Indexed OCR Text

Pages 461-480

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول
٤٦١
كان الشيخ العماد جوهرة العصر)) (١).
٢٣٤ - الإِمام ابن عبد البر شيخ الإسلام أبو عمر ، يوسف بن عبد الله
ابن محمد المري ، صاحب التصانيف الفائقة :
قال عنه الذهبي في السير: ((طلب العلمَ ، وأدرك الكبارَ ، وطال
عمرُهُ، وعلا سندهُ، وتكاثر عليه الطلبة، وجمع وصنَّف، ووثّق وضعَّف،
وسارت بتصانيفه الركبان ، وخضع لعلمه علماء الزمان .
قال الحميدي: أبو عمر فقيه حافظ مُكثِر، عالم بالقراءات وبالخلاف،
وبعلوم الحديث والرجال. ثم قال: ((كان إمامًا دَيَّنًا، ثقةً، مُتقنًا، مُتبخِّرًا،
صاحبَ سُنَّةٍ واتِّباع ، وكان أوَّلًا أثريًّا ظاهريًّا فيما قيل، ثم تحوَّل مالكيًّا ،
مع ميْلٍ بِيِّن إلى فقه الشافعي في مسائل ، ولا يُنكر له ذلك ، فإنه ممن بلغ
رتبة الأئمة المجتهدين ، ومَنْ نظر في مُصنَّفاته ؛ بان له منزلته في سعة العلم ،
وقوة الفهم ، وسيلان الذهن )).
قال أبو الوليد الباجي : لم يكن بالأندلس مثل أبي عمر بن عبد البر
في الحديث ، وهو أحفظ أهل المغرب .
وقال أبو علي الغسَّاني: أَلَّف أبو عمر في ((الموطَّأَ)) كُتُبًا مُفيدة؛
منها: كتاب (( التمهيد لما في الموطَّأ من المعاني والأسانيد)) فرتَبه على شيوخ
مالك على حروف المعجم، وهو كتاب لم يتقدَّمْه أحدٌ إلى مثله ، وهو
سبعون جزءًا .
قلتُ : هي أجزاء ضخمة جدًّا .
قال ابن حزم : لا أعلم في الكلام على فقه الحديث مثله ، فكيف
أحسن منه !.
ثم صنع كتاب ((الاستذكار لمذهب علماء الأمصار فيما تضمَّنه الموطَّأ
(١) سير أعلام النبلاء ٢٢ / ٤٧ - ٥٠ .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٤٦٢
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الأول
من معاني الرأي والآثار )) ؛ شرح فيه الموطأ على وجهه ، وجمع كتابًا
جليلًا مُفيدًا، وهو ((الاستيعاب في أسماء الصحابة))، وله كتاب ((جامع
بيان العلم وفضله )) ، وغير ذلك . وكان موقَّقًّا في التأليف ، مُعانًا عليه ،
ونفع الله بتواليفه ، وكان مع تقدُّمَه في علم الأثر وبصره بالفقه ومعاني
الحديث ؛ له بسطةٌ كبيرةٌ في علم النسب والخبر)) (١) .
قضى ابن عبد البر في تأليف كتاب ((التمهيد)) أكثر من ثلاثين سنة
كما يفيده قوله :
وصَيْقَلُ ذِهني والمُفُرِّجُ عن هَمِّي
((سميرُ فؤادي مُذْ ثلاثون حِجَّةً
بما في معانيه من الفِقهِ والعلمِ
بسطتُ لكم فيه كلامَ نَبِّكُمْ
إلى البِّ والتقوى ويَنْهَى عن الظلم))(٢)
وفيه من الآثارِ ما يُقْتَدى بِهِ
٢٣٥ - الإِمام البيهقي ، أبو بكر ، أحمد بن الحسين بن علي :
((سمع وهو ابن خمس عشرة سنة من أبي الحسن محمد بن الحسين
العلوي وهو أقدم شيخ عنده ، وسمع من الحاكم أبي عبد الله الحافظ ، فأكثر
جدًّا وتخَّج به ، وسمع من عشرين شيخًا من أصحاب الأصمّ ، وبورك له
في علمه، وصنَّف التصانيف النافعة، ولم يكن عنده ((سنن النسائي))،
ولا ((سنن ابن ماجه))، ولا ((جامع أبي عيسى))، بلى عنده عند الحاكم وِقُر
بعير أو نحو ذلك، وعنده ((سنن أبي داود)) عاليًا، وتفقّه على ناصر العمري
وغيره .
وانقطع بقريته مُقبلًا على الجمع والتأليف، فعمل ((السنن الكبير))
في عشر مُجلّدات، وليس لأحد مثله .
وألّف كتاب («السنن والآثار)) في أربع مُجِلَّدات.
(١) سير أعلام النبلاء ١٨ / ١٥٣ - ١٦٢.
(٢) سير أعلام النبلاء ١٨ / ١٦٣ .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول
٤٦٣
وأما (( المبسوط )) في نصوص الشافعي ، فقد قال فيه السبكي : ما
صُنِّف في نوعه مثله. وقال في ((كشف الظنون)) ٢ / ١٥٨٢: ((وهو
من أعظم كُتُبِه قدْرًا، وأبسطها علمًا، يكون في عشرين مُجلَّدًا)).
وكتاب ((شعب الإِيمان))، وكتاب ((مناقب الشافعي))، وكتاب
((الدعوات الكبير))، وفيهم قال السبكي : فأقسم ما لواحد منها نظير .
وأما كتاب ((الخلافيَّات)) فلم يُسبَقْ إلى نوعه ، ولم يصُنَّف مثلُه،
وهو طريقة مُستقلَّة حديثية ، لا يقدر عليها إلا مُبِّزٌ في الفقه والحديث ،
قيِّمٌ بالنصوص . قاله السبكي .
قال السبكي : شيوخه أكثر من مائة شيخ .
اشتغل بالتصنيف بعد أن صار أوحدَ زمانه ، وفارسَ ميدانه ، وأحذَق
المحدِّثين وأحدَّهم ذهْنًا، وأسرعَهم فهمًّا، وأجودَهم قريحةً، وبلغت تصانيفه
ألف جزء ، ولم يتهيَّأْ لأحد مثلها .
أما ((السنن الكبير)) فما صُنِّف في علم الحديث مثله ؛ تهذيبًا ،
وترتيبًا ، وجودةً .
