Indexed OCR Text

Pages 481-500

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٤٨١
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول
وسمعتُ أبي رضي الله عنه أيضًا يحكي أن شيخ الإِسلام عز الدين بن
عبد السلام كان يُسمع الحديث بدمشق ، فلما دخل القاهرة بطَّل ذلك ،
وصار يحضر مجلس الشيخ زكيّ الدين ، ويسمع عليه في جملة مَنْ يَسْمع
ولا يُسْمِع ، وأن الشيخ زكي الدين أيضًا ترك الفتيا، وقال : حيث دخل
الشيخ عز الدين لا حاجة بالناس إلَّي)).
وحدَّث الإِمام النووي عن شيخه ضياء الدين إبراهيم بن عيسى المراد
يصف حال شيخه المنذري، قال: ((لم أرَ ولم أسمع أحدًا أكثر اجتهادًا
منه في الاشتغال ، كان دائم الاشتغال في الليل والنهار . قال : وجاورتُه
في المدرسة ، يعني بالقاهرة ، بيتي فوق بيته اثنتي عشرة سنة ، فلم أستيقظ
في ليلة من الليالي ، ساعة من ساعات الليل ، إلَّ وجدتُ ضوء السِّراج في
بيته وهو مشتغل بالعلم ، وحتى كان في حال الأكل والكتاب والكتب عنده
يشتغل فيها. وكان لا يخرج من المدرسة لا لعزاء، ولا لهناء، ولا لفرجة،
ولا لغير ذلك ، إلا لصلاة الجمعة ، بل يستغرق كل الأوقات في العلم ،
رضي الله تعالى عنه وعن والديْنا والمسلمين)) (١) .
٢٤٢ - الضياء المقدسي ، أبو عبد الله ، محمد بن عبد الواحد بن أحمد
المقدسي :
((الشيخ الإِمام الحافظ القدوة المُحقِّق المجوِّد بقية السلف ، صاحب
التصانيف والرحلة الواسعة ، أجاز له الحافظ السِّلَفي ، وشهدة الكاتبة . سمع
بدمشق، وبمصر، وبأصبهان، ونيسابور، ومرو، وحلب، وحرّان ، والموصل ،
وهمذان ، وغير ذلك . وبقي في الرحلة المشرقية مدة سنين . وتخَّج بالحافظ
عبد الغني ، وبرع في هذا الشأن ، وكتب عن أقرانه ومَنْ هو دونه ، وحصَّل
الأصول الكثيرة، وجرّح وعدَّل، وصحّح وعلّل ، وقيَّد وأهمل ، مع الديانة
(١) بستان العارفين (ص ١٩١ ) الطبعة الثالثة بدمشق .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٤٨٢
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الأول
والآمانة والتقوى والصيانة والورع والتواضع والصدق والإِخلاص وصحة
النقل . وله التصانيف المشهورة ؛ منها الأحاديث المختارة . ولم يزل
مُلازمًا للعلم والرواية والتأليف إلى أن مات ، وتصانيفه نافعة مُهذَّبة ، أنشأ
مدرسةً إلى جانب الجامع المظفري، وكان يبني فيها بيده، ويتقنَّع باليسير،
ويجتهد في فعْل الخير ونشر السُّنَّة، وفيه تعبُّدٌّ وانجماعٌ عن الناس .
قال ابن الحاجب فيما قرأتُ بخطِّهِ : سألتُ زكَي الدين البرزالي عن
شيخنا الضياء ، فقال : حافظٌ ، ثقةٌ ، جَبِّلٌ، ديِّنٌ، خيّرٌ .
وقال الشيخ عز الدين عبد الرحمن بن العز : ما جاء بعد المدارقطني
مثل شيخنا الضياء ، أو كما قال .
وقال الحافظ شرف الدين يوسف بن بدر : رحم الله شيخنا ابن عبد
الواحد ، كان عظيم الشأن في الحفظ ومعرفة الرجال ، هو كان المشارَ
إليه في علم صحيح الحديث وسقيمه، ما رأتْ عيناي مثله .
وقال عمر بن الحاجب: شيخُنا الضياء شيخُ وقته، ونسيجُ وحْده؛ علمًا
وحفظًا وثقةً ودينًا، من العلماء الربَّانيِّين، وهو أكبر من أن يدلّ عليه مثلي.
قال الحافظ محبُّ الدين ابن النجار في تاريخه : كتب أبو عبد الله
بخطِّهِ الأصول ، وسمعنا منه وبقراءته كثيرًا ... إلى أن قال : وأقام بهراة
ومرو مُدَّةً ، وكتب الكتب الكبار بخطّه، وحصَّل النُّسَخ ببعضها بِهِمَّة
عالية ، وجدٍّ واجتهادٍ ، وتحقيقٍ وإتقانٍ ، كتبتُ عنه ببغداد ونيسابور
ودمشق ، وهو حافظ مُتْقِنٌ ، ثبتٌ صدوقٌ ، نبيلٌ حُجَّةٌ ، عالمٌ بالحديث
وأحوال الرجال، له مجموعات وتخريجات، وهو ورِعٌ تقِّ، زاهدٌ عابدٌ،
مُحتاطٌ في أكْل الحلال ، مُجاهد في سبيل الله ، ولعمري ما رأتْ عيناي
مثله في نزاهته وِفْته وحُسْن طريقته في طلب العلم)) (١) .
(١) سير أعلام النبلاء ٢٣ / ١٢٦ - ١٣٠.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الأول
٤٨٣
٢٤٣ - الشيخ الإِمام شيخ الإسلام، أبو الفتح، تقي الدين، مجد الدين،
ابن دقيق العيد ، محمد بن علي بن وهب القشيري :
((الجامع بين العلم والدين ، والسالك سبيل السادة الأقدمين ، أكمل
المتأخّرين، بحرُ العلم الذي لا تُكدِّرُه الدِّلاءِ، ومَعدنُ الفضل الذي
لقاصده منه ما يشاء، إمامُ المتأخّرين ؛ كلمة لا يجحدونها ، وشهادة على
أنفسهم يؤدُّونها . كان للعلوم جامعًا ، وفي فنونها بارعًا ، مُقدَّمًا في معرفة
علل الحديث على أقرانه ، مُنفردًا بهذا الفنِّ النفيس في زمانه ، بصيرًا بذلك ،
سديدَ النظر في تلك المسالك .
إذا قالَ لم يتركْ مقالًا لقائلٍ
مصیب و لم يثنِ اللسانَ علی مُجْرِ
وكان حَسَنَ الاستنباط للأحكام والمعاني ؛ من السنَّة والكتاب ، بلُبِّ
يسحر الألباب ، وفكرٍ يستفتح له ما يستغلق على غيره من الأبواب .
