Indexed OCR Text
Pages 241-260
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٢٤١
علو الهمة في استكمال الإيمان
وهذا التردد بين الجذبين أزلي قديم لا ينقطع، وبسببه أوجب
المؤمنون على أنفسهم جلسات تفكر، وتأمل، وتناصح، يتفقدون فيها
النفسَ أن يطرأ عليها كبر أو بطر، والقلبَ أن يعتوره ميل، والعلم
والإيمان أن يتلبسا بإفراط يزيد بدعة، أو تفريط يهمل أمرًا أو إرشادًا.
وقد ترجم معاذ بن جبل فه هذا الإحساس بكلمة غدت مادة في
دستور أجيال المؤمنين، فقال لصاحبه وهو يذكره: ((اجلس بنا نؤمن ساعة)).
■ فأخذها ابن رواحة، فقال لأبي الدرداء فإنفها، وهو آخذ بيده:
((تعال نؤمن ساعة، إن القلب أسرع تقلبًا من القِدْرِ إذا استجمعت
غليانًا))(١).
ومجالس الإيمان هي مجالس تلاوة القرآن وتدارسه وتدبُّرِه، وهي
مجالس الذكر والفقه وعلم الحلال والحرام.
• عن أبي هريرة خلفعنه قال: قال رسول الله وَّل: ((ما اجتمع قوم في
بيتٍ من بيوت الله، يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلّا نزلت عليهم
السكينة، وغشّيتهم الرحمة، وحَفَّتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن
عنده))(٢).
إن هذه الأمور الثلاثة العظيمة هي من مكاسب مجالس الإيمان
وثمراتها، وإنها مكاسب لا تعادلها مكاسب في هذه الدنيا: نزول السكينة
عليهم، أن يسكنوا ويطمئنوا، وأن تغشاهم رحمة الله فيعيشوا في ظلالها
ويسعدوا فيها، وأن تحفهم الملائكة وتصحبهم - وأنعم بها من صحبة
(١) ((المنطلق)) (٦/٥).
(٢) رواه أبو داود واللفظ له، وكذا رواه مسلم، وأحمد، والترمذي، وابن ماجه.
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٢٤٢
صلاح الأمة في علو الهمة
طاهرة - والأهم من هذا كله أن يذكرهم الله في الملأ الأعلى (١).
وهذا حديث حبيب لطيف عجيب ممتع في ((مجالس الإيمان)):
• عن أبي هريرة خلفعنه قال: قال رسول الله وقال: ((إن الله تعالى ملائكة
يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر .. فإذا وجدوا قومًا يذكرون الله
وَزَ تنادوا: هلموا إلى حاجتكم .. فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء
الدنيا .. فيسألهم ربهم - وهو أعلم- ما يقول عبادي: يقولون: يسبحونك،
ويكبرونك، ويحمدونك، ويمجدونك، فيقول: هل رأوني؟ فيقولون: لا
والله ما رأوك. فيقول: كيف لو رأوني! يقولون: لو رأوك لكانوا أشد لك
عبادةً، وأشد لك تمجيدًا، وأشد لك تسبيحًا .. فيقول: فماذا يسألون؟
يقولون: يسألونك الجنة. يقول: وهل رأوها؟ يقولون: لا والله يا رب ما
رأوها. يقول: كيف لو رأوها؟ يقولون: لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها
حرصًا، وأشد لها طلبًا وأعظم فيها رغبة. قال: فمم يتعوذون؟ يقولون:
يتعوذون من النار. فيقول: وهل رأوها؟ يقولون: لا والله ما رأوها.
فيقول: كيف لو رأوها؟ يقولون: لو رأوها كانوا أشد منها فرارًا، وأشد لها
مخافة. فيقول: فأشهدكم أني قد غفرتُ لهم. فيقول مَلَكٌّ من الملائكة:
فيهم فلانٌ ليس منهم، إنمَا جاء لحاجة: فيقولُ: هُمُ القوم لا يشقى بهم
جليسهم))(٢).
قوم كرامُ السَّجَايا أينما جلسوا
يبقَى المكان على آثارِهم عَطِرًا
(١) ((في ظلال الإيمان)) (ص ١٩٧).
(٢) رواه أحمد، ومسلم.
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٢٤٣
علو الهمة في استكمال الإيمان
■ ولله درُّ القائل في أهل هذه المجالس:
كأنكم في بقاع الأرض أمطار
تشتاقُكُم كلُّ أرض تنزلون بها
كأنكم في عيون الناس أقمار
وتشتهي العينُ فيكم منظرًا حسنًا
یا مَنْ لَهُم في الحشا والقلب تذکارٌ
لا أوحشَ الله رَبْعًا مِن زيارتكم
يا لله .. ﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرّكُمْ
أهل مجالس الإيمان يذكرهم الرحمن .. يا غفول يا جهول لو سمعت
صرير الأقلام في الملأ الأعلى وهي تكتب اسمك عند ذكرك لمولاك
لمتَّ شوقًا إلى مولاك .. ليس العجب من فقير يلجأ إلى غني، ليس
العجب من ضعيف يلجأ على قويّ، ليس العجب من قوله تعالى:
فَاذْكُرُونِيِّ﴾ إنمَّا العجب من قوله تعالى: ﴿أَذْكُرْكُمْ ﴾ وصدق الله العظيم
حيثي قول: ﴿وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوَةِ وَالْعَشِّ يُرِيدُونَ
وَجْهَةٌ، وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَوَةِ الذُّنْيَا وَلَا نُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ(عَنْ
ذِكْرِنَا وَأَتَّبَعَ هَوَنَّهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرْطًا
٤ [الكهف].
