Indexed OCR Text

Pages 101-120

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
١٠١
و علو الهمة في استكمال الإيمان
الذين آمنوا وتوكلوا على ربهم فصبروا على المكاره ولم يبالوا بما يلقون في
سبيل الجهاد بالحق من العثرات، فليس له عليهم سلطان، فهم يُضَادُّون
أمَانيه ويهدمون كل مَا يلقيه؛ لأن إيمَانهم يفيدهم النور الكاشف عن
مكره والتوكل على الله يفيدهم التقوية بالله فيمنع من معاندة الشيطان
وقوة تأثيره)) (١.
ولشرف الإيمَان وعد الله المؤمنين أجراً عظيماً وفضلاً كبيرًا:
[النساء].
١٤٦
*فقال تعالى: ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا
* وقال تعالى: ﴿ وَيَشْرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا
[الأحزاب])) (٢أهـ.
٤٧
كلمات مضيئة للشيخ أبي الحسن الندوي في أنّ الإيمَان هو المفتاح الفَنّ
الأقفال الحياة:
((إن الإيمان الحق -كما جاء به الإسلام- هو الحل الفذ لعُقد الحياة
المعاصرة التي استعصت على العلم وعلى الفلسفة، وحار فيها المفكرون
والمُشرِّعون وطلَّاب الإصلاح.
ويطيب لي أن أنقل هنا كلمة مضيئة للداعية الإسلامي الكبير أبي
الحسن الندوي، بيَّن فيها كيف طلعت شمس الرسالة المحمدية على
العالم فأفاضت عليه نورًا جديدًا، وحياة جديدة.
وكيف فتح النبي محمد وَاللهو أقفال الحياة الكثيرة المتعددة بمفتاح
(١) ((محاسن التأويل)) (١٠ / ١٥٧).
(٢) ((شجرة الإيمَان)) للشيخ د.أحمد فريد (ص٢٩ - ٣٣).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
١٠٢
صلاح الأمة في علو الهمة
الإيمان العجيب، قال الأستاذ في حدیث شاعري بينه وبين نفسه عند غار
حِراء في مكة المكرَّمة (١): ((لقد كانت الحياة كلها أقفالًا مُعقدة، وأبوابًا
مُقفلة، كان العقل مقفلًا أعيا فتحه الحكمَاء والفلاسفة، كان الضمير
مقفلًا أعيا فتحه الوعاظ والمرشدين، كانت القلوب مقفلة أعيا فتحها
الحوادث والآيات، كانت المواهب مقفلة أعيا فتحها التعليم والتربية
والمجتمع والبيئة، كانت المدرسة مقفلة أعيا فتحها العلماء والمعلمين،
كانت المحكمة مقفلة أعيا فتحها المتظلمين، والمتحاكمين، كانت
الأسرة مقفلة أعيا فتحها المصلحين والمفكرين، كان قصر الإمارة
مقفلًا أعيا فتحه الشعب المظلوم والفلاح المجهود والعامل المنهوك،
وكانت كنوز الأغنياء والأمراء مقفلة أعيا فتحها جوع الفقراء وعري
النساء وعويل الرُّضعاء، لقد حاول المصلحون الكبار والمشرعون
العظام فتح قفل من هذه الأقفال ففشلوا وأخفقوا، فإن القفل لا يُفتح
بغير مفتاحه وقد ضيَّعوا المفتاح من قرون كثيرة وجرَّبوا مفاتيح من
صناعتهم ومعادنهم، فإذا هي لا توافق الأقفال وإذا هي لا تَغني عنهم
شيئًا، وحاول بعضهم كسر هذه الأقفال فجرحوا أيديهم وكسروا آلتهم.
ففي هذا المكان المتواضع، المنقطع عن العالم المتمدن، على جبل
ليس بخصب ولا بشامخ، تم مَا لم يتم في عواصم العالم الكبيرة ومدارسه
الفخمة ومكتباته الضخمة، وهنا مَنَّ الله على العالم برسالة محمد وَّهِ،
وفي رسالته عاد هذا المفتاح المفقود إلى الإنسانية، ذلك المفتاح هو
((الإيمان بالله والرسول واليوم الآخر))، ففتح به هذه الأقفال المُعقدة قفلًا
(١) ((الإيمان والحياة)) (ص٢٨٨ - ٢٨٩).
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
١٠٣
علو الهمة في استكمال الإيمان
قفلًا، وفتح به هذه الأبواب المُقفلة بابًا بابًا، وُضعَ هذا المفتاح النبوي
على العقل الملتوي فتفتح ونشط واستطاع أن ينتفع بآيات الله في الآفاق
والأنفس، ويتوصل مع العالم إلى فاطره، ومن الكثرة إلى الوحدة، ويعرف
شناعة الشرك والوثنية والخرافات والأوهام، وكان قبل ذلك محاميًّا
مَاجورًا يُدافع عن كل قضية حقًّا وباطلًا.
وضع هذا المفتاح على الضمير الإنساني النائم فانتبه، وعلى الشعور
الميت فانتعش، وعاش، وتحوَّلت النفس الأمارة بالسوء مطمئنة لا تسيغ
الباطل ولا تتحمل الإثم حتى يعترف الجاني أمَام الرسول بجريمته ويُلح
على العقاب الأليم الشديد، وترجع المرأة المذنبة إلى البادية حيث لا
رقابة عليها ثم تحضر المدينة وتُعرِّض نفسها للعقوبة التي هي أشد من
القتل. ويحمل الجندي الفقير تاج كِسرى ويُخفيه في لباسه ليستر
صلاحه وأمانته عن أعين الناس ويدفعه إلى الأمير؛ لأنه مَال الله الذي لا
يجوز الخيانة فيه.
