Indexed OCR Text

Pages 561-580

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٥٦١
الحفاظ على اللسان العربي.
■ يقول الأستاذ الدكتور محمد محمد أبو موسى رئيس قسم البلاغة
السابق بكلية اللغة العربية جامعة القاهرة في مقاله ((محمود محمد
شاكر .. والفجر الصادق))(١): ((قليل هم في زماننا الذين عاشوا هموم
الوجود العربي الإسلامي، ومن هذا القليل الأستاذ محمود محمد شاكر
الذي انقطع لهموم العرب والمسلمين، وجعل هذا الهم شاغله في ليله
ونهاره، وفيما يكتب، وفيما يقرأ، وفيما يحدث به مَن يرتادونه، وكأن
هذه الأمَّة العربية الإسلامية مع تنائي أقطارها، واتساع ديارها، واختلاف
أجناسها، إنما هم أبناء أمه وأبيه، وهم أهله، وعشيرته، الذين يقوم لهم،
ويقعد.
ويقول الدكتور عبد الحميد إبراهيم في مقاله ((محمود شاكر - الرجل
والمواقف))(٢):
((ألا لا يمنعنّ رجلًا هيبة الناس، أن يقول بحق إذا علمه)).
■ هذا نص حديث شريف، استفتح به الشيخ محمود شاكر كتابه
((رسالة في الطريق إلى ثقافتنا)).
وهو حديث لا يصدق على أحد بقدر ما يصدق على الشيخ شاكر
نفسه، إن مفتاح شخصيته يتلخص في قدرته على قول الحق، مهما كانت
الظروف.
وقبل هذه القدرة هناك قدرة ثانية تتكامل معها: وهي قدرته على أن
یتبین الحق قبل أن يتنبه له الآخرون.
(١) ((مجلة الأدب الإسلامي))- العدد السادس عشر (ص١٦ - ٢٤) ملخصًا.
(٢) المصدر السابق (ص٢٦ - ٢٧).
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٥٦٢
سـ
صلاح الأمة في علو الهمة
■ إن تاريخ الشيخ شاكر يتلخص في أنه يدرك الحق قبل أن يدركه
غيره، هذا أولًا. وفي أنه يجاهر بهذا الحق ولو سكت غيره، وهذا ثانيًا.
هذا مفتاح شخصيته، وهو مفتاح يدل على أننا إزاء صنف من
الرجال، يختلف عن غيره من بقية خلق الله.
فالرجل - أي رجل - لا يقاس بغزارة علمه، ولا بوفرة ماله، فما
أكثر العلماء الذين يعرضون صفحات الكتب، ثم يتركون دنياهم، دون
أن يدري بهم أحد، وما أكثر الناس الذين يحبون المال حبًّا جمًّا. ويَفنون
ويبقى المال ويذهب الأثر.
لقد ذكر الرسول وسجل﴿ أن هناك نَهِمَيْنِ لا يشبعان، طالب علم وطالب
مال.
ولا غرابة في ذلك فكلاهما - طالب العلم وطالب المال - يغرقان في
لذة شخصية، قد تصرفهما عن المواقف التي تتجاوز حدود الشخصية
ومتطلباتها الفردية.
■الرجل إذن لا یقاس بعلمه، ولا بماله، ولکن یقاس بمواقفه.
وهذا المعيار لا يفرق بين شخص وآخر، بين شخص يعيش لنفسه
ويسعى نحو لذائذه، وآخر يعيش من أجل غيره، ويرتفع بمطالبه
الشخصية؛ لترتبط بهدف ورسالة.
بين شخص يعيش ليأكل، وآخر يأكل ليعيش، كما تقول الكتب
المدرسية، والشيخ شاكر هو من هذا النوع الأخير.
فهو لا يقاس بعلمه ولا بماله فهناك غيره الكثيرون ممن يحفظون
النظريات ويسردون عناوين الكتب، وهناك غيره أكثر مالًا وأعز نفرًا.
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٥٦٣
الحفاظ على اللسان العربي
■ ولكن الشيخ شاكر هو رجل المواقف بالدرجة الأولى.
وهي مواقف تفصله عن غيره، وتتيح له من الخلود ما لا يتاح لغيره.
■ هو يستطيع أن يتبين الحقيقة، في وقت لا يعرفها أحد أو يخشى أن
يعرفها أحد.
وهو إذا تبينها جاهر بها، لا تمنعه هيبة الناس أن يقولها، مهما كان
مقدار هؤلاء الناس.
■ يقول الشيخ شاكر: «صار حقًا عليّ واجبًا أن لا أتلجلج أو أحجم،
أو أجمجم، أو أداري، ما دمت قد نصبت نفسي للدفاع عن أمتي ما
استطعت إلى ذلك سبيلا))(١).
