Indexed OCR Text

Pages 321-340

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٣٢١
"علو الهمة في استكمال الإيمان
ويقول:
ولم أُصِبْ في العيش إلَّا الشَّقاء
أحِسُّ في نفسي دبيبَ الفناء
تُتَح لفكري حل لغز القضاء
كما تهبُ الريحُ في الفَدْفَد
يومين: أمسِ المنقضي والغد
وكم يخيب الظنُّ في المقبل
جمالَ دنياي ولا أجتلى
ما فتق النومُ کِمام الشباب
واشربْ فمثواك فِراش التراب
ويُمْحى اسمي من سجل الوجود
فغايةُ الأيام طولُ الهجود (١)
يا حسرتا إن حان حيني ولم
تروح أيامي ولا تغتدي
وما طويتُ النفسَ هَمَّا على
غدٌ يظهر الغيب واليومُ لي
ولست بالغافل حتى أرى
سمعتُ في حلميَ صوتًا أصاب
أفِقْ فإن النومَ صنوُ الردى
سأَنتحي الموت حثيثَ الورود
هات أسقنيها يا منى خاطري
ضياع إيليا أبي ماضي وحيرته وشكه :
أما الضائعون العرب المعاصرون فيعبر عن ضياعهم أحدهم - وهو
الشاعر النصراني البائس إيليا أبو ماضي، في قصيدته ((الطلاسم)) - في
قصيدة شعرية تسجل أفكار الضائعين وخواطرهم، وتورد نماذج
لسؤالاتهم واستفساراتهم، وتُري المؤمنَ حقيقتَهم، وتضع يديه على
قلقهم وحيرتهم واضطرابهم .. وتعرض كل هذا في قالب شعري بليغ !!
وصورة فنية معبرة. وإننا - وإن أنكرنا معاني القصيدة ومضمونها وما فيها
(١) ((الظلال)) (٣٤٢/١ - ٣٤٣).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٣٢٢
صلاح الأمة في علو الهمة
من كفر وضلال وضياع - نسجل تقديرنا للصورة الشعرية التي عرض
بها الشاعر فكره، وثناءنا على أسلوبها الجميل وصياغتها البليغة
وموسيقاها الرقيقة وإيقاعها الشجي، ونعترف لصاحبها بشاعرية موحية.
■ يقول في تلك القصيدة:
جئتُ، لا أعلمُ من أينَ، ولكني أتيتُ
ولقد أبصرتُ قُدّامي طريقًا فمضيتُ
وسأبقى سائرًا إن شئتُ هذا أم أبيتُ
كيف جئتُ كيف أبصرتُ طريقي؟
لست أدري !!
أجديد أم قديم أنا في هذا الوجود؟
هل أنا حر طليق أم أسيرٌ في قيود؟
هل أنا قائدُ نفسي في حياتي أم مقود؟
أتمنى أنني أدري .. ولكن:
لست أدري !!
وطريقي ما طريقي؟ أطويل أم قصير؟
هل أنا أصعد أم أهبط فيه وأغور؟
أأنا السائر في الدرب أم الدرب يسير؟
أم كلانا واقف والدهر يجري؟
لست أدري !!
ليت شعري وأنا في عالم الغيب الأمين
أثراني كنت أدري أنني فیه دفین
وبأني سوف أبدو وبأني سأكون
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٣٢٣
وعلو الهمة في استكمال الإيمان
أم تُراني كنت لا أدرك شيئًا
لست أدري !!
أتراني قبلما أصبحت إنسانًا سويًّا
كنت محوًا أو محالًا أم تراني كنت شيئًا
ألهذا اللغز حل؟ أم سيبقى أبديًّا؟
لست أدري .. ولماذا لست أدري ..
لست أدري !!
إن يك الموت قصاصًا! أي ذنب للطهارة؟
وإذا كان ثوابًا، أي فضل للدعارة؟
وإذا كان وما فيه جزاء أو خسارة؟
فَلِمَ الأسماء إثم وصلاح؟
لست أدري !!
إن يك الموتُ رُقادًا بعده صحو طويل
فلماذا ليس يبقى صحونا هذا الجميل؟
ولماذا المرء لا يدري متى وقت الرحيل؟
ومتى ينكشف الستر فيدري؟
لست أدري !!
إن یك الموت هجومًا یملأ النفس سلامًا
وانعتاقًا لا اعتقالًا وابتداءً لا ختامًا
فلماذا لا أعشق النوم ولا أهوى الحِماما
ولماذا تجزع الأرواح منه؟
لست أدري !!
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٣٢٤
صلاح الأمة في علو الهمة
أوَراء القبر بعد الموت بعث ونشور
فحياة، فخلود، أم فناء فدثور؟
أكلام الناس صدق؟ أم كلام الناس زور؟
أصحيح أن بعض الناس يدري؟
لست أدري !!
إن أكن أُبعث بعد الموت جثمانًا وعقلًا
أثرى أبعث بعضًا أم تُرى أبعث كُلا؟
أثرى أبعث طفلًا أم ترى أبعث كهلا؟
ثم هل أعرف بعد البعث ذاتي ..
