Indexed OCR Text
Pages 401-420
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٤٠١
علو الهمة في استكمال الإيمان
جلَّ جلاله، ولذلك صَلَحَ لاستوائه علیه.
وكلُّ ما كانَ أقربَ إلى العرشِ كانَ أَنورَ وأَنزهَ وأَشرفَ مَمَّا بَعُدَ عنه،
ولهذا كانت جنّةُ الفِرْدوس أعلى الجنانِ وأشرفَها وأَنورَها وأَجلّها لقربها
من العرشِ؛ إذ هو سقفُها.
وكلُّ ما بَعُدَ عنه كانَ أَظلمَ وأَضيقَ، ولهذا كانَ أَسفلُ سافلينَ شرَّ
الأَمكنةِ، وأَضيقَها وأَبعدَها من كلِّ خيرٍ.
* وخَلَقَ الله القلوبَ وجعلَها محلًّا لمعرفتِهِ ومحبّتِهِ وإرادتِهِ، فهي
عرشُ المَثَلِ الأَعلى الذي هو معرفتُه ومحبّتُه وإِرادتُه، قال تعالى: ﴿لِلَِّينَ
لَا يُؤْمِنُونَ بِآلْآَخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
٦٠
[النحل].
* وقال تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِى يَبْدَؤُأْ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ، وَهُوَ أَهْوَبُ عَلَيْةٍ وَلَهُ
اُلْمَثَلُ الْأَعْلَى فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾
[الروم].
* وقال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىٌْ﴾ [الشورى: ١١].
فهذا من المثل الأعلى؛ وهو مُسْتَوٍ على قلبِ المؤمن؛ فهو عرشُه (١).
وإِنْ لم يكن أَطهرَ الأَشياءِ وأَنزهها وأَطيَها وأَبعدَها من كلِّ دنَسٍ
وَخَبَثٍ؛ لم يصلُحْ لاستواءِ المَثَلِ الأعلى عليه معرفةً ومحبّةً وإرادةً،
فاستوى عليه مَثَلُ الدُّنيا الأَسفلُ ومحبّتها وإرادتها والتعلّق بها، فضاقَ
وأَظلمَ وبَعُدَ من كمَالِهِ وفلاحِهِ، حتَّى تعوَّدَ القلوبُ على قلبين: قلبٌ هو
عرشُ الرَّحمنِ، ففيه النُّورُ والحياةُ والفرحُ والسُّرورُ والبهجةُ وذخائرُ
(١) الذي هو ((عرش المثل الأعلى))؛ الذي هو معرفته ومحبته وإرادته.
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٤٠٢
صلاح الأمة في علو الهمة
الخيرِ، وقلبٌ هو عرشُ الشيطانِ، فهناكَ الضيقُ والظلمةُ والموتُ
والحزنُ والغُّ والهمُّ، فهو حزينٌ على ما مضى، مهمومٌ بمَا يستقبلُ،
مغمومٌ في الحالِ.
والنُّورُ الذي يدخلُ القلبَ إنّمَا هو من آثارِ المثل الأعلى، فلذلكَ
ينفسحُ وينشرحُ، وإذا لم يكنْ فيه معرفةُ الله ومحبتُه فحظّه الظلمةُ
والضيقُ.
شجرة القلب:
قال ابن القيم في ((الفوائد)): ((السَّنَةُ شجرةٌ، والشُّهورُ فروعُها،
والأَيَّامُ أَغصانُها، والساعاتُ أَوراقُها، والأَنفاسُ ثمرُها؛ فمن كانتْ
أَنفاسُه في طاعةٍ: فثمرةُ شجرتِهِ طيّبةٌ، ومَنْ كانت في معصيةٍ: فثمرتُه
حنظٌ، وإنما يكونُ الجَدَادُ (١) يوم المعادِ، فعندَ الجَدادِ يتبيّنُ حلوُ الثمَارِ
من مُرِّها.
والإِخلاصُ والتوحيدُ شجرةٌ في القلب؛ فُروعُها الأَعمَالُ، وثمرُها
طِيبُ الحياةِ في الدنيا والنعيمُ المقيمُ في الآخرةِ.
وكمَا أَنَّ ثمَارَ الجنَّةِ لا مقطوعةٌ ولا ممنوعةٌ، فثمرةُ التوحيدِ
والإِخلاصِ في الدنيا كذلك.
والشركُ والكذبُ والرِّياءُ شجرةٌ في القلبِ؛ ثمرُها في الدُّنيا الخوفُ
والهمُّ والغمُّ وضيقُ الصدرِ وظلمةُ القلبِ، وثمرُها في الآخرةِ الزّقّومُ
والعذابُ المقیمُ.
(١) هو قطف الثمار.
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٤٠٣
علو الهمة في استكمال الإيمان
وقد ذكر الله هاتين الشجرتين في سورة إبراهيم :
قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَكَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةٌ طَيِّبَةُ كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ
أَصْلُهَا ثَابِتُ وَفَرْعُهَا فِى السَّمَاءِ ن تُؤْنِ أُكُلَهَا كُلّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ
وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ
٢٥
اَللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ
خَبِيثَةٍ أَجْتُثَتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ {
٢٦
[إبراهيم].
■ واعلم يا أخي: أن صلاح القلب موقوف على إخلاصه.
