Indexed OCR Text
Pages 201-220
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث ٢٠١ ويلزمون طباعهم ، ألا ترى أنه قد ذُكر في التاريخ أن الوليد بن عبد الملك - من بني أمية - كان مصروف الهمة إلى العمارة والزراعة . وكان سليمان بن عبد الملك همّته في كثرة الأكل ، وتطييب الطعام ، وقضائه الأوطار ، وبلوغ الشهوات . وكانت همّة عمر بن عبد العزيز في العبادة والزهادة . قال محمد بن علي بن الفضيل : ما كنتُ أعلم أمور الرعية تجري على عادة ملوكها ، حتى رأيت الناس في أيام الوليد بن عبد الملك قد اشتغلوا بعمارة الكْم والبساتين ، واهتموا ببناء الدور ، وعمارة القصور . ورأيتهم في زمان سليمان بن عبد الملك قد اهتموا بكثرة الأكل وطيب الطعام ، حتى كان الرجل يسأل صاحبه : أَّ لون اصطنعتَ ، وما الذي أكلتَ ؟ ورأيتُهم في أيام عمر بن عبد العزيز قد اشتغلوا بالعبادة ، وتفرغوا لتلاوة القرآن ، وأعمال الخيرات ، وإعطاء الصدقات . لتعلم أن في كلّ زمان تقتدي الرعية بالسلطان ، ويعملون بأعماله ، ويقتدون بأفعاله : من القبيح والجميل ، واتباع الشهوات، وإدراك الكمالات، كما يُقال))(١). البخاري وأمير بُخارى : ((إني لا أُذِلُّ العلمَ)) : بعث الأمير خالد بن أحمد الذهلي - والي بخارى - إلى محمد بن إسماعيل أن احمل إلّي كتابَ الجامع والتاريخ ؛ لأسمع منك. فقال محمد بن إسماعيل لرسوله : قل له : إني لا أُذِلَّ العلم ، ولا أحمله إلى أبواب السلاطين ، فإن كانت له حاجة إلى شيء منه فلْيحضرني في مسجدي ، أو في داري ، فإن لم يعجبك هذا فأنت سلطان ، فامنعني من المجلس ؛ ليكون لي عذر عند الله يوم القيامة : أني لا أكتم العلم ؛ فكان سبب الوحشة (١) التبر المسبوك . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الثالث ٢٠٢ (١) بينهما(١). التّوريّ : صَحِبَ السري ، وكان الجنيد يعظمه ، لكنه في الآخر رقّ له وعذره ، لما فسد دماغُه . ولما مات قال الجنيد: ((ذهب نصف العلم بموته))(٢). قال أبو بكر بن الجّاد : كان النوريّ إذا رأى منكرًا غيّره ، ولو كان فيه تَلَفُه . نزل يومًا، فرأى زورقًا فيه ثلاثون دَنَّا ، فقال للملاح : ما هذا ؟ قال : ما يلزمك ؟ فألحّ عليه . قال : أنت - والله - صوفي كثير الفضول ، هذا خمر للمعتضد . قال : أعطني ذلك المِدْرى . فاغتاظ ، وقال لأجيره : ناولْه حتى أُبصر ما يصنع ، فأخذه ، ونزل ، فكسَّرها - كلها - غير دَنٌّ ، فأُخذ وأُدخل إلى المعتضد ، فقال : من أنت ، ويلك ؟ قال : مُحْتَسِب ، قال : من ولّاك الحِسْبة؟ قال : الذي ولّاك الإِمامة يا أمير المؤمنين ، فأطرق ، وقال : ما حملك على فعْلك؟ قال : شفقة منِّي عليك . قال : كيف سَلِم هذا الدَّنُّ ؟ فذكر أنه كان يكسِّرِ الدّنان ونفسه مخلصة خاشعة ، فلما وصل إلى هذا الدَّنِّ ، أعجبته نفسه ، فارْتاب فيها ، فتركه(٣). شيخ الإِسلام ، المحدِّث الإِمام ، أبو الحسن بنانُ الحمّال . ((من يُضرب بعبادته المثُلُ. وقد امتحِن في ذات الله فصبر ، وارتفع شأنه. فنقل أبو عبد الرحمن السلمي في ((مِحَن الصوفية)) أن بنانًا الحمّال (١) مقدمة فتح الباري . (٢) سير أعلام النبلاء ١٤ / ٧٠، ٧٣. (٣) سير أعلام النبلاء ١٤ / ٧٦ . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الثالث ٢٠٣ قام إلى وزير خُمارويه صاحب مصر - وكان نصرانيا - فأنزله عن مركوبه ، وقال : لا تركبِ الخيل وعَيِّر ، كما هو مأخوذ عليكم في الذمة . فأمر خمارويه بأن يُؤخذ ويُوضع بين يدي سَبُع ، فطُرح ، فبقي ليلةً ، ثم جاءوا والسبع يلحسه وهو مستقبِلٌ القبلة ، فأطلقه خُمارويه واعتذر إليه . قال أبو علي الروذباري : كان سبب دخولي مصر حكاية بنان الحمال ؛ وذلك أنه أمر ابن طولون بالمعروف ، فأمر به أن يُلقى بين يدي سبع ، فجعل السبع يشمه ولا يضُرُّه ، فلما أُخرج من بين يدي السبع ، قيل له : ما الذي كان في قلبك حيث شمَّك ؟ قال : كنت أتفكر في سور السباع ولُعابها ))(١). الله دُّه مِن سيد مِن سادات المسلمين .. حتى الأسد الضواري تعرف منزلته ، وتتأدب معه ... خافوا الله وقاموا بحقه ، فخافتهم الأسد وقاموا بحقهم . شيخ الإسلام ابنُ الحطيئة ، أبو العباس أحمد بن عبد الله اللخمي : قال شجاع المدلجي - وكان من خيار عباد الله - : كان شيخنا ابن الحطيئة شديدًا في دين الله ، فظًّا غليظًا على أعداء الله ، لقد كان يحضر مجلسه داعي الدعاة (٢) مع عِظَم سلطانه ، ونفوذ أمره ، فما يحتشمه ، ولا يكرمه ، ويقول : أحمق الناس في مسألة كذا وكذا : الروافض ؛ خالفوا الكتاب والسنة ، وكفروا بالله . وكنتُ عنده يومًا في مسجده بشرق مصر ، وقد حضره بعض وزراء المصريين - أظنه ابن عباس - فاستسقى في مجلسه ، فأتاه بعض غلمانه بإناءٍ فضّةً ، فلما رآه ابن الحطيئة وضع يده على فؤاده ، وصرخ (١) سير أعلام النبلاء ١٤ / ٤٨٨ - ٤٨٩ . (٢) قاضي الخليفة العاضد . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث ٢٠٤ صرخة ملأت المسجد ، وقال : واحَّها على كبدي ، أتشربُ في مجلس يُقرأ فيه حديث رسول الله عَ لّه في آنية الفضة ؟! لا، والله لا تفعل ، وطرد الغلام ، فخرج ، وطلب الشيخ كوزًا ، فجيء بكوزٍ قد تثلّم ، فشرب واستحيى من الشيخ ، فرأيتُه - والله - كما قال الله: ﴿ يتجرَّعُه ولا يكاد يُسيغه﴾(١) [ إبراهيم: شيخ الإِسلام الهَرَوي الأنصاري ، أبو إسماعيل : عبد الله بن محمد بن علي : قال تلميذه المؤتمن : كان يدخل على الأمراء والجبابرة ، فما يبالي . قال عنه الذهبي في السِّير (١٨ / ٥٠٩): ((كان سيفًا مسلولًا على المتكلمين ، له صولةٌ وهيبة واستيلاء على النفوس ببلده ، يعظمونه ، ويتغالون فيه ، ويبذلون أرواحهم فيما يأمر به . كان عندهم أطوع وأرفع من السلطان بكثير ، وكان طوْدًا راسيًا في السُّنة ، لا يتزلزل ولا يلين، وقد امتُحن مرات ، وأوذيَ ، ونُفي من بلده . قال ابن طاهر : سمعتُه يقول : عُرضتُّ على السيف خمسَ مرات ، لا يُقال لي : ارجع عن مذهبك. لكن يُقال لي : اسكت عمّن خالفك . فأقول: لا أسكت))(٢). هذا - والله - الثبات على الحق ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ! ((قال الحافظ أبو النضر الفامي : كان شيخ الإِسلام أبو إسماعيل بِكْر الزمان ، وواسطة عقد المعاني ، وصورة الإقبال في فنون الفضائل وأنواع (١) سير أعلام النبلاء ٢٠ / ٣٤٦. (٢) سير أعلام النبلاء ١٨ / ٥٠٩، وتذكرة الحفاظ ٣ / ١١٨٤. تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الثالث ٢٠٥ المحاسن ، منها نُصرةُ الدين والسنة ، من غير مداهنة ولا مراقبةٍ لسلطان ولا وزير . وقد قاسى بذلك قصد الحُسّاد في كلّ وقت ، وسعَوا في رُوحه مرارًا ، وعَمدوا إلى إهلاكه أطوارًا ، فوقاه الله شَرّهم ، وجعل قصدهم أقوى سببٍ لارتفاع شأنه )). قال ابن طاهر: (( حكى لي أصحابنا أن السلطان ألب أرسِلان قَدِمَ هراة ومعه وزيره نظام الملك ، فاجتمع إليه أئمة الحنفية ، وأئمة الشافعية للشكوى من الأنصاري ، ومطالبته بالمناظرة ، فاستدعاه الوزير ، فلما حضر قال : إن هؤلاء قد اجتمعوا لمناظرتك ، فإنْ يكن الحق معك رجعوا إلى مذهبك ، وإن يكن الحق معهم رجعت ، أو تسكت عنهم . فوثب الأنصاري وقال : أناظر على ما في كُمّي . قال : وما في كمِّك ؟ قال : كتاب الله - وأشار إلى كمِّه الأيمن - وسنة رسول الله، وأشار إلى كمِّه اليسار ، وكان فيه ((الصحيحان))، فنظر الوزير إليهم مستفهمًا لهم ، فلم يكن فيهم مَنْ ناظره من هذا الطريق . وسمعت خادمه أحمد بن أميرجه يقول : حضرتُ مع الشيخ ؛ للسلام على الوزير نظام الملك ، وكان أصحابنا كلّفوه الخروج إليه ، وذلك بعد المحنة ، ورجوعه إلى وطنه بلخ - يعني أنه كان قد غُرِّب - قال : فلما دخل عليه أكرمه وبجّله ، وكان هناك أئمة من الفريقين ، فاتفقوا على أن يسألوه بين يدي الوزير ، فقال العلوي الدبوسي : يأذن الشيخ الإِمام أن أسأل ؟ قال : سَلْ. قال: لِمَ تلعن أبا الحسن الأشعري ؟ فسكتَ الشيخ ، وأطرق الوزير ، فلما كان بعد ساعة قال الوزير : أجبْه . فقال : لا أعرف أبا الحسن ، وإنما ألعن من لم يعتقد أن الله في السماء ، وأن القرآن في المصحف، ويقول: إن النبي عَ لِّ اليوم ليس بنبِي. ثم قام وانصرف . فلم يُمكن أحدًا أن يتكلم من هَيْبته ، فقال الوزير للسائل : هذا أردتم ! أن نسمع ما كان يذكره بهراة بآذاننا ، وما عسى أن أفعل تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٢٠٦ صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الثالث به ؟ ثم بعث إليه بصلة وخِلَع فلم يقبلها، وسافر من فوره إلى هراة)) (١). قال خادمه : وسمعت أصحابنا بهراة يقولون : لما قدم السلطان ألب أرسلان في بعض قدماته ، اجتمع مشايخ البلد ورؤساؤه ، ودخلوا على أبي إسماعيل ، وسلَّموا عليه ، وقالوا : ورد السلطان ونحن على عزْمٍ أنْ نخرج ونُسلّم عليه ، فأحببنا أن نبدأ بالسلام عليك ، وكانوا قد تواطؤوا على أن حملوا معهم صنمًا من نحاس صغيرًا ، وجعلوه في المحراب تحت سجادة الشيخ ، وخرجوا ، وقام الشيخ إلى خلوته ، ودخلوا على السلطان واستغاثوا من الأنصاري ، وأنه مجسِّّمٌ ، وأنه يترك في محرابه صنمًا ، يزعم أن الله تعالى على صورته ، وإنْ بعث السلطان الآن يجده ، فعظُم ذلك على السلطان ، وبعث غلامًا وجماعة ، فدخلوا ، وقصدوا المحراب ، فأخذوا الصنم ، فألقى الغلام الصنم ، فبعث السلطان مَن أحضر الأنصاري ، فأتى فرأى الصنم والعلماء ، وقد اشتدَّ غضب السلطان ، فقال له السلطان : ما هذا؟ قال: صنم يُعمل من الصُّفر شبه اللعبة . قال : لستُ عن ذا أسألك . قال : فعمّ يسألني السلطان ؟ قال : إن هؤلاء يزعمون أنك تعبد هذا ، وأنك تقول : إن الله على صورته . فقال شيخ الإِسلام - بصولة وصوت جَهْوري -: سبحانك! هذا بهتان عظيم. فوقع في قلب السلطان أنهم كذبوا عليه ، فأمر به ، فأُخرج إلى داره مكرمًا ، وقال لهم : اصدقوني . وهددهم ، فقالوا : نحن في يد هذا في بليّة من استيلائه علينا بالعامة ، فأردنا أن نقطع شرّه عنا ، فأمر بهم ، ووكّل بهم ، وصادرهم ، وأخذ منهم ، وأهانهم(٢). ما يضيرُ البحرَ أمسى زاخِرًا أَنْ رمىُ فيهِ غلامٌ بِحَجَرْ (١) سير أعلام النبلاء ١٨ / ٥١١ - ٥١٢، وتذكرة الحفاظ ٣ / ١١٨٧ - ١١٨٨. (٢) سير أعلام النبلاء ١٨ / ٥١٢، وتذكرة الحفاظ ٣ / ١١٨٨ - ١١٨٩. تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الثالث ٢٠٧ ولله در القائل : يَا نَاطِحَ الجبلِ العالي لتُكْلِمَهُ أشفقْ على الرأس لا تُشفق عَلى الجبلِ الحافظ الأثري عبد الغني المقدسي : (( قال الضِّياء : أخبرني خالي موفق الدين ، قال : كان الحافظ عبد الغني جامعًا للعلم والعمل ، وكان رفيقي في الصِبًا ، وفي طلب العلم ، وما كنا نستبق إلى خير إلّا سبقني إليه ، إلا القليل ، وكمّل الله فضيلته بابتلائه بأذى أهل البدعة وعداوتهم . قال الضياء : كان لا يرى منكرًا إلَّا غيره بيده أو بلسانه ، وكان لا تأخذه في الله لومة لائم . قد رأيته مرة يهريق خمرًا ، فجبذ صاحبه السيف فلم يَخَفْ منه ، وأخذه من يده ، وكان قويًّا في بدنه ، وكثيرًا ما كان بدمشق ينكر ويكسر الطنابير والشَّبابات . قال خالي الموفق : كان الحافظ لا يصبر عن إنكار المنكر إذا رآه ، وكنّا مرة أنكرنا على قومٍ وأرقنا خمرهم وتضاربنا ، فسمع خالي أبو عمر ، فضاق صدره ، وخاصمنا ، فلما جئنا إلى الحافظ طيّب قلوبنا ، وصوّب فعلنا، وتلا ﴿ وائه عن المنكر واصبر على ما أصابك ... ﴾ [ لقمان: ١٧ ] . وسمعت أبا بكر بن أحمد الطحان ، قال : كان بعض أولاد صلاح الدين قد عُمِلَتْ لهم طنابير ، وكانوا في بستان يشربون ، فلقي الحافظ الطنابير فكسَّرها . قال : فحدثني الحافظ ، قال : فلما كنتُ أنا وعبد الهادي عند حمَّام كافور ، إذا قوم كثير معهم ◌ِصِّ فخفّفتُ المشي ، وجعلت أقول : ((حسبي الله ونعم الوكيل))، فلما صرت على الجسر لحقوا صاحبي ، فقال : أنا ما كسرت لكم شيئًا ، هذا هو الذي كسر ، قال : فإذا فارس يركض فترجَّل ، وقبّل يديّ ، وقال : الصبيان ما عرفوك . وكان قد وضع الله تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث ٢٠٨ لهُ هيبة في النفوس))(١). هذه والله أحلى مذاقًا منَ العسل ... ((قال فضائل بن محمد المقدسي : سمعتُهم يتحدثون بمصر أن الحافظ كان قد دخل على العادل فقام له ، فلما كان اليوم الثاني جاء الأمراء إلى الحافظ ، مثل سركس وأزكش ، فقالوا : آمنا بكرامتك يا حافظ . وذكروا أن العادل قال : ما خِفْتُ من أحدٍ ما خفتُ من هذا . فقلنا : أيُّهَا الملك هذا رجل فقيه . قال: لما دخل ما خُيِّل إلّي إلّا أنه سُبُع . وبلغني - بعدُ - عنه أنه قال : ما رأيتُ بالشام ولا مصر مثل فلان ، دخل علّ فَخُيّل إلي أنه أسد . قال الضياء : كانوا قد أوغروا عليه صدر العادل ، وتكلموا فيه ، وكان بعضهم أرسل إلى العادل يبذل في قتل الحافظ خمسة آلاف دينار)) (٢). قال الذهبي في السير : جرّ هذه الفتنة نشر الحافظ أحاديث النزول والصفات ، فقاموا عليه ورمَوْه بالتجسيم ، فما دارى كما كان يداريهم الموفق . وحكى الأمير درباس أنه دخل مع الحافظ إلى الملك العادل ، فلما قضى الملك كلامه مع التحافظ ، جعل يتكلم في أمر ( ماردين ) وحصارها ، فسمع الحافظ فقال : أيش هذا ، وأنت بعدُ تريد قتال المسلمين ، ما تشكر الله فيما أعطاك، أمَا ... أمَا ؟! قال: فما أعاد ولا أبدى . ثم قام الحافظ وقمتُ معه ، فقلت : أيش هذا ؟ نحن كنا نخاف عليك من هذا ، (١) سير أعلام النبلاء ٢١ / ٤٥٣ - ٤٥٥. (٢) السير ٢١ / ٤٥٥ . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثالث ٢٠٩ ثم تعمل هذا العمل ؟! قال : أنا إذا رأيتُ شيئًا لا أقدر أصبر . وسمعتُ أبا بكر بن الطحان ، قال : كان في دولة الأفضل جعلوا الملاهي عند الدَّرج - يعني درج جيرون - فجاء الحافظ فكسّر شيئًا كثيرًا ، ثم صعد المنبر يقرأ الحديث ، فجاء رسول القاضي يأمره بالمشي إليه ليناظره في الدُّفّ والشبابة ، فقال : ذاك عندي خرام ، ولا أمشي إليه . ثم قرأ الحديث ، فعاد الرسول ، فقال: لا بُدّ من المشي إليه ، أنت قد بطّلتَ هذه الأشياء على السلطان . فقال الحافظ : ضرب الله رقبته ورقبة السلطان . فمضى الرسول وخفنا . فما جاء أحد(١). قال الحافظ عبد الغني : سألت الله أن يرزقني مثل حال الإِمام أحمد ، فقد رزقني صلاته . قال : ثم ابتُلي بعد ذلك وأوذي . ولقد ناظر الفقهاءَ ، وثبت على عقيدة أهل السنة أمام الأشاعرة ، وصدع بها فوشوا به إلى الحكام والسلاطين ، وبدّعوه وكفّروه ، وهمُّوا أن يقتلوه . رحمه الله . ولقد أُمِرَ الحافظ أن يكتب اعتقاده ، فكتب : أقول كذا ، لقول الله كذا. وأقول كذا؛ لقول الله كذا، ولقول النبي عَِّ كذا . حتى فرغ من المسائل التي يخالفون فيها ، فلما رآها الكامل قال : أيش أقول في هذا، يقول بقول الله، وقول رسوله عَ لَّه؟! ناظره القاضي محيي الدين ، والخطيب ضياء الدين ، وجماعة ، فصعدوا إلى القلعة ، وقالوا لواليها : هذا قد أضلّ الناس ، ويقول بالتشبيه . وارتفعت الأصوات ، فقال والي القلعة الصَّارم برغش : كلّ هؤلاء على (١) السير ٢١ / ٤٥٥ - ٤٥٦ . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٢١٠ صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الثالث ضلالة وأنت على الحق ؟ قال : نعم . فأمر بكسر منبره . رحم الله الحافظ عبد الغني ، فقد كان سيدًا من سادات أهل الدين والعلم ، والتألَّه ، والصدع بالحق . العماد المقدسي ((جوهرة عصره)): قال عنه الضياء المقدسي : ما علمت أنه دخل إلى سلطان ولا والٍ ، وكان قويًّا في أمر الله ، ضعيفًا في بدنه، لا تأخذه في الله لومة لائم، أمّارًا بالمعروف ، لا يرى أحدًا يُسيء صلاته إلا قال له ، وعلَّمَه . قال : وبلغني أنه أتى فُسَّاقًا ، فكسّر ما معهم ، فضربوه حتى غُشي عليه ، فأراد الوالي ضربَهم ، فقال : إنْ تابوا ولازموا الصلاة فلا تُؤْذِهم ، وهُم في حِلٍّ . فتابوا(١). أسد الشَّام اليونيني ، عبد الله بنُ عثمان بن جعفر : قال الشيخ علي القصار : كنت أَهَابه كأنه أسد . وقال الذهبي : كان أمّارًا بالمعروف لا يهاب الملوك . قيل : إن العادل أتى والشيخ يتوضأ ، فجعل تحت سجادته دنانير ، فردّها وقال : يا أبا بكر، كيف أدعو لك والخمور دائرة في دمشق ، وتبيع المرأة وقية ، يؤخذ منها قراطيس ؟! فأبطل ذلك . وقيل : جلس بين يديه المعظم وطلب الدعاء منه ، فقال : يا عيسى ، لا تكن نحسًا مثل أبيك ، أظهر الزغل(٢) ، وأفسد على الناس (١) سير أعلام النبلاء ٢٢ / ٤٩ - ٥٠ . (٢) العملة المغشوشة . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث ٢١١ المعاملة(١). البربهاري شيخ الحنابلة القدوة الإِمام أبو محمد الحسن بن علي : كان قوّالًا بالحق، داعيةً إلى الأثر ، لا يخاف في الله لومة لائم . وكان له - رحمه الله - مجاهداتٌ ومقامات في الدين ، وكانت له المنزلة الرفيعة في قلوب الناس . وكان له أصحاب كثيرون ، ثم لم تزل المبتدعة توحش قلب الراضي عليه ، حتى نُودي في الناس : لا يجتمع اثنان من أصحاب البربهاري . فاختفى ، وتوفي مستترًا ، فدفن بدار أخت توزون . سلطان العلماء ، وبائع الملوك والأمراء : أبو محمد عِزّ الدين عبد العزيز ابن عبد السلام بن أبي القاسم : ((شيخ الإسلام والمسلمين ، وأحد الأئمة الأعلام ، سلطان العلماء ، إمام عصره بلا مدافعة ، القائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في زمانه ..... لم ير مثل نفسه ، ولا رأى من رآه مثلَه، علمًا وورعًا وقيامًا في الحق ، وشجاعة وقوةَ جنانٍ ، وسلاطة لسان ))(٢). وقال عنه ابن حجر: ((كان عالي الهمة ، بعيد الغور في فهم العلوم وكان قائمًا بالأمر بالمعروف ، لا يخاف في ذلك كبيرًا ولا صغيرًا))(٢). وذكر اليافعي أن الإِمام العزّ كان جبل إيمان ، لا يخشى سلطانًا ، ولا يهاب سَطوة الملك ، بل يعمل بما أمر الله ورسوله به ، وما يقتضيه الشرع (١) سير أعلام النبلاء ٢٢ / ١٠١ - ١٠٢. (٢) طبقات الشافعية ٨ / ٢٠٩. (٣) رفع الإِصر عن قضاة مصر لابن حجر ٢ / ٣٥١. تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الثالث ٢١٢ المطهر(١). (١) أمُرُه بالمعروف ونهيُه عن المنكر للملك الأشرف موسى بن الملك العادل ابن أيوب : دخل سلطان العلماء على الملك الأشرف في مرضٍ موْته ، فقبَّل الأشرف يده ، وقال له : ادعُ الله لي ، وأوصني وانصحني . فقال له عزّ الدين : أمّا دعائي للسلطان ، فإني أدعو له في كثير من الأحيان ؛ لما في صلاحه من صلاح المسلمين والإِسلام ، والله تعالى يُبَصِّر السلطان فيما يبيِّض به وجهه يوم يلقاه ، وأما وصيتي ونصيحتي للسلطان، فقد وجبت وتعيّنت لقبوله وتقاضيه ، وكان قُبَيْل مرضه قد وقع بينه وبين أخيه السلطان - الملك - الكامل واقع ووحشة ، وأمر وهو في ذلك المرض بنصْب دهليزه إلى صوب مصر ، وضرب منزلة تُسمّى : الكُسوة (٢) ، وكان في ذلك الزمان قد ظهر الَّتُرُ بالمشرق ، فقال الشيخ للسلطان - الملك - الكامل : أخوك الكبير وَرَحِمُكَ، وأنت مشهور بالفتوحات والنصر على الأعداء ، والتّتُر قد خاضوا بلاد المسلمين ، تترك ضرْب دهليزك إلى أعداء الله وأعداء المسلمين ، وتضربه إلى جهة أخيك ! فينقل السلطان دهليزه إلى جهة التتار ، ولا تقطعْ رَحِمَك في هذه الحالة ، وتنوي مع الله نصر دينه وإعزاز كلمته ؛ فإنْ مَنَّ الله بعافية السلطان رجوْنا من الله إدالته على الكفار ، وكانت في ميزانه هذه الحسنة العظيمة ، فإنْ قضى الله تعالى بانتقاله إليه كان السلطان في خفارة نِيَّته . فقال له : جزاك الله خيرًا عن إرشادك ونصيحتك. وأَمَر - والشيخ حاضر - في الوقت بنقل دهليزه إلى الشرق ، إلى منزلة يُقال لها : القُصير (٣) ، فَتُقل (١) مرآة الجنان لليافعي ٤ / ١٥٥ . (٢) أول منزل تنزله القوافل إذا خرجت من دمشق إلى مصر . (٣) هذه المنزلة هي القرية التي تُسمّى اليوم باسم : الجعافرة . إحدى قرى مركز = تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الثالث ٢١٣ في ذلك اليوم . ثم قال له : زدني من نصائحك ووصاياك . فقال له : السلطان في مثل هذا المرض ، وهو على خطر ، ونُوّابُه يُبيحون فروج النساء ، ويُدمنون الخمور ، ويرتكبون الفجور ، ويتنوّعون في تمكيس المسلمين ، ومن أفضل ما تلقى الله به أن تتقدم بإبطال هذه القاذورات ، وبإبطال كُلِّ مَكْسٍ ، ودفْع كلِّ مظلمة . فتقدم رحمه الله - للوقت - بإبطال ذلك كله ، وقال له : جزاك الله عن دينك وعن نصائحك ، وعن المسلمين خيرًا ، وجمع بيني وبينك في الجنة بمنِّه وكرمه . وأطلق له ألف دينار مصرية فردَّها عليه ، وقال : هذه اجتماعةٌ لله لا أكدِّرها بشيء من الدنيا ، وودَّع الشيخ السلطان ، ومضى إلى البلد ، وقد شاع عند الناس صورة المجلس ، وتبطيل المنكرات ، وباشَرَ الشيخ بنفسه تبطيلَ بعضها))(١). إنكارُه على مَلِك دمشق التَّنازل عن ديار المسلمين ، وعقد الصُّلح مع الفرنجة الصليبيين المعتدين : (( لما تحالف الصالح إسماعيل - المعروف بأبي الخبيش، حاكم دمشق - مع الصليبيين ، وأسلمهم قلعة صَفْد ، وقلعة الشقیف ، وصيدا ، وبعض ديار المسلمين اختيارًا ؛ لينجدوه على الصالح نجم الدين أيوب ، حاكم مصر ؛ لأنّ الصالح إسماعيل خاف منه فكاتب الفرنجة ؛ ليساعدوه ضد ابن أخيه حاكم مصر ، فدخل الصليبيون دمشق لشراء السلاح ، ليقاتلوا المسلمين ، فشقّ ذلك على سلطان العلماء مشقةً عظيمة في مبايعة الفرنج السلاح ، وعلى المتدينين من المتعيِّشين مِنَ السلاح ، فاستفتَوا الشيخ في مبايعة الفرنج السلاح ، فقال : يُحُرُم عليكم مبايعتُهم ؛ لأنكم تتحققون أنهم يشترونه ليقاتلوا به = فاقوس ، محافظة الشرقية . (١) طبقات الشافعية ١٠ / ٢٤٠ - ٢٤١ . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث ٢١٤ إخوانكم المسلمين . وترك عز الدين الدعاء للحاكم في الخطبة ، وجدّد دعاءه - في الجامع - الذي كان يدعو به إذا فرغ من الخطبتين: (( اللهم أبرِمْ لهذه الأمة أمرًا رشدًا تُعِزّ فيه وليّك، وتُذِلُّ فيه عَدُوّك ، ويُعمل فيه بطاعتك ، ويُنهى فيه عن معصيتك )) والناس يبتهلون بالتأمين والدعاء للمسلمين ، والنصر على أعداء الله الملحدين . فكاتب أعوانُ الشيطانِ السلطانَ بذلك ، وحرّفوا القول وزخرفوه ، فجاء كتابه باعتقال الشيخ ، فبقي مدة معتقلًا ، ثم وصل الصالح إسماعيل ، وأخرج الشيخ بعد محاورات ومراجعات ، فأقام مدةً بدمشق ، ثم انتزح عنها إلى بيت المقدس ، فوافاه الملك الناصر داود في الفور ، فقطع عليه الطريق وأخذه ، وأقام عنده بنابلس مدة ، وجرت له معه خطوبٌ ، ثم انتقل إلى بيت المقدس وأقام به مدة ، ثم جاء الصالح إسماعيل والملك المنصور - صاحب حمص - وملوك الفرنج بعساكرهم وجيوشهم إلى بيت المقدس ، يقصدون الديار المصرية ، فسيّر الصالح إسماعيل بعض خواصِّه إلى الشيخ بمنديله ، وقال له : تدفع منديلي إلى الشيخ وتتلطف به غاية التلطّف وتستنزله ، وتعِدُه بالعود إلى مناصبه على أحسن حال ، فإن وافقك تدخل به علّ ، وإنْ خالفك فاعتقلْه في خيمة إلى جانب خيمتي . فلما اجتمع الرسول بالشيخ شَرَع في مُسايسته وملاينته ، ثم قال له : بينك وبين أن تعود إلى مناصبك وما كنت عليه وزيادة ، أن تنكسر للسلطان ، وتقبِّل يده لا غيره ))(١). وهنا قال سلطان العلماء كلماته النَّيِّرة ، وهي كلمات للحياة ، فيها استعلاءُ أهل العلم وعزَّة العقيدة ، خرّ من هول هذه الكلمات رسولُ الحاكم . قال (١) طبقات الشافعية ٨ / ٢٤٣ - ٢٤٤. تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الثالث ٢١٥ عز الدين: ((والله يا مسكين، ما أرضاه أن يُقبِّل يدي ، فضلًا أن أُقبِّل يدَه . يا قوم، أنتم في وادٍ ، وأنا في وادٍ ، الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاکم به ))(١). عزةُ سلطان العلماء بربه .. يصون يده المتوضِّئة عن ملامسة عميل للصليبيين ، وإن كان سلطانَ دمشق .. يصون يده التي تكتب العلم وتسجد لمولاها . لَوْ كَانَ فِيهمْ مَنْ عَراهُ غرامُ ما عنّفوني في هواهُ ولامُوا (٢) وعلمْتُها ولذَا سَهِرْتُ ونامُوا لكنَّهم جهِلُوا لَذاذةَ حُسْنِهِ جَنحُوا إلى ذاك الجَنَابِ وهامُوا لَوْ يعلمُونَ كَمَا علمتُ حقيقةً خَرُّوا ولم تثبتْ لهم أقدامُ أَوْ لوْ بدتْ أَنوارُهُ لعُيُونِهِمْ فَخْرًا فدونَ حِذاكَ مِنْهُ الْهَامُ مولايَ عِزَّ الدين عَزّ بك العُلا نظْمًا لفضلِكَ في الورى النَّظَّامُ جاوزتَ حدَّ المدح حتی لم يُطِقْ وعليكَ يا عبد العزيز سَلامُ (٣) فعليكَ يا عبد العزيز تحية يقول الشيخ شرف الدين عبد اللطيف ولد الشيخ سلطان العلماء ، فيما حكاه السُّبكي في (( طبقات الشافعية )) بعد مقولة الشيخ لرسول السلطان : ((فقال له : قد رسم لي إنْ لم توافق على ما يُطلب منك وإلا اعتقلتك . فقال : افعلوا ما بدا لكم . فأخذه واعتقله في خيمة إلى جانب خَيْمة السلطان . وكان الشيخ يقرأ القرآن والسلطان يسمعه ، فقال يومًا لملوك (١) طبقات الشافعية ٨ / ٢٤٣ - ٢٤٤. (٢) هذا البيت لسلطان العلماء ، وما بعده لتلميذه عمر بن عبد العزيز الأسواني قاضي أسوان . (٣) طبقات الشافعية ٨ / ٢٤٦ - ٢٤٧ . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث ٢١٦ = الفرنج : تسمعون هذا الشيخ الذي يقرأ القرآن ؟ قالوا : نعم . قال : هذا أكبر قُسُوس المسلمين ، وقد حبستُه لإِنكاره علّ تسليمي لكم حصون المسلمين ، وعزلتُه عن الخطابة بدمشق وعن مناصبه ، ثم أخرجتُه فجاء إلى القدس ، وقد جدّدتُ حبسه واعتقاله لأجْلِكم . فقالت له ملوك الفرنج : لو كان هذا قِسِّيسَنا لغسَلْنَا رجليه، وشربنا مرقتها)) (١). لله ما أحلى هذه الكلمة وأطيبها ... ((صَدَقَكَ وهو كذوب)) ... ونور الحق لا يخفى ، وجمال الشيخ وهيبته ، وحسن موقفه يشهد به الأعداء .. وهذه شهادة الكفار في حقّه .. فما بالُ أذنابهم ؟! قَدْ تُنكَرُ العَيْنُ ضَوْءَ الشمسِ مِنْ رَمَدٍ وَيُنكَرُ الفمُ طَعْمَ الماءِ مِن سقَمِ (( ثم جاءت العساكر المصرية ، ونصر الله تعالى الأمة المحمدية ، وقتلوا عساكر الفرنج ، ونجّى الله سبحانه وتعالى الشيخ ، فجاء إلى الديار المصرية ، فأقبل عليه السلطان نجم الدين أيوب رحمه الله ، وولّاه خطابة مصر وقضاءَها ، وفوّض إليه عمارة المساجد المهجورة بمصر والقاهرة ، واتفق له في تلك الولايات عجائبُ وغرائبُ )). عالم تَهابُهُ المبتدعة والملوك : ((كان رحمه الله سيفًا ذا حدَّيْن: حدّ سلّه على ترف الملوك ولهوهم ولعبهم ومنكرهم ، وآخر على بِدَع العوامّ ، بجرأة لا نظير لها ، ولو كان وراء ذلك السجنُ أو الموتُ ، فَيُمْضي اللهُ كلمته في الملك والمملوك . وترجم ذلك قولًا وعملًا(٢) ، فكان يقول : (١) طبقات الشافعية ٨ / ٢٤٤. (٢) صفحات مطويَّة من حياة سلطان العلماء بقلم سليم بن عيد الهلالي صـ ٦٥ - طبع دار ابن الجوزي . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث ٢١٧ طُوبى لمن تولَّى شيئًا من أمور المسلمين ، فأعان على إماتة البدع ، وإحياء السنن(١). وأبطل بدعًا كثيرة منها : صلاة الرغائب المبتدعة ، وصلاة ليلة النّصف من شعبان ، ودقِّ المنبر بالسيف . ولله درُّه حين يقول في نُصرة الحق: ((ينبغي لكلِّ عالم إذا أُذل الحقُّ ، وأُخمل الصوابُ أن يبذل جهده في نصرهما ، وأن يجعل نفسه بالذلِّ والخمول أولى منهما ، وإنْ عَّ الحق فظهرَ الصوابُ ، أن يستظل بظلِّهما، وأن يكتفي باليسير مِن رشاش غيرهما))(٢). وقال رحمه الله في ((الفتاوى)) (٧١ - ٧٢ ) مُنَبِّهًا على خطورة البدع الزاعمة أن في الإِسلام قشرًا ولُبابًا: (( لا يجوز التعبير عن الشريعة بأنها قشرٌ ، مع كثرة ما فيها من المنافع والخير ، وكيف يكون الأمر بالطاعة والإِيمان قشرًا ، وأنّ العلم الملَقّب بعلم الحقيقة جزءٌ من أجزاء الشريعة ؟! ولا يُطلق مثل هذه الألقاب إلا غبّي شقّ، قليل الأدب . ولو قيل لأحدهم : إن كلام شيخك قُشورٌ ، لأنكَرَ ذلك غاية الإِنكار ، ويطلق لفظ القشور على الشريعة ! وليست الشريعة إلا كتاب الله وسنة رسوله . فيعزَّر هذا الجاهل تعزيرًا يليق بمثل هذا الذنب . وكان سلطان العلماء رحمه الله يقوم بإنكار المنكر وإبطال البدع بنفسه ، فقد اتفق أن الوزير فخر الدين عثمان ابن شيخ الشيوخ ، أستاذ دار المُلْك - وهو الذي كان إليه أمر المملكة - عمد إلى مسجد بمصر ، فعمل على ظهره بناءً (١) مساجلة علمية صـ ١٠ . (٢) طبقات الشافعية ٨ / ٢٤٥. تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٢١٨ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث الطبلخانات(١)، وبقيتْ تَضْرِبُ هنالك، فلما ثبت هذا عند الشيخ عزّ الدين حكم بهذْم البناء ، بل وذهب بنفسه وجماعته وهدم البناء . ولما علم الوزير غضب لذلك ، فقام الشيخ بالإِشهاد عليه ، وأسقط عدالته ، وحكم بفسْقه ، وعزل نفسه عن القضاء ، ولم تسقط بذلك منزلة الشيخ عند السلطان ، ولكنه لم يُعِدْه إلى الولاية ، وظنَّ فخر الدين أن هذا الحكم لا يتأثر به فخر الدين في الخارج . العزّ ونجم الدين أيوب : وقد كانت له قصة - أَّ قصة - مع نجم الدين أيوب سلطان مصر . ونجم الدين هو نجم الدين ظلمًا وجبرونًا . قال عنه صاحب النجوم الزاهرة: ((كان كثير التخيُّل والغضب، والمؤاخذة مع الذنب الصغير ، والمعاقبة على الوهْم ، لا يقيل عثْرةً ، ولا يقبل معذرة ، ولا يرعى سالف خدمةٍ ، السيئة عنده لا تُغتفر ، وكان جبارًا متكبرًا ، شديد السطوة ، كثير التجبُّر على أصحابه ونُدمائه وخواصِّه ، ثقيل الوطأة ، حتى إن خواصَّه لم يكونوا يأمنون سطوته ، ولا يقدرون على الاحتراز منه ، ولم يكن في خلقه الميْل لأحدٍ من أصحابه ولا أهله ولا أولاده ، ولا المحبة لهم ، ولا الحنوّ عليهم على ما جرت به العادة »(٢). قال أبو الحسن الباجي تلميذ العز: (( طلع شيخنا عز