عُلاة الهمم يضمّهم ((موكب الإيمان)):
موكب الإيمان كريم طيب طاهر، يمثل صفوة الناس وخير البشر،
إن الإيمان هو أكرم وأثمن وأهم شيءٍ في هذا الوجود، وإن الاستجابة له
والعيش به دليل تأصل الخير في صاحبه، وعلامة صفاء معدنه وحسن
توجهه وحياة قلبه، بل إن هذا علامة حياته واستقامته وفطنته .. إنه لا
يُقبل على الحق إلَّا الطيب صاحب الخير والفضيلة، وإنه لا يرفض
الإيمانَ والحقَّ إلَّا الفاسد المريض الشرير ..
* إن من يُعرض عن الإيمان فإنه ظالم لنفسه ولغيره، معتدٍ على نفسه
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٢٤٤
صلاح الأمة في علو الهمة
وعلى غيره، موقع للضر في نفسه وفي غيره: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَنْ ذُكِرَ بِثَايَتِ رَبِّهِ،
[السجدة].
ثُمَّأَعْرَضَ عَنْهَاْ إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (٢)
وهذا الذي يُعرض عن الإيمان يقع في الكفر والضلال والضياع،
ويختار الظلمات والتيه والموت .. إن البشرية قد انقسمت منذ قديم
الزمان إلى فريقين لا ثالث لهما:
فريق المؤمنين وفريق الكافرين، أهل الحق وأهل الباطل، وسار
هؤلاء في أحد طريقين: طريق الإيمان وطريق الكفر.
كن على الجَادّة وإِنْ أبطأ بكِ السَّيْر، فإنَّ أمير القوم يرعَى القافلة:
موكب الإيمان سار فيه المؤمنون منذ آدم وحتى قيام الساعة، كل
منهم يهتدي للإيمَان، ويلتحق بركب أهل الإيمان، ويسعد بالسير في
مو کب الإيمان، ويحدو فيه بحداء الإيمان، ويهتف بهتاف الإيمان، ويحيا
في ظلال الإيمان ..
موكب الإيمان موكب طاهر مبارك، موكب نظيف مهتد، طريقه
سهلة ميسرة، انتشرت أنوار الإيمان فيها وانتشرت ظلالها عليها فسعد
المؤمنون بسلو کها ..
مو کب الإيمان أصيل في هذا الوجود، وقدیم و ثابت وراسخ فیه، فهو
ليس حادثًا عارضًا، ولا فلتة عابرة ولا حماسة فاترة .. لقد سار فيه أبو
البشر آدم ◌َلَّلا - في أول من سار - وسار فيه أبناؤه المؤمنون .. وسيبقى
المؤمنون ينضمون إليه ويسيرون فيه حتى يأتي أمر الله ..
موكب الإيمان يستعلي على التلاشي والانقراض .. فرغم عنف
المعركة بينه وبين ركب الباطل وجند الشيطان .. إلّا أن موكب الإيمان
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٢٤٥
علو الهمة في استكمال الإيمان
يقابل هذا بالاستعلاء والثبات واليقين والثقة ويجاهد فيها جهاد
المؤمنين، وعلى صخرة جهد وجهاد هذا الموكب تتحطم أسلحة الباطل
ویرتد کیدهم إلى نحورهم ..
موكب الإيمان يقدم للحياة طعمها اللذيذ، ويعطي للإنسانية قيمها
الإيمانية، ويفسر للناس الوظيفة والرسالة والغاية والأمل، ويرسخ
الفضيلة والخير والحق في الوجود، ويحارب الشيطان وجنوده وأسلحته
ومكره .. ويهدي للبشرية نماذج إيمانية رفيعة لتكون قدوتها، وقممًا
إيمانية رائدة لتحاول السير إليها .. وينشر نوره وظلاله وطيبه على الوجود
فيحلو ویزکو ..
موكب الإيمان حبيب، لمَّا يقوم به ويحققه، يحبه أهل الحق
ويرغبون فيه ويطلبونه ..
موكب الإيمان يقود المؤمنين فيه الأنبياءُ .. يكونون في مقدمته،
يَعبرونه طلائع لهم فيه، يحثون المؤمنين على السير، ويحدون لهم
ليأنسوا .. ويَسَعونهم بصدورهم وقلوبهم ليتموا الطريق، كما يقود هذا
الموكب طلائع الحق من العلماء والدعاة والمجاهدين والمصلحين
الرواد .. ويبقى الموكب الطاهر المبارك يسير، وتبقى الطريق سالكة،
ویبقی المؤمنون ينضمون له ويسعدون فيه ..
* وقد أشار القرآن إشارات إلى موكب الإيمان، وإلى طلائعه الرواد
من الأنبياء .. ﴿قُولُوَاْ ءَامَنَا بِاللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَهِعْمَ وَإِسْمَاعِيلَ
وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَآ أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا
نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ, مُسْلِمُونَ ) فَإِنْ ءَامَنُواْ بِمِثْلِ مَآ ءَا مَنْتُم بِهِ، فَقَدِ
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٢٤٦
صلاح الأمة في علو الهمة
١٣٧
اهْتَدَواْ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِّمَا هُمْ فِى شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
﴾ [البقرة].
صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةٌ وَنَحْنُ لَهُ عَبِدُونَ
هذا الموكب رواده قليل عددهم - بالقياس إلى عدد البشرية -
لأن أهل الحق دائمًا قليلون .. كما قال الله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِىَ الشَّكُورُ
[سبأ].