■ رحمك الله يا شيخ العربية:
وحرمة اللغة الغرّاء تُستَلَبُ
قد جئت في زمن ضاعت مکارمه
من أن يغير عليها الخائنُ الذَّرِبُ
فکنت سدًّا منيعًا دون حوزتها
فُهُنَّكتْ دونها الأستارُ والحُجُبُ
رُمت «الأباطيل والأسمار)) تدحضُها
· وفي حوار معه أجراه الدكتور نجم عبد الكريم (٢) قال الشيخ
محمود شاكر: ((إن هذا الجيل الذي نراه منزوع من أصوله نزعًا كاملًا ..
الجيل الذي نشأ في السنوات الأخيرة كله منزوع من أصوله نزعًا كاملًا.
وإنه لا بقاء لأمة. لا بقاء لأمة بغير حصيلتها الماضية! بغير هذا التيار
المتدفق من القرون الطويلة.
(١) ((أباطيل وأسمار)) (ص ١٠) للشيخ محمود شاكر - طبعة المدني.
(٢) عن صحيفة الشرق الأوسط -العدد ٥٦٦٣ - الثلاثاء ١٩٩٤/٥/٣١، وجاء
كاملاً بمجلة الأدب الإسلامي- العدد السادس عشر (ص٥٦ - ٦١).
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٥٦٤
صلاح الأمة في علو الهمة
وأعني بالتيار المتدفق ذلك التيار الفكري واللغوي الذي يعيش به
الإنسان .. الإنسان يعيش بلغته - فهذا الانفصال بين الماضي والحاضر
قاطع بأن كل طريق في الحياة الأدبية سوف ينقطع أيضًا.
■ كأنك بذلك تدق ناقوس الخطر؟
نعم .. لا تستطيع أي أمة أن تعيش بغير تاريخها، والذي يريد أن
يُنشئ في هذا الزمن أمة أخرى عن طريق التوهم فهو مخطئ، فتأسيس
أمة جديدة عن طريق التوهم ضَرْبٌ من ضروب الخطأ، الأمم بلسانها
فقط، الأمم بحركاتها الأدبية واللغوية فقط .. أما الأشياء الأخرى من
الصناعة إلى كذا وكذا .. أو الآراء الاجتماعية وما شابه ذلك فهي زائلة
ومتحولة، أو يمكن أن تتحول في أي وقت من الأوقات.
ولكن إذا تحوَّل التاريخ فلا يمكن أن يبقى إنسان على صورة
صحيحة في هذه الحياة.
■ وقال نَّهُ لمَّا سُئل عن موقفه من («لويس عوض»؟ قال: «الذي
دفعني لموقفي أني وجدت شيئًا غريبًا جدًّا كنت أراه مفرقًا ثم رأيته
مجتمعًا .. وقد ذكرت ذلك في مقدمتي ((أباطيل وأسمار)) قلت: كيف
تنبهت إلى هذا فقد انفتحت عيناي على شيء مخيف، وهو أني أرى
اكتساحًا كاملًا مرورًا بالزمن للعقل العربي والمصري .. وأنا أذكر مصر
هذه المرة، وأقول: إن الخطر آت من مصر، وإني أرى توجيهًا شديدًا
لمحق كل شيء يمكن أن يكون له صلة بالحياة الصحيحة للفكر الأدبي
في المستقبل.
ومعنى هذا أن هذه المعركة ليست معركة أدبية، إنما هي معركة
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٥٦٥
الحفاظ على اللسان العربي .
سياسية بمعنى أنهم يمنعون الأمة مما يجب وينبغي أن تكون عليه
وخاصة في مصر .. لأني كما قلت لك أعتقد أن تاريخ الأمم هو تاريخ
النفس الإنسانية في تعبيرها عن ذاتها، فإذا مُحِقٍ هذا التعبير الحقيقي
الصحيح، فقد انتهت الأمور، فالحرب من هذه الناحية إذن هي حرب
الكيان السياسي لا الكيان الأدبي. إنما أنا أعتقد أن هذا الذي ذكرت
اسمه في كلامك؛ لأنه لا يساوي شيئًا في التاريخ الأدبي الصحيح ولا
فهم له ولا إدراك في أي شيء .. أنا لا أريد أن أذكر هذا الاسم لأنه ثقيل
عليّ، وهو ثقيل عليّ منذ زمن قديم .. وقد ذكرت هذه القصة .. فأنا أقرأه
منذ كان صغيرًا، وأراه وأعرفه وأعرف كيف نشأ، وكيف نشأ أستاذه (١)
أيضًا، وكيف تكوّن أستاذه، ومن يليه أعلمهم وأعرفهم جميعًا .. لو كانت
لنا أمة حقيقية لفهمت هذه الأشياء؛ لأن الأمم الأخرى تفهم كيف
تُحصن نفسها من سموم هذا وأشباهه.
هذا الكلام قبل على لسان من هم أكبر من هذا الذي لا أريد ذكر اسمه؛
لأنه تابع بسيط مبتذل مبهور في كتب من سبقوه من اليهود وأمثاله.