قال الجنيد همَّهُ: ((إن الله عبادًا عقلوا، فلمَّا عقلوا عملوا، فلمَّا
عملوا أخلصوا، فاستدعاهم الإخلاص إلى أبواب الخير أجمع)).
وقال السوسي ؤُلْهُ: ((مُراد الله من عمل الخلائق الإخلاص)).
** والإخلاص منّة من الله، يكحل بها عيون قلوب الصادقين، قال الله
تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ جَهَدُ واْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ﴾ [العنكبوت: ٦٩]، قال الجنيد:
((سبل الإخلاص)).
وباب الإخلاص مفتوح، فادخل منه تصل إلى رحمة الله وتكن في
كنفه وحفظه وستره وأجره ورزقه وكفايته، ادخله ترتفع في رياض
المخلصين وتدرك المعنى النفيس في حياتك، وإلَّا ففقدان هذا الشيء
الغالي فقدان لحياتك ذاتها فحياة البدن بدون حياة القلب من جنس حياة
البهائم، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنّ وَاَلْإِنسِِّ لَهُمْ قُلُوبٌ
لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ ءَ اذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالْأَنْعَمِ بَلْ هُمْ
ج
أَضَلُ ﴾ [الأعراف: ١٧٩].
ما أطيب هذه القلوب :
■ قلوب ملؤها الإخلاص والتجرّد لمولاها تناجي مولاها ولسان
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٤٠٤
صلاح الأمة في علو الهمة
حالھا یقول له:
ومن تكن همَّه تسمو به الهممُ
من فاته منك وقتٌ حظُهُ الندمُ
وناظر في سوى معاك حُقّ له
والسمع إن جال فيه من يحدثه
في كل جارحة عين أراك بها
فإن تكلمت لم أنطق بغير كمُ
أخذتم الروح مني في ملاطفة
نسيت كل طريق كنت أعرفها
فَسَلَّني كلَّ حالٍ كنت آلفه
ولي بكم عوض عن كل مفتقد
فرار القلوب إلى الله بهجر العوائد، وقطع العوائق، وترك العلائق:
يقتصّ من جفنه بالدمع وَهْوَ دَمُ (١)
سوی حدیثك أمسی وقره الصممُ
مني وفي كل عضو بالثناء فمُ
وكل قلبي مشغوف بحبكمُ
فلست أعرف غيرًا مذ عرفتكمُ
إلَّا طريقًا تؤديني لبابكمُ
في وصله القطع ما بيني وبينكمُ
ولا تساوي الأماني لحظ طيفكمُ
■ قال ابن القيم في كتابه الماتع ((الفوائد)): ((الوصول إلى المطلوب
موقوف على هجر العوائد، وقطع العوائق.
فالعوائدُ: السكونُ إلى الدَّعَةِ والراحةِ، وما أَلِفَهِ النَّاسُ واعتادوهُ من
الرُّسومِ والأَوضاع التي جعلوها بمنزلةِ الشَّرعِ المتَبَعِ، بل هي عندهم
أَعظم مِنَ الشَّرع؛ فإنَّهم يُنْكِرونَ على مَنْ خَرَجَ عنهَا وخالَفها ما لا
يُنكرونَ على مَنْ خالفَ صريحَ الشَّرع! وربَّمَا كَفَّروهُ أَو بدَّعوهُ أو ضلَّلوهُ،
أَو هجروهُ وعاقبوهُ لمخالفةِ تلك الرُّسومِ، وأَماتوا لها السُّننَ، ونصّبوها
(١) في ديوان الإمام محمد بن إبراهيم الوزير:
وناظِرٌ في سوی مراك حُقَّ له
یفیض مدمعه بالدمع وهو دَمُ
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٤٠٥
• علو الهمة في استكمال الإيمان
أَندادًا للرِّسولِ يُوالُونَ عليها ويعادونَ، فالمعروفُ عندَهم ما وافقَها،
والمنكرُ ما خالفَها.
وهذه الأَوضاعُ والرُّسومُ قد استولَتْ على طوائفٍ بني آدمَ من
الملوكِ والولاةِ، والفُقهاءِ والمتصوِّفةِ، والفقراءِ والمُطَّوِّعينَ والعامَّةِ؛
فَرَبِى فيها الصَّغيرُ، ونشأً عليها الكبيرُ، واتُّخِذَتْ سُنًّا، بل هي أعظمُ عندَ
أَصحابها من السننِ (١).
الواقفُ معها محبوسٌ، والمتقيّدُ بها منقطعٌ، عمَّ بها المُصابُ، وهُجِرَ
لأجلِها السُّنَّةُ والكتابُ، مَنْ استنصرَ بها فهو عندَ الله مخذولٌ، ومن
اقتدى بها دونَ كتاب الله وسُنَّةِ رسولِهِ فهو عندَ الله غیرُ مقبولٍ.
وهذه أعظمُ الحُجُبِ والموانعِ بينَ العبدِ وبينَ النُّفوذِ إلى الله ورسولِهِ.
وأَمَّا العوائقُ؛ فهي: أَنواعُ المخالفاتِ ظاهرِها وباطنِها، فإِنِّها تَعُوقُ
القلبَ عن سيرِهِ إلى الله، وتقطعُ عليه طريقَه، وهي ثلاثةُ أُمورٍ: شركٌ،
وبدعةٌ، ومعصيةٌ؛ فيزولُ عائقُ الشِّرْكِ بتجريدِ التوحيدِ، وعائقُ البدعةِ
بتحقيقِ السنّةِ، وعائقُ المعصيةِ بتصحيح التوبة.