وأما المعرفة ((معرفة السنن والآثار)) فلا يستغني عنه فقيةٌ شافعي،
وسمعتُ الشيخ الإِمام رحمه الله يقول: مُراده معرفة الشافعي بالسنن
والآثار))(١).
قال الذهبي في سير أعلام النبلاء ( ١٨ / ١٦٧ - ١٦٩): ((قال
الحافظ عبد الغافر بن إسماعيل في ((تاريخه)): هو أبو بكر الفقيه، الحافظ
الأصولي ، الدَّيِّنُ الوَرِعِ ، واحدُ زمانه في الحفظ ، وفَرْدُ أقرانه في الإِتقان
والضبط ، من كبار أصحاب الحاكم ، ويزيد على الحاكم بأنواعٍ من العلوم ،
كتب الحديث ، وحفظه من صباه ، وتفقّه وبَرع، وأخذ فنَّ الأصول ،
(١) طبقات الشافعية ٤ / ٩ .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٤٦٤
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الأول
وارتحل إلى العراق والجبال والحجاز ، ثم صنَّف، وتواليفه تُقارب ألف
جزء مما لم يسبقه إليه أحد ، جمع بين علم الحديث والفقه ، وبيان علل
الحديث ، ووجْه الجمع بين الأحاديث ، طلب منه الأئمة الانتقال من بيْهق
إلى نيسابور ، لسماع الكتب ، فأتى في سنة إحدى وأربعين وأربعمائة ،
وعقدوا له المجلس لسماع كتاب ((المعرفة))، وحضره الأئمة .
قال شيخ القضاة أبو علي إسماعيل بن البيهقي : حدَّثنا أبي قال :
حين ابتدأتُ بتصنيف هذا الكتاب- يعني كتاب المعرفة في السنن والآثار -
وفرغتُ من تهذيب أجزاء منه ، سمعتُ الفقيه محمد بن أحمد - وهو
من صالحي أصحابي ، وأكثرهم تلاوة ، وأصدقهم لهجة - يقول : رأيتُ
الشافعي - رحمه الله - في النوم ، وبيده أجزاء من هذا الكتاب ، وهو
يقول : قد كتبتُ اليوم من كتاب الفقيه أحمد سبعة أجزاء ، أو قال :
قرأتها . ورآه يَعْتَدُّ بذلك. قال : وفي صباح ذلك اليوم رأى فقيةٌ آخرُ من
إخواني الشافعَّ قاعدًا في الجامع على سرير ، وهو يقول : قد استفدتُ
اليوم من كتاب الفقيه حديث كذا وكذا .
وأخبرنا أبي قال: سمعتُ الفقيه أبا محمد الحسن بن أحمد السمر قندي
الحافظ يقول : سمعتُ الفقيه محمد بن عبد العزيز المروزي يقول : رأيتُ
في المنام كأنَّ تابوتًا علا في السماء يعلوه نورٌ ، فقلتُ : ما هذا ؟ قال :
هذه تصنيفات أحمد البيهقي . ثم قال شيخ القضاة : سمعتُ الحكايات
الثلاث من الثلاثة المذكورين .
قلتُ : هذه رؤيا حقٍّ ، فتصانيف البيهقي عظيمة القدر ، غزيرة
الفوائد ، قَلَّ مَنْ جَوَّد تواليفه مثل الإِمام أبي بكر ، فينبغي للعالم أن يعتني
بهؤلاء سيما (( سننه الكبير))، وقد قدِم قبل موته بسنة أو أكثر إلى
نيسابور، وتكاثر عليه الطلبة ، وسمعوا منه كُتُبه ، وجُلبت إلى العراق
والشام والنواحي .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في علوّ الهمة - المجلد الأول
٤٦٥
وبلغنا عن إمام الحرمين أبي المعالي الجويني قال : ما من فقيه شافعي
إلا وللشافعي عليه مِنَّة إلا أبا بكر البيهقي ، فإن المنَّةَ له على الشافعي ؛
لتصانيفه في نُصرة مذهبه .
قلتُ : أصاب أبو المعالي ، هكذا هو ، ولو شاء البيهقي أن يعمل
لنفسه مذهبًا يجتهد فيه ؛ لكان قادرًا على ذلك ، لسعة علومه ، ومعرفته
بالاختلاف ، ولهذا تراه يُلوِّح بنصر مسائل مما صحَّ فيها الحديث)).
رحمه الله ، وأجزل له المثوبة .
٢٣٦ - الإِمام الحافظ ابن المنذر ، أبو بكر ، محمد بن إبراهيم بن المنذر
النيسابوري :
((صاحب التصانيف كـ ((الإِشراف في اختلاف العلماء))، وكتاب
((الإِجماع))، وكتاب ((المبسوط))، وغير ذلك.
قال الشيخ محيي الدين النواوي: (( له من التحقيق في كتبه ما لا يُقاربه
فيه أحد ، وهي في نهاية من التمكَّن في علم الحديث ، وله اختيار ، فلا يتقيَّد
في الاختيار بمذهب بعينه ، بل يدور مع ظهور الدليل )).
وهذا الإِمام من حَمَلَة الحُجَّة ، جارٍ في مضمار ابن جرير ، وابن
سريج ، وتلك الحلبة ، رحمهم الله .
(( وصنَّف في اختلاف العلماء كُتُبًا لم يُصنِّف أحدٌ مثلها، واحتاج
إلى كُتُبِه الموافق والمُخالفُ )) . قاله الإِمام أبو إسحاق الشيرازي .
ولابن المنذر ((تفسير)) كبير في بضعة عشر مُجلِّدًا، يقضي له بالإِمامة
في علم التأويل أيضًا ))(١) .
نعته الذهبي في تذكرة الحفاظ (٤/٣) بأنه ((الفقيه الأوحد)).
ولقد قال السيوطي صاحب ((الدُّر المنثور في التفسير بالمأثور)): إنه
(١) سير أعلام النبلاء ٤٩٠/١٤ - ٤٩٢ .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول
٤٦٦
وقف على تفسير ابن المنذر ، واستفاد منه كثيرًا .
واعتمد علماء الطوائف كلها في نقل المذاهب ومعرفتها على كُتُبه .