لست أدري !! (١)
هو لا يدري ولكننا - والحمد لله وله المِنّة والفضل- بإسلامنا
وقرآننا وسنة نبينا ټټ ندري كل شيء .. لا طلاسم عندنا.
إن هذا الشك والاضطراب والقلق الذي يتقلب على جمره الحائرون
والمرتابون في وجود الله وحكمته، وعدله ورحمته، وجزائه في الآخرة،
ووحيه إلى رسله - هذا الشك ليس شيئًا هينًا، إنه عذاب أليم، وكوّة من
الجحيم فُتحت على أهله، تلفحهم بنارها، وتشوي قلوبهم بحميمها،
وكلمَا خف لهيبها هبت عليهم عواصف الشك من جديد، فاشتعلت
النار، ليذوقوا العذاب.
إن هذا القلق أمر لا مناص لهم منه، إنه سیحرمهم سکون النفس،
وهدوء الضمير. سيقض عليهم مضاجعهم، ويُنغص عليهم حياتهم،
(١) ((الجداول)) لإيليا أبو ماضي (١٠٨ - ١٣١).
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٣٢٥
علو الهمة في استكمال الإيمان
ويُؤرق عليهم ليلهم، ويكدِّر عليهم نهارهم، إنهم يعيشون كما قال الله:
﴿مَعِيشَةً ضَنكًا ﴾ [طه: ١٢٤].
■ غير المؤمن يعيش في الدنيا تتوزّعه هموم كثيرة، وتتنازعه غايات
شتى، ورَضَي الناس غاية لا تدرك ..
إذا رضيت عني كرام عشيرتي
فلا زال غَضْبَانًا عَلَيَّ لِئَامها
0 ولله در القائل:
وبین هوی النفوس مدی بعید؟
ومَن في الناس يُرضي کل نفس
■ وقد استراح المؤمن من هذا كله، وحصر الغايات كلها في غاية
واحدة عليها يحرص وإليها يسعى، وهي رضوان الله تعالى، لا يبالي معه
برضا الناس أو سخطهم، شعاره ما قال الشاعر:
ولیتك ترضى والأنام غِضابٌ
فليتك تحلو والحياة مريرة
وبيني وبين العالَمين خرابُ
وليت الذي بيني وبينك عامر
وكل الذي فوق التراب ترابُ
إذا صح منك الود فالكل هَيِّنٌ
* كما جعل المؤمن همومه همَّا واحدًا، وهو سلوك الطريق الموصل
إلى مرضاته تعالى والذي يسأل الله في كل صلاة عدة مرات أن يهديه إليه،
ويوفقه لسلوكه: ﴿ آهْدِنَا الصِّرَّطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ [الفاتحة] .. وهو طريق واحد
لا عوج فيه ولا التواء ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَطِى مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَنَّبِعُوا السُّبُلَ
فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ، ﴾ [الأنعام: ١٥٣].
** وما أعظم الفرق بين رجلين، أحدهما عرف الغاية، وعرف الطريق
إليها، فاطمأن واستراح، وآخر ضال، يخبط في عماية، ويمشي إلى غير
غاية، لا يدري إلام المسير؟ ولا أين المصير؟ ﴿أَفَنَ يَمْشِى مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ.
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٣٢٦
صلاح الأمة في علو الهمة
أَهْدَىَ أَمَّنْ يَمْشِى سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ
﴾ [الملك] ..
■ استهان المؤمن في سبيل هذه الغاية بكل صعب، واستعذب كل
عذاب، واسترخص كل تضحية، بل قدَّمها راضيًا مستبشرًا، ألا ترى إلى
خبيب بن عَدِي وقد صلبه المشركون؟ وأحاطوا به يُظهرون الشماتة فيه،
يحسبون أنه ستنهار أعصابه، أو تضطرب نفسه، ولكنه نظر إليهم في يقين
ساخر، وأنشد يقول:
على أي جنب كان في الله مصرعي
ولستُ أُبالي حين أُقتل مسلمًا
يبارك على أوصال شلو ممزع
وذلك في ذات الإله، وإن يشأ
ألا ترى إلى الرجل من الصحابة ومن تبعهم بإحسان كيف كان
يخوض عباب المعركة، والموت يبرق ويرعد، هو يقول: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ
﴾ [طه].
٨٤
رَبّ لِتَضَى
ألا تسمع لأحدهم وقد نفذ الرمح في صدره حتى وصل إلى ظهره،
فما كان منه إلَّا أن قال: فزتُ ورب الكعبة.
وفي غزوة الأحزاب، وقد ابتُلِيَ المؤمنون، وزُلزلوا زلزالًا شديدًا إذ
جاءهم الأعداء من فوقهم ومن أسفل منهم، وإذ زاغت الأبصار، وبلغت
القلوب الحناجر، وظن الناس بالله الظنون، وكشف المنافقون النقاب،
فقالوا: ما وعدنا الله ورسوله إلَّا غرورًا.