الدين مرة إلى السلطان في يوم عيد إلى القلعة ، فشاهد العسكر مصطفّين بين يديه ، ومجلس المملكة ، وما السلطان فيه يوم العيد من الأبهة ، وقد خرج على قَوْمِه في زينته ، على عادة سلاطين الديار المصرية ، وأخذتِ الأمراءُ تقبّل الأرض بين (١) أي : دار لهوٍ وغناء . (٢) النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة ٦ / ٣٣٥. تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الثالث ٢١٩ يدي السلطان ، فالتفت الشيخ إلى السلطان ، وناداه : يا أيوب .. ما حجتك عند الله ، إذا قال لك : يا أيوب ألم أُبَوِّئ لك ملك مصر ، ثم تبيح الخمور ؟! فقال : هل جرى هذا ؟ قال : نعم ، الحانة الفلانية تُباع فيها الخمور ، وغيرها من المنكرات ، وأنت تتقلب في نعمة هذه المملكة - يناديه بأعلى صوته ، والعساكر واقفون - فقال : يا سيدي ، هذا ما أنا عملته ، هذا من زمان أبي . فقال: أنت من الذين يقولون: ﴿ إنا وجدنا آباءَنا على أمَّة ... ﴾ [ الزخرف: ٢٢ ] فَرَسَمَ السلطان بإبطال تلك الحانة . يقول الباجي : فسألتُ الشيخ لمَّا جاء من عند السلطان ، وقد شاع هذا الخبر: يا سيدي ، كيف الحال ؟ فقال : يا بنَّي ، رأيته في تلك العظمة ، فأردت أن أهينه ؛ لئلا تَكْبُر عليه نفسه فتؤذيه . فقلت : يا سيدي ، أما خفته ؟ فقال : والله يا بني استحضرت هَيْبة الله تعالى ، فصار السلطان قُدّامي كالقط))(١). الله ما أعطَرَ هذا الكلام .. وإنْ شئتَ فهناك ما هو أحلى وأعطرَ : ((أُمراءُ للتَّيْعِ)) : حكى السُّبكي والسيوطي أنه (( لما تولَّى الشيخ عزّ الدين القضاء تصدّى لبيْع أمراء الدولة مِنَ الأتراك ، وذكر أنه لم يثبتْ عنده أنهم أحرار ، وأن حكم الرِّق مستصحبٌ عليهم لبيت مال المسلمين ، فبلغهم ذلك ، فعظُم الخَطْب عندهم، واضَّرم الأمر ، والشيخ مصمّم لا يصحِّح لهم بَيْعًا ولا شراءً ولا نكاحًا ، وتعطلتْ مصالحهم لذلك ، وكان من جملتهم نائب السلطنة ، فاستثار غضبًا ، فاجتمعوا وأرسلوا إليه ، فقال : نعقد لكم مجلسًا ويُنادى عليكم لبيت مال المسلمين ، ويحصل عِتقُكم بطريق شرعي ، فرفعوا الأمر (١) طبقات الشافعية ٨ / ٢١١، وطبقات المفسرين للداودي ١ / ٣١١. تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٢٢٠ صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثالث إلى السلطان ، فبعث إليه فلم يرجعْ ، فجَرَتْ من السلطان كلمة فيها غِلظة ، حاصلها الإِنكار على الشيخ في دخوله في هذا الأمر وأنه لا يتعلق به ، فغضب الشيخ وحمل حوائجه على حمار ، وأركب عائلته على حمار آخر ، ومشى خلفهم خارجًا مِنَ القاهرة قاصدًا نحو الشام ، فلم يصل إلى نحو نصف بريد إلا وقد لحقه غالبُ المسلمين ، لم تكدِ امرأة ولا صبي ولا رجل لا يُؤْبَه إليه يتخلف ، لا سيما العلماء والصلحاء والتجار وأنحاؤهم ، فبلغ السلطان الخبر ، وقيل له : متى راح ذهب ملكُك ، فركب السلطان بنفسه ولحقه واسترضاه وطيّب قلبه ، فرجع ، واتفقوا معهم على أنه يُنادَى على الأمراء ، فأرسل إليه نائب السلطنة بالمُلاطفة فلم يُفِدْ ، فانزعج النائب ، وقال : كيف ينادي علينا هذا الشيخ ويبيعنا ، ونحن ملوك الأرض ؟! والله لأضربتَّه بسيفي هذا ، فركب بنفسه في جماعته ، وجاء إلى بيت الشيخ ، والسيف مسلول في يده ، فطرق الباب ، فخرج ولد الشيخ ، فرأى من نائب السلطنة ما رأى ، وشرح له الحال فما اكترث لذلك ، وقال : يا ولدي أبوك أقلّ من أن يقتل في سبيل الله . ثم خرج ، فحين وقع بصره على النائب يُبُسَتْ يد النائب ، وسقط السيف منها ، وأرعدتْ مفاصلُه ، فبكى ، وسأل الشيخ أن يدعو له ، وقال : يا سيدي ، أيش تعمل ؟ قال : أنادي عليكم ، وأبيعكم . قال : ففيمَ تصرف ثمننا ؟ قال : في مصالح المسلمين . قال : وَمَن يقبضه؟ قال: أنا ، فتمّ ما أراد ، ونادى على الأمراء واحدًا واحدًا ، وغالى في ثمنهم ، ولم يبِعْهم إلا بالثمن الوافي ، وقبضه وصرفه في وجوه الخير ، وهذا ما لم يُسمع بمثله عن أحد . رحمه الله تعالى ))(١). ولقوة الشيخ في الحق وجرأته في بيانه ، وأمره بالمعروف ونهيه عن (١) حسن المحاضرة للسيوطي ٢ / ١٦٢، وطبقات الشافعية للسبكي ٨ / ٢١٦. تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com