قال النووي في مقدمة المجموع (١ / ١٩): ((وأكثر ما أنقلُه
من مذاهب العلماء من كتاب ((الإِشراق والإِجماع)) لابن المنذر القدوة
في هذا الفنِّ )).
قال ابن حجر في لسان الميزان (٢٧/٥): ((وكتابه ((الإشراف)) في
الاختلاف ؛ من أحسن المُصنَّفات في فنِّه )).
٢٣٧ - الحافظ الإِمام ابن عساكر، أبو القاسم، علي بن الحسن بن هبة الله:
الشيخ الإمام، الحافظ الكبير المجوّد، مُحدِّث الشام، صاحب ((تاريخ
دمشق)) .
((محطُّ رحال الطالبين، وموئل ذوي الهِمَم من الراغبين ، البحر الذي
لا ساحل له ، والحَبْرُ الذي حمل أعباء السُّنَّة على كاهله .
قطع الليل والنهار دائبين في دأبه ، وجمع نَفْسَهُ على أشتات العلوم ،
لا يتخذ غير العلم والعمل صاحبيْن ، وهما منتهى أَرَبِه .
له (( تاريخ الشام )) . ومَنْ طالع هذا الكتاب ؛ عرف إلى أي مرتبةٍ
وصل هذا الإِمام، واستقلّ الُّريًّا، وما رضي بدر التمام. له ((الأطراف))
وعِدَّة تصانيف وتخاريج وفوائد ، ما الحفاظ إليها إلا محاويج))(١).
وُلد في المُحَرَّم سنة ( ٤٩٩هـ ) وسمَّعه أخوه صائن الدين هبة الله
في سنة ( ٥٠٥هـ ) وما بعدها .
((سمع بالأنبار ، والرافقة ، والرحبة ، وماردين ، وماكسين ، وغيرها
من البلاد الكثيرة ، والمدن الشاسعة ، والأقاليم المتفرقة ، لا ينفكُ نائي
(١) طبقات الشافعية ٧ / ٢١٥ - ٢١٦ .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول
٤٦٧
الديار ، يُعمل مَطيَّه في أقاصي القفار ، وحيدًا لا يصحبه إلا تُقَ اتَّخذه
أنيسَهُ، وعَزْم لا يرى غير بلوغ المآرب درجةً نفيسةً ، ولا يُظلِلُه إلا سَمُرَة
في رباعٍ قفراء ، ولا يَردُ غير إداوة لعلَّه يرتشف منها الماء .
وسمع منه جماعة من الحفاظ ؛ كأبي العلاء الهمذاني ، وأبي سعد
السمعاني ، وروى عنه الجُمُّ الغفير ، والعدد الكثير ، ورُويت عنه مُصنَّفاتُه
وهو حّ بالإِجازة ؛ في مدن خراسان وغيرها ، وانتشر اسمُهُ في الأرض ،
ذات الطول والعرض .
وأقام في بدء رحلته ببغداد خمسة أعوام يُحصِّل العلم .
سمع بمكة ، والمدينة ، وأصبهان ، ونيسابور ، ومرو ، وهراة ،
والكوفة ، وهمذان ، وتبريز والموصل ، وميهنة ، وبيهق ، وخسروجرد ،
وبسطام ، ودامغان ، والريِّ ، وزنجان ، وغيرها من البلدان ، وعمل أربعين
حديثًا بلدانية ))(١) .
((وعدَّةُ شيوخه الذي في ((معجمه)) ألف وثلاثمائة شيخ بالسماع،
وستة وأربعون شيخًا أنشدوا ، وعن مائتين وتسعين شيخًا بالإِجازة ، الكُلّ
في ((معجمه))، وبضع وثمانون امرأة لهن ((معجم)) صغير سمعناه))(٢). هذا
قول الذهبي .
ثم قال الحافظ الذهبي: ((صنَّف الكثير، وكان فَهِمًا، حافظًا ،
ذكيًّا، بصيرًا بهذا الشأن، لا يُلْحَق شأؤه، ولا يُشَقُّ غُبارُه ، ولا كان
له نظير في زمانه .
تفقّه في حداثته على جمال الإِسلام أبي الحسن السُّلمي وغيره ، وانتفع
بصحبة جدِّه لأُمِّه القاضي أبي الفضل عيسى بن علي القرشي في النحو ،
وعلّق مسائل من الخلاف عن أبي سعد بن أبي صالح الكرماني ببغداد ، ولازم
(١) الطبقات ٧ / ٢١٦ - ٢١٧.
(٢) سير أعلام النبلاء ٥٥٦/٢٠.
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٤٦٨
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الأول
الدرس والتفقُّه بالنظامية ببغداد، وصنَّف وجمع وأحسن. فمن ذلك ((تاريخه))
في ثمانمائة جزء ؛ الجزء عشرون ورقة ، فيكون ست عشرة ألف ورقة ،
وجمع ((الموافقات)) في اثنين وسبعين جزءًا، و ((عوالي مالك))، و((الذيل))
عليه خمسين جزءًا، و((غرائب مالك)) عشرة أجزاء، و((المعجم)) في
اثني عشر جزءًا، و((مناقب الشبَّان)) خمسة عشر جزءًا، و ((فضائل
أصحاب الحديث)) أحد عشر جزءًا، و ((فضل الجمعة)) مُجلِّد، و (( تبيين
كذب المفتري فيما نُسب إلى الأشعري)» مُجلَّد، و((المسلسلات)» مُجلَّد،
و ((السباعيَّات)) سبعة أجزاء، و((مَنْ وافقتْ كُنيتُه كنية زوجته)) أربعة
أجزاء ، و ((في إنشاء دار السُّنَّة)) ثلاثة أجزاء، و ((في يوم المزيد)) ثلاثة
أجزاء، و ((الزهادة في الشهادة)) مُجلَّد، و((طرق قبض العلم))، و
((حديث الأطيط))، و ((حديث الهبوط وصحته))، و ((عوالي الأوزاعي وحاله))
جزءان)) .
ومن تواليف ابن عساكر اللطيفة ثمانية وخمسون مؤلّفًا غير التي
ذكرناها ؛ سردها الذهبي بأسمائها في سير أعلام النبلاء ( ٢٠ / ٥٦٠ -
٥٦٢ ) .
وقال الذهبي: ((وأملى أربعمائة مجلس وثمانية)).