كانت القلوب مقفلة لا تعتبر ولا تزدجر ولا ترق ولا تلين،
فأصبحت خاشعة واعية تعتبر بالحوادث وتنتفع بالآيات، وترق
للمظلوم وتحنو على الضعيف.
وُضِعَ هذا المفتاح على القُوى المخنوقة والمواهب الضائعة
فاشتعلت كاللهب وتدفقت كالسيل، واتجهت الاتجاه الصحيح، فکان
راعي الإبل راعي الأمم وخليفة يحكم العالم وأصبح فارس قبيلة وبلد،
قاهر الدول وفاتح الشعوب العريقة في القوة والمجد. وضع المفتاح على
المدرسة المقفلة وقد هجرها المُعلِّمون وزهد فيها المُتعلِّمون وسقطت
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
١٠٤
صلاح الأمة في علو الهمة
قيمة العلم وهان المُعَلَّم، فذكر من شرف العلم وفضل العلم والمتعلم
والمُربِّي والمُعَلَّم، وقرن الدين بالعلم حتى كانت له دولة ونَفَاق،
وأصبح كل مسجد وكل بيت من بيوت المسلمين مدرسة، وأصبح كل
مسلم متعلمًا لنفسه، معلمًا لغيره، ووجد أكبر دافع إلى طلب العلم وهو
الدین.
■ وضعه على المحكمة المقفلة فأصبح كل عالم قاضيًا عادلًا وكل
حاكم مسلم حكمًا مقسطًا، وأصبح المسلمون قوَّامين لله شهداء
بالقسط، ووُجِدَ الإيمان بالله وبيوم الدين فكثر العدل وقل الجدل،
وفُقِدت شهادة الزور والحكم بالجور.
■ وضعه على الأسرة المقفلة وقد فشا فيها التطفيف بين الوالد
وولده، والأخ وإخوته، والرجل وزوجته، وتعدى من الأسرة إلى
المجتمع فظهر بين السيد وخادمه والرئيس والمرؤوس والكبير
والصغير، كل يريد أن يأخذ مَا له ولا يدفع مَا عليه، وأصبحوا مطففين
إذا اكتالوا على الناس يستوفون، وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون،
فغرس في الأسرة الإيمان وحذَّرها من عقاب الله، وقرأ عليها قول الله:
﴿يَّأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا
كَثِيرًا وَنِسَاءُ وَتَّقُواْ اللّهُ الَّذِى تَسَاءَ لُونَ بِهِ، وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ®
٤ [النساء]،
وقَسَّم المسؤولية على الأسرة والمجتمع كله فقال: ((كلكم راع وكلكم
مسؤول عن رعيته))، وهكذا أو جد أسرة عادلة متحابة مستقيمة ومجتمعًا
عادلًا، وأوجد في أعضائه شعورًا عميقًا بالأمانة وخوفًا شديدًا من الآخرة
حتى توَّرع الأمراء وولاة الأمور، وتقشَّفوا، وأصبح سيد القوم خادمهم،
ووالي الأمة كولي اليتيم: إن استغنى استعفَّ وإن افتقر أكل بالمعروف،
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
١٠٥
علو الهمة في استكمال الإيمان
وأقبل إلى الأغنياء والتجار فزهدهم في الدنيا ورغبهم في الآخرة وأضاف
الأموال إلى الله فقرأ عليهم: ﴿ وَأَنفِقُواْ مِمَا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ﴾[الحديد:
ءَالَّ
[النور: ٣٣]،
٧]، ﴿ وَءَاتُوهُم مِّن مَّالِ اَللَّهِ الَّذِىّ ءَاتَّنْكُمْ
يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِىِ سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ
يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِ نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ
٣٤
أَلِمِ
٣٥
تَكْنِزُونَ
وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَتَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنْتُمُ
[التوبة].
أبرز رسول الله وَل# برسالته ودعوته الفرد الصالح المؤمن بالله،
الخائف من عقاب الله، الخاشع الأمين، المؤثر للآخرة على الدنيا،
المستهين بالمَادة المتغلب عليها بإيمانه وقوته الروحية، يؤمن بأن الدنيا
خُلقَت له وأنه خُلِقَ للآخرة، فإذا كان هذا الفرد تاجرًا فهو التاجر
الصدوق الأمين، وإذا كان فقيرًا فهو الرجل الشريف الكادح، وإذا كان
عاملًا فهو العامل المجتهد الناصح، وإذا كان غنيًّا فهو الغني السخي
المواسي، وإذا كان قاضيًا فهو القاضي العادل الفهم، وإذا كان واليًا فهو
الوالي المخلص الأمين، وإذا كان سيدًا رئيسًا فهو الرئيس المتواضع
الرحيم، وإذا كان خادمًا أو أجيرًا فهو الرجل القوي الأمين، وإذا كان
أمينًا للأموال العامة فهو الخازن الحفيظ العليم. وعلى هذه اللَّبنات قام
المجتمع الإسلامي وتأسست الحكومة الإسلامية فيه بدورها، ولم يكن
المجتمع والحكومة بطبيعة الحال إلَّا صورة مُكَبَّرة لأخلاق الأفراد
ونفسيتهم، فكان المجتمع مجتمعًا صالحًا أمينًا مؤثرًا للآخرة على الدنيا
متغلبًا على المادة غير محكوم لها، انتقل إليه صدق التاجر وأمانته،
وتعفف الفقير وكدحه، واجتهاد العامل ونصحه، وسخاوة الغني
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
١٠٦
صلاح الأمة في علو الهمة
ومواساته، وعدل القاضي وحكمته، وإخلاص الوالي وأمَانته، وتواضع
الرئيس ورحمته، وقوة الخادم، وحراسة الخازن، وكانت هذه الحكومة
حكومة راشدة ومؤثرة للمبادئ على المنافع، والهداية على الجباية،
وبتأثير هذا المجتمع وبنفوذ هذه الحكومة وُجِدت حياة عامة، كلها
إيمَان وعمل صالح، وصدق وإخلاص، وجد واجتهاد، وعدل في الأخذ
والعطاء، وإنصاف النفس مع الغير.