وكان من العلومِ بحيثُ يُقضَى له من كلّ علمٍ بالجميعِ
نشأ الشيخ بقوص على أزكى قدَمٍ من العفاف والمواظبة على الاشتغال.
تفقّه بقوص على والده ، وكان والده مالكَّي المذهب ، ثم تفقّه على شيخ
الإِسلام عز الدين بن عبد السلام ، فحقّقَ المذهبين ، ولذلك يقول فيه الإِمام
العلامة ابن القَوْبَع :
فَأَعْلِ بِهِمَّةِ الصَّبِّ الصَّبِّ
صِبًا للعلمِ صَبَّا في صباهُ
وأَثْقَنْ والشبابُ له لِباسٌ أَدِلّةَ مالك والشافعيِّ
وأما دأبه في الليل علمًا وعبادةً ، فأمْرٌ عُجابٌ ، ربما استوعب الليلة ،
فطالع فيها المُجلَّد أو المُجلَّدين ، وربما تلا آيَةً واحدةً ، فكَّرها إلى مطلع
الفجر ، استمع له بعض أصحابه ليلةً وهو يقرأ ، فوصل إلى قوله: ﴿ فإذا
نُفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذٍ ولا يتساءلون ﴾ [المؤمنون: ١٠١].
قال: فما زال يُكِّرها إلى طلوع الفجر))(١).
(١) طبقات الشافعية ٩ / ٢٠٧ - ٢١١ .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٤٨٤
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الأول
قال الحافظ ابن كثير (١٤ / ٢٩): ((سمع الكثير، ورحَل في
طلب الحديث ، وخَّج وصنَّف فيه - إسنادًا ومتنًا - مُصنَّفاتٍ عديدةً ،
فريدةً مُفيدةً ، وانتهت إليه رياسة العلم في زمانه ، وفاق أقرانه ، ورحل
إليه الطلبة، ودَرَّس في أماكن كثيرة، ثم ولي قضاء الديار المصرية ومشيخة
دار الحديث الكاملية .
قال رحمه الله :
أهُلُ الفضائِل مرُذُولون بينَهُمُ
أهُلُ المناصِبِ في الدنيا ورِفعَتِها
منازلَ الوحشِ في الإِهمالِ عندهُمُ
قد أنزلونا لِأَنَّا غَيْرُ جِنْسِهِمُ
ولا لهم في تَرَقِّي قَدْرِنَا هِمَمُ
فما لَهُم في تَوَقِّي ضُرِّنا نَظَرٌ
مقدارَهم عندنا أو لو دروهُ هُمُ
فليتنا لو قَدَرْنا أن نُعَرِّفهم
وعندنا المتُعِبانِ العِلمُ والعدمُ
لهم مُرِيحان من جَهْلٍ وفرطِ غنَّى
وقد ناقضه الفتح البَقَقِيّ المنسوب إلى الزندقة ، فقال وأجاد :
عند الذي حازَ علمًا ليس عندهمُ
أين المراتِبُ والدنيا ورفعَتُها
لِقَدْرِهم عندنا قَدْرٌ ولا لَهُمُ
تَقُودهُمْ حيثُ ما شِئْنا وهم نَعَمُ
عنهم لأنهُمُ وجدانُهُم عَدَمُ
وفيهمُ المُتْعِبَانِ الجهلُ والحَشَمُ
لاشكَّ أنَّ لنا قدْرًا رَأَوْهُ وَمَا
همُ الوحوشُ ونحنُ الإِنس حکمتُنا
وليس شيءٌ سوى الإِهمال يقْطَعُنَا
لنا المُريحانِ من عِلْمٍ ومن عَدَمٍ
وله رحمه الله :
الله دَرُّ الفئِةِ الأمجادِ
عَرَفُوا وهم بالغَوْرِ من وادي الغَضا
فسَرَوْا لنجدٍ لا يَمَلُون السُّرَى
لا يقطعون من المناهِلِ مَعْلَمًا
السالكينَ مسالكَ الأفرادِ
أَنْ رُحِّلوا لمبارِك العُبّادِ
أو يَظفَروا منها بكُلِّ مرادٍ
إلَّا ولاحَ سِواهُ بالمرصادِ
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عَلْوَ الهمة - المجلد الأول
٤٨٥
عَدَمُ الرفيق ولا نفادُ الَّادِ
لَمْ يَثْنِهِم طولُ الطريقِ لَهُمُ ولا
كأسًا ثُميلُهمُ على الأعوادِ
سَقَّتْهُمُ مَسَّ النُّعاسِ جُفونُهُمْ
بنسيمِ نجدٍ أو غناءِ الحادي
وتكادُ أنفسُهُم تفيظُ(١) وَتَحْتَبِي
أَطَّتْ بِوَقْعِ السَّوْطِ والإِجهادِ
نَادَتْهُمُ النُّجُبُ الركائبُ عندما
طيبُ الحياةِ بِنَجْدَ إِلَّا أَنَّهُ
فأجابها صدْقُ العزيمةِ إِنَّمَا
لله دَرُهُمُ فقد وصلوا إلى
وَقَدْ يَعِزُ علَّ أَنَّهُمُ غدَوْا
مِن دونِ ذاكَ تَفَتُّتُ الأكبادِ
نحنُ المعالي أنْفُسُ الأجْوَادِ
ظِلِّ النعيم وبْدِ حَرِّ الصادي
والدارُ قَفْرًا مِنْهُمُ بِبِعادِ
بين اعتراضٍ عواتقٍ وغوادي
فَلَأنهضَنَّ إلى الحمى متوجّهًا
تُدْني الهلاكَ وَلَوْ عُدِمتُ الهادي
ولَأَقْطَعَنَّ عليه كُلَّ مَفَازَةٍ
٢٤٤ - شيخ الإِسلام ، الإِمام مُحيي الدين ، أبو زكريا ، يحيى بن شرف
ابن مِرَى النووي :
أستاذ المتأخرين، وحُجَّةُ الله على اللاحقين ، والداعي إلى سبيل
السالفين .
كان يحيى رحمه الله سيِّدًا وحصورًا ، وليْئًا على النفس هصورًا،
وزاهدًا لا يبالي بخراب الدنيا إذا صَّيَّر دينه رَبْعًا معمورًا ، له الزهد والقناعة ،
والمصابرة على أنواع الخير ، لا يصرف ساعة في غير طاعة ، هذا مع التفتُّن
في أصناف العلوم ؛ فقهًا، ومتونَ أحاديثٍ ، وأسماءَ رجال ، ولغةً .