وهذه العوائقُّ لا تتبيّنُ للعبدِ حتَّى يأخذَ في أَهبةِ السَّفرِ، ويتحقّق
بالسيرِ إلى الله والدارِ الآخرةِ، فحينئذٍ تظهرُ له هذه العوائقُ ويُحِسُّ
بتعويقِها له بحسبٍ قوّةِ سيرِه وتجرُّدِهِ للسَّفِرِ، وإلَّا؛ فما دامَ قاعدًا لا
يظهرُ له كوامنُها وقواطعُها.
(١) ورد نحو هذا اللفظ عن ابن مسعود؛ رواه الدارمي (٦٤/١)، والحاكم
(٥١٤/٤) سنده صحيح.
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٤٠٦
صلاح الأمة في علو الهمة
وللقلب علائق:
وأَمَّا العلائقُ؛ فهى: كلَّ ما تعلّقَ به القلبُ دونَ الله ورسولِهِ؛ من ملاذً
الدنيا وشهواتِها ورياساتِها وصُحبةِ النَّاسِ والتعلُّقِ بهم، ولا سبيلَ له إلى
قطع هذه الأُمورِ الثلاثةِ ورفضِها إلَّ بقوّةِ التعلُّقِ بالمطلبِ الأَعلى، وإلَّا
فَقَطْعُها عليه بدونِ تعلُّقهِ بمطلوبِهِ ممتنعٌ؛ فإِنَّ النفسَ لا تتركُ مألوفَها
ومحبوبَها إلَّا لمحبوبٍ هو أحبُّ إليها منه، وآثَرُ عندَها منه، وكلَّمَا قَوِيَ
تعلَّقُه بمطلوبِهِ ضَعُفَ تعلُّقُه بغيرِهِ، وكذا بالعكسِ.
والتعلّقُ بالمطلوبِ هو شدّةُ الرَّغبةِ فيه، وذلكَ على قَدْرِ معرفتِهِ به
وشرفه وفضلِهِ علی ما سواه) اه.
جنود القلب وأعوانه :
■ قال ابن القيم: «وللقلب جندان: جند یری بالأبصار، وجند یُرَی
بالبصائر. فأما جنده المشاهد فالأعضاء الظاهرة والباطنة، وقد خلقت
خادمة له لا تستطيع له خلافًا. فإذا أمر العين بالانفتاح انفتحت، وإذا أمر
اللسان بالكلام تكلم، وإذا أمر اليد بالبطش بطشت، وإذا أمر الرِّجْل
بالسعي سعت، وكذا جميع الأعضاء ذللت له تذليلًا.
ولمَّا خلق القلب للسفر إلى الله والدار الآخرة وحصل في هذا العالم
ليتزود منه، افتقر إلى المركب والزاد لسفره الذي خلق لأجله. فأُعين
بالأعضاء والقوى، وسخرت له، وأقيمت له في خدمته لتجلب له ما
يوافقه من الغذاء والمنافع، ويدفع عنه ما يضره ويهلكه، فافتقر إلى
جندين: باطن: وهو الإرادة والشهوة والقوى. وظاهر: وهو الأعضاء.
فخلق في القلب من الإرادات والشهوات ما احتاج إليه، وخلقت له
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
سـ
علو الهمة في استكمال الإيمان.
٤٠٧
الأعضاء التي هي آلة الإرادة، واحتاج في دفع المضار إلى جندين: باطن:
وهو الغضب الذي يدفع المهلكات، وينتقم به من الأعداء، وظاهر: وهو
الأعضاء التي ينفذ بها غضبه، كالأسلحة للقتال. ولا يتم ذلك إلّا بمعرفة
ما يجلب وما يدفع، فأعين الجند من العلم بمَا يكشف له حقائق ما ينفعه
وما يضره.
ولمَّا سلطت عليه الشهوة والغضب والشيطان أعين بجند من
الملائكة، وجعل له محل من الحلال ينفذ فيه شهواته، وجعل بإزائه
أعداء له ينفذ فيهن غضبه، فما ابتلى بصفة من الصفات إلّا وجعل لها
مصرفًا ومحلًا ينفذها فيه، فجعل لقوة الحسد فيه مصرفًا، وهو المنافسة
في فعل الخير، والغبطة عليه، والمسابقة إليه، ولقوة الكبر مصرفًا وهو
التكبر على أعداء الله تعالى وإهانتهم، وقد قال النبي وَل لمن رآه يختال
بين الصفين في الحرب: ((إنها لمشية يبغضها الله إلّا في هذا المواطن))(١)
وقد أمر الله - سبحانه- بالغلظة على أعدائه.
• وجعل لقوة الحرص مصرفًا وهو الحرص على ما ينفع، كما قال
النبي وَله: (احرص على ما ينفعك))(٢) ولقوة الشهوة مصرفًا، وهو
التزوج بأربع، والتسري بما شاء.
ولقوة حب المال مصرفًا، وهو إنفاقه في مرضاته تعالى، والتزود منه
(١) ((دلائل النبوة)) للبيهقي (٢٣٤/٣) («البداية والنهاية)) (١٦/٤).
(٢) رواه أحمد (٣٦٦/٢)، ومسلم (٢٦٦٤/٣٤) في القدر -بابٌ في الأمر بالقوة
وترك العجز والاستعانة بالله .. إلخ، وابن ماجه (٧٩) في المقدمة -باب في
القدر.