قال ابنه القاسم : قال لي : لما حملتْ بي أُمِّي ؛ رأتْ في منامها
قائلًا يقول : تلدين غلامًا يكون له شأن ، وصدَّقت اليقظة منامها . وحدثني
أنّ أباه رأى رؤيا؛ معناه: يُولد لك ولدٌ يُحبي الله به السُّنة ، ولما عزم على
الرحلة ؛ قال له شيخه أبو الحسن بن قُبيس: أرجو أن يُحبي الله بك هذا
الشأن . فكان كما قال، وعُدَّتَ كرامةً للشيخ ، وبشارةً للحافظ ..
ولما دخل بغداد أعجب به العراقيون ، وقالوا : ما رأينا مثله ، وكذلك
قال مشايخه الخراسانيون .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الأول
٤٦٩
وقال الحافظ أبو العلاء الهمذاني لبعض تلامذته وقد استأذنه أن
يُسافر ، فقال : إنْ عرفتَ أستاذًا أعلم مني ، أو في الفضل مثلي ؛ فحينئذ
آذن إليك أن تُسافر إليه ، اللهم إلا أن تسافر إلى الحافظ ابن عساكر ، فإنه
حافظ كما يجب .
قال السبكي: (( نَبَّهه السعد ، فأسهره الليالي في طلب العلم ، وغيره
سهرها في الشهوات أو نامها ، وكان له الشأن العظيم والشأن الذي يجلّ
عن التعظيم .
قال الحافظ أبو العلاء : أنا أعلم أنه لا يُساجل الحافظ أبا القاسم
في شأنه أحدٌ ، فلو خالق الناس ومازجهم كما أصنع ؛ إذًا لاجتمع عليه
الموافقُ والمخالفُ .
وقال أبو العلاء يومًّا : أنّ شيء فُتح له ، وكيف ترى الناس له ؟
فقال محمد بن عبد الرحمن المسعودي لأبي العلاء : هو بعيد من هذا
كله ، لم يشتغل منذ أربعين سنة إلا بالجمع والتصنيف والتسميع ، حتى
في نزهته وخلواته ، فقال : الحمد لله ، هذا ثمرة العلم ، ألا إنا قد حصل
لنا هذه الدار والكتب والمسجد ، هذا يدلُّ على قِلَّة حظوظ أهل العلم في
بلادكم. ثم قال لي : ما كان يُسمَّى أبو القاسم ببغداد إلا شعلة من نار ؛
من توقَّده وذكائه وحُسْن إدراكه .
وروى زين الأمناء ، حدَّثنا ابن القزويني عن والده مُدرِّس النظامية ،
قال : حكى لنا الفَراوي قال : قدِمَ علينا ابن عساكر ، فقرأ علَّ في ثلاثة
أيام فأكثر ، فأضجرني ، وآليتُ أن أُغلق بابي ، وأمتنع ، جرى هذا الخاطر
لي بالليل، فقدم من الغد شخص، فقال: أنا رسولُ رسولِ الله عَ له إليك،
رأيتُه في النوم ، فقال: امضٍ إلى الفراوي ، وقل له : إنْ قَدِمَ بلدكم رجّل من
أهل الشام أسمر ، يطلب حديثي ؛ فلا يأخذك منه ضجّرٌ ولا مَلَلٌ . قال:
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٤٧٠
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول
فما كان الفراوي يقوم حتى يقوم الحافظ أوَّلًا ))(١).
قال أبو الواهب : قال لي ابن عساكر : لمّا عزمتُ على التحديث ،
والله المُطَّلِعُ أنه ما حملني على ذلك حُبُّ الرئاسة والتقدّم ؛ بل قلتُ : متى
أروي كلَّ ما قد سمعتُه ، وأيّ فائدة في كوني أُخلِّفه في صحائف ؟ فاستخرتُ
الله ، واستأذنت أعيان شيوخي ورؤساء البلد ، وطُفتُ عليهم ، فكلّ قال :
ومنْ أحقُّ بهذا منك ؟ فشرعتُ في ذلك سنة ثلاث وثلاثين .
قال أبو محمد القاسم : وكان أبي - أي ابن عساكر - رحمه الله قد
سمع أشياء لم يُحصِّل منها نُسخًا ؛ اعتمادًا على نُسخ رفيقه الحافظ أبي علي
ابن الوزير ، وكان ما حصَّله ابن الوزير لا يُحصِّلُه أبي ، وما حصَّله أبي
لا يُحصِّله ابن الوزير ، فسمعتُ أبي ليلً يتحدَّث مع صاحبٍ له في الجامع ،
فقال: رحلتُ، وما كأني رحلتُ، كنتُ أحسبُ أن ابن الوزير يقدمُ بالكتب
مثل ((الصحيحين)) وكُتُبِ ((البيهقي)) والأجزاء . فاتفق سكناه بمرو ،
وكنتُ أُؤمِّل وصول رفيق آخر يُقال له : يوسف بن فارُّوا الجيَّاني ، ووصول
رفيقنا أبي الحسن المرادي ، وما أرى أحدًا منهم جاء ، فلا بُدَّ من الرحلة
ثالثة وتحصيل الكتب والمُهمَّات . قال : فلم يمضِ إلا أيام يسيرة حتى قدم
أبو الحسن المرادي، فأنزله أبي في منزلنا، وقدم بأربعة أسفاط كُبٍ مسموعة،
ففرح أبي بذلك شديدًا ، وكفاه الله مُؤنة السفر ، وأقبل على تلك الكتب ،
فنسخ واستنسخ وقابل ، وبقي من مسموعاته أجزاء نحو الثلاثمائة ، فأعانه
عليها أبو سعد السمعاني ، فنقل إليه منها جملة حتى لم يبقَ عليه أكثر من
عشرين جزءًا ، وكان كلما حصل له جزء منها ؛ كأنه قد حصل على ملك
الدنيا .
(١) سير أعلام النبلاء ٥٦٤/٢٠ - ٥٦٥، تذكرة الحفاظ ١٣٣٠/٤، و((طبقات))
السبكي ٧ / ٢١٩ .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الأول
٤٧١
سأل معمر بن الفاخر ابن عساكر عند وصوله إلى أصبهان عن سرِّ
تأخّره عن الرحلة إلى أصبهان ، فقال : استأذنتُ أُمِّي في الرحلة إليها ،
فما أذنتْ .