كان السبكي - لما سكن دار الحديث الأشرفية بعد موت النووي -
يخرج في الليل إلى إيوانها ؛ ليتهجَّد ، ويُمرِّغ وجهه على البساط الذي كان
النووي يجلس عليه وقت الدرس ، فقال :
(١) تفيظ : تموت .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٤٨٦
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الأول
على بُسُط لها أصبو وآوي
وفي دار الحديث لطيفُ معنًّ
مكانًا مَسَّهُ قَدَمُ النَّواوي
عسى أني أمسُّ بِحُرِّ وجهي
رحم الله سفيان بن عيينة إذ يقول: ((عند ذكر الصالحين تتنزّل
الرحمة)) .
وقال محمد بن يونس: ((ما رأيتُ للقلب أنفع من ذكْر الصالحين))(١).
أما مبدأ أَمْر واشتغال النووي وصباه ، فنذكره في عُلُوِّ هِمَّة الصبيان.
قال النووي لتلميذه ابن العطار: (( لما كان عُمُري تسع عشرة سنةً ،
قدم بي والدي إلى دمشق في سنة تسع وأربعين ، فسكنتُ المدرسة الرّواحية ،
وبقيتُ نحو سنتين لم أضعْ جنبي إلى الأرض ، وكان قوتي فيها جراية المدرسة
لا غير)) .
قال: ((وحفظتُ كتاب (( التنبيه)) في نحو أربعة أشهر ونصف،
وحفظتُ رُبُعَ العبادات من ((المهذب)) في باقي السَّنَة)).
رحم الله النووي، ورحم الله الشيرازي الذي ألَّف ((المهذب)) في
أربعة عشر عامًا ، وحفظ رُبُعَ العبادات منه النووي في سبعة أشهر ونصف .
قال النووي: ((وجعلتُ أشرح وأصحّح على شيخنا الإِمام العالم ،
الزاهد الوَرِعِ ، ذي الفضائل والمعارف ، أبي إبراهيم إسحاق بن أحمد بن
عثمان المغربي الشافعي رحمه الله، ولازمتُه)). قال: ((فأُعجب بي لما رأى
من اشتغالي ومُلازمتي وعدم اختلاطي بالناس، وأحبََّي محبَّةٌ شديدة، وجعلني
أعيد الدروس في حلقته لأكثر الجماعة )) .
قال الذهبي عن النووي: ((وضرب به المثل في إكبابه على طلب العلم
ليلًا ونهارًا، وهجرة النوم إلا عن غلبة ، وضبطٍ أوقاته بلزم الدرس ، أو
الكتابة ، أو المطالعة ، أو التردُّد على الشيوخ)).
(١) طبقات الشافعية للسبكي ٧ / ٢١٥، ٢٢١.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلْوَ الهمة - المجلد الأول
٤٨٧
وحكى البدر بن جماعة أنه سأله عن نومه ، فقال: (( إذا غلبني
النوم؛ استندت إلى الكتب لحظةً ثم أنتبه ))(١) .
وفي ترجمة النووي للسخاوي قال البدر : (( كنتُ إذا أتيتُه أزوره ؛
يضع الكتب على بعض ليُوسِّع لي مكانًا أجلس فيه)).
لما رجع من الحج قال عنه والده: ((فلما قضينا المناسك ، ووصلنا
إلى ( نوى ) ، ونزلنا إلى دمشق ؛ صبَّ الله عليه العلم صبًّا، ولم يزل يشتغل
بالعلم ، ويقتفي آثار شيخه المذكور في العبادة ؛ من الصلاة وصيام الدهر ،
والزهد والورع ، وعدم إضاعة شيء من أوقاته ، إلى أن تُوفِّي رحمه الله)).
فلما توفي شيخه المذكور ؛ ازداد اشتغاله بالعلم والعمل .
قال ابن العطاء - تلميذه - في ترجمته: ((وذكر لي الشيخ قدَّس الله
روحه ، قال: كنتُ أقرأ كل يوم اثني عشر درسًا على المشايخ؛ شرحًا
وتصحيحًا: درسين في ((الوسيط))، ودرسًا في ((المُهَذِّب))، ودرسًا في
(الجمع بين الصحيحين))، ودرسًا في ((صحيح مسلم))، ودرسًا في ((اللُّمع)) لابن
جنِّي في النحو ، ودرسًا في (( إصلاح المنطق)) لابن السِّكِّيت في اللغة،
ودرسًا في التصريف، ودرسًا في أصول الفقه؛ تارةً في ((اللُّمع )) لأبي إسحاق،
وتارةً في ((المنتخب)) لفخر الدين الرازي ، ودرسًا في أسماء الرجال ، ودرسًا
في أصول الدين )» .
قال: (( وكنتُ أُعلِّق جميع ما يتعلَّق بها ؛ من شرح مُشْكل ، ووضوح
عبارة ، وضبطٍ لغة ، وبارك الله لي في وقتي ، واشتغالي ، وأعانني عليه)).
قال الشيخ عبد الغني الدقر في كتابه ((الإمام النووي)) (٣٤):
(( اثنا عشر درسًا يقرؤها على المشايخ كل يوم؛ شرخًا وتصحيحًا، ويُعلِّق
(١) ترجمة الإِمام النووي للسخاوي ( صـ ٣٦).
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٤٨٨
صلاح الأمة في عُلْوَ الهمة - المجلد الأول
ما يتعلق بها من شرح مُشكل ، وإيضاح عبارة ، وضبط لغة ، تحتاج كل
يوم إلى اثنتي عشرة ساعة على أقل تقدير ، وتحتاج إلى مراجعة ما يجب
أن يُراجع، وحفظ ما يجب أن يُحفظ بأدنى التقدير إلى اثنتي عشرة ساعة ،
فهذه أربع وعشرون ساعة، فمتى يّنام؟! ومتى يأكل؟! ومتى يقوم بعبادته ؟!
ومتى يتهجَّد في ليله ؟! ومعروف أنه سبَّاقٌ إلى الطاعات والعبادات ... متى
يكون هذا كله وهو مُحتاج إلى دراسته ومُراجعته إلى أربع وعشرين ساعة
في اليوم والليلة ؟!
هنا يبدو إكرامُ الله إياه ، وتفضُّلُه عليه ، وذلك بأنْ بارك الله له في
وقته ، فمنحه القدرة على أن يُنتج في يوم ما يُنتج غيره في يومين ، وفي
سنة ما يُنتج غيره في سنتين ، وبهذا نُفسِّر هذه الوثبة الهائلة التي جعلتْ
منه في نحو عشر سنوات عالمًا في درجة كبار علماء عصره ، ثم جعلتْ
منه إمامَ عصره ، كما نُفسِّر هذه الكثرة الهائلة من مؤلّفاته المتقنة الرائعة
في فترة لا تتجاوز خمسًا وعشرين سنة ، هي كُلُّ عُمُره في العلم ، تعلُّمًا
وتعليمًا وتأليفًا)). انتهى.