■ وقال رَمّثهُ: ((أحب أن أقول لكل امرئ: إنه مسؤول أمام هذه
الأمة التاريخية العظيمة المسماة بالأمة العربية مسؤولية حقيقية .. وأن
على كل امرئ أن يبصر طريقه بوضوح قبل أن يفوت الوقت .. فإن الأمم
ليست بالصورة التي نتصورها .. الأمم تفنى وتزول، وأنتم ترون بأعينكم
أنكم تُعاملون في العالم الآن معاملة شاذة جدًّا في تاريخ البشر، ولا يمكن
أن يحدث في التاريخ القديم والمعاصر ما حدث لكم، لقد وصلت
(١) عدو الإسلام .. القزم سلامة موسى.
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٥٦٦
صلاح الأمة في علو الهمة
الأمور في بلادنا أننا طُردنا من بيوتنا وشُرِّدنا من أوطاننا وانتهكت كل
الحقوق في بلادنا دون أن يتحرك في العالم ضمير إنسان، ودون أن يتحرك
حتى الضمير العربي.
واللغة العربية من أشرف اللغات بين العالم، فاللسان هو حياة الأمة
لا حياة الأمة بغير لسان! واللسان كالنهر الجارف يجمع كل محصول
الأمة، وهو كالغيث منهمر لآلاف القرون، ليتكون منه هذا النهر
العظيم .. فإذا انقطع هذا النهر فقد وقعنا في أكبر خيبة)) اهـ.
■ قال الدكتور حيدر الغدير في قصيدته «الصقر)) (١): «كان محمود
محمد شاكر أمة وحده .. فهو شيخ العربية، وعاشق العروبة، وحارس
التراث، وفارس الأصالة، جمع إلى غَيْرَة المسلم عزة العربي .. غفر الله له
ورحمه وأنزله منازل الأبرار والصالحين ..
ومداه مغرب شمسها والمشرقُ
صقر على شم الرعان يُحَلِّقُ
والروح في أسرارها والمطلقُ
والنجم والأفلاك في تطوافها
ونخيلها وخيولها والأينق
نسجته من أرض الجزيرة ريحها
وبيانها العذب الشهي المونقُ
وجبالها ورمالها وجلالها
فيه وتهدي العالمين وتعبقُ
وحراء والآي الزواهر تزدهي
وأحبّ ما يرجو الفخار ويعشقُ
فأتى أبرّ رجالها وأعزهم
باق عطاؤك في الزمان مفاخرًا
كالنيرات زواهرًا تتألق
(١) ((مجلة الأدب الإسلامي))- العدد السادس عشر (ص٦٢ - ٦٤).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٥٦٧
الحفاظ على اللسان العربي
العلم يروي والصوارم تبرق
ستظل للفصحى وإن كره العدا
تطوى كما يطوى الظلام وتمحق
أما عِداك ففي غد راياتهم
انظر إليهم لا بقين ولا بَقُوا
فيقول راوٍ عارَهم وشنارَهم
فإذا بك القلم البديع الشّيق
وهبتك آيات الفصاحة سرها
وعليمها وكليمها المتذوق
والضاد أنت نجیُّها ونجيبها
ويصول إن حمي الوطيس ويهرق
وجذاه إعصار يطوف ويحرق
والحارس الشاكي يصون ذمارها
غضبًا لها وحمية مبرورة
بالنصر وهو مزغرد ومصفق
فإذا انتصفت لها رجعت مكلّلًا
ورجعت بالرضوان أنك صنتها
وعلى محياك الأبي وضاءة
والضاد تهديك الثناء متوجًا
أما الجبين فبالجلال مطوق
تسري فيأتلق الحجا والمفرق
والمسك أكرم طيبه والزنبق
نزَّت جراحاتٌ تفيضُ وتَفْهَقُ
ولقد عرفتك في فؤادك حُرْقة
هي منك قلبك في الجوانح يخفق
أدمنت حزنك إذ رثيت لأمة
ونذيرها العريان وهو المشفق
وجعلت همك أن تكون بشيرها
والحادي الهادي يقول ويصدق
والسيفَ سُلّ فما يعود لغمده
بالغاليات الطيبات ويصدق
وجعلتها عرضًا يصان ويفتدي
عاينتها فوجدتها مصروفة
فهتفت من قلب يكابر لوعة
عن رشدها والجهل شر مطبق
والحزن عاصفة ونار تحرق
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٥٦٨
صلاح الأمة في علو الهمة
في التيه مرهقة الخطا تتمزق
أبناء إسماعيل أنتم أمة
لَسِنٌ يقول ومدَّع يتشدق
أنتم أسارى الجهل يدعوكم له
يسعى به حقد قديم أزرق
أو سامريٌّ في الجهالة خابط
أو قاده لضلاله مستشرق
أو مستكين قاده مستغرب
فیکم أشدّ من الزعاف وأرهق
تتراكضون وراءه وشرُورُه
والعين يغشاها الذهول المرهق
ولقد رحلتَ وفي فؤادك غصة
وحمّى مباحًا في المذلة يغْرق
أبصرت أمتك الكريمة قصعةً
فيها ومنها غاشيات تطرق
عبثت بها أدواؤها وبلاؤها
دِمَنٌ صواد بالبلى تتمزق
والمسلمون من الهوان كأنهم
لن يثأروا مهما رغوا وتشدقوا
(نتن)) يعيث بهم ويعلم أنهم
لم يغضبوا أو يأنفوا أو ينطقوا
يُقْضى عليهم غائبين فإن أتوا
838
ستظل كالشمس المنيرة تشرق
لا أبا فهر فأمةٌ أحمد
نورًا يفيض وجدولًا يترقرق
إن الذي حفظ الكتاب وصانه
ويقيل عثرة أمرها ويُوَفّقُ
سيظل يحفظها ويعلي شأنها
والعهد منه ومنه جلّ الموثق
منها اللياذ به ومنه حفظها
بل تستجيش ومن جديد تخلق
ألّا تموت وإِن کبت في سيرها
کالغاب من بعد اليبوسة تورق
فتعود بالبعث الجديد فتية
والله واق من يؤوب لأمره
وهو الحفي بمن أتوه الأرفق
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
الحفاظ على اللسان العربي
٥٦٩
فضيلة الشيخ محمد عبد الخالق عضيمة وكتابه الفذّ ((دراسات في القرآن
الكريم»:
ويكفينا هنا ما قاله شيخ العربية وفارسها الشيخ محمود محمد شاكر
في تقديمه لهذا الكتاب القيم.