قال السمعاني : أبو القاسم كثير العلم ، جمع ما لم يجمعه غيره ،
وأربى على أقرانه ، دخل نيسابور قبلي بشهر ، سمعتُ منه ، وسمع مني .
قال الذهبي : وبلغَنَا أَنّ الحافظ عبد الغني المقدسي بعد موت ابن
عساكر نَّقَّد مَنِ استعار له شيئًا من (( تاريخ دمشق))، فلما طالعه ، انبهر
لسعة حفظ ابن عساكر ، ويقال : ندم على تفويت السماع منه . فقد كان
بين ابن عساكر وبين المقادسة واقع ، رحم الله الجميع .
قال السبكي. في الطبقات (٢١٩/٧): ((قال فيه الشيخ محيي الدين
النووي ، ومن خطّه نقلتُ : هو حافظ الشام ، بل هو حافظ الدنيا ، الإِمام
مطلقًا ، الثقة الثبت .
قال ابن النجار : هو إمام المُحدِّثين في وقته ، ومَنِ انتهت إليه
الرياسة في الحفظ والإتقان، والمعرفة التامَّة بعلوم الحديث، والثقة والنبل،
وحُسْن التصنيف والتجويد ، وبه خُتم هذا الشأن .
قال: وسمعتُ شيخنا عبد الوهاب بن الأمين يقول : كنتُ يومًا مع
الحافظ أبي القاسم ابن عساكر ، وأبي سعد بن السمعاني ، نمشي في طلب
الحديث ولقاء الشيوخ ، فلقينا شيخًا ، فاستوقفه ابن السمعاني ليقرأ عليه
شيئًا ، وطاف على الجزء الذي هو سماعه في خريطته فلم يجده ، وضاق
صدرُه ، فقال له ابن عساكر: ما الجزء الذي هو سماعه؟ فقال: ((كتاب
البعث والنشور )) لابن أبي داود ، سمعه من أبي نصر الزينبي ، فقال له :
لا تحزنْ ، وقرأه عليه من حفظه أو بعضه .
قال ابن النجار : الشكُّ من شيخنا .
وكان الملك العادل محمود بن زنكي قد بنى له دار الحديث النورية،
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٤٧٢
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الأول
فدّس بها إلى حين وفاته ، غير مُلتفتٍ إلى غيرها ، ولا مُتطلِّع إلى زخرف
الدنيا ، ولا ناظرٍ إلى محاسن دمشق ونُزَهِها ، بل لم يزل مواظبًا على خدمة
السُّنَّة والتعبُّد باختلاف أنواعه ؛ صلاةً ، وصيامًا، واعتكافًا، وصدقةً ،
ونشْرَ عَلْمٍ ، وتشييعَ جنائز ، وصِلات رَحم ، إلى حين قُبض ، رحمه الله
تعالى ورضي عنه)» (١) .
قال ابن عساكر رحمه الله :
وأشرفُه الأحاديثُ العوالي
ألا إنَّ الحديثَ أَجَلُّ عِلْمٍ
وأحسنُه الفوائدُ والأمالي
وأنفعُ كلَّ نوعٍ منه عندي
تُحقِّقُهُ كأفواهِ الرجالِ
فإنك لن ترى للعلم شيئًا
وخُذْهُ عن الشيوخِ بلامَلَالِ
فكنْ ياصاحِ ذا حرصٍ عليهِ
ولا تأْخُذْهُ من صُحُفٍ فَتُرمىء من التصحيف بالداءِ العُضَالِ(٢)
٢٣٨ - شيخ الحنفية ، الإِمام الفقيه شمس الأئمة السرخسي ، صاحب
((المبسوط)) في فقه الحنفية :
لعلّ من أعجب ما قرأتُ أنَّ السرخسي حُبس في جُبٍّ ، فأملى كتاب
((المبسوط)) على تلامذته الذين كانوا يجلسون أعلى الجُبِّ من حفظه .
٢٣٩ - الإِمام الحافظ الكبير القدوة الأثري ، أبو محمد ، عبد الغني بن
عبد الواحد بن علي المقدسي :
صاحب ((الأحكام الكبرى)) و ((الصغرى)).
سمع الكثير بدمشق، والإِسكندرية، وبيت المقدس، ومصر، وبغداد ،
وحَرَّان ، والموصل ، وأصبهان ، وهمذان ، وكتب الكثير .
(١) طبقات الشافعية ٧ / ٢٢١ - ٢٢٣.
(٢) سير أعلام النبلاء ٥٦٩/٢٠ .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في غلو الهمة - المجلد الأول
٤٧٣
سمع عِدَّة ببغداد ، والحافظ أبا طاهر السِّلَفي ، فكتب عنه نحوًا من
ألف جزء، ولم يزل يطلب ويسمع ويكتب، ويسهر ويدأب، ويأمر بالمعروف
وينهى عن المنكر ، ويتقي الله ويتعبَّد ، ويصوم ويتهجَّد ، وينشر العلم ،
إلى أن مات . رحل إلى بغداد مرّتين ، وإلى مصر مرتين ؛ سافر إلى بغداد
هو وابن خاله الشيخ الموفق في أول سنة إحدى وستين ، فكانا يخرجان
معًا، ويذهب أحدهما في صحبة رفيقه إلى درسه وسماعه، كانا شابّيْن
مُختطَّيْن(١)، وخوَّفهما الناس من أهل بغداد ، وكان الحافظ ميلُه إلى
الحديث ، والموفق يُريد الفقه ، فتفقّه الحافظ ، وسمع الموفق معه الكثير ، فلما
رآهما العقلاء على التصوُّنِ وقِلَّةِ المُخالطة ؛ أحبُّوهما ، وأحسنوا إليهما ،
وحصَّلا علمًا جمًّا، فأقاما ببغداد نحو أربع سنين ، ونزلا أوَّلًا عند الشيخ
عبد القادر فأحسن إليهما ، ثم مات بعد قدومهما بخمسين ليلة ، ثم اشتغلا
بالفقه والخلاف على ابن المنّي . ورحل الحافظ إلى السِّلَفي في سنة ستٍّ
وستين ، فأقام مُدَّةً ، ثم رحل أيضًا إلى السِّلفي سنة سبعين ، ثم سافر سنة
نَيِّفٍ وسبعين إلى أصبهان ، فأقام بها مُدَّةً وحصَّل الكتب الجيّدة .