وقد ذهلتُ في حديثي لنفسي، وتمثلت إليَّ الجماعات الإسلامية
الأولى بجملها وتفاصيلها كأني أشاهدها وأتنفسُ في جوِّها وانقطعت
الصلة بيني وبين العالم المعاصر.
وحانت مني التفاتة إلى هذا العصر الذي نعيش فيه فقلت: إني لأرى
أقفالًا جديدة على أبواب الحياة الإنسانية وقد قطعت الحياة مراحل
طويلة وخطت خطوات واسعة وتعقدت الحياة والتوت وتطوّرت
المسائل وتنوَّعت، وتساءلتُ: هل يمكن فتح هذه الأقفال الجديدة
بذلك المفتاح العتيق؟ وأبيتُ أن أحكم بشيء، حتى أختبر هذه الأقفال
وأضع عليها المفتاح، ولمستُ هذه الأقفال بالبنان فإذا هي الأقفال
القديمة بتلوين جديد، وإذا المشاكل نفس مشاكل العصر القديم، وإذا
المشكلة الكبرى وأساس الأزمة هو الفرد الذي لا يزال لبنة المجتمع
وأساس الحكومة، ووجدتُ أن هذا الفرد قد أصبح اليوم لا يُؤمن إلّا
بالمادة والقوة، ولا يعنى إلَّا بذاته وشهواته وأنه يُبالغ في تقدير هذه
الحياة ويُسرف في عبادة الذات وإرضاء الشهوات، وقد انقطعت الصلة
بينه وبين ربه ورسالة الأنبياء وعقيدة الآخرة، فكان هذا الفرد هو مصدر
شقاء هذه المدنية، فإذا كان تاجرًا فهو التاجر المحتكر النهم الذي
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
١٠٧
علو الهمة في استكمال الإيمان
يحجب السلع أيام رخصها ويُبرزها عند غلائها ويُسبِّب المجاعات
والأزمات، وإذا كان فقيرًا فهو الفقير الثائر الذي يريد أن يتغلب على
جهود الآخرين بغير تعب، وإذا كان عاملًا فهو العامل المطفف الذي
يريد أن يأخذ مَا له ولا يدفع مَا عليه، وإذا كان غنيًّا فهو الغني الشحيح
القاسي الذي لا رحمة فيه ولا عطف، وإذا كان واليًا فهو الوالي الغاش
الناهب للأموال، وإذا كان سيدًا فهو الرجل المستبد المستأثر الذي لا
ينظر إلَّا إلى فائدته وراحته، وإذا كان خادمًا فهو الضعيف الخائن، وإذا
کان خازنًا فهو السارق المختلس للأموال، وإذا کان وزير دولة أو رئیس
وزارة أو رئيس جمهورية فهو المادي المستأثر الذي لا يخدم إلَّا نفسه
وحزبه ولا يعرف غيره، وإذا كان زعيمًا أو قائدًا فهو الوطني أو الجنسي
الذي يقدس وطنه ويعبد عنصره ويدوس كرامة البلاد الأخرى
والشعوب الأخرى، وإذا كان مُشرِّعًا فهو الذي يسن القوانين الجائرة
والضرائب الفادحة، وإذا كان مخترعًا اخترع المدمرات والناسفات،
وإذا كان مكتشفًا اكتشف الغازات المُبيدة للشعوب، المُخرِّبة للبلاد،
والقنبلة الذَرِّية التي تُهلك الحرث والنسل، وإذا كان فيه قوة التطبيق
والتنفيذ لم ير بأسًا بإلقاء القنابل على الأمم والبلاد.
وبهؤلاء الأفراد تكوَّن المجتمع وتأسست الحكومة، فكان مجتمعًا
مَادِيًّا، اجتمع فيه احتكار التاجر وثورة الفقير وتطفيف العامل وشُح
الغني وغش الوالي، واستبداد السيد وخيانة الخادم وسرقة الخازن
ونفعية الوزراء ووطنية الزعماء (١) وإجحاف المُشرِّع وإسراف المخترع
(١) يقصد الكاتب بـ (الوطنية)) النزعة الإقليمية التي كل ولائها لأرضها فحسب دون
=
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
١٠٨
صلاح الأمة في علو الهمة
والمكتشف وقسوة المُنَفَّذ، وبهذه النفسيات المَادية تولَّدت أزمات عنيفة
ومشاكل معقدة، تشكو منها الإنسانية بثها وحزنها، كالسوق السوداء
وفشو الرشوة والغلاء الفاحش واختفاء الأشياء والتضخيم النقدي،
وأصبح المفكرون والمُشرِّعون لا يجدون حلَّ لهذه المشاكل،
وأصبحوا إذا خرجوا من أزمة واجهوا أزمة أخرى، بل إن حلولهم
القاصرة ومعالجتهم المؤقتة هي التي تُسبب أزمات جديدة، وتنقلوا من
حكومة شخصية إلى ديمقراطية إلى ديكتاتورية ثم إلى ديمقراطية، ومن
نظام رأسمالي إلى نظام اشتراكي إلى شيوعي، وإذا الوضع لا يتغيَّر لأن
الفرد الذي هو الأساس لا يتغيَّر، ويجهلون، أو يتجاهلون، في کل ذلك،
أن الفرد هو الفاسد المعوج، ولو عرفوا أن الفرد هو الأساس، وأنه فاسد
معوج لما استطاعوا إصلاحه وتقويمه؛ لأنهم على كثرة مؤسساتهم
العلمية ودور التعليم والتربية والنشر، لا يملكون مَا يُصلحون به الفرد،
ويُقوِّمون اعوجاجه، ويُحوِّلون اتجاهه من الشر إلى الخير، ومن الهدم إلى
البناء؛ لأنهم أفسدوا في الروح، وتخلّوا عن الإيمان، وفقدوا كل مَا يُغذّي
القلب ويغرس الإيمان، ويُعيد الصلة بين العبد وربه، وبين هذه الحياة
والحياة الأخرى، وبين المادة والروح، وبين العلم والأخلاق، وفي
الآخر أدى بهم إفلاسهم الروحي ومَاديتهم العمياء واستكبارهم إلى
استعمال آخر ما عندهم من آلات التدمير التي تبيد شعبًا بأسره وتُخرِّب
قُطرًا بطوله، حتى استهدفت الحضارة والحياة البشرية -إذا تبادلت
الدول المتحاربة استعمال هذه الآلات- للنهاية الأليمة)). انتهى كلام
اعتبار للروابط الأخرى، دينية أو إنسانية.