■ قال رَمّتْهُ: «فماذا يقول القائل في عَمَل قام به فَرْدٌ واحِدٌ، لو قامتْ
عليه جماعةٌ لكان لها مَفْخَرةً باقيةً؟ فمن التواضُع أَنْ يُسَمَّى هذا العملُ
الذي يَعْرِضُه عليك هذا الكتابُ ((مُعْجَمًا نَحْوِيًّا صرْفيًّا للقرآن العظيم)».
فمعلومٌ أنَّ جُلَّ اعتمَاد المعاجم قائمٌ على الْحَصْرِ والترتيبِ.
أمَّا هذا الكتاب، فالْحَصْر والترتيب مُجَرَّد صورةٍ مُخطّطة يعتمِدُ
عليها.
أمَّا القاعدة العُظْمى التي يقوم عليها، فهي معرفةٌ واسعةٌ مسْتوعِبةٌ
تامةٌ لدقائِقٍ عِلْم النحوِ، وعِلْم الصرفِ، وعِلْم اختلاف الأساليب.
ولولا هذه المعرفةُ لم يَتَسَّرْ لصاحبه أَنْ يوقِّع في حصره من حروف
المعاني وتصاريف اللغة على أبوابها من علم النحو، وعلم الصرف،
وعلم أساليب اللغة.
وهذا العملُ الجليلُ الذي تولاه أستاذنا الشيخ محمد عبد الخالقِ
عظيمة والذي أَفْنَى فيه خمسةً وعشرين عامًا طوالًا، والذي يَعْرِض عليك
منه هذا القسمَ الأوَّلَ إنمَا هو جُزْءٌ مِنْ عَمل ضَخْم لم يَسْبِقْه إليه أَحدٌ، ولا
أظنّ أَنَّ أحدًا من أهْل زماننا كان قادرًا عليه بمفرده، فإنّ الشيخ قد أوتى
جَلَدًا، وصبْرًا ومعرفة، وأمانةً في الاطلاع، ودِقّةً في التحرِّي لم أجدها
متوافرةً لکثیر ممّن عرفت.
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٥٧٠
صلاح الأمة في علو الهمة
وحروف المعاني التي يتناولها هذا القسمُ الأولُ من جَمْهَرةٍ علم
القرآن العظيم(١)، أصْعَبُ أبواب هذه الْجَمْهرةِ، لكثرتها وتَدَاخُلِ معانيها،
فقلّ أن تخلُوَ آيةٌ من القرآن العظيم من حرْفٍ من حروفِ المعاني.
أمَا المشقَّةُ العظيمةُ، فهي في وجوهِ اختلافٍ مواقع هذه الحروفِ من
الْجُمَل، ثمَ اختلافِ معانيها باختلافِ مواقِعِها، ثمّ ملاحظةِ الفروق
الدقيقة التي يَقْتضيها هذا الاختلافُ في دلالته المؤثرة في معاني الآيات،
وهذا وَحْدَه أساس عِلْمٍ جليلٍ من علوم القرآن العظيم.
وسترى في هذا القسم العَمَلَ المُثْقَنَ الذي تولاه أستاذنا الجليل،
مواضعَ كثيرةً من الاستدراكِ على النحاة منذ سيبويه إلى ابن هشام، ولكن
ليس معنى هذا أن نَبْخَس الشُّيُوخَ الأوائل نَصِيبهم من التفوُّق الهائل
الذي يُذْهل العقول، ولكن معناه أن الأساس الذي أَسَّسوه في أَزْمنتِهِم
المتطاولةِ كان ينْقُصُه هذا الْحَصْرُ الدقيق لكل ما في القرآن العظيم من
حروف المعاني، وكان هذا الحَصْر خارجًا يومئذٍ عن طاقَتِهِم، فإن الذي
أعان عليه هو الطباعةُ التي استحدثت في زماننا، والناظر في كُتُبِ القدماءِ
لا يُخطئه أن يرى أنَّهم قاموا بِحصْرٍ غيرِ تامّ، بَيْدَ أنَّ هذا القَدْرَ الذي قاموا
به هو في ذاته عَملٌ فوق الجلیل وفوق الطاقةِ.