قال الضياء : كان عظيمَ الخلق ، تامَّ القامة ، كأن النور يخرج من
وجهه ، وكان قد ضعف بصرُهُ من البكاء والنسخ والمطالعة .
تصانيفه :
الحافظ عبد الغني هو أوَّلُ مَنْ جمع رجال الكتب الستة في مُصنَّف
واحد، وهو (( الكمال في معرفة رجال الكتب الستة )) في أربعة أسفار ،
يروي فيه بأسانيده .
وله (( تبيين الإصابة لأوهام حصلت لأبي نُعيم في معرفة الصحابة ))
جزآن؛ تدلُّ على براعته وحفظه. وله ((الأحكام الكبرى)) مُجلَّد، و ((الصغرى»
(١) يعني أول ظهور الشَّعْرِ في وجههما .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٤٧٤
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول
مُجيليد، وكتاب ((السيرة)) جزء كبير، وكتاب (( المصباح في عيون
الأحاديث الصحاح )) مُشتمل على أحاديث الصحيحين ، فهو مُستخرج
عليهما بأسانيده في ثمانية وأربعين جزءًا (١). وله أيضًا ((نهاية المراد من كلام
خير العباد )) في السُّنَن، نحو مائتي جزء، لم يُبيضْهُ، وكتاب ((اليواقيت))
مُجلد، وكتاب ((تحفة الطالبين في الجهاد والمجاهدين)) مُجلَّد ، وكتاب
((فضائل خير البرية)) أربعة أجزاء، وكتاب ((الروضة)) مُجلَّد، وكتاب
((التهجّد)) جزءان، وكتاب ((الفرج)) جزءان ، وغيرهما .
أما عن حفظه :
فقد قال ضياء الدين : كان شيخنا الحافظ لا يكاد يُسأل عن حديث
إلا ذكره وبيَّنه ، وذكر صحَّتَهُ أو سقمهُ ، ولا يُسأل عن رجل إلا قال :
هو فلان بن فلان الفلانّ ويذكر نَسَبَهُ ، فكان أميرَ المؤمنين في الحديث ،
سمعتُه يقول : كنتُ عند الحافظ أبي موسى المديني ، فجرى بيني وبين رجل
منازعة في حديث ، فقال : هو في صحيح البخاري . فقلتُ : ليس هو فيه .
قال: فكتَبَه في رقعة، ورفعها إلى أبي موسى يسأله، فناولني أبو موسى الرُّقعة،
وقال : ما تقول ؟ فقلتُ : ما هو في البخاري . فخجل الرجل .
قال الضياء : رأيتُ في النوم بمرو كأن البخاريَّ بين يدي الحافظ عبد
الغني يقرأ عليه. من جزء، وكان الحافظ يردُّ عليه ، أو ما هذا معناه .
وسمعتُ إسماعيل بن ظفر يقول : قال رجل للحافظ عبد الغني : رجل
حلف بالطلاق أنك تحفظ مائة ألف حديث . فقال: لو قال أكثر لَصَدَقَ !.
ورأيتُ الحافظ عبد الغني على المنبر غير مَرَّة يقولون له : اقرأْ لنا من
غير كتاب ، فيقرأ أحاديث بأسانيده من حفظه .
وسمعتُ ابنه عبد الرحمن يقول : سمعتُ بعض أهلنا يقول : إن الحافظ
(١) المراد بالجزء هنا هو الجزء الحديثى ، وهو بحدود عشرين ورقة .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الأول
٤٧٥
سُئل: لِمَ لا تقرأ من غير كتاب ؟ قال: أخاف العُجْبَ .
وسمعتُ خالي أبا عمر أو والدي ، قال : كان الملك نور الدين
ابن زنكي يأتي إلينا، وكنا نسمع الحديث، فإذا أشكل شيء على القارىء؛
قاله الحافظ عبد الغني ، ثم ارتحل إلى السِّلفِّ ، فكان نور الدين يأتي بعد
ذلك ، فقال : أين ذاك الشابُّ ؟ فقلنا : سافر .
وقال التاج الكندي : لم يكن بعد الدارقطني مثل الحافظ عبد الغني .
وكتب أبو موسى على كتاب (( تبيين الإِصابة)) الذي أملاه عبد
الغني : قُلُّ مَنْ قَدِمَ علينا يفهم هذا الشأن كفهم الإِمام ضياء الدين أبي
محمد عبد الغني المقدسي ، وقد وُفّقِ لتبيين هذه الغلطات ، ولو كان
الدار قطني وأمثاله في الأحياء لصوَّبوا فعْلَه ، وقَلَّ مَنْ يفهم في زماننا ما
فهم ، زاده الله عِلمًا وتوفيقًا .
في إفادته وتدريسه :
قال الضياء : كان رحمه الله مُجتهدًا على الطلب ، يكرم الطلبة ،
ويُحسن إليهم ، وإذا صار عنده طالب يفهم أَمَّهِ بالرحلة ، ويفرح لهم
بسماع ما يُحصِّلونه ، وبسببه سمع أصحابنا الكثير .
قال أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الحافظ : ما رأيتُ الحديث في الشام
كله إلا ببركة الحافظ عبد الغني ، فإنني كلُّ مَنْ سألتُه يقول : أولُ ما سمعتُ
على الحافظ عبد الغني ، وهو الذي حرَّضني .
وسمعتُ أبا موسى بن الحافظ يقول عند موته : لا تُضيِّعوا هذا العلم
الذي قد تعبنا عليه .
قال الذهبي : قلتُ : هو رخَّل ابن خليل إلى أصبهان ، ورحَّل ابنيْهِ
العِزّ مُحمدًا وعبد الله إلى أصبهان ، وكان عبد الله صغيرًا، وسفَّر ابن أخته
محمد بن عمر بن أبي بكر وابن عمِّه علي بن أبي بكر .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٤٧٦
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الأول
قال الضياء : وحرّضني على السفر إلى مصر ، وسافر معنا ابنه أبو
سليمان عبد الرحمن بن عشر، فبعث معنا (( المعجم الكبير)) للطبراني ،
وكتاب ((البخاري))، و((السيرة))، وكتب إلى زين الدين علي بن نجا
يُوصيه بنا ، وسفّر ابن ظفر إلى أصبهان ، وزوَّده ، ولم يزل على هذا .