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
١٠٩
علو الهمة في استكمال الإيمان
الشيخ الندوي اته.
إكسيرُ الإيمَان صانع العجائب ينشئ الإنسان خَلقًا آخَر:
إن التحكُّمَ في مياه نهرٍ كبير، أو تحويل مجراه، أو حفر الأرض، أوْ
نسف الجبال، أو أيّ تغيير في معالم الكون المادي أسهل بكثير من تغيير
النفوس وتقليب القلوب والأفكار وبناء الإنسان.
إن الإيمان وحده هو صانع العجائب، وهو العنصر الوحيد الذي
يُغيِّرِ النفوس تغييرًا تامًا ويُنشئها خَلْقًا آخر - إن علمَاءَ النَّفْس والتربية
يُقرِّرون أن هناك سِنَّا معيّنة هي سنُّ القبول لتكوين العادات، واكتساب
الصفات، وتهذيب الطباع، تلك هي سِنُّ الطفولة، فإذا كبر المرء على
صفات خاصة فهيهات أن يحدث فيه تغييرٌ يُذكر، فمن شبَّ على شيءٍ
شاب عليه ..
وليس ينفعُ عند الشيبة الأدبُ
وينفع الأدب الأحداث في صِغَرٍ
ولن تلين إذا قوّمْتها الخُشُبُ
إِنَّ الغُصون إذا قوّمتها اعتدلت
ولكن هناك شيئًا واحدًا تخطّى قواعد التربويّين والنفسيّين ذلك هو
الإيمان وهو الدين، ف الإيمان إذا سكن في قلب وتغلغل في أعماقه حوّل
اتجاهه، غيّر نظرته للكون والحياة، وأحكامه على الأشياء والأعمال،
وعدَّل سلوكه مع الله والناس، ولم يقف في سبيل ذلك فتوّة الشباب، ولا
کھولة الکھول، ولا هرم الشیوخ)»(١).
(١) ((الإيمَان والحياة)) (ص٢٨٤).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
١١٠
صلاح الأمة في علو الهمة
ولادة من رحم العقيدة والإيمان .. ولادة القلب:
■ قال الإمام ابن القيم هملَهُ: («للعبد أربع نشآت: نشأةٌ في الرحم،
حيث لا بصر يُدركه، ولا يد تناله، ونشأةٌ في الدنيا، ونشأة في البرزخ،
ونشأة في المعاد الثاني. وكل نشأة أعظم من التي قبلها. وهذه النشأة
للروح والقلب أصْلًا، وللبدن تبعًا. فالرُّوح في هذا العالم نشأتان:
إحداهما: النشأة الطبيعية المشتركة.
والثانية: نشأة قلبية روحانية، يُولدُ بها قلبه، وينفصل عن مشيمة
طبعه، كما وُلِد بدنه وانفصل عن مشيمة البطن. ومَن لم يُصدِّق بهذا
فليضربْ عن هذا صفحًا وليشتغل بغيره.
■ وفي كتاب ((الزهد)» للإمام أحمد: أن المسيح التلبيئة قال للحواريين:
((إنكم لن تلِجُوا ملكوت السماوات حتى تُولَدُوا مَرَّتيْن)).
■ وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية ثم يقول: «هي ولادة الأرواح
والقلوب من الأبدان، وخروجها من عالم الطبيعة، كما وُلِدت الأبدان
من البدن وخرجت منه. والولادة الأخرى: هي الولادة المعروفة. والله
أعلم))(١).
سرَّ قوة الإيمَان والعقيدة في النفس، وقوة النفس بالإيمَان:
مَا تكاد حقيقة الإيمان تستقرُّ في القلب حتى تتحرَّك لتعمل، ولتحقّق
ذاتها في الواقع، ولتوائِمَ بين صورتها المضمرة وصورتها الظاهرة.
ذلك سرّ قوة العقيدة في النفس، وسرّ قوة النفس بالعقيدة، سرُّ تلك
(١) «مدارج السالكين)) (١٣٩/٣ - ١٤٠).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
١١١
علو الهمة في استكمال الإيمان
الخوارق التي صنعتها العقيدة في الأرض وما تزال في كل يوم تصنعها.
الخوارق التي تُغيِّر وجه الحياة من يوم إلى يوم، وتدفع بالفرد وتدفع
بالجماعة إلى التضحية بالعمر الفاني المحدود في سبيل الحياة الكبرى
التي لا تفنى، وتقف بالفرد القليل الضئيل أمَام قوى السلطان وقوى
المَال وقوى الحديد والنار، فإذا هي كلها تنهزم أمام العقيدة في روح فرد
مؤمن .. والإيمان وراء هذا كله، وهو الينبوع الذي لا ينضُب ولا ينحسر
ولا يضعف.