١٣
: وكما قال تعالى: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ
[الأنعام: ١١٦].
اللَّهِ ﴾
السابقون الأولون في هذا الموكب هم: ﴿﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الأَوَّلِينَ
ليل
مِّنَ اْآَخِرِينَ آ
[الواقعة].
** أما أصحاب اليمين في هذا الموكب فهم : :
٣٩
ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ
: [الواقعة] (١).
٤٠
وَثُلَّةٌ مِّنَ الْآَخِرِينَ
أمة رسول الله ◌َّل لها النصيب الأوفر في موكب الإيمان من سكان الجنان:
وقد بيَّن رسول الله وَله مصير موكب الإيمان وركب الشيطان، وقلة
عدد أهل الإيمان بالقياس إلى الكافرين في حديث له عجيب:
• عن أبي سعيد الخدري فلعنه قال: قال رسول الله وَله: ((يقول الله
وَّ: يا آدم فيقول: لبيك وسعديك والخير في يديك! قال: يقول: أخرج
بعث النار. قال: وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمئة وتسعة
وتسعين. قال: فعندها يشيب الصغير ﴿ وَتَضَعُ كُلّ ذَاتِ حَمْلِ حَمْلَهَا
وَتَرَى النَّاسَ سُكَرَىْ وَمَا هُم بِسُكَرَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اَللَّهِ شَدِيدٌ
٢
(١) ((في ظلال الإيمان)) (ص ٢٠٠ - ٢٠٢).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٢٤٧
علو الهمة في استكمال الإيمان
[الحج]. قالوا: يا رسول الله! وأيُّنا ذلك الواحد؟ قال: ((أبشروا، فإنَّ منكم
رجلًا، ومن يأجوج ومأجوج ألفٌ، والذي نفسي بيده أرجو أن تكونوا
ربعَ أهل الجنة، أرجو أن تكونوا ثلثَ أهل الجنة، أرجو أن تكونوا نصف
أهل الجنة، ما أنتم في الناسِ إلَّا كالشعرة السَّوْداء في جِلْدِ ثورٍ أبيض، أو
كشعْرةٍ بيضاء في جِلْد ثورِ أسْوَد، أو كالرَّقمة في ذراع الحمار))(١).
ومن كرامة الرسول 0003# على ربه زاده سُدُسًا آخر، فأمة محمد وَلِّل
هم ثلثا أهل الجنة)).
• قال رسول الله وَله: «أهلُ الجنَّة، عشرون ومئة صف، ثمانون منها
من هذه الأمة، وأربعون من سائر الأمم))(٢).
السبّاقون في الإيمان (٣):
الإيمان كنز ثمين ومكسب عظيم لا يقدره إلّا من عرفه، ولقد عرف
فضلَه وقيمته ومنزلته الصالحون المبصرون فتسابقوا في الوصول إليه،
وتنافسوا في الحصول عليه، وكل منهم كان يحرص على أن يكون أول
الواصلين، وطليعة المتسابقين ..
وجهل منزلةَ الإيمان وفضلَه أناسٌ مطموسون ساذجون، عمي لا
(١) رواه أحمد (٣٢/٣- ٣٣)، (٤٣٢/٤، ٤٣٥) ومسلم، والنسائي، والترمذي،
وانظر البخاري (٢٣٧/٤).
(٢) صحيح: رواه أحمد، والترمذي، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم في
(المستدرك)) عن بريدة، ورواه الطبراني في ((الكبير)) عن ابن عباس، وعن ابن
مسعود، وعن أبي موسى. وصححه الألباني في ((تخريج المشكاة)) (٥٦٤٤)،
و(الروض النضير)) (٦٠٨)، و((صحيح الجامع)) (٢٥٦٦).
(٣) انظر: ((فصل التسابق في الإيمان)) من ((في ظلال الإيمان)) (ص٢٠٣) وما بعدها.
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٢٤٨
صلاح الأمة في علو الهمة
يسمعون ولا يعقلون، فتركوه إلى الكفر والضلال، وهجروه إلى العذاب
والنار، خسروا أنفسهم وحياتهم فاشتروا الضلالة بالهدى والعذاب
بالمغفرة .. تسابقوا في المنكرات، وتنافسوا في المعاصي والذنوب،
وتسارعوا في السير إلى النار والوقوع فيها والسقوط في دركاتها ..
زهد هؤلاء في الإيمان فرفضوه، وجهلوا طريق الإيمان فتركوه
للمؤمنین المتسابقین .. وجاءهم الهدى والنور والإيمان فكانوا أول کافر
به، بدل أن يكونوا أول المؤمنين ..
** ولقد ذم الله في القرآن هؤلاء في قوله تعالى: ﴿ وَءَامِنُواْ بِمَآ أَنزَلْتُ
مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِّ، وَلَا تَشْتَرُواْبِتَابَتِى ثَمَنَا قَلِيلًاً وَ إِنََّىَ فَاتَّقُونِ
[البقرة].
٤٢
وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَطِلِ وَتَكْثُهُواْ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
لا يوجد إنسان يتمتع بعقل وفطنة، ويملك قلبًا وروحًا وشعورًا،
يرضى أن يكون أول كافر بالإيمان، وأن يشتري الكفر بالإيمان والنار
بالجنة والعذاب بالمغفرة .. أي عاقل يختار هذا؟ لولا أن القرآن أخبرنا
عن جاهلين سابقين ذلك لمَّا صدَّقنا، ولولا أننا رأينا في واقعنا نماذج
شائهة ممسوخة فعلت هذا لمَّا صدقنا .. لكن كَثُرَ هؤلاء المطموسون في
زماننا الذين انطبق عليهم قول الله: ﴿ وَمَن يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِلْإِيمَنِ فَقَدْ
[البقرة].