* في هذا الجو الرهيب كان موقف المؤمنين هو موقف السكينة
والطمأنينة الذي عُهدَ منهم، والذي سجله الله لهم في كتابه: ﴿ وَلَمَّا رَءَا
الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُواْ هَذَا مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ, وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَمَا زَادَهُمْ إِلَّ
إِيمَنَا وَتَسْلِيمًا
[الأحزاب].
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٣٢٧
علو الهمة في استكمال الإيمان
ما الذي وهب هؤلاء المجاهدين السكينة، والقتال مستعر الأوار؟
ومنحهم الطمأنينة والموت فاغر فاه؟ إنه الإيمان وحده، وصدق الله:
هُوَ الَّذِىّ أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِى قُلُوبٍ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُواْ إِيَمَنَا مَعَ إِيَمَنِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ
وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوَّلَاً
[الفتح]
٤
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَ كَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا
أَنْزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِّن رَّبِّهِ، قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَهْدِىّ إِلَيْهِ مَنْ أَنَبَ )
اٌلَّذِينَ
﴾ [الرعد].
ءَامَنُواْ وَتَطْمَيِنَّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَبِنَّ الْقُلُوبُ
: لقد عرف المؤمن الغاية فاستراح إليها، وعرف الطريق فاطمأن به.
إنه طريق الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصدِّيقين والشهداء
والصالحين. إنه ﴿ الصِّرَطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] .. الذي يهدى إليه
صِرَطِ اللَّهِالَّذِى لَهُ, مَا فِي
٥٢
محمد رَِّهِ، ﴿ وَإِنَّكَ لَتَهْدِىّ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ
السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِّ﴾ [الشورى].
** وبهذا الصراط المستقيم، كان المؤمن في أخلاقه وسلوكه مطمئنًّا
غير قلق، ثابتًا غير متقلب، واضحًا غير متردد، مستقيمًا غير متعرج،
بسيطًا غير معقد، لا يحصره تناقض الاتجاهات، ولا يعذبه تنازع
الرغبات، ولا يحطم شخصيته الصراع الداخلي في نفسه .. أيفعل أم
يترك؟ أيفعل هذا أم ذاك؟ إن له مبادئ واضحة، ومعايير ثابتة، يرجع
إليها في كل عمل وكل تصرف، فتعطيه الإشارة، وحسبه کتاب ربه هادیًا،
ورسوله معلمًا: ﴿قَدْ جَآءُ كُمْ رَسُولُنَا يُبَيُِّ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّاكُنتُمْ
تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَبِ وَيَعْفُواْ عَنْ كَثِيرٍ قَدْجَآءَ كُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ
يَهْدِى بِهِ اَللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ، سُبُلَ السَّلَامِ
وَكِتَبُ نُبِيدٌ
وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ، وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ
[المائدة].
مُسْتَفِيمٍ ﴾
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٣٢٨
صلاح الأمة في علو الهمة
المؤمن لأمر ربه مسارع مطواع، مهما يكن في ذلك من خسران
منفعة عاجلة، أو قهر لشهوة طاغية، أو مقاومة لعاطفة قوية أو غريزة
قاهرة أو عادة غالبة. وفي قصة إبراهيم وإسماعيل بالثلاث أكبر العظة
﴿ كَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ
١٠٩
ويختم الله قصة الخليل بقوله: ﴿ سَلَمُ عَلَى إِزَهِيمَ
[الصافات].
١) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ١
الفلاحُ كُلُّ الفلاح للمؤمن:
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوْاْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، لِيَحْكُمُ بَيْنَهُ أَنْ
[النور].
٥١
يَقُولُواْسَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأَوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
أجل هم المفلحون: مفلحون في الآخرة بدخول الجنات ورضوان
من الله أكبر. ومفلحون في الدنيا بما أنعم الله عليهم من سكينة الأنفس،
وطمأنينة القلوب، وانشراح الصدور.
أنس المؤمن بالوجود كله :
والمؤمن یعیش موصولًا بالوجود كله، ويحيا في أنس به، وشعور
عميق بالتناسق معه، والارتباط به، فليس هذا الكون عدوًّا له، ولا غريبًا
عنه، إنه مجال تفكره واعتباره، ومسرح نظره وتأملاته، ومظهر نِعَم الله
وآثار رحمته.
هذا الکون الکبیر یخضع لنوامیس الله كما يخضع المؤمن، ويُسبِّح
بحمد الله كما يُسبِّحُ المؤمن.
والمؤمن ينظر إليه نظرته إلى دليل يهديه إلى ربه، وإلى صديق يؤنسه في
وحشته ..
وبهذه النظرة الودود الرحبة للوجود، تتسع نفس المؤمن، وتتسع
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٣٢٩
علو الهمة في استكمال الإيمان .
حياته، وتتسع دائرة الوجود الذي يعيش فيه.
فليس هناك أوسع من صدر المؤمن وقلبه الذي وسع العالمين،
المنظور وغير المنظور، عالم الشهادة وعالم الغيب، ووسع الحياتين:
الدنيا والآخرة.