قال النووي: ((أخدتُ الفقه؛ قراءةً وتصحيحًا وسماعًا وشرحًا
وتعليقًا عن جماعات :
أوَّلُهم : شيخي الإِمام المُتَّفَق على علمه ، وزهده ، وورعه ، وكثرة
عباداته ، وعِظَم فضله ، وتميُّزِه في ذلك على أشكاله : أبو إبراهيم إسحاق
ابن أحمد بن عثمان المغربي ، ثم المقدسي رضي الله عنه وأرضاه .
ثم شيخنا ، العارف الزاهد العابد ، مُفتي دمشق في وقته : أبو محمد
عبد الرحمن بن نوح بن محمد المقدسي .
ثم شيخنا : أبو حفص ، عمر بن أسعد الرّبعي الأربلي الإِمام المُتِقِن
المُفتي )) .
رحم الله يحيى بن معاذ الرازي القائل: (( العلماء أرأف بأُمَّة محمد
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الأول
٤٨٩
عَّ له من آبائهم وأُمَّهاتهم؛ لأنهم يحفظونهم من نار الآخرة وأهوالها،
وآباؤهم وأمهاتهم يحفظونهم من الدنيا وآفاتها )).
((سمع النووي ((صحيح البخاري)) و((صحيح مسلم))، و ((سُنَنَ
أبي داود)) و((سُنَنَ الترمذي))، وسمع ((سُنَنَ النسائي)) بقراءته، ((وموطَّأَ
مالك))، و (( مُسَنَد الشافعي))، و((مُسَنَد أحمد بن حنبل)) و (( سُنَنَ
الدارمي))، و((مُسَنَد أبي عوانة الإِسفرائيني))، و ((مسند أبي يعلى الموصلي))،
و ((سُنَنَ ابن ماجه)) و ((سُنَنَ الدار قطني))، و((سُنَنَ البيهقي))، و((شرح
السنة)) البغوي، و ((معالم التنزيل)) في التفسير له، وكتاب ((الأنساب))
للزبير بن بكّار، و((الخطب النباتية))، و((عمل اليوم والليلة)) لابن
السُّنِّي، وكتاب (( آداب السامع والراوي)) للخطيب، وأجزاء كثيرةً غير
ذلك .
وقُرىء عليه ((البخاري)) و ((مسلم)) بدار الحديث الأشرفية؛ سماعًا
وبحثًا .
وقرىء عليه ((الرسالة)) للقشيري، و ((صفة الصفوة))، وكتاب
((الحُجَّة على تارك المحجَّة)) لنصر المقدسي؛ بحثًا وسماعًا .
وسمع من النووي خلْق كثير من العلماء والحفّاظ والصدور والرؤساء ،
وتخرَّج به خلق كثير من الفقهاء ، وسار علمُه وفتاويه في الآفاق ،
ووقع على دينه وعِلمه وزهده وورعه ومعرفته وكرامته : الوِفَاق ، وانتفع
الناس في سائر البلاد الإسلامية بتصانيفه ، وأكبُّوا على تحصيل تواليفه .
وذكر لي رحمه الله أنه كان لا يُضيِّع له وقتًا في ليل ولا نهار ،
إلا في وظيفة من الاشتغال بالعلم ، حتى في ذهابه في الطرق ومجيئه يشتغل
في تكرار محفوظه ، أو مُطالعة ، وأنه بقي على التحصيل على هذا الوجه
نحو ست سنين .
ثم إنه اشتغل بالتصنيف، والإِشغال، والإِفادة، والمُناصحة للمُسلمين
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٤٩٠
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الأول
وولاتهم ، مع ما هو عليه من المجاهدة لنفسه ، والعمل بدقائق الفقه ،
والاجتهاد ، والخروج على خلاف العلماء وإن كان بعيدًا .
وكان مُحقِّقًّا في علومه وفنونه ، مُدقّقًا في علمه وكل شئونه ، حافظًا
لحديث رسول الله عَ ليه ، عارفًا بأنواعه كلها ؛ من صحيحه وسقيمه ،
وغريب ألفاظه وصحيح معانيه واستنباط فقهه ، حافظًا لمذهب الشافعي
وقواعده وأصوله وفروعه ، ومذاهب الصحابة والتابعين ، واختلاف العلماء
ووفاقهم وإجماعهم، وما اشتهر من ذلك جميعه وما هُجر ، سالكًا في
كلِّها ذكْر طريقة السلف ، قد صرف أوقاته كلها في أنواع العلم والعمل ؛
فبعضها للتصنيف ، وبعضها للتعليم ، وبعضها للصلاة ، وبعضها للتلاوة ،
وبعضها للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر))(١).
صنَّف رحمه الله كُتُبًا في الحديث والفقه ، عمَّ النفعُ بها ، وانتشر في
أقطار الأرض ذكْرُها؛ منها: (( المنهاج في شرح صحيح مسلم)). قال
عنه السخاوي: هو عظيمُ البركة. ومنها: ((الإِشارات إلى بيان الأسماء
المُبهمات))، و((رياض الصالحين)). قال السخاوي: ((إنه جليلٌ لا يُستغنى
عنه))، و((الأذكار))، وكتاب ((الأربعين))، و((التيسير في مختصر الإِرشاد
في علوم الحديث)). ومنها: ((الإِرشاد))، و((التحرير في ألفاظ التنبيه))،
و((العمدة في تصحيح التنبيه))، و((الإِيضاح في المناسك))، و((الإِيجاز
في المناسك))، و((التبيان في آداب حَمَلَةِ القرآن)) . قال عنه السخاوي :
((نفيسٌ لا يُستغنى عنه، خصوصًا القارىء والمُقرىء)). ومنها: ((مسألة
الغنيمة)). ومنها: ((القيام)). ومنها:" ((كتاب الفتاوى)). رتَّبها ابن
العطَّار. ومنها: ((الروضة في مختصر الروضة)). قال السخاوي عنها:
(١) تحفة الطالبين في ترجمة الإِمام محيي الدين . لابن العطار. تحقيق : مشهور حسن
سلمان من ( ٤٣ - ٦٨ ) .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٤٩١
صلاح الأمة في عُلْوَ الهمة - المجلد الأول
((هي كاسمها فيما قاله ابن المُلقّن)). قال الإِسنوي في ((المُهمَّات)):
(( وكانت أنفسَ ما تأثّر من تصانيفه ؛ لبركات نَفَسِهِ ، وتأتي من ثمرات
غراسه )). ومنها: ((المجموع في شرح المُهذَّب إلى أثناء باب الرباء)).
قال الإِسنوي: ((وهذا الشرح من أجلُّ كُتُبه وأنفسها)). إلى غير ذلك.