١٠٨
ضَلَّ سَوَآءَ السَّبِيلِ
المؤمنون عرفوا قيمة الإيمان فأسرعوا إليه متسابقين متنافسين،
وكلهم يريد شرف الوصول، ووسام السبق، وجائزة الأولية، وثواب
المجاهدة، و درجات الجنة.
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٢٤٩
علو الهمة في استكمال الإيمان
موسى ◌َلِّلام أول المؤمنين في زمانه:
# موسى غَلِّل - وهو النبي الكريم - أراد أن يكون له فضل ومنزلة
الأولية في الإيمان، والمسابقة والمسارعة إليه .. ﴿ وَلَمَّا جَآءَ مُوسَى لِمِيقَئِنَا
وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ، قَالَ رَبٍّ أَرِفِ أَنْظُرْ إِلَيْكَ، قَالَ لَنْ تَرَئِ وَلَكِنِ أَنْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ
أُسْتَقَرَّ مَكَانَهُ، فَسَوْفَ تَرَئِنِيَّ فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَئًا وَخَرَّ مُوسَى
صَعِفَأَ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَكِنَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْأَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ) قَالَ يَمُوسَىّ
إِى أَصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِسَلَتِى وَبِكَلَمِى فَخُذْ مَآ ءَاتَيْتُكَ وَّكُن مِنَ الشَِّكِرِينَ
[الأعراف].
١٤٤
لما أعلن موسى ◌َلِّلِ استسلامه لله وإيمانه به، وكان أول أهل زمانه
في ذلك أكرمه الله بالاصطفاء بالرسالة والتكليم، وكانت له جائزة الأولية
والسبق ..
وسيد ولد آدم ◌َالـ أول المؤمنين:
ورسولنا محمد گۆ کان في طليعة المتسابقين إلى الإيمان، و کان أول
المسلمين المؤمنين جاءه التكليف من الله بذلك فنفذ والتزم .. وأعلن
هذا للمسلمين:
*بلَّغهم قول الله تعالى: ﴿ قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِ وَهُوَ
يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنَّ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَّمَ وَلَاتَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
[الأنعام].
هوبلَّغهم قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الذِينَ (٥) وَأُمِرْتُ
﴾ [الزمر].
١٢
لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ
* ولقد تفاعلت نفس رسول الله وقلة مع هذه الأوامر والتكاليف
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٢٥٠
صلاح الأمة في علو الهمة
٠١
الربانية، ووعى ما توحي به إليه، وهو التسابق في الإسلام والأولية في
الإيمان .. فكان كذلك ونفذ أمر الله له في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِ
وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى لِلَّهِرَبِّ الْعَلَمِينَ (٢) لَا شَرِيكَ لَهُ, وَإِذَ لِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُتْلِينَ
[الأنعام].
١٦٣
كان الأنبياء الكرام عليهم الصلاة والسلام متسابقين إلى الإيمان،
يسابقون قومهم إليه، وكانوا أول الواصلين إليه الحاصلين عليه ..
وقد وعى أتباع الأنبياء المؤمنون الصالحون هذه الحقيقة، وعرفوا
فضل التسابق إلى الإيمان ومنزلة السابقين الأولين إليه، فبذلوا جهدهم في
أن يكونوا من هؤلاء ..
نستمع إلى قول السحرة الذين كانوا أول من آمنوا بموسى غَلَّلا، بعد
أن جيء بهم لتكذيبه وهزيمته، ولكن قلوبهم تشربت الإيمان وذاقت
حلاوته، ولذلك أجابوا فرعون في سؤاله عن سر اتباعهم لموسى،
واستعلوا على تهديده لهم بما ورد في القرآن الكريم: ﴿ وَأَلْقِىَ السَّحَرَةُ
قَالَ فِرْعَوْنُ
قَالُواْ ءَامَنَّا بِرَبِّ الْعَلَمِينَ { رَبِّ مُوسَى وَهَرُونَ (١)
سَجِدِينَ (١٠)
ءَامَنْتُم بِهِ، قَبْلَ أَنْ ءَذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِ الْمَدِينَةِ لِنُخْرِجُواْ مِنْهَا أَهْلَهَا
لَأَقَطِعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلَفٍ ثُمَّ لَأَصَلِبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ
١٢٣
فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ
وَمَا نَنِقِمُ مِنَّآ إِلَّ أَنْ ءَامَنَّا ◌ِنَايَتِ رَبْنَا لَمَّا جَاءَتْنَا
؟ قَالُواْ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ ◌ُه
[الأعراف].
١٢٦
رَبَّنَا أَفْرِعْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَقِنَا مُسْلِمِينَ
لقد كان إيمانهم فوريًّا، واستجابتهم سريعة، بدون تأخير أو تلكؤ ..
وكلمة ((لمَّا)) تفيد هذا المعنى وتلقي هذا الظل .. إنها توحي بالتسابق في
الإيمان والاستجابة الفورية لمن ينادي بنداء الإيمان ..