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٤٠٨
صلاح الأمة في علو الهمة
لمعاده، فمحبة المال على هذا الوجه لا تذم.
ولمحبة الجاه مصرفًا، وهو استعماله في تنفيذ أوامره، وإقامة دينه،
ونصر المظلوم، وإغاثة الملهوف، وإغاثة الضعيف، وقمع أعداء الله،
فمحبة الرياسة والجاه على هذا الوجه عبادة.
وجعل لقوة اللعب واللهو مصرفًا، وهو لهوه مع امرأته، أو بقوسه
وسهمه، أو تأديبه فرسه وكل ما أعان على الحق.
وجعل لقوة التحيل والمكر فيه مصرفًا، وهو التحيل على عدوه
وعدو الله تعالى بأنواع التحيل، حتى يراغمه ویرده خاسئًا، ويستعمل معه
من أنواع المکر ما يستعمله عدوه معه.
وهكذا جميع القوى التي ركبت فيه جعل لها مصرفًا، وقد ركبها الله
فيه لمصالح اقتضتها حكمته، ولا يطلب تعطيلها، وإنما تصرف مجاريها
من محل إلى محل، ومن موضع إلى موضع، ومن تأمل هذا الموضع
وتفقه فيه علم شدة الحاجة إليه، وعظم الانتفاع به.
صيانة القلب:
■ قال ابن القيم: ((وجماع الطرق والأبواب التي يصان منها القلب
وجنوده أربعة، فمن ضبطها وعدلها وأصلح مجاريها وصرفها في محالها
اللائقة بها استفاد منها قلبه وجوارحه، ولم يشمت به عدوه، وهي:
الحرص، والشهوة، والغضب، والحسد .. فهذه الأربعة هي أصول
مجامع طرق الشر والخير، وكما هي طرق إلى العذاب السرمدي، فهي
طرق إلى النعيم الأبدي.
فآدم أبو البشر وَل أخرج من الجنة بالحرص، ثم أدخل إليها
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٤٠٩
علو الهمة في استكمال الإيمان
بالحرص، ولكن فرق بين حرصه الأول وحرصه الثاني.
· وأبو الجن أخرج منها بالحسد، ثم لم يوفق لمنافسة وحسد يعيده
إليها، وقد قال النبي وَلة: ((لا حسد إلَّا في اثنتين: رجل آتاه الله مالا
وسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله القرآن، فهو يقوم به آناء الليل
وأطراف النهار)).
وأما الغضب فهو غول العقل، يغتاله كما يغتال الذئب الشاة، وأعظم
ما يفترسه الشيطان عند غضبه وشهوته، وإذا كان حرصه إنما هو على ما
ينفعه، وحسده منافسة في الخير، وغضبه لله على أعدائه، وشهوته
مستعملة فيما أبيح له وعونًا له على ما أمر به، لم تضره هذه الأربعة بل
انتفع بها أعظم الانتفاع)) اهـ.
القلب بين الملك والشيطان:
■ قال ابن القيم: ((وإذا تأملت حال القلب مع الملك والشيطان،
رأيت أعجب العجائب، فهذا يلم به مرة، وهذا يلم به مرة، فإذا ألم به
الملك حدث من لمته الانفساح، والانشراح، والنور، والرحمة،
والإخلاص، والإنابة، ومحبة الله، وإيثاره على ما سواه، وقصر الأمل،
والتجافي عن دار البلاء، والامتحان، والغرور، فلو دامت له تلك الحالة
لكان في أهنا عيش وألذه وأطيبه. ولكن تأتيه لمة الشيطان، فتحدث له
من الضيق، والظلمة، والهم، والغم، والخوف، والسخط على المقدور،
والشك في الحق، والحرص على الدنيا وعاجلها، والغفلة عن الله ما هو
من أعظم عذاب القلب.
ثم للناس في هذه المنحة مراتب لا يحصيها إلّا الله: فمنهم من تكون
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٤١٠
صلاح الأمة في علو الهمة
لمة الملك أغلب من لمة الشيطان وأقوى، فإذا ألم به الشيطان وجد من
الألم والضيق والحصر وسوء الحال، بحسب ما عنده من حياة القلب،
فيبادر إلى طرد تلك اللمة ولا يدعها تستحكم فيصعب تداركها، فهو
دائمًا في حرب بين اللمتين، يدال له مرة، ويدال عليه مرة أخرى،
والعاقبة للتقوى.
ومنهم من تكون لمة الشيطان أغلب عليه وأقوى، فلا تزال تغلب
لمة الملك حتى تستحكم ويصير الحکم لها، فيموت القلب، ولايحس
ما ناله الشيطان به، مع أنه في غاية العذاب والضيق والحصر، ولکن سكر
الشهوة والغفلة حجب عنه الإحساس بذلك الألم، فإذا كشف أمكنه
تداركه بالدواء وحسمه، وإن عاد الغطاء عاد الأمر كما كان، حتى
ينكشف عنه وقت المفارقة للدنيا، فتظهر حينئذ تلك الآلام والهموم
والغموم والأحزان، وهي لم تتجدد له، وإنما كانت كامنة تواريها
الشواغل، فلمّا زالت الشواغل ظهر ما کان کامنًا، وتجدد له أضعافه)).