ويظنّ أستاذنا الشيخ عضيمة أنّ الأوائلَ قد شغَلَهم الشِّعْرُ عن النَظر
في شواهد القرآن العظيم، وأظنّ أنّ الذي تولاه أستاذنا من حصْرِ هذه
الأشياء في القرآن العظيم، وتنزيلِها في منازِلها من أبواب علم النحو،
(١) ((الجمهرة)) هذه اللفظة وضعتها لما نسميه في هذا الزمان: ((دائرة المعارف)» أو
الموسوعة.
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
.

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
•الحفاظ على اللسان العربي
٥٧١
وعلم الصرف، وعلْم أساليب اللغة، مقدمةٌ فائقةُ الدلالة، لعَمل آخر
ينبغي أن تتولاه جماعةٌ منظمة في حصْرِ ما في الشِّعْرِ الجاهلي والإسلامي
من حروفِ المعاني، ومن تصاريفِ اللغة، ومن اختلافِ الأساليب
ودلالتها، والذي ظنَّ الأستاذ أنّ القدماء قد فَّغوا هِمَمَهُمْ له، هو في
الحقيقة ناقصٌ يحتاج إلى تمام، وتمامه أن يُهييء الله للناس منْ يقوم لهم
في الشَّعْرِ بمثل ما قام به هو في القرآن العظيم.
وإذا تمّ هذا كما أتمّ الشيخ عَمَلَه في القرآن العظيم، فعسى أن يكونَ
قد حان الحينُ للنظَرِ في ((إعجاز القرآن)) نظرًا جديدًا، لا يتيسّر للناس إلَّا
بعْد أن يَتِمّ تَحليلُ اللغةِ تحليلًا دقيقًا قائمًا على حصْرِ الوجوهِ المختلفة
لكل حرْفٍ من حروفِ المعاني، وتصاريف اللغة، لأنّ هذه الحروف
وهذه التصاريف، تُؤْثَّر في المعاني، وتُؤثِّر في الأساليب، وتُحدد الفُروق
الدقيقةَ بين عبارةٍ وعبارة وأثرها في النفس الإنسانية وأثر النفس الإنسانية
فيها وفي دلالاتها.
وإذا كان أستاذنا الجليل قد تواضع فظنّ أنَّه قد وضع أساسًا عِلْمًّا
ثابتًا للحكْم على أساليب القرآن، وموقعها من النحو والصرف، فإني أظنّ
أنَّه قد فات ذلك وسبقه، فهيّأ لنا أساسًا جديدًا للنظر في ((إعجاز القرآن))
نظرةً جديدةً تُخْرِجه من الْحيِّزِ القديم، إلى حيِّزٍ جديد يعين على إنشاء
علم بلاغة مستحدث؛ فإنه مهما اختلف المختلفون في شأن ((البلاغة))
فالذي لا يمكن أن يُدْخلَه الاختلافُ هو أَنَّ تركيب الكلام على أصولِ
النحو والصرف، هو الذي يُحدث في كلام ما ميزةً يفوق بها كلامًا آخر،
وهذا لا يتيسَّر معْرِفتُهُ إلَّا بتحليل اللغةِ وتحليل مفرداتها وأدواتها،
وروابطها، التي هي حروف المعاني، عَمٌ لا يُنْتَهى فيه إلى غاية، إلَّا بعد
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
:

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٥٧٢
صلاح الأمة في علو الهمة
الْخَصْرِ التامّ للغة وتصاريفها، ولا سيما حروف المعاني، وبعد معرفة
الفُروقِ الدقيقةِ التي تُحدثها هذه الحروفُ في مواقعها، وبعد معرفة أثر
هذه الفروق في تفضيل كلام على كلام.
والشيخ - حفظه الله- لم يترك مجالًا للاستدراك على عمله العظيم،
فكلّ ما أستطيع أن أقولَه، إنما هو ثَناءٌ مُسْتَخْرَجٌ من عَملِ يُثْنِي على نفْسه.
ولكن بقي ما نتهاداه في هذه الحياة الدنيا، وهو أن أدعو الله له
بالتوفيق، وأن يزيدَه من فَضْله، وأن يُعينه على إتمام ما بدأ، وأن يجعل
هذا العمل ذخيرة له يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون))(١).
■ يرحم الله الإمام ابن حزم القائل: ((وأمّا من وسم اسمه باسم العلم
والفقه وهو جاهل بالنَّحو واللغة فحرام عليه أن يُفتي في الله بكلمة،
وحرام على المسلمين أن يستفتوه))(٢).