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٢٥١
علو الهمة في استكمال الإيمان
: ولقد صرح هؤلاء المؤمنون الأبرار بحرصهم على التسابق في
الإيمان، ورغبتهم في أن يكونوا أول المؤمنين. عرفوا فضل السابقين
الأولين عند الله؛ ولذلك هانت عليهم الصعاب وسهلت الطريق:
فَأُلْقِىَ السَّحَرَةُ سَجِدِينَ ﴾ قَالُواْ ءَامَنَّا بِرَبِّ الْعَلَمِينَ رَبِّ مُوسَى وَهَرُونَ ) قَالَ
ءَامَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ ءَذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكِيُمُ الَّذِى عَلَّمَكُمُ السّخْرَ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُفَظِعَنَّ
أَبْدِيَّكُمْ وَأَنْجُلَكُ مِنْ خِلَفٍ وَلَأُصَلِيَنَّكُمْ أَحْمَعِينَ ﴿ قَالُوْ لَا ضَيْرٌ لِنَّا إِلَى رَبِنَا مُنْقَلِبُونَ
[الشعراء].
٥١
إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَنَآَ أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ
فرعون - والطغاة من أمثاله- لا يريد أن يرى مؤمنًا بالله .. إن الطغاة
يخشون أن يُفتح باب الإيمان، ويبدأ التسابق إلى الإيمان، وإذا ما بدأت
طلائع الموكب الإيماني في السير فإن الآخرين سيلحقون بهم ويكونون
مؤمنين .. إن الطغاة يدركون هذا، ولهذا يَحْذَرونه، فيسلكون سبيلًا
شيطانيًّا لإغلاق هذا الباب الخيِّر، وقطع هذا الطريق المنير، وأول ما
يفعلونه هو أن يصبوا العذاب على السابقين الأولين طليعة السائرين حتى
يُرهبوا بذلك الآخرین ..
لكن السبق الإيماني عند المؤمنين الأبرار فجَّر في نفوسهم المواهب
والطاقات والإبداع، فأنار لهم الإيمان أنوار الفطنة والذكاء .. لقد عرفوا
مغالطات فرعون في اتهامهم، كما وقفوا على طبيعة معركته معهم،
والسبب الأساسي في حربه واضطهاده لهم .. ﴿ وَمَا نَنِقِمُ مِنَّا إِلَّ أَنْ ءَامَنَا
◌ِئَايَتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا﴾ . هذا هو السبب في حقيقته ووضوحه .. إنهم
ج
مؤمنون وهو كافر .. ذنبهم الوحيد هو إيمَانهم بالله، وجريمتهم الكبرى
أنهم كانوا السابقين للإيمَان بعدما وضح لهم الطريق .. فلماذا يُخْفي
فرعون - والفراعين من بعده- هذا السبب؟ ويموه على الجماهير
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
-
٢٥٢
صلاح الأمة في علو الهمة
بافتراض أسباب أخرى، واختلاق جرائم وهمية خيالية ..
ولقد كانوا فطنين أذكياء عندما عبروا - أو عبر القرآن عن كلامهم -
بكلمة ﴿نَنْقِمُ ﴾دون غيرها، إن هذا الفعل المضارع له إيحاءات عجيبة،
من ظلاله التي يلقيها في خيال السامع: إن الكافرين يحاربون المؤمنين
حربًا لا إنسانية .. يستخدمون فيها كل الأسلحة والأساليب، ولا يرقبون
فيهم إلَّا ولا ذمة، ولا عهدًا ولا قرابة، ولا شفقة ولا رحمة، ولا عرفًا ولا
قانونًا .. إنها حرب انتقامية، ونَنِقِمُ ﴾ معناه أنهم يريدون في هذه الحرب
أن ينفّسوا عن حقدهم الأسود في النفوس تجاه الإيمان، ونقمتهم العمياء
ضد السابقين للإِيمَان، واستخدامهم الوسائل المادية والعلمية والنفسية
في إشباع رغبتهم الانتقامية ضد أهل الإيمان.
لكن هؤلاء المؤمنين أدركوا جزالة العطاء، وارتفاع الثمن، وحسن
الجزاء، وعظم الثواب لمن كان سابقًا في الإيمان، ولهذا تحمَّلوا كل
شيء في سبيل الحصول عليه وتحقيقه ﴿ إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَلِنَآ أَنْ
﴾ [الشعراء].
٥١
كُتَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ
الصحابة الأوائل المجاهدون سباقون إلى الإيمان:
عرف صحابة رسول الله وَّله فضل التسابق في الإيمان، ومنزلة
الأولين فيه، فكانوا يتنافسون على المراتب الأولى ويتسابقون في الوصول
إليها ..
* تعاملوا مع قول الله سبحانه: ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرٌ أُوْلِ
الضَّرَرِ وَالْمُجَّهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَهِدِينَ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ
ج
عَلَى الْفَعِدِينَ دَرَجَةٌ وَكُلُّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىِّ وَفَضَّلَ اَللَّهُ الْمُجَهِدِينَ عَلَى الْقَعِدِينَ أَجْرًاً عَظِيمًا
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
ء
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٢٥٣
علو الهمة في استكمال الإيمان
٩٥
دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا
[النساء].
إن المجاهدين هم سابقون إلى الإيمان، متسابقون في الخيرات
والأعمال التي ترضي رب العالمين .. فكيف يستوي هؤلاء مع القاعدين
عن العمل والجهاد، مع الذين قعدت هممهم وعزائمهم، وماتت في
نفوسهم الرغبة في السبق والأولية والفوز .. إن المجاهدين فضِّلوا على
القاعدين درجة .. والدرجة درجات من الله .. والدرجات أجر عظيم
عظيم، ومغفرة ورحمة، ورضوان من الله الكريم الرحيم ..