أمر تلميذه ابن العطار بغسل نحو ألف كرّاس بخطّه ، فكم كتب
وأبقى لنفسه !!
قال المُحدِّث أبو العباس أحمد بن فرح الإِشبيلي رحمه الله ، وكان
له ميعاد على الشيخ في الثلاثاء والسبت؛ يوم يشرح في ((صحيح البخاري)»،
ويوم يشرح في ((صحيح مسلم)). قال: ((كان الشيخ مُحيي الدين قد
صار إليه ثلاث مراتب ، كلّ مرتبةٍ منها لو كانت لشخص ؛ شُدَّت إليه
آباط الإِبل من أقطار الأرض :
المرتبة الأولى : العلم والقيام بوظائفه .
الثانية : الزهد في الدنيا وجميع أنواعها .
الثالثة : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
ولله درُّ القائل في رثاء النووي :
وأنت باليُمنِ والتوفيقِ مُشتِمِلُ
وكنتَ في سنةِ المختارِ مُجتهدًا
بها سواك إذا عَنَّتْ لهُ قِبَلُ
عزفتَ عن شهواتٍ ما لعزم فتىٍ
أسهرتَ في العلم عينًا لم تَذُقْ سِنَةً
إلَّا وأنت به في الحلم مُشتَغِل
وحَلْيَهُ فعراهُ بعدكَ العَطَلُ
يا لهْفَ حفلٍ عظيمٍ كنتَ بهجتَهُ
نالوا بُيُمْنِك منه فوقَ ما أَمِلُوا
وطالبُ العلمِ من دانٍ ومغتربٍ
وهِمَّةٍ هامةَ الجوزاءِ تنتعلُ
و کم تواضعتَ عن فضل وعن شرفٍ
ويرحم الله مَنْ قال في النووي :
قد كنتَ كاسمِك مُحيي الدين مجتهدًا ومن دُعائك نال النصرَ فُرسانُ(١)
(١) تحفة الطالبين في ترجمة الإِمام مُحيي الدين. لابن العطَّار.
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٤٩٢
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول
٢٤٥ - الإِمام شيخ الإسلام تقي الدين ، أبو العباس ، أحمد بن عبد الحليم
ابن تيمية الحَّاني :
الَّباني .. مُفتي الأمة، وبحر العلوم ، وسيِّدُ الحفّاظ ، وفارس المعاني
والألفاظ ، فريدُ العصر ، وقريعُ الدهر ، بركةُ الأنام ، وعَلَّامةُ الزمان ،
وترجمان القرآن، عَلَمُ الزُّهَّاد، وأوحدُ العُبَّاد، قامعُ المبتدعين، وشيخُ المجتهدين.
شيوخه الذين سمع منهم أكثر من مائتي شيخ .
قال الحافظ عمر البزّار في ((الأعلام العلية في مناقب ابن تيمية))
(١٧ - ١٨): ((لم يزل منذ إيَّان صِغَرِه مُستغرق الأوقات في الجدِّ والاجتهاد،
وختم القرآن صغيرًا ، ثم اشتغل بحفظ الحديث والفقه والعربية ، حتى برع
في ذلك ، مع ملازمة مجالس الذِّكْر وسماع الأحاديث والآثار ، ولقد سمع غير
كتاب على غير شيخ من ذوي الروايات الصحيحة العالية، أما دواوين الإِسلام
الكبار ، كمُسند أحمد، وصحيح البخاري ، ومسلم ، وجامع الترمذي ،
وسنن أبي داود ، والنسائي ، وابن ماجه ، والدار قطني؛ فإنه - رحمه الله ،
ورضي عنهم وعنه - سمع كل واحد منها عدَّة مَّات . وأوَّلُ كتاب حفظه
في الحديث ((الجمع بين الصحيحين)) للإِمام الحميدي ، وقلّ كتاب من فنون
العلم إلّا وقف عليه ، وكان الله قد خصَّه بسرعة الحفظ وإبطاء النسيان ،
لم يكن يقف على شيء ، أو يستمع لشيء غالبًا إلا ويبقى على خاطره ؛
إمَّا بلفظه أو معناه. وكان العلم كأنه قد اختلط بلحمه ودمه وسائره ، فإنه
لم يكن له مُستعارًا، بل كان له شِعارًا ودِثارًا)).
قال الحافظ الذهبي في شيخ الإسلام ابن تيمية: ((كان يحضر المدارس
والمحافل في صِغَره ، ويُناظر ويُفحم الكبار ، ويأتي بما يتحيَّرُ منه أعيان البلد
في العلم ، فأفتى وله تسع عشرة سنة ؛ بل أقلّ ، وشرع في الجمع والتأليف
من ذلك الوقت ، وأكَبَّ على الاشتغال )).
قال بعض قدماء أصحاب الشيخ ابن تيمية: ((لاتكاد نفْسُهُ تشبع
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الأول
٤٩٣
من العلم ، فلا تروى من المطالعة ، ولا تملُّ من الاشتغال ، ولا تكلّ من
البحث ، وقلّ أنْ يدخل في علم من العلوم من باب من أبوابه إلا ويُفتح
له من ذلك الباب أبواب ، ويستدرك مُستدركاتٍ في ذلك العلم على حُذَّاق
أهله . مقصوده الكتاب والسُّنَّة ، ولقد سمعتُه في مبادىء أمره يقول : إنه
ليَقفُ خاطري في المسألة والشيءٍ أو الحالة التي تُشكل علَّي ، فأستغفر
الله تعالى ألف مَرَّةٍ ، أو أكثر أو أقلّ ، حتى ينشرح الصدر وينحلَّ إشكال
ما أُشكل ، قال : وأكون إذ ذاك في السوق أو المسجد أو الدرب أو
المدرسة، لا يمنعني ذلك من الذِّكْر والاستغفار، إلى أن أنال مطلوبي)) (١).
قال الحافظ ابن عبد الهادي: (( لم يبرح شيخنا في ازدياد من العلوم ،
وملازمة الاشتغال والإِشغال ، وبثُ العلم ونشْره، والاجتهاد في سبل الخير،
حتى انتهتْ إليه الإِمامة في العلم والعمل )).
. قال ابن عبد الهادي: ((قال شيخنا الحافظ أبو الحجاج - المزري -:
ما رأيتُ مثله ، ولا رأى هو مثل نفسه ، وما رأيتُ أحدًا أعلم منه .
وقال ابن الزِّملكاني : كان إذا سُئل عن فنٌّ من العلم ظِنَّ الرائي
والسامع أنه لا يعرف غير ذلك الفنِّ ، وحكم أن أحدًا لا يعرف مثله .