تلك الخوارق التي يأتي بها الإيمان في حياة الأفراد وفي حياة
الجماعات لا تقوم على خرافة غامضة، ولا تعتمد على التهاويل
٩
والرُّؤى .. وإنما على قواعد ثابتة .. تبثّ في روح المؤمن قوة الثقة بالله
والطمانينة في جواره واليقين بما عنده.
علوهمة سحرة فرعون وكيف بدّلهم الإيمَان:
هل أتاك حديث سحرة فرعون؟
: قال تعالى: ﴿قَالُواْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَبْعَثْ فِى الْمَدَِّنِ حَشِرِينَ { يَأْتُوكَ
فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ ﴿ وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ
بِكُلِّ سَخَارٍ عَلِيمٍ
٣٧
ا فَلَمَّا ◌ََّ السَّحَرَةُ قَالُواْ
٤٠
أَنْتُ مُجْتَمِعُونَ (٦) الَعَلَّنَا نَبِعُ السَّحَرَةَ إِن كَانُواْ هُمُ الْغَلِينَ
قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذَا لَّمِنَ الْمُقَرَِّينَ
لِفِرْعَوْنَ أَبِنَّ لَنَا لَأَجْرًّا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَلِينَ ))
٤٢
فَأَلْقَوْ حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُواْ بِعِزَّةٍ فِرْعَوْنَ إِنَّا
قَالَ لَهُمْ مُوسَىَ أَلْقُواْ مَآ أَنْتُ مُلْقُونَ ))
فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ ﴿ فَأُلِّقِىَ السَّحَرَةُ
لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ
٤٤
سَجِدِينَ (١ ) قَالُواْ ءَامَنَّا بِرَبِّ الْعَلَمِينَ رَبِّ مُوسَى وَهَرُونَ (٥) قَالَ ءَامَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ
ج
ءَذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيُ كُمُ الَّذِىِ عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَّأُقَطِعَنَّ أَيْدِيَّكُمُ وَأَرْ جُلَكُمْ مِنْ
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
١١٢
صلاح الأمة في علو الهمة
٤٩
خِلَفٍ وَلَأُصَلِبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ
قَالُواْ لَا ضَيْرٌ لِنَّا إِلَى رَبِنَا مُنْقَلِبُونَ ) إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ
[الشعراء].
٥١
لَنَارَتُّنَا خَطَنَآَ أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ
* ومن صورة طه يحكي الله تهديد فرعون لهم: ﴿فَلَأُقَطِعَرَّ أَيْدِيَكُمْ
وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَفٍ وَلَأَصَلِبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَنَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى
٧١
قَالُواْ لَن تُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَ نَا مِنَ الْبَِّنَتِ وَالَّذِىِ فَطَرَنَا فَأَقْضِ مَآ أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا نَقْضِى
هَذِهِاَلْحَيَوَةَ الدُّنْيَا ®) إِنَّاءَامَنَّابِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَنَا وَمَآ أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السّخْرُ وَاَللَّهُ خَيْرٌ
﴾ [طه].
٧٣
وَأَبْقَىّ
كيف تغيّرت شخصيّاتهم؟ كيف انقلبت الموازين؟
[الشعراء: ٤١]؟
لقد كانت هممهم مشدودةً إلى المَال ﴿﴿ أَبِنَّ لَنَا لَأَجْرًّا
٤٤
وكانت آمَالهم منوطة بفرعون ﴿ بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَا لَنَحْنُ الْغَلِبُونَ
[الشعراء] .. هذا منطقهم قبل أن يُؤمنوا .. فلمَا ذاقوا حلاوة الإيمان كان
جوابهم على التهديد والوعيد في بساطة ويقين: ﴿لَن نُؤْثِرَكَ عَلَى مَاجَآءَنَامِنَ
الْبَيْنَتِ﴾ [طه: ٧٢]. بعد أن كان همهم الدنيا صار همهم الآخرة ﴿لِيَغْفِرَ لَنَا
خَطَنَا﴾، وبعد أن كانوا يحلفون بعزّة فرعون صاروا يقولون: ﴿ وَالَّذِى
٠,٠٠٠٠
فطرنا
تغيّر الاتجاه .. تغيّر المنطق .. تغيّر السلوك تغيّرت الألفاظ ..
أصبح القوم غير القوم .. ومَا ذاك إلَّا من صنع الإيمان))(١).
يا لجمَال أثر الإيمَان:
• وفي القصة القصيرة التي رواها الإمام مسلم في ((صحيحه)) برهان
بين على مبلغ أثر الإيمان، ذلك أن رجلًا كان ضيفًا على النبي وَ لّ فأمر له
بشاة فحُلِبت، فشرب حلابها، ثم أمرَ له بثانية فشرب حلابها، ثم بثالثة
(١) ((الإيمان والحياة)) (ص٢٨٥ - ٢٨٦).
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
١١٣
علو الهمة في استكمال الإيمان
فرابعة .. حتى شرب حلاب سبع شياه، وبات الرجل، وتفتّح قلبه
للإسلام، فأصبح مسلِمًا، مُعْلِنًا إيمانه بالله ورسوله، وأمر الرسول ◌َّلآ له
في الصباح بشاة فشرب حلابها، ثم أخرى فلم يستتمه، وهنا قال رسول الله
وَّ كلمته المشهورة: ((المؤمنُ يأكلَ في معي واحد، والكافر يأكل في
سبعة أمعاء))(١).