الدكتورة نفوسة زكريا سعيد وكتابها القيم في نسف الدعوة إلى العاميّة
وهو ((تاريخ الدعوة إلى العامِيَّة وآثارها في مصر)):
■ قال الأستاذ العلامة المحقق: أبو فهر / محمود محمد شاكر عن
هذا الكتاب: ((عندما شرعت أعدّ هذه الكلمة، قضيت أيَّامًا أطوف
بذاكرتي فيمَا قرأتُ، وأراجع بعض ما قيَّدْتُ، فأفنيْتُ وقتًا طويلًا في حشد
مادّة الكتابة، ثم وقع إليَّ كتابٌ لم أكن سمعت به. فلمَّا بدأتُ أقرؤُه،
وجدتني قد أضعت أيَّامي هباءً؛ لأنه لو كان في يدي قبل ذلك، لأغناني
(١) مقدمة الشيخ محمود محمد شاكر لكتاب ((دراسات في القرآن الكريم)) للشيخ
محمد عبد الخالق عضيمة (ص ٥ - ٧) طبع دار الحديث.
(٢) ((أنواع العلوم)) (ص٣١).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
® الحفاظ على اللسان العربي
٥٧٣
عن بحث طويل وتنقيب مُضْنٍ، فلم أستحل لنفسي أن أعود إلى قضية
الأكاذيب الملفّقة، حتى أنصف صاحبته ما استطعت، جاء هذا الكتاب
كأنه تقريعٌ لي، ولكُل من نصب نفسه لعلاج المسائل العامة في حياة
الشعب العربي والإسلامي؛ لأننا عشنا دهرًا في موج متلاطم، ثم لم يكن
لنا من الحكمة والعقل، ما يدفعنا إلى تقييد ما يجري في زماننا على ترتيب
تاريخيّ متصل، فيكون ذلك مِعْوانًا لنا على جلاء الصُّورة التي عشناها،
أو التي نعيشُها في ضوءٍ مبين عن حقيقتها، وتلافيفها، وتعاريجها،
وخفاياها، وهذه هي النكبة التي نكبنا بها، وأنا أشهد على نفسي - على
الأقل - أني قصرت في ذلك تقصيرًا معيبًا إذ شغلتني نفسي عن تتبع كثير
من الحقائق وتقييدها، فلمَّا جئت أطلبها، وقعتُ في المأزق، حتى جاء
كتاب ((تاريخ الدعوة إلى اللغة العامية وآثارها في مصر))، فأنقذني مما
تورطت فيه، وهذا الكتاب النفيس، من تأليف الدكتورة/ نفوسة زكريا
سعيد، المدرسة بكلية الآداب بجامعة الإسكندرية. (الطبعة الأولى
١٣٨٤ هجرية / ١٩٦٤م). والجهد المبذول في جمع مادة هذا الكتاب،
جُهْد يَدُلّ على التجرّد الصحيح السليم في طلب المعرفة، وعلى الصدق
في السعي إلى الحقيقة، وعلى النفاذ في إدراك الحقائق، وعلى الصبر في
معاناة التنقيب بلا كلال ولا ملل. ولا أظنني قرأتُ منذ سنوات طوال
كتابًا يتناول المسائل العامة في حياتنا الحديثة، بذل فيه صاحبه من الوقت
والجهد والأناة، ما بذلت الدكتورة نفوسة في كتابها هذا، ولا أظنني
قرأتُ أيضًا في هذا الدَّهر كتابًا، ينبغي لكل عربي وكل مسلم أن يقرأهُ من
ألفه إلى يائه، يضارع هذا الكتاب، وحسبها أنها استطاعت أن تجلو للناس
صورة صحيحة صادقة مؤيدة بالأسانيد، بلا تزيّد ولا كذب ولا ادّعاء
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٥٧٤ =
صلاح الأمة في علو الهمة
عن أكبر معركة تدور في العالم العربي والإسلامي، وهي معركة البناء أو
الهدم، معركة الحياة أو الموت، معركة الحرية أو الاستعباد، معركة
وحدة العرب والمسلمين بلغة عربية هي الفصحى، أو تفرُّق العرب
والمسلمين أشتاتًا بلغات متنابذة هي العامية، ولو كان لي من الأمر شيء
لأمرت أن يطبع هذا الكتاب ليكون في يد كل شاب وشابة، وكل رجل
وامرأة، ويكون له مختصر ميسَر لكُلُّ من مكّنه الله من القراءة، ولست
أريد الإغراق في الثناء، وإخلاء الكتاب من كل عيب، ولكني أراه كتابًا
صالحًا لكل مثقّف، يجد فيه مادة صحيحة لتاريخ معركة قاسية خبيثة،
إذا وقانا الله شرَّها باليقظة فقد نجوْنَا من المحنة الساحقة، وإذا أسأنا
فابتلينا بتمَام الغفلة فذلك ذُلَّ الأبد، ولا حول ولا قوة إلَّا بالله))(١).
وفي خاتمة هذا الكتاب القيم تخرج الدكتور نفوسة بنتائج هامة منها:
■ أن الأوربيّين هم أول من دعوا إلى العامِيّة، وأن أول مؤلف أجنبي
لهم خُصِّص لدراسة العامية المصرية هو ((قواعد العربيّة العامِيّة في
مصر)) الذي ظهر سنة ١٨٨٠ للدكتور ((ولهام سبيتا))، وكان هدفهم
القضاء على الوحدة العربية، عن طريق تحطيم أهم رابطة من روابطها
وهي اللغة العربيّة الفصحى.