الإيمان بالله وبالغيب هو الذي يرتفع بالإنسان من الحيوانية إلى
الإنسانية، ومن الطفولة إلى الرشد؛ لأنه يرتفع بالإنسان من المحسوس
إلى المعقول، ومن المنظور إلى غير المنظور، ومن عالَم الشهادة إلى عالَم
الغيب.
إن المؤمن يعيش في سعة من نفسه وقلبه، ولو لم يكن في سعة من
عيشه، فطبيعة الإيمان توسع النفس والقلب والحياة؛ لأنه يصل صاحبه
بالوجود كله، ظاهره وباطنه، عُلويه وسُفليه، وما يبصر منه وما لا يبصر.
· ماضيه وحاضره ومستقبله. يصله بالسموات والأرض ومن فيهن. يصله
بالملائكة وحملة العرش والقوى الروحية من جنود الله التي لا يعلمها إلَّا
هو، يصله بحَمَلة النور الإلهي، وأصحاب الرسالات السماوية من لدن
آدم أبي البشر إلى محمد وَّله، يصله بالصدِّيقين والشهداء والصالحين
من كل أمة، ومن كل عصر، يصله بالآخرة والبعث والحساب والجنة
والنار، وباختصار: يصله بالوجود ورب الوجود، الأول والآخر، الظاهر
والباطن.
النفس المؤمنة نفس رحبة واسعة، وكيف لا وهي تعيش في وجود سعته
السموات والأرض، والعرش والكرسي، والدنيا والآخرة، والأزل والأبد؟
والنفس المؤمنة رحبة واسعة؛ لأنها تعيش في نور يهديها سبيلها،
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٣٣٠
صلاح الأمة في علو الهمة
ويكشف لها من حولها، ومن شأن النور أن يوسع الدائرة التي يحيا فيها
الإنسان على عكس الظلام، فإن الذي تكتنفه الظُلمة لا يرى ما حوله ولا
من حوله. بل لا يرى الشيء وهو بجواره تكاد تلمسه يداه، بل لا يرى
نفسه، ولا شيء أقرب إليه من نفسه، فإذا لاح له شعاع خافت بدأ يرى
نفسه، أو شيئًا مما حوله. فإذا قوي هذا النور. وانتشرت أشعته العريضة،
أضاء له دائرة أوسع، وعلى قدر قوة هذا النور، وقوة البصر عند الإنسان
تكون سعة الدائرة التي يدركها البصر.
* فالقلب يتسع وينفسح وينشرح بنور الإيمان واليقين، كما يضيق
وينكمش بظُلمة الإلحاد والشك والنفاق: ﴿ فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ
صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِّ وَمَن يُرِدَأَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥].
المؤمن لا يعيش بين (لو) و(ليت) :
وإن من أهم عوامل القلق الذي يُفقد الإنسان سكينة النفس وأمنها
ورضاها هو تحسره على الماضي وسخطه على الحاضر، وخوفه من
المستقبل.
■ إن بعض الناس تنزل به النازلة من مصائب الدهر، فيظل فيها
شهورًا وأعوامًا، يجتر آلامها ويستعيد ذكرياتها القاتمة، متحسرًا تارة،
متمنيًا أخرى. شعاره: ليتني فعلت، وليتني تركت، لو أني فعلت كذا لكان
کذا، وقديمًا قال الشاعر:
ليت شعري، وأين مني (ليت)»؟
إن «ليتا)) وإن «لوًّا» .. عناء
إن الضعف الإنساني يغلب على الكثيرين، فيجعلهم يطحنون
المطحون وييكون على أمس الذاهب، ويعضون على أيديهم أسفًا على ما
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٣٣١
علو الهمة في استكمال الإيمان
فات، ويُقلِّبون أكفهم حسرة على ما مضى.
■ وأبعد الناس عن الاستسلام لمثل هذه المشاعر الأليمة، والأفكار
الداجية هو المؤمن الذي قوي يقينه بربه، وآمن بقضائه وَقَدرِه، فلا يُسلم
نفسه فريسة للماضي وأحداثه، بل يعتقد أنه أمرٌ قضاه الله كان لا بد أن
ينفذ، وما أصابه من قضاء الله لا يقابل بغير الرضا والتسليم، ثم يقول ما
قال الشاعر:
فأرح فؤادك من ((لعل)) ومن ((لو))
سبقت مقادير الإله وحكمه
■ وقول الآخر:
بلهف ولا بليت ولا لو أني
ولست براجع ما فات مني
إنه لا يقول: لو أني فعلت كذا لكان كذا، ولكن يقول: قدَّر الله وما
شاء فعل، فإن ((لو)) تفتح عمل الشيطان كما علّمه الرسول وَله.
* أنه يُوقن أن قَدَرَ الله نافذ لا محالة، فلمَ السخط؟ ولمَ الضيق والتبرم؟
والله تعالى يقول: ﴿ مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِ اُلْأَرْضِ وَلَا فِىّ أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِ
كِتٍَ مِّن قَبْلِ أَن تَّبْرَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ) لِكَيْلَا تَأْسَوْاْ عَلَى مَا
٢٣
فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُواْ بِمَآ ءَاتَنَكُمْ وَاللَّهُلَا يُحِبُّ كُلّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (
[الحديد].