فيما بين يوم وليلة استحال الرجلُ مِن شَرِهٍ ممعن في التشبع، حريص
على ملء بطنه، إلى رجل قاصدٍ عفيفٍ قنوع، مَاذا تغيّر فيه؟ تغيَّر فيه قلبه،
كان كافرًا فأصبح مؤمنًا، وهل هناك أسرع أثرًا من الإيمان؟
إن الإيمان الجديد أشعر الرجل بغايةٍ ورسالة، وفروض وواجبات،
ونفذ ذلك إلى أعماقه نفوذًا جعله ينسى همَّ أمعائه، ويعرض عن الإمعان
في الطعام والشراب، وليست هذه حادثة فرديّة، أو واقعة شاذّة، فهل
يُمكن أن نُنكِرِ أو ننسى مَا فعله الإيمان بأمة العرب جميعًا؟ قبل إسلام
العرب وإيمَانهم بالله وَّ كانوا يعيشون على هامش التاريخ .. رعاة أبل
ومَاعز .. لا شأن لهم في الأرض ولا ذكر لهم في السماء .. كانوا كالعبيد
للرومان والفرس كانوا قبائل ضالة مسكينة حائرة، أُسِنَت حياتهم،
وتعفّنت قياداتهم، فأتاهم الإسلام والإيمان فكان مولدًا جديدًا لهم أعظم
من المولد الذي كانت به نشأتهم. لقد أنشأ الإيمان للمؤمنين تَصَوُّرًا
جديدًا عن الوجود والحياة والقيم والنظم؛ كما حقّق لهم واقعًا فريدًا،
(١) رواه أحمد، والبخاري، ومسلم، وابن ماجه عن ابن عمر، وأحمد، ومسلم عن
جابر، وأحمد، والبخاري ومسلم عن أبي هريرة، ومسلم وابن ماجه عن أبي
موسی.
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
١١٤
صلاح الأمة في علو الهمة
كان يعزُّ على خيالهم تصوُّره مجرَّد تصوّر، قبل أن ينشئه لها الإيمان
إنشاء .. نعم، لقد كان هذا الواقع من النظافة والجمَال، والعظمة
والارتفاع والسمو والاستقامة بحيث لا يخطر للبشرية على بال لقد حار
المؤرخون من الغربيين والمستغربين، في فَهْم السِّرِّ العجيب الذي حوّل
هذه الأمة من رُعاةٍ غنم إلى رُعاةٍ أمم، ومن قبائل بدواة إلى أمة حضارة،
وهيّأ لها سبيل النَّصْر على كسرى وقيصر، وفتح لها باب السيادة على
معظم الدنيا القديمة في عشرات من السِّنين لا عشراتٍ من القرون.
ولكن العارفين لا يدهشون ولا يحارون، فالسِّرُّ معروف، والسبب
معلوم. إن مَرَدَّه هو ((إكسير)) الإيمان الذي صبَّه محمد عليه الصلاة
والسلام في نفوس أصحابه، فنقلهم من حالٍ إلى حال، من وثنية إلى
توحید ومن جاهلية إلى إسلام.
أثر الإيمَان في نفس عمر بن الخطاب فلعنه:
حَسْبُنا مثلًا على هذا التحوّل الخطير رجل وامرأة عُرِف أمرهما في
الجاهليّة وعُرِف أمرهما في الإسلام. الرجل هو عمر بن الخطّاب الذي
قالوا عنه قبل إسلامه: (لو أسلَم حمَار الخطاب مَا أسلم عمر)).
وكان فظًّا غليظًا في الجاهلية .. فلما أسلم بلغ من سموّ عاطفته، ورقّة
قلبه وخشيته لله، مَا ملأ صفحات التاريخ بآيات الرحمة الشاملة للمسلم
وغير المسلم، بل للإنسان والحيوان، حتى قال: ((لو عثرت بغلة بشطٍّ
الفرات لرأيتني مسؤولًا عنها أمَام الله لِمَ لمْ أُسوِّ لها الطريق؟!
الإيمَان يغيّر خنساء النواح والبكاء إلى خنساء التضحية والفداء:
أما المرأة فهي الخنساء .. المرأة التي فقدت في جاهليَّتها أخاها لأبيها
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
١١٥
علو الهمة في استكمال الإيمان
((صخرًا)) فملأت الآفاق عليه بكاءً وعويلًا، وشعرًا حزينًا، ترك الزمن لنا
منه ديوانًا كان الأول من نوعه في شعر المراثي والدموع ..
وأذكره لكل غروب شمسٍ
يُذگِّرني طلوعُ الشمس صخرًا
على إخوانهم لقتلت نفسي
ولولا كثرةُ الباكين حولي
ولكننا بعد إسلامها نراها امرأة أُخرى .. نراها أمَا تُقدِّم فلذات
أكبادها إلى الميدان، أي إلى الموت راضية مطمئنة، بل محرِّضةً دافعة.