■ أن الجهود الضخمة التي بذلوها في سبيل تدعيم العَامِيّة والترويج
لها لم تستطع تدعيم العاميّة، بل لقد كشفت عن كثير من نقائصها وعدم
كفايتها في التعبير.
■ أن الحملة التي قاموا بها على اللغة العربية الفصحى التي هدفوا إلى
(١) ((أباطيل وأسمار)) للشيخ محمود محمد شاكر (ص ١٢٥، ١٢٦).
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٥٧٥
الحفاظ على اللسان العربي
القضاء عليها لم تستطع أن تنال منها، وإنما دفعت كثيرًا من أبنائها إلى
القيام بأبحاث قيمة للذّوْد عنها، وكان لها فضلٌ كبير في الكشف عن
أسرار العربية الفصحى ودقائقها، وبيان عراقتها، وقدرتها على مسايرة
الحضارات في مختلف العصور.
أن تأقَّف بعضنا من اللغة العربية الفصحى لم يكن نتيجة للشعور
بعجز الفصحى عن الوفاء بحاجاتنا العلمية والأدبية، وإنما كان نتيجة
للشَّك الذي أثاره فينا الأوربيون نحو الفصحى في دعوتهم إلى العاميّة.
■ إن هذه الدعوة عندما بدأت تشق طريقها إلينا وجدت استنكارًا
من الرأي العام، فلم يستجب لها إلَّا قِلّة، ذهبت تناصرها بالأساليب
نفسها التي استخدمها الأوربيون، سواء في حملتهم على اللغة العربية
الفصحى أم في دعوتهم إلى العامية.
وتكلَّمتْ عن فكرة رفاعة الطهطاوي في ضبط العَامِّيَّة واستخدامها
في الكتابة، ومن الكُتَّاب الذين كتبوا بالعامية يعقوب صنوع صاحب
مجلة ((أبو نظارة))، وجورجي زنانيري صاحب مجلة ((الغزالة))، ومحمد
النجار صاحب مجلة ((الأرغول))، وأحمد لطفي السيد في اقتراحه لتمصير
اللغة العربية، وعبد العزيز فهمي في اقتراحه لاستبدال الحروف اللاتينية
بالحروف العربية، وسلامة موسى في رأيه عن لغة الأدب الجدید.
■ إن كل ما تركته هذه الدعوة من آثار في اللغة وفي الأدب قد رجّح
كفة الفُصحى على العامية، وأوضح نظريًّا وعمليًّا حقيقة كل منهما.
■ ثم قالت الدكتورة نفوسة خاتمة لكتابها القيم الفذّ: ((وعلى ضوء
هذه الحقائق يمكننا أن نقرِّر فشل الدعوة إلى العامِيّة، تلك الدعوة التي
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٥٧٦
صلاح الأمة في علو الهمة
أثارت كثيرًا من مشاكلنا اللغوية والأدبية طوال هذا القرن، والتي بدأت
بثورة على الفُصحى وانتهت بالثورة لها)) (١).
ونختم بما قاله ((شاعر النيل)» حافظ إبراهيم ◌َحمّلهُ:
اللغة العربية تَنْعِي حظها بين أهلها
ونادَيْتُ قَوْمِي فاحْتَسَبْتُ حَياتٍ (٢)
رَجَعْتُ لِنَفْسِي فاتَّهَمْتُ حَصاتِي
عَقِمْتُ فَلَمْ أَجْزَعْ لِقَوْلِ عِدَاتِي (٣)
رَمَوْنِي بِعُقْم في الشّبابِ وليْتَني
رجالاً وأَكْفاءً وَأَدْتُ بَناتِي (٤)
وَلَدْتُ ولَمَّا لَم أَجِدْ لعَرائِسي
وما ضقْتُ عن آي به وعظاتٍ (٥)
وسعْتُ كتابَ الله لَفْظًا وغايةٌ
وتُنْسيق أسماءٍ لمُخْتَرعاتٍ؟
فكيف أَضيقُ اليومَ عن وَصْف آلَةِ
(١) «تاريخ الدعوة إلى العامِيَّة وآثارها في مصر)) (ص٤٥٧، ٤٥٨، ٤٥٩) للدكتورة
نفوسة زكريا سعيد- طبع دار الدعوة الإسلامية للنشر والتوزيع.
(٢) رجعت لنفسي: أي تأملت. والحصاة: الرأي والعقل. واحتسبت حياتي: عددتها
عند الله فيما يدخر. يقول على لسان اللغة العربية: إنني عدت إلى نفسي وفكرت
فيما آل إليه أمري، فأسأت الظن بمقدرتي، وكدت أصدّق ما رموني به من
القصور، وناديت الناطقين بي أن ينصروني فلم أجد منهم سميعًا، فادخرت
حياتي عند الله.