قال الضياء : لما دخلنا أصبهان في سفرتي الثانية كُنَّا سبعة؛ أحدنا
الفقيه أحمد بن محمد بن الحافظ ، وكان طفلًا ، فسمعنا على المشايخ ،
وكان المؤيَّد ابن الإِخوة عنده جملة من المسموعات ، وكان يتشدَّد علينا ،
ثم تُوفِّي، فحزنتُ كثيرًا، وأكثر ما ضاق صدري لثلاثة كُتُبٍ. (( مُسند
العَدَني))، و((معجم ابن المقرىء))، و((مُسند أبي يعلى))، وقد كنتُ
سمعتُ عليه في النوبة الأولى ((مسند العَدَنّ)) ، لكن لأجل رفقتي ، فرأيتُ
في النوم كأنّ الحافظ عبد الغني قد أمسك رجلًا ، وهو يقول لي : أُمّ
هذا ، أُّ هذا، وهذا الرجل هو ابن عائشة بنت معمر ، فلمّا استيقظتُ؛
قلتُ : ما هذا إلا لأجل شيء . فوقع في قلبي أنه يُريد الحديث ، فمضيتُ
إلى دار بني مَعْمر، وفَتَّشتُ الكتب ، فوجدتُ (( مُسند العَدَني)) سماع
عائشة مثل ابن الإِخوة ، فلما سمعناه عليها ؛ قال لي بعض الحاضرين :
إنها سمعتْ ((معجم ابن المقرىء ))، فأخذْنا النسخة من خبَّز وسمعناه ،
وبعد أيام ناولني بعض الإِخوان ((مسند أبي يعلى)) سماعها، فسمعناه .
لله دَرُّكم آل المقدسي .. في نومكم ويقظتكم لا شُغْلَ لكم إلا الحديث
والعلم .. ولله دَرُّك عبد الغني .. تُعلِّم وتُدرِّس وتحثُّ - حتى في المنام -
على التعلُّم !!.
كان الحافظ عبد الغني رحمه الله يقرأ الحديث يوم الجمعة بجامع
دمشق وليلة الخميس ، ويجتمع خلْقٌ ، وكان يقرأ ويبكي ويُبَكِّي الناس
كثيرًا، حتى إنّ من حضره مَّةً لا يكاد يتركه ، وكان إذا فرغ دعا دُعاءً
کثیرًا .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول
٤٧٧
سمعتُ شيخنا ابن نجا الواعظ بالقرافة يقول على المنبر : قد جاء
الإِمام الحافظ ، وهو يُريد أن يقرأ الحديث ، فأشتهي أن تحضروا مجلسه
ثلاث مرّات ، وبعدها أنتم تعرفونه وتحصل لكم الرغبة ، فجلس أول يوم ،
وحضرتُ ، فقرأ أحاديث بأسانيدها حفظًا، وقرأ جزءًا ، ففرح الناس به ،
فسمعتُ ابن نجا يقول : حصل الذي كنتُ أُريده في أول مجلس .
وسمعتُ بعض مَنْ حضر يقول: بكى الناس حتى غَشِي على بعضهم.
وكان يجلس بمصر بأماكن .
قال الفقيه نجم بن عبد الوهّاب الحنبلي - وقد حضر مجلس الحافظ -:
يا تقَّ الدين ، والله لقد حملتَ الإِسلام ، ولو أمكنني ما فارقتُ مجلسك .
قال الموفق : كان الحافظ عبد الغني جامعًا للعلم والعمل ، وكان
رفيقي في الصبا ، وفي طلب العلم ، وما كنا نستبق إلى خير إلا سبقني
إليه إلا القليل ، وكَمَّل الله فضيلته بابتلائه بأذى أهل البدعة وعداوتهم ،
ورُزِق العلم وتحصيل الكتب الكثيرة ، إلَّا أنه لم يُعمَّر .
قال أبو موسى بن الحافظ: حدَّثني صَنيعة الملك هبة الله بن حيدرة،
قال : لما خرجتُ للصلاة على الحافظ لقيني هذا المغربي - وكان رجُلًا
مغربيًّا معه ، فهو يُشير إليه - فقال : أنا غريب ، رأيتُ البارحة كأني في
أرض بها قوم عليهم ثيابٌ بيضٌ ، فقلتُ : ماهؤلاء ؟ قيل : ملائكة السماء
نزلوا لموت الحافظ عبد الغني . فقلتُ : وأين هو ؟ فقيل لي : اقعدْ عند
الجامع حتى يخرج صنيعة الملك فامضِ معه ، قال : فلقيتُه واقفًا عند
الجامع .
سمعتُ الفقيه أحمد بن محمد بن عبد الغني سنة اثنتي عشرة يقول :
رأيتُ البارحة أخاك الكمال عبد الرحيم - وكان توفّي تلك السنة - في
النوم ، فقلتُ : يافلان ، أين أنت ؟ قال : في جنة عدن . فقلتُ : أَيُّما
أفضل ؛ الحافظ أو الشيخ أبو عمر ؟ فقال : ما أدري ، وأمّا الحافظ فكلُّ
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول
٤٧٨
ليلة جمعة يُنصب له كرسي تحت العرش ، ويقرأ عليه الحديث ، ويُنثر
عليه الدُّرُّ والجوهر، وهذا نصيبي منه، وكان في كُمِّه شيءٌ (١) .
أموتُ وما ماتتْ إليك صبابتي وما شبعت من حب ذاتك أوطاري
٢٤٠ - أبو عمرو ابن الصلاح ، الإِمام الحافظ العلامة شيخ الإسلام تقي
الدين، عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان الشهرزوري، صاحب علوم الحديث
((مُقدِّمة ابن الصلاح)):
(( كان إمامًا كبيرًا، فقيهًا مُحدثًا، مُفيدًا مُعلمًا ، يُعيد زمان السالفين
ورعا ، ويزيد بهجة دمشق علم جنى كل طالب جناها ورعا ، فما منهم إلَّا
من اغترف من بحره ، واعترف بدُرِّه ، وحفظ جانب مِثله ورغًا .