لا أمن لمجتمع لا إيمان له، والجرائم البشعة وليدة الكفر والقَسْوة:
إن القلوب المؤمنة رحيمة، والكفر بالله يُنبعه قلبٌ غليظٌ قاس،
والقلوب القاسية هي التي ترتكب عادة أبشع الجرائم التي تقشعِرُّ لِهَوْلها
الأبدان: ((نيرون)) الذي أحرق روما، و((لينين)) الذي قال في بعض رسائله
إلى مكسيم جوركي: إنَّ قتْلَ ثلاثة أرباع العالم يهون في سبيل أن يُصبحَ
تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٣٣٢
صلاح الأمة في علو الهمة
الربع الباقي شيوعيًّا.
■ كتب الصحفي ((علي أمين))(١) عما يفعله الشيوعيون ويحدث منهم
لبعضهم البعض فقال: في كتاب ((ماذا يحدث للشيوعيين)) الذي ألَّفه
الكاتب الرُّوسي ((ميشيل باديف)) إحصاءٌ غريب عن عدد الذين أعدمهم
(ستالين)) من أنصاره بعد وفاة ((لينين)).
■ فقد أعدم ((ستالين)) جميع أعضاء أول مجلس إدارة للحزب اجتمع
بعد وفاة ((لینین))، وأجمع على انتخاب ((ستالين)).
■ وأعدم كل وزراء ((لينين)) واتّهمهم بالخيانة.
وأعدم ٨٠ بالمئة من سكريتري اتحادات العمّال الذين اجتمعوا
وباركوا انتخابه.
■ وأعدم ١٥ عضوًا من الـ ٢٧ عضوًا الذين تألَّفت منهم اللجنة التي
وضعت دستور ١٩٣٦.
■ وأعدم ٤٣ سكرتيرًا من ٥٣ سكرتيرًا، الذين يشرفون على تنظيمات
الحزب الشيوعي.
3
■ وأعدم ٧٠ من ٨٠ عضوًا من أعضاء مجلس الدفاع السوفيتي.
■ وأعدم ثلاثة مارشالات من خمسة مارشالات في الجيش الأحمر.
■ وأعدم ٩ وزراء من الـ ١١ وزيرًا الذين كان يتألّف منهم مجلس
وزرائه عام ١٩٣٦.
■وأعدم ٦٠ بالمئة من قُوَّاد الجيش الأحمر، وثلاثين ألف موظف
(١) في كتاب (أفكار للبيع)) (ص١٤١) تحت عنوان: ((أنصار الطغاة)) لعلي أمين.
انظر ((الإيمان والحياة)) (ص٢٦٦، ٢٦٧).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٣٣٣
®علو الهمة في استكمال الإيمان
-
من موظّفي الحكومة.
هذا فعلهم بأنفسهم وأعوانهم فكيف بالمسلمين؟ !!
ولا دنيا لمن لم يحي دينًا
إذا الإيمان ضاع فلا أمان
فقد جعل الفناء لها قرينا
ومن رَضيَ الحياةَ بغير دينٍ
(١٤) الرضا ثمرة مباركة من ثمار الإيمان:
فالمؤمن راض عن ربّه، وعن الكون والحياة، عميق الإحساس بنعم
الله عليه، راضٍ بما قدَّر الله عليه، وبما قسم له من رزق. والله تعالى
بقسطه جعل الفرح والرَّوح في الرضا واليقين، وجعل الغمَّ والحُزْن في
السخط والشك.
قال ابن القيم هذهُ: «قلَّ أن يسلمَ الساخِطُ من شَكِّ يُداخِلُ قلبه
ويتغلغَلُ فيه، وإن كان لا يشعر به، فلو فتَّش نفسه غاية التفتيش، لوجد
يقينه معلولًا مدخولًا، فإن الرِّضا واليقين أخوان مصطحِبَان، والشك
والسخط قرینان.
* قال تعالى: ﴿﴿ وَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ﴾ [التغابن: ١١].
ج
■ قال بعض السلف: «هي المصيبة تصيب العبد فيعلم أنها من عند
الله فيرضى ويُسَلِّم. ففي الإيمان أعظم تسلية للمؤمنين عند المصائب)).
موقف إيماني لإبراهيم الحربي : رضاه بوفاة ولده:
] عن محمد بن خلف قال: ((كان لإبراهيم الحربي ابن كان له
إحدى عشرة سنة، حفظ القرآن، ولقّنه من الفقه جانبًا كبيرًا، قال: فمات،
فجئت أُعَزّيه، فقال: كنت أشتهي موت ابني هذا.
قال: فقلت له: يا أبا إسحاق أنت عالم الدنيا تقول مثل هذا في صبي
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٣٣٤
صلاح الأمة في علو الهمة
قد أنجب، ولقنته الحديث والفقه؟!