روى المؤرِّخون أنها شهدت حرب القادسية بين المسلمين والفُرس
تحت راية القائد سعد بن أبي وقاص خلفه، وكان معها بنوها الأربعة،
فجلست إليهم في ليلة من الليالي الحاسمة، تعظهم وتحثهم على القتال
ءِ
والثبات، وكان من قولها لهم: ((أيْ بَنِّ، إنكم أسلمتم طائعين وهاجرتم
مختارين، والذي لا إله إلّا هو إنكم لبنو رجل واحد كما أنكم بنو امرأة
واحدة، مَا خنت أباكم ولا فضحتُ خالكم، ولا هجَّنت حسبكم، ولا
غيَّرتُ نسبكم، وقد تعلمون ما أعد الله للمسلمين من الثواب الجزيل في
حرب الكافرين، واعلموا أن الدار الباقية خيرٌ من الدار الفانية، والله تعالى
يقول: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ
[آل عمران]. فإذا أصبحتم غدًا إن شاء الله سالمين،
٢٠٠
تُفْلِحُونَ
فاغدوا إلى قتال عدوّكم مستبصرين، وبالله على أعدائكم مستنصرين، فإذا
رأيتم الحرب قد شمَّرتْ عن ساقها فتیمَّموا وطيسها، وجالدوا رئيسها،
تظفروا بالغُنْم في دار الخلد .. )) فلما أصبحوا باشروا القتال بقلوب فتّة،
وأَنْوفٍ حميَّة، إذا فتر أحدهم ذكَّره إخوتُهُ وصِيَّة الأم العجوز، فزأر
كاللَّيث، وانطلق كالسهم، وانقضَّ كالصاعقة ونزل كقضاء الله على أعداء
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
١١٦
صلاح الأمة في علو الهمة
الله، وظلُّوا كذلك حتى استشهدوا واحدًا بعد واحد. وبلغ الأمَّ نعيُ
الأربعة الأبطال في يوم واحد، فلم تلطم خدًّا، ولم تشقّ جيْبًا، ولكنها
استقبلت النبأ بإيمَان الصابرين، وصبر المؤمنين، وقالت: ((الحمد لله
الذي شرّفني بقتلهم، وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقرِّ رحمتهِ)».
مَا الذي غيرّ عمر القديم وصنع عمر الجديد؟.
ومَا الذي غيّر خنساءَ النَّوَاحَ والبكاء إلى خنساء التضحية والفداء؟
إنه صانع المعجزات .. إنه الإيمان !! ))(١).
عالي الهِمَّة بصير بشُّعَب الإيمَان حريصٌ على العمل بها:
• عن أبي هريرة لتعنه قال: قال رسول الله وَله: ((الإيمان بضعٌ
وسبعون شعبة، فأفضلها قول: لا إله إلَّا الله، وأدناها إماطة الأذى عن
ط
الطريق، والحياء شعبة من الإيمان))(٢).
• وعن أبي هريرة خلفه قال: قال رسول الله وَالَ: ((الإيمان بضعٌ
وستُّون شعبة، والحياءُ شعبة من الإيمان))(٣).
• وعنه خلّعنه قال: قال رسول الله وَ له: «الإيمان بضْعٌ وسبعون بابًا،
فأدناها إماطة الأذى عن الطريق، وأرفعها: قول لا إله إلَّا الله))(٤) ..
وقد رجّح البيهقي رواية البخاري وكذلك رجحها الحافظ ابن
(١) ((الإيمَان والحياة)) (ص ٢٨٧ - ٢٨٨).
(٢) رواه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه عن أبي هريرة.
(٣) رواه البخاري عن أبي هريرة.
(٤) صحيح: رواه الترمذي، وأحمد، وابن ماجه، وأبو عبيد، وصححه الألباني في
((الصحيحة)) (١٧٦٩)، و((صحيح الجامع)) (٢٧٩٩).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
١١٧
علو الهمة في استكمال الإيمان
حجر، ورجّح الألباني رواية مسلم.
قال الحافظ ابن حجر في ((فتح الباري)): ((إن هذه الشُّعَب تتفرَّع
عن أعمال القلب، وأعمَال اللسان، وأعمَال البدن)).
فأعمَال القلب: فيه المعتقداتُ والنّات، وتشتمل على أربع وعشرين
خصلة: الإيمان بالله، ويدخل فيه الإيمان بذاته وصفاته وتوحيده بأنه ليس
كمثله شيء، واعتقاد حدوث مَا دونه، والإيمان بملائكته، وكتبه،
ورسله، والقدر خيره وشره. والإيمان باليوم الآخر، ويدخل فيه المسألة
في القبر، والبعث، والنشور، والحساب، والميزان، والصراط، والجنة
والنار. ومحبة الله، والحب والبغض فيه، ومحبة النبي وَّة، واعتقاد
تعظيمه، ويدخل فيه الصلاة عليه، واتباع سنته، والإخلاص، ويدخل فيه
ترك الرياء والنفاق، والتوبة، والخوف، والرجاء، والشكر، والوفاء،
والصبر، والرضا بالقضاء، والتوكل، والرحمة، والتواضع، ويدخل فيه
توقير الكبير ورحمة الصغير، وترك الكبر والعجب، وترك الحسد، وترك
الحقد، وترك الغضب.
وأعمال اللسان: وتشتمل على سبع خصال: التلفظ بالتوحيد، وتلاوة
القرآن، وتعلم العلم، وتعليمه، والدعاء، والذكر، ويدخل فيه الاستغفار،
واجتناب اللغو.
وأعمال البدن: وتشتمل على ثمان وثلاثين خصلة، منها ما يختص
بالأعيان وهي خمس عشرة خصلة: التطهير حسًّا وحكمًا، ويدخل فيه
اجتناب النجاسات، وستر العورة، والصلاة فرضًا ونفلا. والزكاة كذلك،
وفك الرقاب، والجود، ويدخل فيه إطعام الطعام وإكرام الضيف،
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
١١٨
صلاح الأمة في علو الهمة
والصيام فرضًا ونفلًا، والحج، والعمرة كذلك، والطواف، والاعتكاف،
والتمَاس ليلة القدر، والفرار بالدين، ويدخل فيه الهجرة من دار الشرك،
والوفاء بالنذر، والتحري في الأيمان، وأداء الكفارات، ومنها ما يتعلق
بالأتباع، وهي ست خصال: التعفف بالنكاح، والقيام بحقوق العيال،
وبر الوالدين، وفيه اجتناب العقوق، وتربية الأولاد، وصلة الرحم،
وطاعة السادة أو الرفق بالعبيد، ومنها ما يتعلق بالعامة، وهي سبع عشرة
خصلة: القيام بالإمرة مع العدل، ومتابعة الجماعة، وطاعة أولي الأمر،
والإصلاح بين الناس، ويدخل فيه قتال الخوارج والبغاة، والمعاونة على
البر، ويدخل فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الحدود،
والجهاد، ومنه المرابطة، وأداء الأمانة، ومنه أداء الخمس، والقرض مع
وفائه، وإكرام الجار، وحسن المعاملة، وفيه جمع المَال من حله، وإنفاق
المَال في حقه، ومنه ترك التبذير والإسراف، ورد السلام، وتشميت
العاطس، وكف الأذى عن الناس، واجتناب الله و وإماطة الأذى عن
الطريق، فهذه تسع وستون خصلة، ويُمكن عُدَّها تسعًا وسبعين خصلة
باعتبار أفراد مَا ضُمَّ بعضه إلى بعض ممَا ذُكِر))(١).