• ويقرب هذه الدرجة التي للمجاهدين على القاعدين ما جاء في
الحديث عن أبي هريرة لعنه أن رسول الله وسلم قال: ((إن في الجنة مئة.
درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله، ما بين الدرجتين كما بين السماء
والأرض)»(١).
لم يكن كل صحابة رسول الله عليه الصلاة والسلام على منزلة واحدة،
فرغم أنهم كلهم صحابة، إلّا أن منازلهم عند رسول الله وَالله كانت على
حسب سبقهم في الإيمان ..
كان المجتمع الإسلامي في المدينة مصنفًا إلى فئات - أو قل مقسمًا
إلى طبقات إيمانية- فهناك فئة - أو طبقة- المهاجرين، وفئة الأنصار،
وفئة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، وفئة البدريين أهل بدر،
وفئة أصحاب بيعة الرضوان - يوم الحديبية- وفئة مَن أسلم من قبل
الفتح وقاتل، وفئة مُسلمة الفتح الطلقاء الذين أسلموا من بعد وقاتلوا ..
((نعم إنه كانت في هذا المجتمع ما تزال هناك أقدار متفاوتة أنشأتها
(١) رواه أحمد والبخاري عن أبي هريرة.
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٢٥٤
صلاح الأمة في علو الهمة
الحركة العقيدية ذاتها .. فتميزت مجموعات من المؤمنين بأقدارها -
على قدر بلائها في الإسلام وسبقها وثباتها -.. تميز السابقون الأولون من
المهاجرين والأنصار، وتميز أهل بدر، وتميز أصحاب بيعة الرضوان في
الحديبية، ثم تميز بصفة عامة الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا ..
وجاءت النصوص القرآنية والأحاديث النبوية، والأوضاع العملية في
المجتمع المسلم تؤكد هذه الأقدار التي أنشأتها الحركة بالعقيدة، وتنص
عليها .. )) (١).
ولقد وردت آيات كريمة تثبت للمتسابقين في الإيمان من الصحابة
فضلهم ومنزلتهم، وتسجل لهم سبقهم وأوليتهم، وتقرر عدم مساواتهم
بمن جاء بعدهم من المؤمنين ..
* من هذه الآيات قوله تعالى: ﴿ وَالسَّبِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَجِينَ
وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم ◌ِإِحْسَنٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَذَّلَهُمْ جَنَّتٍ
[التوبة].
١٠٠
تَجْرِى تَحْتَهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا أَبَدً ا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (
تتحدث هذه الآية عن ثلاث فئات تكوِّن بمجموعها طبقة إيمَانية هي
طبقة: ﴿وَالسَّبِقُونَ الْأَوَّلُونَ ﴾ وهذه الفئات هي: المهاجرون،
والأنصار، والذين اتبعوا هؤلاء بإحسان ..
وقد اختلف المفسرون واللغويون في بيان المقصود بهؤلاء السابقين
الأوَّلين (٢).
■ ونميل إلى أن أرجح الأقوال في السابقين الأولين: هو ما مال إليه
(١) ((الظلال)) (١٥٧٥/٣).
(٢) انظر: ((تفسير الطبري)) (٥٣٥/١٤ - ٥٤٠).
تبعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٢٥٥
علو الهمة في استكمال الإيمان
إمام المفسِّرين الإمام الطبري (١) وجماعة من المفسرين أنهم هم الذين
هاجروا قبل بدر، وكذلك السابقون من الأنصار، أما الذين اتبعوهم
بإحسان - الذين يعنيهم النص وهو يتحدث عما كان واقعًا إبان غزوة
تبوك - فهم الذين اتبعوا طريقهم وآمنوا إيمَانهم، وأبلوا بلاءهم بعد
ذلك، وارتفعوا إلى مستواهم الإيماني - وإن بقيت للسابقين سابقتهم في
فترة الشدة قبل بدر، وهي أشد الفترات طبعًا ..
وقد وردت أقوال متعددة في اعتبار من هم السابقون من المهاجرين
والأنصار، فقيل: هم الذين هاجروا ونصروا قبل بدر، وقيل: هم الذين
صلوا للقبلتين، وقيل: هم أهل بدر، وقيل: هم الذين هاجروا ونصروا
قبل الحديبية، وقيل: هم أهل بيعة الرضوان .. ونحن نرى من تتبعنا
لمراحل بناء المجتمع المسلم وتكوّن طبقاته الإيمانية، أن الاعتبار الذي
اعتبرناه أرجح .. والله أعلم)) (٢).
وقد أورد الإمام الطبري حادثة طريفة تدل على فهم الصحابة الكرام
للتسابق في الإيمان، وحسن تدبرهم للقرآن الكريم وتذوقهم لآياته
وحياتهم بها ..
قال: ((مر عمر بن الخطاب برجل وهو يقرأ هذه الآية:
﴿وَالسَّبِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَجِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ أَتَّبَعُوهُم بِإِحْسَنٍ
قال: من أقرأك هذه الآية؟ قال: أقرأنيها أبيّ بن كعب. قال: لا تفارقني
حتى أذهب بك إليه! فأتاه فقال: أنت أقرأت هذا هذه الآية؟ قال: نعم،
(١) (تفسير الطبري)) (٤٣٤/١٤).