المال الشيطان ببعض القلوب:
■ قال ابن القيم: ((والشيطان يلم بالقلب لمَّا كان هناك جواذب
تجذبه، وهي نوعان: صفات، وإرادات. فإذا كانت الجواذب صفات
قوى سلطانه هناك، واستفحل أمره ووجد موطنًا ومقرًا، فتأتى الأذكار
والدعوات والتعوذات كحديث النفس، لا تدفع سلطان الشيطان؛ لأن
مرکبه صفة لازمة.
فإذا قلع العبد تلك الصفات وعمل على التطهير منها والاغتسال،
بقى للشيطان بالقلب خطرات ووساوس ولمَات من غير استقرار،
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٠
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٤١١
علو الهمة في استكمال الإيمان
وذلك يضعفه، ويقوى لمة الملك فتأتي الأذكار، والدعوات والتعوذات،
فتدفعه بأسهل شيء.
وإذا أردت لذلك مثالًا مطابقًا: فمثله كلب جائع شديد الجوع،
وبينك وبينه لحم أو خبز، وهو يتأملك ويراك لا تقاومه وهو أقرب منك.
فأنت تزجره، وتصيح عليه، وهو يأبى إلّ التحوم عليك، والغارة على ما
بين يديك. فالأذكار بمنزلة الصياح عليه والزجر له، ولكن معلومه
ومراده عندك، وقد قربته عليك، فإذا لم يكن بين يديك شيء يصلح له
وقد تأملك فرآك أقوى منه فإنك تزجره وتصيح عليه فيذهب، وكذلك
القلب الخالي عن قوة الشيطان يزجره بمجرد الذكر.
وأما القلب الذي فيه تلك الصفات التي هي مركبه وموطنه، فيقع
الذكر في حواشيه وجوانبه، ولا يقوى على إخراجه العدو منه، ومصداق
ذلك تجده في الصلاة، فتأمل في الحال، وانظر: هل تخرج الصلاة
بأذكارها وقراءتها الشيطان من قبلك، وتفرغه كله لله تعالى بكليته وتقيمه
بين يدي ربه مقبلاً بكليته عليه، يصلي الله تعالى، كأنه يراه قد اجتمع همه
كله على الله؟ وصار ذكره ومراقبته ومحبته والأنس به في محل الخواطر
والوساوس أم لا؟ والله المستعان.
وها هنا نكتة ينبغي التفطن لها، وهي أن القلوب الممتلئة بالأخلاط
الرديئة، فالعبادات، والأذكار، والتعوذات، أدوية لتلك الأخلاط كما يثير
الدواء أخلاط البدن، فإن لم يكن قبل الدواء وبعده حمية لم يزد الدواء على
إثارته، وإن أزال منه شيئًا ما، فمدار الأمر على شيئين: الحمية، واستعمال
الأدوية)».
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٤١٢
صلاح الأمة في علو الهمة
أحبُّ القلوب إلى الله قُلُوب عُلاة الهمم:
وهي قلوب حازت قصب السَّبْق في التنافس والفرار إلى الله.
أرق آنية الله في الأرض وأحبّها إليه القلوب الرقيقة الليِّنة:
١
• عن أبي عنبة فلسثم قال: قال رسول الله وَله: «إن لله تعالى آنيةً من
أهلٍ الأرض، وآنيةُ ربِّكم قلوبُ عبادِهِ الصالحين وأحبُّها ألينُها
(١)
وأرَقّها))(١).
خير الناس ذو القلب المحموم .. التقيِّ النقيِّ:
• قال رسول الله وَالله: ((خير الناس ذو القلب المحموم، واللسان
الصادق))، قيل: ما القلب المحموم؟ قال: ((هو التقي النقيُّ الذي لا إثم
فيه ولا بغي ولا حسد)). قيل: فمن على أثره؟ قال: ((الذي يشنأ الدنيا،
ويحبُّ الآخرة)). قيل: فمن على إثرِهَ؟ قال: ((مؤمنٌ في خُلَقٍ حسن))(٢).
(٢)
و
عالي الهمة قلبه قلب أبيض مُنكِر للفتن يأباها وينفر منها:
• عن حذيفة السنه قال: قال رسول الله وَّ: «تُعرَض الفِتنُ على
القلوبِ عَرْضَ الحصير عُودًا عُودا، فأيُّ قلبٍ أُشْرِبَها نُكِتَتْ فيه نُكْتَةٌ
سوداءُ، وأيُّ قلب أنكَرها نُكِتَت فيه نُكْتَةٌ بيضاءُ، حتى يصيرَ القلب أبيضَ
مثلَ الصَّفَا لا تَضُرُّه فتنة ما دامت السموات والأرضُ، والآخرُ أسودَ
(١) رواه الطبراني في ((الكبير))، وحَسَّنه الألباني في ((الصحيحة)) (١٦٩١)، و((صحيح
الجامع)» (٢١٦٣).
(٢) صحيح: رواه الطبراني في ((الكبير))، وأبو نعيم في ((الحلية))، والبيهقي في ((شعب
الإيمان)) عن ابن عمر، وروى الشطر الأول بنحوه ابن ماجه، وصححه الألباني
في ((صحيح الجامع)) (٣٢٩١)، و((الصحيحة)) رقم (٩٤٨).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
علو الهمة في استكمال الإيمان
٤١٣
مُرْبدا كالكوز مُجِّيًا، لا يعرف معروفاً، ولا يُنكِرِ مُنكرًا، إلّا ما أُشرِب من
هواه)(١).