(٣) العداة: الأعداء: يقول: اتهموني بأني لا ألد على حين أني في ريعان شبابي.
وليتني كنت كما قالوا فلا يحزنني قولهم. وكنى بالعقم هنا عن ضيق اللغة
وجمودها.
(٤) يريد ((بالعرائس)): الألفاظ المجلوة الحسنة. ووأد البنت: دفنها حية.
(٥) الآي: جمع آية.
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٥٧٧
الحفاظ على اللسان العربي
فهل سَأُلُوا الغَوَّاصَ عن صَدَفاتِي
أنا البَحْرُ فِي أَحْشَائِهِ الدُّرُّ كامِنٌ
فيا وَيْحَكُمْ أَبْلَى وَتَبْلَى تَحاسِي
فلا تَكِلُوني للزّمان فإِنَّني
أَرَى لِرِجالِ الغَرْب عزَّا ومَنْعَةً
أَنَّوْا أَهْلَهُمْ بِالمُعْجزات تَفَتًُّا
أَيُطْرُكُمْ مِنْ جانِب الغَرْب ناعبٌ
سَقَى الله فِي بَطْن الجَزيرة أَعْظُمَا
حَفظْنَ وِدادي في البِلى وحَفظْتُه
وفَاخَرْتُ أَهَلِ الغَرْبِ والشرقُ مُطْرِقٌ
أَرَى كلَّ يوم بالجَرائِد مَزْلَفًا
وَأَسْمَعُ لِلكُتّابِ فِي مِصْرَ ضَجّةً
ومنكُم وإنْ عَزَّالدّواءُ أُساتِي (١)
أَخافُ عليكمْ أنْ تَحِينَ وَفَاتِي (٢)
وكم عَزَّأَقوامٌ بعزِّلُغات (٣)
فيا لَيْتَكُمْ تأتونَ بِالكَلِمَات!
يُنادِي بِوَ أْدي في رَبِيع حَياتِي؟ (٤)
يَعِزُّ عليها أنْ تَلِينَ قَناتِي! (٥)
لهنّ بِقَلْبٍ دائم الحَسَراتِ
حَياءً بتلكَ الأَعْظُمِ النَّخرات (٦)
منَ القَبِرْ يُدْنِيني بغَيْر أناة (٧)
فَأَعْلَمُ أنَّ الصائِحين نُعاِي(٨)
(١) الأساة: جمع الآسى، وهو الطبيب.
(٢) تكلوني: تتركوني. وتحين: تحل.
(٣) يقال: هو في منعة، أي في قوم يمنعونه ويحمونه.
(٤) الناعب: المصوت بما هو مستكره، وربيع الحياة: أيام الشباب والقوة.
(٥) القناة: الرمح. ولينها: كناية عن الضعف. ويريد ((بالأعظم)): من دفن في الجزيرة
من العرب الأولين.
(٦) النخرات: البالية المتفتتة.
(٧) المزلق: مكان الانزلاق، أي السقوط والزلل. والأناة: التأني والإبطاء. ويريد
وصف لغة الجرائد إذ ذاك بالضعف.
(٨) النعاة: جمع ناع، وهو المخبر بالموت.
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
ط

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
صلاح الأمة في علو الهمة
٥٧٨
إلى لُغَةٍ لَمْ تَتّصلْ بُرواةٍ؟(١)
ایَهُجُني قومي - عفا الله عَنْهُمُ-
لُعَابُ الأَفاعِي فِي مَسِيلِ فُراتِ(٢)
سَّرَتْ لُوتَةُ الإفْرِنْج كما سَرَى
مُشَكَّلَةَ الأَلْوانِ مُخْتُلِفِاتِ
فِجَاءتْ كَثَوْبٍ ضَمَّ سَبْعِين رُقْعَةً
بَسَطْتُ رَجائِي بَعْدَ بَسْطٍ شَكاتِي(٣)
إلى مَعْشَرِ الكُتّابِ والجَمْعُ حافِلٌ
وتُنْبِتُ فِي تِلْكَ الُمُوسِ رُفاتِي(٤)
فإما حَياةٌ تَبْعَثُ المَيْتَ في البِلى
تَمَاتٌ لعمري لَمْ يُقَسْ بِمَمات(٥)
وإمّا تَماتٌ لا قيامةَ بَعْدَهُ
(١) لم تتصل برواة: أي لم يأخذها الخلف عن السلف بطريق الرواية التي تحفظها
من التغيير كما هو الشأن في العربية، ويشير إلى تلك اللغة المرقعة التي كانت
مستعملة أيام نشر هذه القصيدة.
(٢) اللوثة (بالضم): عدم الإبانة. ولعاب الأفاعي: سمها. والفرات: الماء العذب.
(٣) الشكاة: الشكوى.
(٤) تبعث الميت: تحييه. والرموس: القبور، الواحد: رمس. والرفات: كل ما تكسر
وبلئ؛ يريد ما بقى من الجسد بعد الموت.
(٥) ((ديوان حافظ إبراهيم)) (ص٢٥٤ - ٢٥٥).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
فهرس الموضوعات
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com