■ قال ابن حجر: «فائدة: في رواية مسلم من الزيادة «أعلاها لا إله إلّا
الله، وأدناها إِمَاطة الأذى عن الطريق))، وفي هذا إشارة إلى أن مراتبها
متفاوتة))(٢).
وعالي الهمة: من يعي هذه الشَّعَب جيّدًا، ويأتمر بما فيها، ويطبقها
(١) ((فتح الباري)) (٦٨/١ - ٦٩).
(٢) ((فتح الباري)) (٦٩/١).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
١١٩
علو الهمة في استكمال الإيمان
جهده، ويعمل بها، ويداوم عليها، ويبلغ في الحرص عليها أعلى
الدرجات حتی یکمل إيمانه فيضرب بسهم وافر.
وعالي الهمّة يُجدَّد إيمانه ويحرص على زيادته ويَعِي أسباب زيادة الإيمَان
ويعمل بها ويدندن حولها :
• قال رسول الله وَ له: ((إن الإيمان ليَخْلَقُ (١) في جوفِ أحدِكم كما
يَخْلَقُ الثوبُ، فاسألوا الله تعالى أن يُجدِّدَ الإيمان في قلوبكم))(٢).
عالي الهمة يتعاهد إيمانه حتى يرسخ في قلبه ويقوي، ويستعلي على
القلع والاجتثاث من قبل أعدائه، الإيمان يطلب من صاحبه أن يكون معه
وأن یکون له، وأن یعیش حياته به.
((الإيمان يزيد في قلب وحياة صاحبه، يزيد ويزيد حتى يملأ على
صاحبه قلبه ووجوده، ویکون نورًا يضيء له حیاته .. ویکون هو قد تمثل
الإيمان عمليًّا في حياته، وتجسد الإيمان به وحل في كيانه: كلامه إيمَان،
ونظره إيمَان، وسمعه إيمَان، وذهنه إيمَان، قيامه وقعوده إيمَان، نومه
ويقظته إيمَان، حركته وسلوكه إيمَان، أنفاسه ودقات قلبه إيمَان،
خواطره وخيالاته إيمَان .. أو قل: إنه هو إيمَان.
وقد وردت نصوص في كتاب الله وأحاديث رسول الله وَله تقرر هذه
الحقيقة، وتشير إليها، وتدعو المؤمنين إلى ملاحظتها ومعايشتها
والاهتمام بها.
(١) يَبْلَى.
(٢) صحيح: رواه الطبراني في ((الكبير))، والحاكم في (المستدرك)) عن ابن عمرو،
وصححه الألباني في («الصحيحة» (١٥٨٥)، و((صحيح الجامع)) (١٥٩٠).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
١٢٠
صلاح الأمة في علو الهمة
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ
الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ
عَلَيْهِمْ ءَايَتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَنَا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَّكَّلُونَ
[الأنفال].
٣
وَمِمَّا رَزَقْتَهُمْ يُنْفِقُونَ
وقال تعالى: ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَأَخْشَوْهُمْ
فَزَادَهُمْ إِيمَنَّا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (®) فَأَنْقَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ
[آل عمران].
١٧٤
لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوَةٌ وَأَتَّبَعُواْرِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ
** وقال تعالى: ﴿وَلَمَّا رَءَا اُلْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُواْ هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ.
وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَمَا زَادَهُمْ إِلَّ إِيَمَنَا وََسْلِيمًا
[الأحزاب].
٢٢
وقال تعالى: ﴿ وَإِذَا مَآ أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتَّهُ هَذِهِ.
وَمَّا الَّذِينَ فِى
إِيمَنَا فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَنَّا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١)
قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَفِرُونَ
١٢٥
[التوبة].
** ◌ٍ وقال تعالى: ﴿هُوَ اُلَّذِىَّ أَنْزَلَ السَّكِيْنَةَ فِ قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُواْ إِيمَنَّا مَّعَ
[الفتح].
إِيمَنِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَ كَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ئن،
. وقال تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَبَ النَّارِ إِلَّا مَلَتِكَةُ وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ
كَفَرُواْ لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُواْالْكِتَبَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ ء ◌َامَنُواْإِيَأْ وَلَا يَتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِنَبَ وَالْمُؤْمِنُونُ
وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم ◌َرَضٌ وَالْكَفِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًّا كَذَلِكَ يُضِلُّ اَللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِى مَن
ج
٤ [المدثر].
٣١
يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُودَ رَبِّكَ إِلَّهُوَّ وَمَا هِىَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ
هذه ستة مواضع من كتاب الله وَّ تقرر هذه الحقيقة. إن الإيمان
يزداد في قلوب أصحابه، وإن هناك عوامل وأسبابًا لزيادته .. ولا أدري
كيف أجاز مسلمون سابقون لأنفسهم أن يختلفوا في هذه القضية؟
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com