وقلب أجرد فيه مثل السراج يُزهر:
• عن أبي سعيد الخدري أنه قال: قال رسول الله وَاليقول: ((القلوبُ
أربعة: قلب أَجْرَد فيه مثل السراج يُزهر، وقلبٌ أغلف مربوط على غلافه،
وقلب منكوس، وقلبٌ مصَفّح، فأما القلب الأجْرَد: فقلب المؤمن
سراجه فيه نوره، وأمَّا القلب الأغلف فقلب الكافر، وأما القلب
المنكوس: فقلب المنافق عرف ثم أنكر، وأمّا القلب المصفّح فقلبٌ فيه
إيمَان ونفاق، فمثل الإيمان فيه كمثل البقلة يمدَّها الماء الطيب، ومثل
النِّفاق فيه كمثل القُرحة يمدُّها القيح والدم، فأيُّ المادتين غلبت على
الأخرى غلبت عليه))(٢).
أيّ شيطان يجترئُ على هذا القلب وحراسة الله له أتمّ من حراسة السماء؟!
■ قال ابن قيم الجوزية بعد أن قسّم القلوب إلى ثلاثة، قلب خال من
الإيمان وجميع الخير، وقلب قد استنار بنور الإيمان وأوقد فيه مصباحه
لكن عليه ظلمة الشهوات وعواصف الأهوية، فللشيطان هناك إقبال
(١) رواه أحمد، ومسلم (١٤٤) - كتاب بالإيمان (١٢٨/١) - باب بيان أن
الإسلام بدأ غريبًا.
(٢) إسناده جيد حسن: رواه أحمد في «مسنده)) (١٧/٣)، وذكره الحافظ ابن كثير
عند تفسير قوله تعالى: ﴿أَوْكَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَتٌ وَرَعْدٌ وَبِرْقٌ﴾ [البقرة: ١٩]
وقال: إسناده جيّدٌ حسن (٥٦/١)،وضعفه بعض أهل العلم وروى نحوه أحمد
(١٠٧٤٥)، وابن أبي شيبة في (الإيمان)) (٥٤)، وعبد الله بن أحمد في ((السنة))
(٨٢٠)، وقد صَحّ موقوفًا.
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٤١٤
صلاح الأمة في علو الهمة
وإدبار .. ثم قال عن القلب الثالث:
(القلب الثالث: قلبٌ مَحْشُوٌ بالإيمان قد استنار بنور الإيمان،
وانقشعت عنه حجب الشهوات، وأقلعت عنه تلك الظلمات، فلنوره في
صدره إشراق، ولذلك الإشراق إيقادٌ لوْ دَنَا منه الوسواس احترق به،
فهو كالسماء التي حُرِست بالنجوم فلودنا منها الشيطان يتخطّاها رُجِم
فاحترق. وليست السماء بأعظمَ حُرْمةً من المؤمن، وحرَاسة الله تعالى له
أتمُّ من حراسة السماء، والسماءُ متَعَبَّد الملائكة ومستقَرُّ الوحي وفيها
أنواع الطاعات، وقلبُ المؤمن مُسْتَقَرُّ التوحيد والمحبة والمعرفة
والإيمان، وفيه أنوارها، فهو حقيقٌ أن يُحرَس ويُحفَظ من كيدِ العَدُوِّ فلا
ینال منها شيئًا إلَّا خطفه.
وقد مثّل ذلك بمثال حسن وهو ثلاثة بيوت: بيت للملك فيه كنوزه
وذخائره وجواهره. وبيت للعبد فيه كنوز العبد وذخائره، وليس جواهر
الملك وذخائره. وبيتُ خالٍ صِفْرٌ لا شيءَ فيه. فجاء اللصُّ يسرق من
أحدِ البيوت فمِنْ أيها يسرق؟ فإن قلتَ من البيتَ الخالي كان محالًا؛ لأن
البيت الخالي ليس فيه شيءٌ يُسرق، ولهذا قيل لابن عباس ﴿إفضها: إن
اليهودَ تزعم أنها لا توسوس في صلاتها؟ فقال: فقال: وما يصنعُ الشيطان
بالقلب الخراب؟
وإنْ قلتَ: يسرقُ من بيت الملك كان ذلك كالمستحيل الممتنع، فإنّ
عليه من الحرس واليزك (١) ما لا يستطيع اللص الدُّنَّ منه، كيف
(١) اليزك: (بالتركية) بمعنى المنع.
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٤١٥
علو الهمة في استكمال الإیمان
وحارسه الملك بنفسه؟ وكيف يستطيع اللص الدَّنوَّ منه وحوله من
الحرس والجند ما حوله؟ ..
قلب قد امتلأ من جلال الله وَلَّ وعظمته ومحبته ومراقبته، والحياء
منه، فأيُّ شيطان يجترئ على هذا القلب؟))(١).
القلب السليم .. قلبُ عالي الهمَّة:
قال تعالى واصفًا قلب خليله إبراهيم وَّه: ﴿ إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ
﴾ [الصافات].
(٨٤)
: وقال تعالى: ﴿يَوْمَلَ يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٥) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبِ سَلِيمٍ}
٨٩
[الشعراء].