وكان الفقهاء من سائر الطوائف إذا جلسوا معه استفادوا في مذاهبهم منه
ما لم يكونوا عرفوه قبل ذلك ، ولا يُعرف أنه ناظر أحدًا فانقطع معه، وكانت
له اليد الطولى في حُسْن التصنيف وجودة العبارة والترتيب والتقسيم والتبيين.
ووقعتْ مسألة فرعية في قسمة جرى فيها اختلاف بين المُفتين في العصر ؛
فكتب فيها مُجلَّدة كبيرة ، وكذلك وقعت مسألة في حدٍّ من الحدود ؛
فكتب فيها مُجلَّدة كبيرة ، ولم يخرج في كل واحدة عن المسألة ، ولا طوَّل
(١) العقود الدُّرّية في مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية لابن عبد الهادي (صـ ٥، ٦).
طبع دار الكتب العلمية .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٤٩٤
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الأول
بتخليط الكلام والدخول في شيء والخروج من شيء ، وأتى في كل
واحدة بما لم يكن يجري في الأوهام والخواطر ، واجتمعت فيه شروط
الاجتهاد على وجهها)).
وقال فيه البرزالي: (( قرأ الفقه وبرع فيه والعربية والأصول ، ومهر
في علمْ التفسير والحديث ، وكان إمامًا لا يُلحق غُبارُهُ في كل شيء ،
وكان إذا ذكر التفسير ؛ بُهت الناس من كثرة محفوظه وحُسْن إيراده وإعطائه
كلَّ قول ما يستحقّه من الترجيح والتضعيف والإِبطال ، وخوضه في كل
علم . كان الحاضرون يقضون منه العجب ، هذا مع انقطاعه إلى الزهد
والعبادة والاشتغال بالله تعالى والتجُّد من أسباب الدنيا، ودعاء الخلق إلى
الله تعالى . وكان يجلس في صبيحة كل جمعة على الناس يُفسِّر القرآن
العظيم ، فانتفع بمجلسه ، وبركة دعائه ، وطهارة أنفاسه ، وصدْق نيَّته ،
وصفاء ظاهره وباطنه ، وموافقة قوله لعمله ، وأناب إلى الله - خَلْقٌ
كثيرٌ )).
قال عنه الذهبي: (( برع في العلم والتفسير ، وأفتى ودرَّس وله نحو
العشرين سنة . وصنَّف التصانيف ، وصار من كبار العلماء في حياة شيوخه،
وله من المُصنَّفات الكبار التي سارت بها الركبان، ولعلَّ تصانيفه في هذا
الوقت تكون أربعة آلاف كرّاس وأكثر . وفسَّر كتاب الله تعالى مُدَّة سنين
من صدره أيام الجمع ، وكان يتوقّد ذكاءً. وسماعاته من الحديث كثيرة ،
وشيوخه أكثر من مائتي شيخ . ومعرفته بالتفسير إليها المُنتهى . وحفْظُه
للحديث ورجاله وصِحَّتِه وسِقَمِه ، فما يُلحق فيه . وأمَّا نقْله للفقه ومذاهب
الصحابة والتابعين - فضلًا عن المذاهب الأربعة - فليس له فيه نظير . وأمّا
معرفتُه بالمِلَلِ والنِّحَلِ والأصول والكلام ؛ فلا أعلم له فيه نظيرًا . ويدري
جملةً صالحةً من اللغة ، وعربيته قويَّةٌ جدًّا . ومعرفته بالتاريخ والسِّير فعجبٌ
عجيبٌ )).
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الأول
٤٩٥
وقال الذهبي في موضع آخر - وقد ذكر الشيخ رحمه الله -: ((كان
آيةً في الذكاء وسرعة الإِدراك ، رأسًا في معرفة الكتاب والسُّنَّة والاختلاف،
بحرًا في النقليَّات، هو في زمانه فريدَ عصره علمًا وزهدًا، وشجاعة وسخاءً،
وأمرًا بالمعروف ونهيًا عن المنكر ، وكثرة تصانيف، وقرأ وحصَّل ، وبرع
في الحديث والفقه ، وتأهّل للتدريس والفتوى ، وهو ابن سبع عشرة سنة .
وتقدَّم في علم التفسير والأصول، وجميع علوم الإِسلام؛ أصولها وفروعها،
ودِقِّها وجُلِّها ، سوى علم القراءات . فإنْ ذُكِرَ التفسير فهو حامل لوائه .
وإنْ عُدَّ الفقهاء فهو مجتهدهم المُطلق. وإذْ حضر الحُفَّاظ نطق وخرسوا،
وسرد وأُبلسوا، واستغنى وأفلسوا . وإن سُمِّي المُتكلِّمون فهو فردهم ،
وإليه مرجعهم . وإن لاح ابن سينا يقْدم الفلاسفة فَلَّهم وتَيَّسهم ، وهتك
أستارهم، وكشف عوارهم. وله يدّ طولى في معرفة العربية والصرف واللغة،
وهو أعظم من أن يصفه كَلِمي ، أو يُنْبِّه على شأوه قلمي . فإن سيرته
وعلومه ومعارفَه ، ومحَنَهُ وتنقُّلاته ؛ تحتمل أن تُرصَّع في مُجلَّدتين ، وهو
بشرٌ من البشر ؛ له ذنوبٌ ، فالله تعالى يغفر له ويُسكنه أعلى جنته ؛ فإنه
كان ربَّانِيَّ الأُمَّة، وفريدَ الزمان ، وحامل لواء الشريعة ، وصاحب حلّ
مُعضلات المسلمين ، وكان رأسًا في العلم .
وقال في مكان آخر - ذكر فيه ترجمة طويلة للشيخ قبل وفاة الشيخ
بدهر طويل -: قلتُ: وله خبرة تامَّة بالرجال وجرحِهم وتعديلهم وطبقاتهم،
ومعرفة بفنون الحديث ، وبالعالي والنازل ، وبالصحيح والسقيم ، مع حفظه
لمتونه الذي انفرد به ؛ فلا يبلغ أحدٌ في العصر رُتبته ، ولا يُقاربه ، وهو
عجبٌ في استحضاره ، واستخراج الحُجج منه ، وإليه المنتهى في عزوه
إلى الكتب الستة والمسند ، بحيث يصدُقُ عليه أن يُقال: ((كلّ حديث
لا يعرفه ابن تيمية فليس بحديث))، ولكن الإحاطة لله ، غير أنه يغترف
من بحر ، وغيره من الأئمة يغترفون من السواقي . وأما التفسير فمُسلّمٌ
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول
٤٩٦
إليه . وله في استحضار الآيات من القرآن - وقت إقامة الدليل بها على
المسألة - قوةٌ عجيبة . وإذا رآه المقرىء تحيّر فيه . ولفرط إمامته في
التفسير وعظمة اطلاعه يُبيِّن خطأ كثير من أقوال المفسرين ، ويُوهِّي أقوالًا
عديدة ، وينصر قولًا واحدًا موافقًا لما دلَّ عليه القرآن والحديث . ويكتب
في اليوم والليلة من التفسير ، أو من الفقه، أو من الأصلين ، أو من الردّ
على الفلاسفة والأوائل نحوًا من أربعة كراريس أو أزيد . وما أُبعد أن
تصانيفه إلى الآن تبلُغُ خمسمائة مُجلَّدة . وله في غير المسألة مُصنَّف مُفرد
في مُجلد .