قال: نعم، رأيت في منامي كأن القيامة قد قامت، وكأن صبيانًا
بأيديهم قلال فيها ماء، يستقبلون الناس فيسقونهم، وكان اليوم يومًا حارًا
شديدًا حره، قال: فقلت لأحدهم: اسقني من هذا الماء، فنظر إليَّ وقال:
ليس أنت أبي، قلت: فأي شيءٍ أنتم؟ قال لي: نحن الصبيان الذين متنا في
دار الدنيا، وخَلَّفْنَا أباءنا، فنستقبلهم نسقيهم الماء، قال: فلهذا تمنيت
موته)×١) .
وموقفٌ لأم عقيل تعجز عنه الكلمات:
قال الأصمعي: ((خرجت أنا وصديق لي إلى البادية، فضللنا الطريق
فإذا نحن بخيمةٍ عن يمين الطريق، فقصدناها، فسلمنا فإذا امرأة ترد علينا
السلام، قالت: ما أنتم؟ قلنا: قوم ضلوا عن الطريق أتيناكم فأنِسْنَا بكم.
٩
فقالت: يا هؤلاء، وَلَّوا وجوهكم عنّي حتى أقضي من حقكم ما أنتم
له، ففعلنا، فألقت لنا مِسحًا(٢) فقالت: اجلسوا عليه إلى أن يأتي ابني.
ثم جعلت ترفع طرف الخيمة وتردها، إلى أن رفعتها فقالت: أسأل
الله بركة المقبل، أما البعير فبعير ابني، وأما الراكب فليس بابني، فوقف
الراكب عليها فقال: يا أم عقيل أعظم الله أجرك في عقيل.
قالت: ويحك! مَات ابني؟ قال: نعم، قالت: وما سبب موته؟ قال:
ازدحمت عليه الإبل فرمت به في البئر.
(١) (تسلية أهل المصائب)) وعنه ((مواقف إيمانية)) (ص ٣١٠).
(٢) المسح: الفراس.
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٣٣٥
«علو الهمة في استكمال الإيمان .
:
فقالت: انزل فاقض ذمام (١) القوم، ودفعت إليه كبشًا فذبحه
وأصلحه وقرب إلينا الطعام، فجعلنا نأكل ونتعجب من صبرها، فلمًّا
فرغنا خرجت إلينا وقد تكورت، فقالت: يا هؤلاء، هل فيكم من يحسن
من كتاب الله شيئًا؟ قلت: نعم، قالت: اقرأ عَلَيَّ من كتاب الله آيات
أتعزی بها.
قلت: يقول الله وَّ في كتابه: ﴿﴿ وَبَشِّرِ الصَّبِينَ (٦) الَّذِينَ إِذَاَ أَصَبَتْهُم
مُصِيبَةٌ قَالُوَاْإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَجِعُونَ ﴿ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ
﴾ [البقرة].
١٥٧
وَأُوْلَِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ
:
قالت: الله إنها لفي كتاب الله هكذا؟ قلت: الله إنها لفي كتاب الله
هكذا، قالت: السلام عليكم، ثم صَفّتْ قدميها وصلت ركعات، ثم
قالت: إنا لله وإنا إليه راجعون، عند الله أحتسب عقيلًا، - تقول ذلك
ثلاثًا - اللهم إني فعلت ما أمرتني به فأنجز لي ما وعدتني به))(٢).
25. وهذا الموقف تعجز عنه الكلمات في كرم الضيافة، والصبر،
والرضا.
موقف إيماني لصحابي يقنعُ ويعِفٌ فيموت جميعًا !!:
• انظر كيف يصنع الإيمان بقلوب المؤمنين (٣)، كيف يُحوِّل
طموحهم من الدنيا ومُتَعِها إلى الله والدار الآخرة:
(١) الذمام: الحُرمة، وإنما تقصد حق ضيافة القوم.
(٢) ((عودة الحجاب)) للدكتور محمد إسماعيل المقدم (٥٤٨/٢ - ٥٤٩)، و((المنحة
المحمدية)) للشيخ محمد عبد السلام الشقيري (ص٢٠٨ - ٢٠٩).
(٣) ذكرها ابن القيم في ((زاد المعاد)) عند ذكر ((الوفود)).
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٣٣٦
صلاح الأمة في علو الهمة
((قدم وفد تُجيب ((وهم من السُّكون باليمن - ثلاثة عشر رَجُلًا
مُسْلِمًا - فَسُرَّ بهم النبي وَّهِ وأكرَمَ منزلتهم، وأمر بلالًا أن يُحْسِنَ
ضيافتهم، وجعلوا يسألون النبي وَله ويتعلّمون منه، وأقاموا أيَّامًا ولم
يُطيلوا المكث، رغبةً في رجوعهم إلى قومهم، ليُعلِّموهم مما علَّمهم
رسول الله وَّة، ثم جاءوا إلى رسول الله وَلا يُوَدِّعونَه، فأرسل إليهم بلالًا
فأجازهم بأرفع ما كان يُجيز به الوفود، ثم قال: ((هل بقى منكم أحدٌ))
قالوا: نعم - غلامٌ خلَّفناه على رَحْلِنا هو أحدثنا سِنَّا .. قال: ((أرسلوه
إلينا)) .. فلمَّا رجعوا إلى رحالهم .. قالوا للغلام: انطَلِقْ إلى رسول الله وَل
فاقض حاجتك منه، فإنا قد قَضَيْنَا حوائجنا منه وودَّعناه. فأقبل الغلامُ
حتى أَتَى رسول الله وَّله فقال: يا رسولَ الله، إني امرؤٌ من بني أبذى -
يقول - من الرَّهْط الذين أتوْك آنِفًا فقضيتَ حوائجهم فاقض حاجتي يا
رسول الله قال: ((وما حاجتك؟)).