سمع الحديث بالموصل من ابن السمين وهو أقدم شيخ له، وسمع ببغداد
من ابن سكينة ، وسمع بنيسابور ، وبمرو ، وبدمشق من الشيخ الموفق ابن
قدامة وغيره. جال بلاد خراسان واستفاد من مشايخها، وعلّق التعاليق المُفيدة،
وورد دمشق ، ودرَّس بالمدرسة الصَّلاحية بالقدس ، ثم عاد إلى البلاد ، ثم
ورد دمشق مُقيمًا مُستوطنًا ، وولي تدريس الرّواحية والشامية الجَوَّانية،
ومشيخة دار الحديث الأشرفية ))(٢).
قال الذهبي: ((أشغل، وأفتى ، وتخرّج به الأصحاب ، وكان من
كبار الأئمة )) .
قال ابن خلِّكان: ((كان أحد فضلاء عصره في التفسير والحديث
والفقه ، وله مُشاركةٌ في فنون عدَّة )).
(( قال القاضي شمس الدين ابن خلِّكان: بلغني أنه كرّر على جميع
((المُهذَّب)) قبل أن يَطِرّ شاربُه، وكانت فتاويه مُسدَّدة، وهو أحد شيوخي
(١) سير أعلام النبلاء ٢١ / ٤٤٣ - ٤٧٠ .
(٢) طبقات الشافعية الكبرى ٧ / ٣٢٧.
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول
٤٧٩
الذين انتفعتُ بهم ، أقمتُ عنده للاشتغال ، ولازمته سنةً ، وله إشكالات
على ((الوسيط))، وذكره عمر بن الحاجب في ((معجمه))، فقال: إمامٌ
وَرِعٌ، وافُرُ العقل، مُتَبِخِّرٌ في الأصول والفروع ، بالغَ في الطلب حتى
صار يُضَرب به المثل ، وأجهد نفسه في الطاعة والعبادة .
قال الذهبي : كان مع تبخّره في الفقه مجوِّدًا لما ينقله ، قويّ المادة
من اللغة العربية ، مُتفنّنًا في الحديث مُتصوِّنًا، مُكِبًّا على العلم ، عديمَ
النظير في زمانه .
ومن فتاويه أنه سُئِل عمن يشتغل بالمنطق والفلسفة ، فأجاب :
الفلسفة أُسُّ السَّفَهِ والانحلال، ومادة الحيرة والضلال، ومثار الزيغ والزندقة،
ومَنْ تفلسف ؛ عميتْ بصيرته عن محاسن الشريعة المؤيَّدة بالبراهين ، ومن
تلَّس بها قارنه الخذلان والحرمان ، واستحوذ عليه الشيطان ، وأظلم قلبُه
عن نبَّوَّة محمد عَ لّه، إلى أن قال: واستعمال الاصطلاحات المنطقية في
مباحث الأحكام الشرعية من المُنكرات المُستبشعة، والرقاعات المُستحدثة،
وليس بالأحكام الشرعية - ولله الحمد - افتقار إلى المنطق أصلًا ، هو
قعاقع قد أغنى الله عنها كُلّ صحيح الذهن ، فالواجب على السلطان أعزّه
الله أن يدفع عن المسلمين شَرّ هؤلاء المشائيم ، ويُخرجهم من المدارس
ويُبعدهم )»(١) .
٢٤١ - الحافظ شيخ الإِسلام، الإِمام المنذري، زكي الدين، أبو محمد،
عبد العظيم بن عبد القوي بن عبد الله بن سلامة المنذري :
ولُّي الله، والمُحدِّث عن رسول الله عَ له.
((كان رحمه الله قد أُوتي المكيال الأوفى من الورع والتقوى، والنصيبَ
الوافر من الفقه ، وأما الحديث فلا مراء في أنه كان أحفظَ أهل زمانه ،
(١) سير أعلام النبلاء ٢٣ / ١٤٢ - ١٤٣.
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الأول
٤٨٠
وفارسَ أقرانه ، له القدم الراسخ في معرفة صحيح الحديث من سقيمه ،
وحفظ أسماء الرجال حفظَ مُفرطِ الذكاءِ عظيمِه ، والخبرة بأحكامه ،
والدراية بغريبه وإعرابه واختلاف كلامه. سمَّع بحَرَّان والُّها والإِسكندرية
وغيرها. وتفقّه، وصنَّف ((شرحًا على التنبيه))، وله ((مختصر سنن أبي
داود وحواشيه)) كتابٌ مُفيد، و ((مختصر صحيح مسلم ))، وخرّج لنفسه
مُعجمًا كبيرًا مُفيدًا، وانتقى، وخرّج كثيرًا، وأفاد الناس . وبه تخَّج
الحافظ أبو محمد الدمياطي ، وإمام المتأخّرين تقي الدين ابن دقيق العيد ،
والشريف عز الدين، وطائفة، وعمَّتْ عليهم بَرَكَتُه))(١) .
قال الذهبي في ((السِّير)) (٢٣ / ٣٢١ - ٣٢٢): ((قرأ القراءات
على أبي الثناء حامد بن أحمد الأرتاحيِّ ، وتفقّه على الإِمام أبي القاسم عبد
الرحمن بن محمد القرشي الشافعي ، وأخذ العربية عن أبي الحسين يحيى بن
عبد الله الأنصاري .
قال الحافظ عز الدين الحُسينّ : درَّس شيخنا بالجامع الظافرِّ ، ثم
ولي مشيخة الدار الكاملية ، وانقطع بها عاكفًا على العلم ، وكان عديمَ النظير
في علم الحديث على اختلاف فنونه ، ثبتًا حُجَّةً، وَرِعًا مُتحرِّيًا .
قال شيخنا الدمياطي : هو شيخي ومُخَرّجي ، أتيتُه مُبتدئًا ، وفارقتُه
معيدًا له في الحديث .
وقال الشريف عز الدين : كان شيخنا زكي الدين عالمًا بصحيح
الحديث وسقيمه، ومعلوله وطرقه، مُتبحرًا في معرفة أحكامه ومعانيه ومُشكَلِهِ،
قيّمًا بمعرفة غريبه وإعرابه واختلاف ألفاظه، إمامًا حُجَّةً)).
قال السبكي في الطبقات (٨/ ٢٦٠ - ٢٦١): ((قال الذهبي :
وما كان في زمانه أحفظ منه .
(١) طبقات الشافعية للسبكي ٨ / ٢٥٩ - ٢٦٠.
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com