وللشيخ رحمه الله من المصنَّفات والفتاوى والقواعد والأجوبة
والرسائل وغير ذلك من الفوائد ما لا ينضبط ، وما أعلم أحدًا من مُتقدمي
الأُمَّة ولا متأخّريها جمع مثل ما جمع ، ولا صنَّف نحو ما صنَّف ، ولا
قريبًا من ذلك ، مع أن أكثر تصانيفه إنما أملاها من حفظه . وكثير منها
صنَّفه في الحبس ، وليس عنده ما يحتاج إليه من الكتب )) .
. وقال الذهبي في موضع آخر عنه: ((هو أكبر من أنْ يُنَبِّه مثلي على
نعوته ، فلو حلفتُ بين الركن والمقام لحلفتُ أني ما رأيتُ بعيني مثله ،
ولا والله ما رأى هو مثل نفسه في العلم)).
قال تلميذه الحافظ عمر البزار: ((ومن أعجب الأشياء في ذلك ؛
أنه في محنته الأولى بمصر ، لمّا أُخِذ وسُجِن ، وحيل بينه وبين كُتُبه ؛
صنّف عدَّة كُتُب صغارًا وكبارًا، وذكر فيها ما احتاج إلى ذكْره من الأحاديث
والآثار ، وأقوال العلماء ، وأسماء المُحدِّثين والمؤلفين ومؤلَّفاتهم ، وعزا
كلّ شيء من ذلك إلى ناقليه وقائليه بأسمائهم ، وذكر أسماء الكتب التي
ذكر فيها ، وأَّ موضع هو منها ؛ كلُّ ذلك بديهة من حفظه ؛ لأنه لم
يكن عنده حينئذ كتاب يُطالعه . ونُقِّبت(١) واختبرت واعتُبرت ؛ فلم يوجد
(١) يقصد بذلك التفتيش على أصولها .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الأول
٤٩٧
فيها بحمد الله خَلَل ولا تغيُّرً، ومن جملتها كتاب ((الصارم المسلول على
شاتم الرسول ))(١) . وهذا من الفضل الذي خصَّه الله تعالى به .
وأمَّا مؤلَّفاته ومُصنَّفاته ، فإنها أكثر من أن أقدر على إحصائها ، أو
يحضرني جملة أسمائها ، بل هذا لا يقدر عليه غالبًا أحدٌ؛ لأنها كثيرة جدًّا ،
كبارًا وصغارًا ، وهي منشورة في البلدان . فقلّ بلد نزلته إلَّا ورأيت فيه
من تصانيفه .
وأما فتاويه ونصوصه وأجوبته على المسائل ، فهي أكثر من أن أقدر
على إحصائها ، لكن دُوِّن بمصر منها على أبواب الفقه سبعة عشر مُجلّدًا ،
وهذا ظاهر مشهور . وجمع أصحابه أكثر من أربعين ألف مسألة . وقلّ أن
وقعتْ واقعة وسُئل عنها ، إلّا وأجاب فيها بديهة بما بهَر واشتهر ، وصار ذلك
الجواب كالمُصنَّف الذي يحتاج فيه غيره إلى زمن طويل ومطالعة كتب ،
وقد لا يقدر مع ذلك على إبراز مثله .
أخبرني الشيخ الصالح تاج الدين محمد المعروف بابن الدوري ، أنه
حضر مجلس الشيخ رضي الله عنه ، وقد سأله يهودي(٢) عن مسألة في
القَدَر ، قد نظمها شِعْرًا في ثمانية أبيات، فلمّا وقف عليها؛ فكّر لحظة
يسيرة، وأنشأ يكتب جوابها، وجعل يكتب، ونحن نظنُّ أنه يكتب نثرًا، فلما
فرغ ؛ تأمَّله مَنْ حضر من أصحابه ، وإذا هو نظم في بحرٍ أبياتَ السؤال
وقافيتها ، تقرب من مائة وأربعة وثمانين بيتًا ، وقد أبرز فيها من العلوم ، ما
لو شُرح بشرح لجاء شرحُه في مُجلَّدَيْن كبيرين . هذا من جملة بواهره .
(١) المعروف أن هذا الكتاب ألَّفه سنة (٦٩٣هـ) بدمشق كما قال ابن كثير في ((البداية
والنهاية)) ٣٣٥/١٣.
(٢) قائل هذه الأبيات هو محمد بن أبي بكر بن السكاكيني عملها على لسان ذِمِّ
يمتحن بها علماء زمانه .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول
٤٩٨
وكم من جواب فتوى لم يُسبَقْ إلى مثله .
دروسه :
وأمَّا ذكْرُ دروسه ، فقد كنتُ في حال إقامتي بدمشق لا أُفّتها ،
وكان لا يُهِّيء شيئًا من العلم ليُلقيه ويُورده ، بل يجلس بعد أن يُصلِّي
ركعتين، فيحمد الله ويُثني عليه، ويُصلِّي على رسوله عَ ◌ّه ، على صفةٍ
مُستحسنةٍ مُستعذبةٍ لم أسمعها من غيره ، ثم يشرع ، فيفتح الله عليه من إيراد
علوم، وغوامض، ولطائف، ودقائق، وفنون، ونقول، واستدلالات بآيات
وأحاديث، وأقوال العلماء ، ونصْر بعضها ببعض ، وتبيين صحّته، أو تزييف
بعضها، وإيضاح حُجَّته، واستشهاد بأشعار العرب، وربما ذكر اسم ناظمها،
وهو مع ذلك يجري كما يجري السيل ، ويفيض كما يفيض البحر ، ويصير
منذ أن يتكلم إلى أن يفرغ ، كالغائب عن الحاضرين ، مُغمضًا عينيه ، وذلك
كلَّه مع عدم فكْر فيه أو رويَّة ، من غير تعجرفٍٍ ، ولا توقُّفٍ ، ولا لحنٍ ،
بل فيض إلهي، حتى يبهر كل سامع وناظر، فلا يزال كذلك إلى أن يصمت،
وكنتُ أراه حينئذٍ كأنه قد صار بحضرة مَنْ يشغلُه عن غيره ، ويقع عليه
إذ ذاك من المهابة ما يُرعد القلوبَ ويُحيّرِ الأبصار والعقول .