(٢) انظر: ((الظلال)) (١٧٠٢/٣ - ١٧٠٣).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٢٥٦
صلاح الأمة في علو الهمة
قال: وسمعتها من رسول الله څټ؟ قال: نعم. قال: لقد كنت أرانا رفعنا
رفعةً لا يبلغها أحد بعدنا! فقال أُبّ: تصديق ذلك في أول الآية التي في
أول الجمعة، وأوسط الحشر، وآخر الأنفال: أما أول الجمعة:
وَءَاخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ﴾ [الجمعة: ٣]. وأوسط الحشر: ﴿ وَالَّذِينَ
جَلُّ و مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَاوَ لِإِخْوَيِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِآلْإِيمَنِ
[الحشر: ١٠]. وأما آخر الأنفال: ﴿ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ
مَعَكُمْ فَأُوْلَئِكَ مِنْكُمْ ﴾ [الأنفال: ٧٥](١).
إن عمر عنه -من خلال هذه الحادثة - يعرف قيمة السابقين في
الإيمان ومنزلتهم، وأنه لا يقاربهم من جاء بعدهم، استمع إليه يقول:
((لقد كنت أرانا رفعنا رفعةً لا يبلغها أحد بعدنا))، وهذا فقه عمري عجيب
وفطنة عمرية رائدة .. ولقد وافقه أبي بن كعب على هذا الفهم، ودعمه
واحتج له بثلاث آيات من القرآن .. وإيرادها في هذا المقام واستخراج
فلمعنه،
هذه الدلالة منها مجتمعة يدل على فطنة وموهبة وعلم أبيّ
وتخصصه في فهم القرآن وتفسيره ..
* ونحن نعتمد هذه الآيات الثلاث في بيان منزلة المتسابقين للإِيمَان
وفضل التسابق فيه، ونضيفها للآيتين اللتين أوردناهما - آية الجهاد في
النساء وآية السبق في التوبة - ونختم هذه الآيات بآية أخرى -سادسة-
تقرر هذا وتوضحه .. وهي قوله تعالى: ﴿ وَمَا لَكُّنْ أَلَّا نُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَإِلَّهِ
مِيَرَثُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ لَا يَسْتَوِى مِنكُ مَنْ أَنَفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَتَلْ أَوْلَكَ أَعْظَمُ
دَرَجَةٌ مِّنَ الَّذِينَ أَنْفَقُواْ مِنْ بَعْدُ وَقَتَلُواْ وَكُلَّ وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَىِّ وَاَللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ
(١) ((تفسير الطبري)) (٤٣٧/١٤ - ٤٣٨).
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٢٥٧
علو الهمة في استكمال الإيمان
١٠
٤ [الحديد].
إنهما طبقتان لا تستويان وتصنيفهمًا على أساس التسابق في الإيمان:
المؤمنون المنفقون المجاهدون قبل فتح مكة .. والمؤمنون المنفقون
المقاتلون بعد الفتح .. وبينهما من المنازل والدرجات ما الله به عليم ..
((إن الذي ينفق ويقاتل والعقيدة مطاردة، والأنصار قلة، وليس في الأفق
ظل منفعة ولا سلطان ولا رخاء، غير الذي ينفق ويقاتل والعقيدة آمنة،
والأنصار كثرة، والنصر والغلبة والفوز قريبة المنال. ذلك متعلق مباشرة
بالله، متجرد تجردًا كاملًا لا شبهة فيه، عميق الثقة والطمأنينة بالله وحده،
بعيد عن كل سبب ظاهر وكل واقع قريب، لا يجد على الخير عونًا إلَّا ما
يستمده مباشرة من عقيدته .. وهذا له على الخير أنصار حتى حين تصح
نيته ويتجرد تجرد الأولين))(١).
ولقد كان رسول الله وَله - حريصًا على ترسيخ هذا المعنى في نفوس
الصحابة- وبخاصة المسلمون الجدد منهم - حتى لا تُهمل أقدار
السابقين الأولين إلى الإيمان .. وحتى لا يطمع اللاحقون في أن ينالوا
منزلة السابقين أو أن يساووهم ..
• روى الإمام أحمد عن أنس علمت أن رسول الله وَالله بعث جيشًا من
المسلمين بقيادة خالد بن الوليد له - الذي أسلم بين صلح الحديبية
وفتح مكة- إلى بني جذيمة فهزمهم فصار القوم يقولون: صبأنا، ولم
يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، وأمر خالد بقتلهم باجتهاد منه على اعتبار أنهم
ليسوا مسلمين، وخالفه عبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن عمر
(١) ((الظلال)) (٣٤٨٤/٦).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٠
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٢٥٨
صلاح الأمة في علو الهمة
وغيرهما .. ووقع كلام بين خالد وعبد الرحمن. فقال له خالد: تستطيلون
علينا بأيام سبقتمونا بها؟ فبلغ ذلك رسول الله وَّةٍ - فقال: ((دعوا لي
أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفقتم مِثلَ أَحُدٍ ذَهَبًا ما بلغتم
أعمالهم))(١).
• وعن أبي سعيد خلاعنه قال: ((كان بين خالد بن الوليد وبين
عبدالرحمن بن عوف شيء، فسبه خالد، فقال رسول الله وَ له: ((لا تسبوا
أصحابي، فوالذي نفسي بيده لوْ أَنَّ أحدكم أنفق مثل أُحُدٍ ذهبًا ما بلغ مُدَّ
أحدهم، ولا نَصيفه))(٢).
■ وقوله الثّلام: ((دعوا لي أصحابي)) ((ولا تسبوا أصحابي)» يوجه فيه
الخطاب إلى خالد بن الوليد خلفعنه، وخالد أحد أصحابه بالإجماع؛ ولذلك
نجزم بأنه يقصد مجموعة خاصة من الصحابة، مجموعة مميزة يمكن أن
نسميها ((خاصة الصحابة)) وهم الذين سبقوا إلى الإيمان ..