قال القرطبي: ((واختلف في القلب السليم، فقيل: من الشك
والشرك، فأمّا الذنوب فليس يسلم منها أحد. قاله قتادة وابن زيد وأكثر
المفسّرين، وقال سعيد بن المسيب: ((القلب السليم الصحيح هو قلب
المؤمن؛ لأن قلب الكافر والمنافق مريض، قال الله تعالى: ﴿ فی قُلُوبِهِم
[البقرة: ١٠].
فرض
■ وقال أبو عثمان النيسابوري: «هو القلب الخالي عن البدعة
المطمئن إلى السُّنَّة)).
■ وقال الحسن: ((سليمٌ من آفة المال والبنين)).
■ وقال الجُنيد: ((السليم في اللّغة: اللديغ، فمعناه أنه قلبٌ كاللدیغ
من خوف الله)).
(١) ((الوابل الصيب)) (ص٤٠، ٤١).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٤١٦
صلاح الأمة في علو الهمة
■ وقال الضخَّاك السليم: ((الخالص)).
قلت: وهذا القول يجمعُ شتات الأقوال بعمومه وهو حسن، أي
الخالص من الأوصاف الذميمة، والمتَّصف بالأوصاف الجميلة، والله
أعلم.
* وقد روى عن عروة أنه قال: ((يا بني لا تكونوا لعَّانين، فإن إبراهيم
لم يلعن شيئًا قط، قال الله تعالى: ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ
:[الصافات].
٨٤
■ وقال محمد بن سيرين: ((القلب السليم الذي يعلم أن الله حق،
وأن الساعة قائمة، وأن الله يبعث من في القبور. وفي ((صحيح مسلم)) من
حديث أبي هريرة خلفه عن النبي وَّ قال: ((يدخل الجنة أقوام أفئدتهم
مثل أفئدة الطير))(١). يريد - والله أعلم- أنها مثلها خالية من كل ذنب،
سليمة من كل عيب - لا خبرة لهم بأمور الدنيا)). انتهى كلامه الثَّهُ.
وقد قيل: ((مثل أفئدة الطير)): أي في رِقَّتها، أو في توكلها على الله وَّ -
القلب السليم قلبُ عالي الهمة:
السليم هو السَّالم، فسليمُ القلب الذي قد صارت السَّلامة صِفَةً ثابتة
له، كالعليم والقدير، وأيضًا فإنه ضد المريض والسَّقيم والعليل.
■ قال ابن القيم ومنه: ((وقد اختلفت عبارات الناس في معنى القلب
السليم والأمر الجامع لذلك: أنه الذي قد سلم من كل شهوة تخالِفُ أمر
الله ونهيَه، ومن كُلِّ شبهةٍ تعارضُ خبرَه. فسَلِم من عبوديَة مَن سواه،
وسلم من تحكيم غير رسوله، فسَلِم في محبة الله مع تحكمِه لرسوله وَل
(١) رواه أحمد، ومسلم.
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٤١٧
وعلو الهمة في استكمال الإيمان
في خوفه ورجائه والتوكل عليه، والإنابة إليه والذل له، وإيثار مرضاته في
كل حال، والتباعد من سخطه بكل طريق. وهذه هي حقيقة العبودية التي
لا تصلحُ إلَّا لله.
فالقلب السليم: هو الذي سَلِم من أن يكون لغير الله فيه شِرْكٌ بوجهٍ
ما، بل قد خلصت عبوديّته لله تعالى: إرادة ومحبة، وتوكّلًا، وإنابة،
وإخباتًا وخشية، ورجاءً. وخلص عمله لله، فإن أحبَّ أحبَّ في الله وإن
أبغض أبغضَ في الله، وإن أعطى أعطى الله، وإن منع منع لله، ولا يكفيه
هذا حتى يسلم من الانقياد والتحكيم لكل مَن عَدَا رسوله ◌َّله، فيعقد
قلبه معه عقْدًا مُحْكَمًا على الائتمام به وحده، دون كل أحدٍ في الأقوال
والأعمال، من أقوال القلب وهي العقائد، وأقوال اللسان: وهي الخبر
عمَّا في القلب. وأعمال القلب وهي: الإرادة والمحبة والكراهة
وتوابعها، وأعمال الجوارح فيكون الحكم عليه في ذلك كله دقّه وجلّه،
هو ماء جاء به الرسول ◌َّة، فلا يتقدّم بين يديه بعقيدة ولا قول ولا
عمل، كما قال تعالى: ﴿﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىِ اُللَّهِ وَرَسُولِ.
[الحجرات: ١]. أي: لا تقولوا حتى يقول، ولا تفعلوا حتى يأمر))(١).
وقال عنه أيضًا: ((القلب الأول: حي مخبت ليِّنُ واع.
* قال تعالى: ﴿ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ أَنَّهُ اُلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُواْ
بِهِ، فَتُخِْتَ لَهُ، قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ
٥٤
[الحج]. القلب المؤمن المخبت إلى ربه. وهو المطمئن إليه، الخاضع له،
(١) ((إغاثة اللهفان)) لابن القيم (ص٧) طبع دار العقيدة.
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٤١٨
صلاح الأمة في علو الهمة
المستسلم المنقاد))(١).
((فالقلب الصحيح السليم: ليس بينه وبين قبول الحق ومحبَّتِه وإيثاره
سوى إدراكه، فهو صحيح الإدراك للحق، تامُّ الانقياد والقبول له))(٢).
وهو القلب الأجرد الذي فيه سراجٌ يزهر:
■ قال ابن القيم: «أي متجرِّدٌ ممَا سوى الله ورسوله، فقد تجرَّد
وسلم مما سوى الحق. و((فيه سراج يزهر)) وهو مصباح الإيمان. فأشار
بتجرُّدِه إلى سلامته من شبهات الباطل وشهوات الغَيِّ، وبحصول السِّراج
فيه إلى إشراقه واستنارته بنور العلم والإيمان))(٣).
قلبُ عالي الهمة حيٌّ تمام الحياة مُشرق كل الإشراق:
■ قال ابن القيم عمله: ((أصل كل خير وسعادة للعبد، بل لكلِّ حِّ
ناطق: كمَالُ حياته ونوره. فالحياة والنور مادة الخير كله، قال الله تعالى:
:(أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَهُ وَجَعَلْنَا لَهُ, نُورًا يَمْشِى بِهِ، فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِ
اُلُّلُمَتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا﴾ [الأنعام: ١٢٢]. فجمع بين الأصَليْن: الحياة
ج
والنور، فبالحياة تكون قوَّته، وسمعه، وبصره، وحياؤه وعِفّته، وشجاعته
وصبره، وسائر أخلاقه الفاضلة، ومحبته لحسن، وبغضه للقبيح، فكلمًا
قويتْ حياتُه قويت فيه هذه الصفات ..
فالقلب الصحيح الحي إذا عُرِضت عليه القبائح نفر منها بطبعه
وأبغضها ولم يلتفت إليها)).
(١) المصدر السابق (ص٩).
(٢) المصدر السابق (ص٩).
(٣) المصدر السابق (ص١١).
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٤١٩
علو الهمة في استكمال الإيمان
وكذلك إذا قوى نوره، وإشراقه انكشفت له صور المعلومات
وحقائقها على ما هي عليه، فاستبان حسن الحسن بنوره، وآثره بحياته،
وكذلك قُبح القبيح، وقد ذكر سبحانه هذين الأصلين في مواضع من
كتابه فقال تعالى: ﴿﴿وَكَذَلِكَ أَوْ حَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَاكُنْتَ نَّدْرِى مَا الْكِنَبُ وَلَا
اَلْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَهُ نُورًا تَهْدِى بِهِ، مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِىّ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ
٤ [الشوری].
٥٢
وظلامُه في الناس ساري
ليلى بوجهكَ مشرقٌ
ونحن في ضوء النهار
الناس في سُدُفِ الظَّلام
والمقصود أن صلاح القلب وسعادته وفلاحه موقوف علی ھذین
الأصلین.
* قال تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْءَانٌ مُّبِينٌ ) لِيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا﴾ [يس:
٧]. فأخبر أن الانتفاع بالقرآن والإنذار به إنما يحصل لمن هو حي
القلب، كما قال في موضع آخر: ﴿﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَّذِكْرَىْ لِمَنْ كَانَ لَهُ, قَلْبُ ؟
[ق: ٣٧]
* وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اَللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ،
[الزمر]. فأهل الإيمان في النور وانشراح الصدر))(١).
حياة القلب وصحته لا تحصلُ إلا بأن يكون مُدْرِكًا للحقِّ، مريدًا له، مُؤثِرًا
له على غيره:
■قال ابن القيم منه: «لما كان في القلب قوتّان: قوة العلم والتمييز،
(١) ((إغاثة اللهفان)) (ص١٧، ١٨، ٢٠).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٤٢٠
صلاح الأمة في علو الهمة
وقوة الإرادة والحب، كان كماله وصلاحه باستعمال هاتين القوّتيْن فيما
ينفعه، ويعود عليه بصلاحه وسعادته. فكمَاله باستعمال قوة العلم في
إدراك الحق، ومعرفته، والتمييز بينه وبين الباطل، وباستعمال قوة
الإرادة، والمحبة في طلب الحق ومحبته وإيثاره على الباطل. فمن لم
يعرف الحق فهو ضال، ومن عرفه وآثر غيره عليه، فهو مغضوب عليه،
ومَن عَرِفه واتبعه فهو منعَم عليه)) (١).
سعادة القلب ولذته :
■ قال ابن القيم: «أنه لا سعادة للقلب، ولا لذة ولا نعيم، ولا صلاح
إلَّا بأن يكون الله هو إلهه وفاطره وحده، وهو معبوده، وغاية مطلوبه،
وأحبّ إليه من كلِّ ما سواه)) (٢).
زكاة قلب عالي الهمة وطهارته في أنقى صورها :
■ قال ابن القيم: ((قال تعالى: ﴿خُذّ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِبِهِم
: [التوبة: ١٠٣]. فجمع بين الأمرين: الطهارة والزكاة لتلازمهما. فإن
نجاسة الفواحش والمعاصي في القلب بمنزلة الأخلاط الرديئة في البدن،
ويمنزلة الدَّغَل في الزرع، وبمنزلة الخبث في الذهب والفضة والنحاس
والحديد، فكما أن البدن إذا استفرغ من الأخلاط الرديئة تخلَّصت القوة
الطبيعية منها فاستراحت، فعملت عملها بلا معوق ولا ممانع، فنمًا
البدن، فكذلك القلب إذا تخلّص من الذنوب بالتوبة فقد استفرغ من
(١) المصدر السابق (ص٢١).
(٢) ((إغاثة اللهفان)) (ص٢٣).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com