) نفلْتُه مائة ألفٍ، وزوّجتُه ابنته ، واستعملته على بلاده. ففعل، فصار ((جرجير)) يخاف أشدَّ مِن عبد الله بن سعد. ثم إن عبد الله ابن الزبير قال لعبد الله بن سعد : إنّ أمْرَنَا يطول مع هؤلاء ، وهم في أمدادٍ متَّصِلةٍ وبلادٍ هي لهم ، ونحن منقطعون عن المسلمين وبلادهم ، وقد رأيتُ أن نترك غدًا جماعةً صالحةً من أبطالِ المسلمين في خيامهم متأهبين ، ونقاتل نحن الروم في باقي العَسْكَر إلى أن يضجروا ويَملّوا ، فإذا رجعوا إلى خيامهم ورجع المسلمون ، ركب مَنْ كان في الخيام من المسلمين ، ولم يشهدوا القتال ، وهم مستريحون ، ونقصدهم على غرّةٍ ، فلعلّ الله ينصرنا عليهم . فأحضر ابن سعد جماعةً من أعْيَان الصحابة واستشارهم ، (١) الإِصابة ٤ / ٧١ . (٢) السير ٣ / ٣٧١ . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com