فإن كان هذا هو الفارق العظيم بين السبّاقين إلى الإيمان من الصحابة
وبين الذين أسلموا قبل الفتح، فما ظنك بالفرق بين الصحابة ومن بعدهم
كالتابعين !! أو بين الصحابة وتابعي التابعين !! وهم القرون الخيريّة.
إن السبّاقين إلى الإيمان من الصحابة الأوائل لهم فضل وشرف
وأولوية لا يدانيهم فيها غيرهم، فأفضل الصحابة أبو بكر الصديق خلفه،
(١) صحيح: رواه أحمد في ((مسنده))، ورواه البزار عن ابن أبي أوفى، وصححه
الألباني في ((الصحيحة)) (١٩٢٣)، ((صحيح الجامع)) (٣٣٨٦).
(٢) رواه أحمد، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي عن أبي سعيد، ورواه
مسلم، وابن ماجه عن أبي هريرة.
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٢٥٩
علو الهمة في استكمال الإيمان
ثم عمر الفاروق خلفه، ثم عثمان ذو النورين خلفه ثم علي بن أبي طالب
فلسفه، ثم باقي العشرة فضه، ثم أهل بدر رضوان الله عليهم، ثم أهل أحد،
ثم أصحاب بيعة الرضوان خلفه، ثم من أسلمُوا قبل الفتح خلفه، ثم
مُسْلِمة الفتح وبعده.
((وقد وعى الصحابة الكرام خفض هذا الدَّرْس فكانوا يُصنِّفون
الصحابة على أساس سبقهم في الإيمان .. وقف بباب عمر بن الخطاب
السنه: سهيل بن عمرو وأبو سفيان بن حرب، وجماعة من كبار قريش
الطلقاء فأذن قبلهم لبلال وصهيب لأنهما كانا من السابقين للإسلام،
فتورم أنف أبي سفيان، وقال بانفعال جاهلي: ((لم أر كاليوم قط، يأذن
لهؤلاء العبيد ويتركنا على بابه، فيقول سهيل بن عمرو: أيها القوم، إني
والله أرى الذي في وجوهكم، إن كنتم غضابًا فاغضبوا على أنفسكم،
دُعي القوم إلى الإسلام ودعيتم، فأسرعوا وأبطأتم، فكيف بكم إذا دُعوا
يوم القيامة وتُركتم؟)).
وكان منهج عمر في العطاء ((الرجل وسبقه في الإسلام، والرجل
وبلاؤه في الإسلام)) .. ولمّا طلبوا منه أن يسوي بين المسلمين في العطاء
رفض، واعتبر أن هذا يتناقض مع التسابق في الإيمان، وأعلنها صريحة
((والله لا أساوي بين من حارب مع رسول الله وAMَ ومن حارب ضد
رسول الله ◌َلټ)).
* والمؤمنون الصالحون يعترفون لإخوانهم السابقين للإيمَان
بفضلهم ومنزلتهم، ويسجلون لهم سبقهم لهم وتقدمهم عليهم .. ولهذا
يتوجهون إلى الله بالدعاء الخاشع لهم ولهؤلاء السابقين ﴿ وَالَّذِينَ جَّمُو
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٢٦٠
صلاح الأمة في علو الهمة
مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَيِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا
تَجْعَلْ فِ قُلُوبِنَاغِلًا لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾
[الحشر].
إن التسابق في الإيمان يهذب أخلاق المتسابقين ويصلح نفوسهم،
ويستل أمراض قلوبهم، ويجعلها صافية مشرقة، ممتلئة إيمَانًا ومحبة
وأخوة .. وإن التسابق في الإيمان لهو أفضل وسيلة لتوثيق أواصر الأخوة
بين المؤمنين المتسابقين، ونزع الغل والحقد من هذه القلوب .. وإن
التسابق في الإيمان يصلح الحياة الدنيا ويعمرها، ويصلح المجتمع
بأعرافه وتقاليده ونظمه وصلاته وارتباطاته .. بينما التسابق في الدنيا
ومتعها وشهواتها يفسد أخلاق المتسابقين، ويملأ قلوبهم حقدًا وحسدًا
وبغضًا وغلًا، وتكون علاقتهم مبنية على ((التلاوم)) أولًا ثم ((التلاعن))
بعد ذلك .. كل جيل يلوم السابق ويتهمه، ثم يلعنه .. ﴿كَلَّمَا دَخَلَتْ أُجَّةٌ لَّعَنَتْ
[الأعراف: ٣٨].
نا.
هذا وإن التسابق للإيمَان له ثمن رفيع في الدنيا وهو الريادة والسبق،
والسبق للإيمَان له لذة لا يعرفها إلَّا من ذاقها، وإن الفوز بالأولية يملأ
النفس والقلب بلذته ونشوته وشكره لله سبحانه .. إن لذة الريادة والتفرد
من أمتع اللذات للنفس المؤمنة:
عجبًا بأنك سالم من وحشة
في غاية ما زلت فيها مُفْردًا
0 ولله در القائل:
تعبت في مرادها الأجسام
وإذا كانت النفوس عظامًا
هذا عن الثمن والجائزة في الدنيا، أما يوم القيامة فإن السابقين
الأولين لهم درجات عالية رفيعة في الجنة، لا يبلغها المؤمنون الآخرون
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com