قال: إن حاجتي ليست كحاجة أصحابي - وإن كانوا قد قدموا
راغبين في الإسلام - وساقوا ما ساقوا من صَدَقاتِهم. إني - والله- ما
أقدمني من بلادي إلّا أن تسأل الله وَّ أن يغفرَ لي ويرحمني، وأن يجعلَ
غناي في قلبي.
فقال رسول الله وَ طه وأقبل على الغلام: ((اللهم اغفر له وارحمه، واجعل
غِناه في قلبه)). ثم أمَرَ له بمثل ما أمر به لرجُل من أصحابه فانطلقوا
راجعين إلى أهليهم ثم وافوا رسول الله وقالخلال سنة عشر من الهجرة فقالوا:
نحن بنو أبذى، فقال رسول الله وَ له: ((ما فعل الغلامُ الذي أتاني معكم؟))،
قالوا: يا رسول الله؛ ما رأينا مثله قطّ، وما حدثنا بأقنع منه بما رزقه الله، لو
أنَّ الناس اقتسموا الدنيا ما نظر نحوها، ولا التفت إليها !.
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٣٣٧
علو الهمة في استكمال الإيمان
فقال رسول الله وَالله: ((الحمدُ لله. إني لأرجو أن يموتَ جميعًا)). فقال
رجلٌ منهم: أَوَليس يموت الرَّجُل جميعًا يا رسول الله؟
فقال الرسول - مُبَيًِّا لهم أنَّ مِن الناس من يموتُ مُشَتَتَا مُوَزِعًا - :
«تشعَّبُ أهواؤه وهمومه في أوْدِیة الدنیا، فلعلّ أجله أن يُدركه في بعض
تلك الأودية، فلا يُبالي الله وََّ في أيّها هلك!)).
قالوا: فعاش ذلك الغلام فينا على أفضل حالٍ، وأزهده في الدنيا،
وأقنعه بما رزق الله فلمَّا توفّ الرسول وَّةِ، وَرَجَع مَن رجع من أهل
اليمن عن الإسلام، قام في قومه، فذكّرهم الله والإسلام، فلم يرجع منهم
أحد. وجعل أبو بكر يذكره ويسأل عنه، حتى بلغه حاله وما قام به فكتب
إلی زیاد بن لبید یوصیه به خیرًا))(١).
كع الناس يموتون على ما عاشوا عليه، فمن عاش جميعًا مات جميعًا،
ومن عاش أوزاعًا شتَّى مات كما عاش. وقليل من الناس، بل أقل من
القليل، ذلك الذي يعيش جميعًا ويموت جميعًا، ويجعل غايته الفرار إلى
الله، وكل شيءٍ فيه لله وبالله.
(١٥) ومن ثمرات الإيمان فرح المؤمن وسروره بالطاعة وحزنه على
المعصية :
• عن أبي أمامة ◌ْته قال: قال رسول الله وَّهِ: ((إذا سرَّتْكَ حَسَنَئُكَ،
وساءتْكَ سيئتُكَ، فأنت مؤمن))(٢).
(١) ((الإيمان والحياة)) (ص ١٣٠ - ١٣١).
(٢) صحيح: رواه أحمد، وابن حبان، والطبراني في ((الكبير))، والحاكم في
((المستدرك))، والبيهقي في ((شعب الإيمان))، والضياء، وصححه الألباني في
=
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٣٣٨
صلاح الأمة في علو الهمة
كم يبذل المؤمن جهده في تربية نفسه وأخذها بالجدّ والهمّة
والعزيمة، والمجاهدة والمراقبة واليقظة، ثم تصبح الطاعة له خُلقًا دائمًا
وحالة مستمرة، وظلالًا مباركة، وبيئة نامية .. تكون مثل الماء للسمك،
ومثل الهواء للإنسان.
وفي المقابل ينفر من المعصية ويكرهها، ولا يطيق لها ممارسة ولا
سماعًا، إنه يُخرجها من قلبه وتصوره وفكره وشعوره وخياله و کیانه .. ثم
يخرجها من حياته و دنياه وواقعه وممارساته ..
هذا المؤمن عندما تثمر فيه شجرة الإيمان ثمرها تسره الطاعة ويفرح
بها، وتسؤوه المعصية ويحزن منها، ويحب الطاعة ويستلذها، ويكره
المعصية ويستقبحها .. ويشتاق للطاعة ويريدها، ويكره المعصية وينفر
منها .. ويصدق عليه قول الله سبحانه: ﴿ وَلَكِنَّاللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ.
فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَتِكَ هُمُ الَّشِدُونَ
٧
[الحجرات]. ويصدق عليه قول الرسول وقلت: ((إذا سرتك حسنتك
وساءتك سیئتك فأنت مؤمن)).
(١٦) ومن ثمرات الإيمان أن المؤمنين يهرعون إلى الإيمان ويلجؤون إليه في
كل ما يعتريهم من خير وشر وطاعة ومعصية ويسر وعسر:
فإذا خُوِّفوا لجؤوا إلى الإيمان واعتصموا به.
وإذا فعلوا طاعة لجؤوا إلى الإيمان.
وإذا فعلوا معصية لجؤوا إلیه الإيمان.
(الصحيحة)) (٥٥٠)، و((صحيح الجامع)) (٦٠٠).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٣٣٩
علو الهمة في استكمال الإيمان
وإذا أنعم الله عليهم بالنعم لجؤوا إلى الإيمان.
وإذا نزلت بهم المصائب لجؤوا إلى الإيمان.
إذا خوفوا من کید أعدائهم لجؤوا إلی إیمانهم واعتصموا به، كما قال
تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَأَخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا
[آل عمران].
١٧٣)
وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ
* وقال تعالى: ﴿ وَلَمَّارَءَا الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُواْ هَذَا مَا وَعَدَنَا اللّهُ وَرَسُولُهُ.
[الأحزاب].
٢٢
وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَمَا زَادَهُمْ إِلَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا
وإذا فعلوا طاعة لجؤوا إلى الإيمان فعلموا أن الله وَّ هو الذي وفقهم
إليها، وأعانهم عليها:
إذَا لَمْ يَكُنْ عَوْنٌ مِنَ الله لِلْفَتَى
فَأَوَّلُ مَا يَجْنِي عَلَيْهِ اجْتَهَادُهُ
■ ف الله وَ هو الأول والآخر والظاهر والباطن، فمن أوليته وَّ أنه
يلهم العباد التوبة وييسرها لهم ويتوب عليهم ليتوبوا، ومن أوليته أنه
يلهم العبد الدعاء ويفتح عليه باب المسألة حتى يدعو العبد، ومن أوليته
أنه يوفقه للعمل الصالح وييسر له أسبابه.
وإذا وقعوا في معصية لجؤوا إلى الإيمان، فعلموا بمقتضى إيمانهم
أنهم وقعوا فيمَا يسخط الله وَّ، وأن عليهم أن يبادروا بالتوبة، وأن
يكثروا من الحسنات الماحية التي تنجيهم من عقاب الله وَلَم
* قال تعالى: ﴿إِنَ الَّذِينَ أَثَّقَوْاْ إِذَا مَتَهُمْ طَبِفٌ مِنَ الشَّيْطَنِ
تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (١) وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِ الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٣٤٠
صلاح الأمة في علو الهمة
: [الأعراف](١).
(٢٠٢
(١٧) ومن ثمرات الإيمان الانتفاع بالمواعظ والتذكير والآيات:
[الذاريات].
* قال الله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى نَفَعُ الْمُؤْمِنِينَ
** وقال: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتَّهُ هَذِهِيمَنَّا فَأَمَّا
وَأَمَّا الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم
الَّذِينَ ءَامَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَنَّا وَهُمْ يَسْتَبِشِرُونَ
﴾ [التوبة].
(١٢٥)
مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَفِرُونَ
(٣) ﴾ [الحجر].
* وقال تعالى: ﴿ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ
(١٨) ومن ثمرات الإيمان حِفْظ المؤمن من الوقوع في الفواحش:
• فإن من الإيمان محبّة الله وَّ، ومن الإيمان الحياء من الله، ومن
الإيمان الخوف من الله، وكل ذلك يحول بين المؤمن وبين الوقوع فيما
يسخط الله وَّ، قال النبيِ وَّ: (( لا يَزْنِي الزَّانِي حِيْنَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، ولا
يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن)) (٢).
فمن وقع في مثل هذه الفواحش والكبائر - والعياذ بالله- لا بد أنه
أوتي من قبل إيمانه، ولو كانت شجرة الإيمان ثابتة في قلبه وارفة الظلال
كثيرة الثمار لمنعته من الوقوع في هذه الفواحش، فالمؤمن غير معصوم
(١) ((شجرة الإيمان)) (ص٨٦ - ٨٧).
(٢) رواه البخاري (٣٣/١٠) ك الأشربة، ومسلم (٤١/٢) ك الإيمان. وللحديث
طرق كثيرة انظر: ((الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان)) (١ / رقم ١٨٦). وقال
النووي: هذا الحديث مما اختلف العلماء في معناه، فالقول الصحيح الذي قاله
المحققون: أن معناه لا يفعل هذه المعاصي وهو كامل الإيمان، وهذا من الألفاظ التي
تطلق على نفي الشيء ويراد نفي كماله ومختاره، كما يقال: لا علم إلَّا ما نفع، ولا مال
إلَّا الإبل، ولا عيش إلَّا عيش الآخرة ((شرح النووي)) هامش (٤١/٢).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com