وكان لا يذكر رسول الله عَ لَّه قطُّ إلا ويُصلِّي ويُسلِّم عليه ، ولا
والله ما رأيتُ أَحدًا أشدَّ تعظيمًا لرسول الله عَ لّه، ولا أحرصَ على اتباعه
ونصْر ما جاء به منه .
وكان إذا فرغ من درسه يفتح عينيه ، ويُقبل على الناس بوجهٍ طلْق
بشيشٍ وخُلُقٍ دَمِثٍ ، كأنه قد لقيهم حينئذٍ ، وربما اعتذر إلى بعضهم من
التقصير في المقال مع ذلك الحال ، ولقد كان درسُه الذي يُورده حيئذٍ قدْر
عدَّة كراريس، وهذا الذي ذكرتُه من أحوال درْسه أمْرٌ مشهورٌ ، يُوافقني
عليه كلَّ حاضرٍ بها ، وهم بحمد الله خلْقٌ كثير، لم يُحصر عددهم؛ علماء،
ورؤساء، وفضلاء، من القرّاء والمحدِّثين والفقهاء، والأدباء، وغيرهم من عوامٌ
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الأول
٤٩٩
المسلمين ))(١).
تأليفه في العقيدة والأصول :
قال الحافظ البزار: ((وأمَّا ما خصَّه الله تعالى به في معارضة أهل البدع
في بدعتهم ، وأهل الأهواء في أهوائهم ، وما ألَّفه في ذلك من دخْض أقوالهم ،
وتزييف أمثالهم وأشكالهم ، وإظهار عوارهم وانتحالهم ، وتبديد شملهم ،
وقطع أوصالهم، وأجوبته عن شبههم الشيطانية، ومعارضتهم النفسانية للشريعة
الحنيفية المُحمديَّة ، بما منحه الله تعالى به من البصائر الرحمانية ، والدلائل
النقلية ، والتوضيحات العقلية ، حتى ينكشف قناع الحقّ ، وبان - بما جمعه
في ذلك وألَّفه - الكذب من الصدق ، حتى لو أنَّ أصحابها أحياء ، ووقّقوا
لغير الشقاء ؛ لأذعنوا له بالتصديق ، ودخلوا في الدين العتيق .
ولقد وجب على كلِّ مَنْ وقف عليها ، وفهم ما لديها ؛ أن يحمد الله
تعالى على حُسْن توفيقه هذا الإِمام لنصر الحق بالبراهين الواضحة العظام .
ولقد أكثر رضي الله عنه التصنيف في الأصول فضلاً عن غيره من
بقية العلوم ، فسألته عن سبب ذلك ، والتمستُ منه تأليف نصٌّ في الفقه
يجمع. اختياراته وترجيحاته ؛ ليكون عمدةً في الإِفتاء . فقال لي ما معناه :
الفروع أمْرها قريب ، ومَنْ قَلَّد - المسلمُ - فيها أحدَ العلماء المُقلَّدين ؛
جاز له العمل بقوله ، ما لم يتيقَّن خطأه ، وأما الأصول : فإني رأيتُ أهل
البدع والضلالات والأهواء ، كالمتفلسفة ، والباطنية ، والملاحدة ، والقائلين
بوحدة الوجود ، والدهرية ، والقدرية ، والنُّصيرية ، والجهمية ، والحلولية ،
والمُعطّلة، والمُجسِّمة، والمُشبِّهة ، والراونذية ، والكُلَّابية ، والسُّليمية ،
وغيرهم من أهل البدع - قد تجاذبوا فيها بأزّة الضلال ، وبان لي أن كثيرًا
منهم إنما قصد إبطال الشريعة المُقدَّسة المحمدية، الظاهرة العليّة على كل دين،
(١) الأعلام العلية في مناقب ابن تيمية (٢٠ - ٢٩ ).
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٥٠٠
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الأول
وأن جمهورهم أوقع الناس في التشكيك في أصول دينهم ، ولهذا قلّ أنْ
سمعتُ أو رأيتُ مُعرضًا عن الكتاب والسُّنَة مُقبِلًا على مقالاتهم ؛ إلا وقد
تزندق أو صار على غير يقين في دينه واعتقاده . فلما رأيت الأمر على
ذلك ؛ بان لي أنَّه يجب على كلّ مَنْ يقدر على دفْع شُبَههِم وأباطيلهم ،
وقطع حُجَّتهم وأضاليلهم؛ أن يبذل جهده ليكشف رذائلهم، ويُزيِّف دلائلهم؛
ذبًّا عن المِلَّة الحنيفية، والسُّنَّة الصحيحة الجليَّة.
ولا والله ما رأيتُ فيهم أحدًا ممن صنَّف في هذا الشأن، وادَّعى
عُلُوَّ المقام ، إلا وقد ساعد بمضمون كلامه في هدم قواعد دين الإِسلام.
وسبب ذلك : إعراضه عن الحق الواضح المبين ، وعمَّا جاءت به الرسل
الكرام عن ربِّ العالمين ، واتِّباعه طُرُقَ الفلسفة في الاصطلاحات التي
سمَّوْها بزعمهم حِكَميَّات وعقليات ، وإنما هي جهالات وضلالات ،
وكونه التزمها مُعرضًا عن غيرها أصلًا ورأسًا، فغلبت عليه حتى غطَّت على
عقله السليم ، فتخبَّط حتى خبط فيها عشوًا ، ولم يُفرِّقْ بين الحق والباطل ،
وإلا فالله أعظم لطفًا بعباده أن لا يجعل لهم عقلًا يقبل الحق ويُثبته ، ويُبطل
الباطل وينفيه ، لكن عدم التوفيق ، وغلبة الهوى ، أوقع مَنْ أوقع في
الضلال ، وقد جعل الله تعالى العقل السليم من الشوائب ميزانًا يزِنُ به العبد
الواردات ، فيُفرِّق بين ما هو من قبيل الحق ، وما هو من قبيل الباطل ،
ولم يبعث الله الرسل إلّا إلى ذوي العقل ، ولم يقع التكليف إلا مع وجوده ،
فكيف يقال : إنه مُخالف لبعض ما جاءت به الرسل الكرام عن الله تعالى ،
هذا باطل قطعًا ، يشهد له كل عقل سليم ، لكن ﴿ومن لم يجعل الله له
نورًا فما له من نور ﴾ [ النور : ٤٠ ] .
قالِ الشيخ الإِمام قدَّس الله روحه : فهذا ونحوه هو الذي أوجب أنِّي
صرفتُ جُلَّ همِّي إلى الأصول ، وألزمني أن أوردت مقالاتهم وأجبتُ عنها
بما أنعم الله تعالى به من الأجوبة النقلية والعقلية .
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد