Indexed OCR Text
Pages 381-400
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الامة في عُلَوَّ الهمة - المجلد الأول ٣٨١ قال الخطيب : سمعتُ محمد بن يحيى الكرماني الفقيه يقول : ما رأيتُ في أصحاب الحديث أكثر عبادةً من البرقاني . وسألتُ الأزهري : هل رأيتَ شيخًا أتقن من البرقاني ؟ قال : لا ، وذكره أبو محمد الحسن ابن محمد الخلال ، فقال : هو نسيجُ وحده . قال الخطيب: أنا ما رأيتُ شيخًا أثبتَ منه)) (١). (( قال البرقاني : دخلتُ إسفرابين ومعي ثلاثة دنانير ودرهم ، فضاعت الدنانير وبقي الدرهم ، فدفعته إلى خبَّاز ، وكنت آخذ منه كل يوم رغيفين ، وآخذ من بشر بن أحمد الإِسفراييني جزءًا فأكتبه ، وأُفّغُه بالعشِّ ، فكتبتُ ثلاثين جزءًا، ونفد ما عند الخبَّاز، فسافرتُ))(٢). قال أبو بكر الخطيب : حدَّثني أحمد بن غانم ، وكان صالحًا ، قال : نقلتُ البرقاني من بيتي ، وكان معه ثلاثة وستون سفطًا وصندوقان ، كلّ ذلك مملوءٌ كُتُبًا . قلتُ - أي الذهبي -: إنه سمع من تلميذه أبي بكر الخطيب ، وحدَّث عنه في حياته . قال الخطيب : كنتُ أُذاكره الأحاديث ، فيكتبها عني ، ويُضمِّنُها جموعه . ١٧٤ - الحيري : ((العلامة المفسِّر: أبو عبد الرحمن ، إسماعيل بن أحمد النيسابوري الحيري ، الضرير ، الزاهد ، أحد الأعلام . له التصانيف في القرآن والقراءات والحديث والوعظ ونفع الخلق . قال الخطيب : قدم علینا ، ونِعْمَ الشیخ کان ، له تفسیر مشهور ، (١) سير أعلام النبلاء ١٧ / ٤٦٦ - ٤٦٧ . (٢) تاريخ بغداد ٤ / ٣٧٥ . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٣٨٢ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول قرأتُ عليه صحيح البخاري في ثلاثة مجالس ؛ ميعادان في ليلتين ، وقرأتُ الثالث من ضحوة إلى الليل ، ثم إلى طلوع الفجر))(١). ١٧٥ - عبد الله بن حمُّود الزبيدي الأندلسي : صاحبُ أبي علي الفارسي، المُتوفّى غريقًا في طريق عودته إلى الأندلس. ((كان عبد الله هذا قد صحب أبا علي القالي بالأندلس ، وأخذ عنه ، ثم رحل إلى المشرق ، فصحب أبا سعيد السيرافي إلى أن مات ، وصحب أبا علي الفارسي في مقامه وسفره إلى فارس وغيرها ، وأخذ عنه ، وأكثر ، وبرع . ومن خبره مع أبي علي الفارسي : أن أبا علي غلَّس يومًا إلى الصلاة في المسجد ، فقام إليه عبد الله بن حموّد هذا من مزود(٢) ، وكان لدابَّة أبي علي خارج داره ، وكان عبد الله قد بات فيه ؛ ليُدلج إليه قبل الطلبة طالبًا للسبق والأخذ عنه ، فارتاع منه أبو علي ، وقال له : ويحك ، مَنْ تكون ؟ قال : أنا عبد الله الأندلسي . فقال: إلى كم تتبعني؟ والله إنْ(٣) على وجه الأرض أنحى منك! زاد أحمد بن مكتوم: حدَّثني شيخنا أبو حيَّان الأندلسي- أبقاه الله - أنَّ عبد الله هذا رحل إلى الأندلس ، وحين بقي بينه وبين بلده مسافة يوم أو يومين ؛ غرقت المركب ، وهلك كلَّ مَنْ فيها ، ومن جملتهم عبد الله المذكور ، وذهب معه عِلْمٌ كثير كان قد جلبه من العراق ، رحمةٌ الله تعالى عليه))(٤) . (١) تاريخ بغداد ٣١٤/٦، وسير أعلام النبلاء ٥٣٩/١٧ - ٥٤٠ . (٢) بيت العلف . (٣) أي ( ما ) . (٤) ((إنباه الرواة على أنباه النحاة)) للقفطي ٢ / ١١٩. https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الأول ٣٨٣ ١٧٦ - ابن المَكْوي القرطبي : أبو عمر، أحمد بن عبد الملك الإِشبيلي، شيخ فقهاء الأندلس في وقته. ((كان قد حُبِّب إليه الدرس مُدّة عمره ، لا يفتر عنه ليله ونهاره ، وجُعلت فيه لذَّتُه . ذُكر أنَّ صدیقًا له قصده في عید زائرًا له، فأصابه داخل داره ودربُه مفتوح ، فجلس ينتظره وأبطأ عليه ، فأوصى إليه ، فخرج وهو ينظر في كتاب ، فلم يشعر بصديقه ، حتى عثر فيه ؛ لاشتغال باله بالكتاب ، فتنبَّه حينئذٍ له ، وسلَّم عليه ، واعتذر له من احتباسه بشغله بمسألة عويصة لم يُمكنه تركُها حتى فتحها الله عليه ، فقال له الرجل : في أيام عيد ، ووقت راحة مسنونة ؟ فقال : إذا علتْ هذه النفسُ انصبَّت إلى هذه المعرفة ، والله ما لي راحةٌ ولا لذَّةٌ في غير النظر والقراءة . قال ابن عفيف : إليه انتهت رئاسة العلم بالأندلس حتى صار بمثابة يحيى بن يحيى الليثي في زمانه ، واعتلى على جميع الفقهاء ، ونُفِّذت الأحكام برأيه ، فحكم على الحاكم ، وبعُد صيتُه بالأندلس ، وحاز رئاسةً أحاديثها مشهورةٌ )) (١) . ١٧٧ - شيخ الإِسلام وشيخ الشافعية محمد بن محمد الطوسي : الإِمام الحافظ أبو النضر : (( قال الحاكم تلميذه : سمعتُ أحمد بن منصور يقول: أبو النضر يُفتي الناسَ من سبعين سنة أو نحوها ، ما أُخذ عليه في فتوى قطُّ . قال الحاكم : رحلتُ إليه مرتين ، وسألتُه متى يفرغ للتصنيف مع هذه الفتاوى؟ فقال: جزّأْتُ الليل؛ فتُه أُصنّف، وثُثُهُ أقرأ القرآن، وتُلُنُّهُ للنوم. (١) ترتيب المدارك للقاضي عياض ٤ / ٦٣٦. تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٣٨٤ صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الأول قال الحاكم : وكان إمامًا عابدًا بارعَ الأدب ، وما رأيتُ في مشايخنا أحسنَ صلاةً منه ، وكان يصوم الدهر ، ويقوم الليل ، ويتصدَّق بما فضُل من قوته ، ويأمر بالمعروف ، وينهى عن المنكر ))(١) . ١٧٨ - السمَّان الحافظ شيخ المعتزلة: أبو سعد ، إسماعيل بن علي السمَّان عفا الله عنه : قال فيه ابن عساكر: ((قدم دمشق طالبَ علم، وكان من المُكثرين الجوّالين ، سمع من نحو أربعة آلاف شيخٍ . وقال الحافظ عبد العزيز الكتاني : كان أبو سعد من الحفّاظ الكبار ، زاهدًا وَرِعًا، وكان يذهب إلى الاعتزال)). قال أبو سعد السمَّان: ((مَنْ لم يكتب الحديث لم يتغرغر بحلاوة الإِسلام)). ولله ما أحلاها من كلمة وأصدقها !! ومع هذا فقد كان شيخ العدلية - المعتزلة - وعالمَهم وفقيهَهُم ، وكان إمامًا بلا مُدافعة في القراءات والحديث والرجال والفرائض والشروط ، عالمًا بفقه أبي حنيفة ، وبالخلاف بين أبي حنيفة والشافعي ، وفقه الزيدية . وكان على مذهب أبي هاشم الجُبَّائي المعتزلي ، وكان يُقال في مدحه : هو تاريخ الزمان وشيخ الزمان !! قال الذهبي: ((وأنّى يوصف من قد اعتزل وابتدع، وبالكتاب والسنة فقلّ ما انتفع ، فهذا عبرةٌ ، والتوفيق فمن الله وحده . هتف الذكاءُ وقال لستُ بنافعٍ إلا بتوفيق من الوهَّابِ وأمّا أبو هاشم الجُبَّائي وأبوه أبو علي فمن رؤوس المعتزلة ومن الجهلة (١) تذكرة الحفاظ ٣ / ٨٩٣ . https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوُّ الهمة - المجلد الأول ٣٨٥ بآثار النبوة . برعوا في الفلسفة والكلام ، وما شمُّوا رائحة الإِسلام ، ولو تغرغر أبو سعد بحلاوة الإِسلام لانتفع بالحديث ، فنسأل الله تعالى أن يحفظ علينا إيماننا وتوحيدنا))(١) . ١٧٩ - الإمام أبو منصور محمد بن الحسين الأيوبي النيسابوري : ((صاحب البيان والحُجَّة والبرهان، واللسان الفصيح والنظر الصحيح، أَنظُرُ منْ كان في عصره ، ومن تقدَّمه ، ومَنْ بعده . تَلْمَذ للأستاذ أبي بكر بن فورك في صباه ، وتخَّج به ولزم طريقته ، وجدَّ واجتهد في فقرٍ وقلَّةٍ من ذات اليد ، حتى كان يُعلَّق دروسه ويُطالعها في القمر لضيق يده عن تحصيل دهن السِّراج ، وهو مع ذلك يُقابل الفقر ، ويُلازم الورع، ولا يأخذ من مال الشبهة شيئًا))(٢). ١٨٠ - الوَحْشي : ((الشيخ الإِمام الحافظ المُحدِّث الزاهد : أبو علي ، الحسن بن علي ابن محمد البلخي الوخشي . قال أبو سعد السمعاني : كان حافظًا فاضلاً، ثقةً، حَسَنَ القراءة . رحل إلى العراق والجبال والشام والثغور ومصر ، وذاكر الحفّاظ ، وسمع ببلخ من أبي القاسم علي بن أحمد الخزاعي . قال الوخشي: جُعتُ بعسقلان أيامًا وعجزتُ عن الكتابة، ثم فتح الله. قال عمر السرخسي : ورد نظام الملك علينا ، فقيل له : إنّ بقرية وخشٍ ذا رحلةٍ ومعرفةٍ ، فاستدعاه ، وقرءوا عليه سنن أبي داود . قال الوخشي يومًا : رحلتُ وقاسيتُ الذُّلَّ والمشاقّ ، ورجعتُ إلى (١) سير أعلام النبلاء ١٨ / ٥٦ - ٦٠. (٢) ((تبيين كذب المفتري)) لابن عساكر صـ ٢٤٩. تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٣٨٦ صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الأول وخش، وما عرف أحدٌ قدْري، فقلتُ: أموتُ ولا ينتشر ذكْري، ولا يترحَّم أحدٌ علَّ، فسهَّل الله ووفّق نظام الملك ، حتى بنى هذه المدرسة ، وأجلسني فيها أُحدِّث، لقد كنتُ بعسقلان أسمع من ابن مُصحّحٍ ، وبقيتُ أَيَّامًا بلا أُكْلٍ ، وقعدتُ بقُرْبِ خبَّاز لأشُمَّ رائحة الخبز وأتقوَّى بها)) (١) . ١٨١ - القاضي أبو علي الهاشمي محمد بن أحمد الحنبلي : (( ذكر أبو علي بن شوكة قال : اجتمعنا جماعة من الفقهاء ، فدخلنا على القاضي أبي علي الهاشمي ، فذكرنا له فقرنا وشدَّةَ ضّرّنا ، فقال لنا : اصبروا ، فإنَّ الله سيرزقكم ويُوسِّع عليكم ، وأُحدّثكم في مثل هذا بما تطيب به قلوبكم : أذكر "سنةً من السنين وقد ضاق بي الأمر شيئًا عظيمًا، حتى بعتُ رحْلَ داري ، ونفد جميعُه ، ونقضتُ الطبقة الوسطى من داري ، وبعتُ أخشابها وتقوَّتُ بثمنها ، وقعدتُ في البيت فلم أخرج ، وبقيتُ سنة ، فلمَّا كان بعد سنة ؛ قالت لي المرأة : البابُ يدقُّ ، فقلتُ لها : افتحي الباب ، ففعلتْ ، فدخل رجلٌ فسلّم علَّ ، فلما رأى حالي لم يجلس حتى أنشدني وهو قائم : ليس من شِدَّةٍ تُصيبُك إلا سوف تمضي وسوف تُكْشفُ كَشْفا لا يضقْ ذرعُك الرحيبُ فإنَّ النّار يعلو لهيبها ثم تُطفا قد رأينا منْ كان أشفى على الهل ـك فوافتْ نجاته حين أشفى ثم خرج عني ولم يقعد ، فتفاءلتُ بقوله ، فلم يخرج اليوم عني ، حتى (١) سير أعلام النبلاء ٣٦٥/١٨ - ٣٦٧، ولسان الميزان ٢٤١/٢، وتذكرة الحفاظ ٠١١٧٣/٣ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الأول ٣٨٧ جاءني رسول القادر بالله ، ومعه ثياب ودنانير وبغلة مِمركب ، ثم قال لي : أجبْ أمير المؤمنين ، وسلَّم إلَّي الدنانير والثياب والبغلة ، فغَّرتُ عن حالي ودخلتُ الحمَّام ، وصرتُ إلى القادر بالله، فردَّ إلَي قضاء الكوفة وأعمالها وأثری حالي ))(١) . ١٨٢ - الحافظ الحَرَمي : (الإِمام القدوة، أبو سعد محمد بن الحسين بن محمد المزكي الحَرَمي، نزيل هراة . كان زاهدًا، عابدًا ربانيًّا . قال أبو جعفر محمد بن أبي علي : كان أبو سعد الحَرَمي من الأوتاد، لم أرَ بعيني أحفظَ منه . وقال الواعظ أبو حامد الخيّاط: إنْ كان لله بهراة أحدٌ من الأولياء؛ فهو هذا ، وأشار إلى الحَرَمي . قال الحرمي رحمه الله : لا يصبر على الخلِّ إلا دورُه ؛ يعني لا يصبر على الحديث إلا أهله ))(٢). ١٨٣ - القاضي عبد الوهاب بن علي بن نصر المالكي، البغدادي الفقيه: قال ابن بسَّم: ((كان بقيةَ الناس ، ولسانَ أصحاب القياس ، وقد وجدتُ له شِعْرًا ؛ معانيه أجلى من الصبح ، وألفاظه أحلى من الظَّفر بالنُّجح ، ونَبَتْ به بغداد كعادة البلاد بذوي فضلها على حكم الأيام بمحسني أهلها ، فخلع أهلها وودَّع ماءها وظلّها، وحُدِّثتُ أنه شيَّعه يوم فُصل عنها من أكابرها وأصحاب محابرها ؛ جملة موفورة ، وطوائف كثيرة ، وأنه قال لهم : لو (١) طبقات الحنابلة لأبي يعلى ٢ / ١٨٥. (٢) سير أعلام النبلاء ١٩ / ٢٠٢ - ٢٠٣. تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ة تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٣٨٨ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الأول وجدتُ بين ظهرانيكم رغيفين كل غداةٍ وعشيَّةٍ ؛ ما عدلتُ عن بلدكم لبلوغ أمنية ، وفي ذلك يقول : وحقّ لها مني سلامٌ مُضاعفُ سلامٌ على بغدادَ في كُلِّ موطنٍ وإني بشطَّي جانبيها لَعَارِفُ فوالله ما فارقتها عن قِلَّى لها ولم تكن الأرزاقُ فيها تُساعفُ ولكنها ضاقتْ علَّي بأسرها وأخلاقُه تنأى به وتُخالفُ وكانت كخِلُّ كنتُ أَهوى دُنْوَّهُ ويقول في ذلك أيضًا : وللمفاليسِ دارُ الضَّنْكِ والضِّيقِ بغدادُ دارٌ لأهلِ المالِ طِيِّةٌ ظللتُ حيران أمشي في أزقَّتها كأني مُصحفٌ في بيتٍ زنديق واجتاز في طريقه من بغداد إلى مصر بمعَرَّة النعمان ، وبالمعَّة يومئذٍ أبو العلاء المعرّ، فأضافه ، وأُعجب بعلمه وفقهه وأدبه وشِعْره ، وفي ذلك يقول أبو العلاء من جملة أبيات : بلادَنا فحمدْنا النأَتَيَ والسَّفرا والمالکي ابنُ نصرٍ زارٍ في سفرٍ وينشرُ الملك الضُّلِّيل(١) إِنْ شَعَرا إذا تفقّه أحيا مالكًا جدلًا ثم توجّه إلى مصر فحمل لواءها ، وملأ بالعلم أرضها وسماءها ، واستتبع سادتها وكبراءها ، وتناهت إليه الغرائب ، وانثالت في يده الرغائب ، فمات لأول ما وصلها ، من أكْلة اشتهاها فأكلها ، وزعموا أنه قال في مرضه - وهو يتقلَّب ، ونَفَسُهُ يتصعَّد ويتصوَّب -: لا إله إلا الله، إذا عشنا متنا . وهو الذي يقول : إذا استقتِ البحارُ من الرّكايا متى يصل العِطاشُ إلى ارتواءٍ وقد جلس الأكابر في الزوايا ومَنْ يُئِنِ الأصاغَرَ عن مرادٍ على الرُّفَعاءِ من إحدى الرزايا وإنّ ترفّعَ الوُضَعِاءِ يومًّا فقدْ طابت مُنادمةُ المنايا))(٢) إذا استوتِ الأسافُ والأعالي (١) امرؤ القيس . (٢) الذخيرة لابن بسَّام. تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٣٨٩ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول ١٨٤ - البغوي ، الشيخ الإِمام ، محيي السُّنَّة وركن الدين ، أبو محمد الحسين بن مسعود : قال عنه الذهبي في السير (٤٤١/١٩): ((كان البغوي يُلقَّب بمُحبي السُّنَّة وبُرُكْنِ الدينِ ، وكان سيِّدًا وإمامًا عالمًا عَلَّامة، بُورِك له في تصانيفه ، ورزق فيها القبول التامَّ ؛ لحُسْنِ قصْدِه، وصدْق نَّته وتنافُسِ العلماء في تحصيلها ، وكان لا يُلقي الدرس إلا على طهارة ، على منهاج السلف حالًا وعقدًا ، وله القدم الراسخ في التفسير ، والباع المديد في الفقه)). وهو أحد العلماء الذين خدموا الكتاب العزيز والسنة النبوية؛ بالعكوف على دراستهما ، والتأليف فيهما ، وإحياء ما درس من معالمهما ، وكشف كنوزهما ودفائنهما . كان يدعو إلى الاعتصام بالكتاب والسنة اللَّذيْن هما أصْل الدين ومِلَاكُه ، ويُؤلِّف في نشر علومهما ، وبثِّ معارفهما التآليفَ النافعة الماتعةَ ، حتى استحقَّ لقب (( مُحيي السنة)) من أهل عصره ، وممّن جاء بعده . وقد دفعه حُبُّه للعلم وشغفُهُ بالسنة أن يرحل إلى مرو الروذ ؛ ليلتقي بإمام عصره غير مُدافع الحسين بن محمد المروزي القاضي ، فتتلمذ له ؛ وتفقّه عليه ، وروى عنه ، ونهل من علمه ، فكان من أخصِّ تلامذته ، ولم تقف هِمَّتُه عند ذلك ؛ بل طاف خراسان ، وسمع خلقًا كثيرًا من علمائها ، وروى عنهم الصِّحاح والسُّنن والمسانيد ، ودرس مذاهب الأئمة المشهورة وأحاط بها ، وخاصَّة مذهب الإِمام الشافعي . ((قال السبكي: اعلم أن صاحب ((التهذيب)) - يعني البغوي - قَلَّ أنْ رأيناه يختار شيئًا إلّا وإذا بحث عنه وُجد أقوى من غيره . وهو يدلُّ على نّيْلٍ كبيرٍ ، وهو حرٌّ بذلك، فإنه جامعٌ لعلوم القرآن والسّنة والفقه . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٣٩٠ صلاح الأمة في عَلَوَ الهمة - المجلد الأول رحمه الله ، ورحمنا به إذا صرنا إلى ما صار إليه ))(١). ألقى عصا التِّسيار في مروالروذ وطنه الثاني يُؤْلَّف الكتب ، ويُفيد الطلبة من علمه الجمِّ ، وأفكاره النّيِّرة ، وتعاليمه القيِّمة . ومن كُتُبِه : ١ - ((التهذيب)) في فقه الإِمام الشافعي. وهو مشهور عند الشافعية يفيدون منه ، وينقلون عنه ، ويعتمدونه في كثير من المسائل ، والإِمام النووي رحمه الله يُكثر النقل عنه في ((الروضة)). ٢ - وله في التفسير ((معالم التنزيل)). ((سُئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن أي التفسير أقرب إلى الكتاب والسنة : الزمخشري ، أم القرطبي ، أم البغوي ، أم غير هؤلاء ؟ فقال : وأما التفاسير الثلاثة المسئول عنها ، فأسلمُها من البدعة والأحاديث الضعيفة البغوي))(٢). ٣ - ((مصابيح السنة)). وهو كتاب مشهور مُتداوَل ، عني به العلماء قراءةً وتعليقًا وشرحًا ، وقد اعتمده الخطيب التبريزي ، وزاد عليه ، وهذَّبه في كتابه ((مشكاة المصابيح))، وقد طبع أكثر من مرة في بلاد تركستان والهند ، وحقَّقه الشيخ الألباني . ٤ - (( شرح السُّنَّة)). وهو من أجلٌ كُتُبِ السُّنَّة التي انتهت إلينا من تراث السلف ترتيبًا وتنقيحًا، وتوثّقًا وإحكامًا، وإحاطةً بجوانب ما أُلْف فيه . وجاء هذا الشرح مُشتملًا على فوائد شتى من: حَلِّ مُشكَلٍ ، وتفسير غريب ، وبيان حُكْمٍ ، وما إلى ذلك مما يمُتُّ إلى فقه الحديث . وهو في هذا الكتاب ينحو منحى المُحدِّثين ومنْ نهج نهْجَهم من الفقهاء في التعويل على الحديث الصحيح . (١) طبقات الشافعية الكبرى ٧ / ٧٦ . (٢) مجموع فتاوى ابن تيمية ٢ / ١٩٣. تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول ٣٩١ ((وإنَّ كتابًا كهذا جمع إلى جلالة القدر، وعِظَمِ الفائدة؛ حُسْنَ الانتقاء ، وإحكامَ الرصف ، ودقة التحرير ، لا يُستغرَب انتشارُ ذكْرُه بين طوائف الفقهاء والمحدِّثين، وتدارسُ العلماء له على مرِّ الأجيال، والاقتباس منه، والنقل عنه، والإِشادة بمؤلفه، والتنويه بعلمه وفضله))(١) . ولو لمْ يكن للبغوي إلَّ هذا الكتاب خدمةً للسُّنَّة والعلم ونشْرًا للعلم؛ لكفاه أن يُشار إليه بالبنان، ويُقال: هذا في زمانه أوحد أهل الزمان. ١٨٥ - أبو الغنائم ، محمد بن علي الدجاجي البغدادي : (( قال هبة الله بن المبارك السقطي : كان مُسِنِدُ بغداد أبو الغنائم محمد ابن علي الدجاجي ذا وجاهةٍ وتقدُّم ، وحالٍ واسعةٍ ، وعهدي به وقد أخنى عليه الزمان بصروفه . وقد قصدتُه في جماعة مُثرين لنسمع منه الحديث وهو مريض ، فدخلنا عليه وهو على باريّة(٢) ، وعليه جُبَّةٌ قد أكلتِ النارُ أكثرَها ، وليس عنده ما يُساوي درهمًا ، فحمل على نفسه حتى قرأنا عليه بحسب شرهنا ، ثم قمنا ، وقد تحمَّل المشقّة في إكرامنا ، فلما خرجنا ؛ قلتُ : هل مع سادتنا ما نصرفه إلى الشيخ ؟ فمالوا إلى ذلك ، فاجتمع له نحو خمسة مثاقيل من ذهب ، فدعوتُ ابنته وأعطيتُها ، ووقفتُ لأرى تسليمها إليه ، فلمّا دخلتْ وأعطتْهُ ؛ لطَمَ وجْهَهُ ، ونادى : وافضيحتاه ، أآخذ على حديث رسول الله عَّه ◌ِوَضًا: ((لا والله، ونهض حافيًا، فنادى: بحرمة ما بيننا إلا رجعت، فعدُتُ إليه ، فبكى وقال : تفضحني مع أصحاب الحديث ، الموتُ أهونُ (١) شرح السنة للبغوي، مقدمة للشيخ شعيب الأرناؤوط وزهير الشاويش من ١ - ٩ ، طبع المكتب الإسلامي . (٢) حصيرة . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٣٩٢ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول من ذلك ، فأعدتُ الذهب إلى الجماعة ، فلم يقبلوه وتصدَّقوا به)) (١). ١٨٦ - البَرْتَلي وعبد الحق بن محمد بن هارون السهمي القرشي الصقلي : جاء في (( الديباج المذهب)) للقاضي ابن فرحون المالكي (٣٥٢/١) في ترجمة ((أبي القاسم خلف مولى يوسف بن هلول البلنسي الأندلسي المالكي المعروف بالبرالي، ويُقال: البِرْيَلي)): إنه لما ألفَّ في شرح المدوَّنة واختصارها كتابًا سمَّه ((التقريب)) استعمله الطلبة في المناظرة ، وانتفعوا به ، عوَّل فيه على نقْل ابن أبي زَمْنين في لفظ المدوَّنة ، ولما أكمل هذا الكتاب تأليفًا؛ دخلتْ نسخة منه مدينة صقلية ، وكان عبد الحق بن محمد بن هارون السهمي القرشي الصقلي فقيه صقلية وعالمها لم يكن قد رحل من صقلية بعدُ ، فلما قرأه ونظر فيه إلى أقواله ، وما أدخله فيه من كتابه ؛ استحسنه وأراد شراءه ، فلم يتيسر له ثمنُه، فباع حوائج من داره واشتراه، فغلا الكتاب وتنافس فيه الناس عند ذلك . وكان أبو الوليد بن هشام الفقيه يقول: (( من أراد أن يكون فقيهًا من ليلة فعليه بكتاب البريلي )) . ١٨٧ - ابن حزم : الإِمام الأوحد ، البحر ، ذو الفنون والمعارف ، أبو محمد علي بن أحمد ابن حزم ، الفقيه الحافظ ، صاحب التصانيف ، رأسٌ في علوم الإِسلام ، مُتبخِّرٌ في النقل، عديم النظير علي يُّيْسٍ فيه، وفرط ظاهرية في الفروع لا الأصول، زهد في الرياسة ، ولزم منزله مُكبًّا على العلم . قال الإِمام أبو القاسم صاعد بن أحمد: كان ابن حزم أجمعَ أهل الأندلس قاطبةً لعلوم الإِسلام ، وأوسعهم معرفةً مع توسُّعه في علم اللسان، ووفور حظّه (١) ((فتح المغيث بشرح ألفية الحديث)) للسخاوي ١ / ٣٤٧. تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول ٣٩٣ من البلاغة والشعر ، والمعرفة بالسير والأخبار . أخبرني ابنه الفضل أنه اجتمع عنده بخطٍّ أبيه أبي محمد من تواليفه أربعمائة مُجلّد ، تشتمل على قريب من ثمانين ألف ورقة . قال أبو عبد الله الحميدي : كان ابن حزم حافظًا للحديث ، وفقيهًا ، مُستنبطًا للأحكام من الكتاب والسنة ، مُتفنّنًا في علوم جمَّة ، عاملًا بعلمه ، ما رأينا مثله فيما اجتمع له من الذكاء وسرعة الحفظ وكرم النفس والتديُّن ، وكان له في الأدب والشعر نَفَسٌ واسعٌ وباٌ طويلٌ ، وما رأيتُ من يقول الشّعْر على البديه أسرع منه ، وشعْرُهُ كثيرٌ ؛ جمعتُه على حروف المعجم . قال الذهبي في السير (١٩٠/١٨): ((لم يُنصف القاضي أبو بكر ابن العربي رحمه الله شيخ أبيه في العلم ، ولا تكلّم فيه بالقسط ، وبالغ في الاستخفاف به ، وأبو بكر فعلَى عظمتِه في العلم ، لا يبلغ رتبة أبي محمد ولا يكاد ، رحمهما الله وغفر لهما )). قال اليسع بن حزم الغافقي ، وذكر أبا محمد ، فقال : أما محفوظه فبحرٌ عَجَّاج، وماءٌ ثجَّاج، يخرج من بحره مرجان الحكم، وينبت بثجَّاجه ألفاف النعم في رياض الهِمَم ، لقد حفظ علوم المسلمين ، وأربى على كل أهل دين ، وألَّف الملل والنِّحل .. قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام - وكان أحد المجتهدين -: ما رأيتُ في كتُبِ الإِسلام في العلم مثل (( المُحلّى)) لابن حزم ، وكتاب (( المُغني )) للشيخ موفق الدين . قال الذهبي : قلتُ : لقد صدق الشيخ عز الدين ، وثالثهما : ((السُّنَن الكبير)) للبيهقي، ورابعهما: ((التمهيد)) لابن عبد البر، فمنْ حصَّل هذه الدواوين ، وكان من أذكياء المُفتين ، وأدمن المُطالعة فيها ؛ فهو العالم حقًّا . ولابن حزم مُصنَّفات جليلة؛ أكبرُها كتاب ((الإِيصال إلى فهم كتاب تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٣٩٤ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الأول الخصال )) خمس عشرة ألف ورقة . قال الإِمام أبو محمد عبد الله بن محمد والد القاضي أبي بكر بن العربي : أخبرني أبو محمد ابن حزم أنَّ سببَ تعلُّمِه الفقه أنه شهد جنازة ، فدخل المسجد، فجلس ولم يركع، فقال له رجل: قمْ فصلِّ تحيةَ المسجد، وكان قد بلغ سِتًّا وعشرين سنة . قال : فقمتُ وركعتُ ، فلما رجعنا من الصلاة على الجنازة دخلتُ المسجد، فبادرتُ بالركوع، فقيل لي: اجلسْ، اجلسْ ، ليس ذا وقت صلاة ، وكان بعد العصر . قال : فانصرفتُ وقد حزنتُ ، وقلتُ للأستاذ الذي ربَّاني : دُلَّني على دار الفقيه أبي عبد الله ابن دخُّون . قال : فقصدتُه ، فأعلمتُه بما جرى ، فدلَّني على موطأ مالك ، فبدأتُ به عليه ، وتتابعتْ قراءتي عليه وعلى غيره نحوًا من ثلاثة أعوام ، وبدأتُ بالمناظرة . ثم قال ابن العربي: صحبتُ ابن حزم سبعة أعوام، وسمعتُ منه جميع مُصنفاته سوى المُجلِّد الأخير من كتاب ((الفِصَل))، وهو ستُّ مُجَّدات. الله ما أعلى هذه الهمة ! يبدأ في تعلُّم الفقه وهو ابن ستٍّ وعشرين سنة، فما يموت حتى يكتب المُحلّى الذي يحتاج إليه المجتهد المطلق !!. قال ياقوت الحموي في معجم الأدباء (٢٣٩/١٢) : ((ذُكر أن ابن حزم اجتمع يومًا مع الفقيه أبي الوليد سليمان بن خلف الباجي صاحب التواليف الكثيرة، وجرت بينهما مُناظرة في سنة (٤٤٠هـ)، فلما انقضت قال الفقيه أبو الوليد الباجي لابن حزم : تعذرني ، فإن أكثر مطالعاتي كانت على سرج الحرَّاس . قال ابن حزم : وتعذرني أيضًا ، فإنّ أكثر مطالعاتي كانت على منائر الذهب والفضة (١). (١) أي على المصابيح المصنوعة من الذهب والفضة ، فلقد نشأ وترعرع في الثراء ، و کان وزيرًا . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلْوَ الهمة - المجلد الأول ٣٩٥ قال ياقوت الحموي : أراد ابن حزم أن الغنى أضيعُ لطلب العلم من الفقر)). لله ما أعلى هِمَّة الباجي ! وما أطيب قول ابن حزم الظاهري ! (( قال ابن حزم لما أحرق المعتضد بن عبَّاد من الكتب : تضمَّنه القرطاسُ بل هو في صدري فإن تحرقوا القرطاس لا تحرقوا الذي وينزلُ إنْ أُنزِلْ ويُدفنُ في قبري يسيرُ معي حيثُ استقلَّت ركائبي وقولوا بعلم کي يرى الناسُ مَنْ يدري فكم دون ما تبغونَ لله من سِرِ أكفُّهمُ القرآن في مدنِ الثغرِ دعونيَ من إحراقٍ رقِّ وكاغدٍ وإلّا فعودوا في المكاتبِ بدأةً كذاك النصارى يحرقون إذا علتْ وقال ابن حزم : قالوا : تَحَفَّظْ فإنَّ الناسَ قد كثُرتْ فقلتُ هل عيبُهم لي غير أني لا وأنني مُولِعٌ بالنصِّ لستُ إلى يابرد ذا القول في قلبي وفي كبدي دعهم يعضُّوا على صمِّ الحصى كمدًا وقال رحمه الله : أنا الشمسُ في جوِّ العلوم مُنيرة ولو أنني من جانبِ الشرقِ طالعٌ ولي نحو أكناف العراقِ صبابةٌ فإن يُنزل الرحمنُ رحْلَي بينهمِ هُنالك يُدرَى أنَّ للبُعدِ قصةَ ولله درّهُ حين يقول : مُنَايَ من الدنيا علومٌ أَبُّها دعاءٌ إلى القرآنِ والسُّنَنِ التي أقوالُهم وأقاويلُ الورى محَنُ أقولُ بالرأي إذْ في رأيهم فِتَنُ سواه أنحو ولا في نصره أهِنُ ويا سروري به لو أنهم فطنوا مَنْ مات من قوله عندي له كفنُ ولكنَّ عيبي أنَّ مطلعَيَ الغَرْبُ لجدًّ على ما ضاع من ذكري النھْبُ ولا غْوَ أن يستوحش الكَلِفُ الصبُّ فحينئذٍ يبدو التأسُّفُ والكربُ وأن كسادَ العلم آفتُهُ الْقُرْبُ وأنشُرُها في كلِّ بادٍ وحاضرٍ تناسى رجال ذِكْرَها في المحاضر تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٣٩٦ صلاح الأمة في عَلَوَ الهمة - المجلد الأول إِذا ◌َيْعَةٌ ثارتْ فأوَّلُ نَافٍ وألزَمُ أَطرافَ الثغورِ مُجاهدًا بسُمْر العوالي والرقاقِ البواترِ لِألقى حِمامِي مقْبلًا غير مُدبٍ كفاحًا مع الكفّارِ في حومة الوغى وأكرمُ موتٍ للفتى قتُلُ كافٍ ولا تجعلَنّي من قطينِ المقابر))(١) فيا ربّ لا تجعل حمامي بغيرها قال ابن حزم رحمه الله : من كلِّ شيءٍ يُصابُ مَنْ لم يَرَ العلمَ أغلى يُحتى عليه الترابُ فليس يُفلحُ حتى ١٨٨ - أبو مروان الطُّبْني : العالم المُحدِّث اللغوي الإِمام ، عبد الملك بن زيادة التميمي القرطبي ، تلميذ ابن حزم . روى بقرطبة عن أبي محمد بن حزم ، وكانت له رحلتان إلى المشرق ؛ كتب فيهما عن جماعة كثيرة من أهل العلم بمكة ومصر والقيروان ، ولما رجع إلى قرطبة أملى الحديث ، فاجتمع إليه في مجلس الإِملاء خلقٌ كثيرٌ ، فلما رأى كثرتهم ، أنشد : يكتُبْن : حدَّثَني طورًا وأخبرني إني إذا اخْتَوَشَتْني ألفُ مَحْبَرَةٍ هذي المفاخرُ لا قعبان من لبنٍ نادتْ بحضرتي الأقلامُ مُعْلِنَةً ١٨٩ - شيخ الشافعية ، الإِمام أبو إسحاق الشيرازي : الشيخ القدوة المجتهد شيخ الإِسلام ، إبراهيم بن علي الفيروز آبادي الشيرازي الشافعي ، نزيل بغداد . قال السمعاني: هو إمام الشافعية، ومُدرِّس النِّظامية، وشيخ العصر. رحل الناس إليه من البلاد وقصدوه ، وتفرّد بالعلم الوافر مع السيرة الجميلة (١) سير أعلام النبلاء ١٨ / ١٨٤ - ٢١٢. تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول ٣٩٧ والطريقة المرضيَّة . جاءته الدنيا صاغرة ، فأباها واقتصر على خشونة العيش أيام حياته . صنَّف في الأصول والفروع والخلاف والمذهب ، وكان زاهدًا وَرِعًا مُتواضعًا، ظريفًا كريمًا، جوادًا، طلْقَ الوجه دائمَ البِشرِ، مليحَ المحاورةِ . ((حُكي عنه قال: كنتُ نائمًا ببغداد، فرأيتُ النبي عَّ ◌ُله ومعه أبو بكر وعمر ، فقلتُ : يارسول الله ، بلَغني عنك أحاديث كثيرة عن ناقلي الأخبار ، فأريد أن أسمع منك حديثًا أتشَرَّفُ به في الدنيا ، وأجعله ذُخرًا للآخرة ، فقال لي : ياشيخ - وسمَّاني شيخًا ، وخاطبني به . وكان يفرح بهذا - قلْ عني : مَنْ أراد السلامة فليطلبْها في سلامة غيره ))(١). وعنه : أنه اشتهى ثريدًا بماء باقلّاء، قال : فما صَحَّ لي أُكْله ؛ لاشتغالي بالدرس"، وأخذي النوبَةِ(٢) . قال السمعاني : قال أصحابنا ببغداد : كان الشيخ أبو إسحاق إذا بقي مُدَّةً لا يأكل شيئًا ؛ صَعِد إلى النصرية وله بها صديق ، فكان يترد له رغيفًا ، ويشربه بماء الباقلاء ، فربما صعد إليه وقد فرغ، فيقول أبو إسحاق : ﴿ تلك إذَا كَرَّةٌ خاسرة﴾ [ النازعات: ١٢ ] . قال أبو بكر الشاشي : أبو إسحاق حُجَّة الله على أئمة العصر . وقال الموفق الحنفي : أبو إسحاق أمير المؤمنين في الفقهاء . ((وقال القاضي محمد بن محمد الماهاني: إمامان ما اتفق لهما الحج ، أبو إسحاق، وقاضي القضاة الدامغاني. أما أبو إسحاق فكان فقيرًا، ولو أراده لحملوه على الأعناق. والآخر لو أراده لأمكنه على السندس والإِستبرق))(٣). (١) صفة الصفوة ٤ / ٦٦، تهذيب الأسماء واللغات للنووي ٢ / ١٧٣. (٢) صفة الصفوة لابن الجوزي ٤ / ٦٧، والمجموع للنووي ١ / ٢٥. (٣) تهذيب الأسماء واللغات ٢ / ١٧٤، وطبقات السبكي ٤ / ٢٢٧ . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٣٩٨ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول قال الشيخ أبو إسحاق : كنتُ أُعيد كل قياس ألف مرّة ، فإذا فرغتُ أخذتُ قياسًا آخر على هذا ، وكنتُ أُعيد كل درس ألف مرة ، فإذا كان في المسألة بيت يُستشهد به حفظتُ القصيدة التي فيها البيت . قال أبو العباس الجرجاني القاضي : كان أبو إسحاق لا يملك شيئًا ، بلغ به الفقر ، حتى كان لا يجد قوتًا ولا ملبسًا ، كنا نأتيه وهو ساكن في القطيعة ، فيقوم لنا نصف قومة ؛ كي لا يظهر منه شيء في العري ، وكنتُ أمشي معه ، فتعلّق به باقلاني ، وقال : ياشيخ ، كسرتني وأفقرتني ! فقلنا : وكم لك عنده ؟ قال : حبَّتان من ذهب أو حبتان ونصف . قال أبو بكر بن الخاضبة: سمعتُ بعض أصحاب أبي إسحاق يقول: رأيتُ الشيخ كان يُصلي عند فراغ كل فصل من ((المُهذَّب))(١). قال الذهبي: ((درس الشيخ بالنظاميّة بعد تمنُّع، ولم يتناول جامكية(٢) أصلًا، وكان يقتصر على عمامة صغيرة وثوب قَطني ، ويقنع بالقوت ، وكان الفقيه رافعُ الحمَّال رفيقهِ في الاشتغال ، فيحمل شطرَ نهارِه بالأجرة ، ويُنفق على نفسه وعلى أبي إسحاق، ثم إنَّ رافعًا حجَّ وجاور ، وصار فقيه الحرم في حدود الأربعين وأربعمائة . ومات أبو إسحاق، ولم يُخلِّف درهمًا، ولا عليه درهم. وكذا فليكن الزهد ، وما تزوَّج فيما أعلم . وبحسن نيَّته في العلم اشتهرت تصانيفه في الدنيا، ((كالمهذّب))، و ((التنبيه))، و ((اللمع في أصول الفقه))، و((شرح اللمع)). قال السمعاني: (( لما قدم أبو إسحاق نيسابور رسولًا؛ تَلَقَّوْه ، وحمل إمام الحرمين غاشيته ، ومشى بين يديه ، وقال : أفتخر بهذا . وكان عامَّة المدرسين بالعراق والجبال تلامذته وأتباعه ، وكفاهم بذلك فخرًا . (١) طبقات السبكي ٤ / ٢١٧. (٢) رواتب خُدَّام الدولة . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الأول ٣٩٩ وعن أبي إسحاق قال : خرجتُ إلى خراسان ، فما دخلتُ بلدة إلا كان قاضيها أو خطيبها أو مُفتيها من أصحابي)). إِنْ قِيلَ ماتَ فلم يَمُتْ مَنْ ذِكْرُه حِّ على مَِّ الليالي باقي)) ١٩٠ - المُقرىء المغربي ، أبو القاسم الهُذَلي : ((الأستاذ الكبير الرحَّال، والعَلَمُ الشهير المقرىء الجَوَّال، أحد مَنْ طوَّف الدنيا في طلب القراءات . واسمه : يوسف بن علي بن جُبَارَة المغربي البسكريّ ، و ( بسكرة ) : بُليدة بالمغرب . رحل من أقصى المغرب إلى بلاد الترك، وكانت رحلته في سنة (٤٢٥) وبعدها، فقرأ بحرَّان على أبي القاسم الزيدي صاحب النقّاش ، وهو أكبر شيوخه ، وعلى الأهوازي بدمشق ، وعلى إسماعيل بن عمرو بن راشد الحدَّاد وجماعة بمصر، وعلى مهدي بن طرارة ... )) (١) وقال ابن الجزري: ((طاف البلاد في طلب القراءات ، فلا أعلم أحدًا في هذه الأمة رحل في القراءات رحلته ، ولا لقي من الشيوخ مثله . قال في كتابه ((الكامل في القراءات)): فجملة منْ لقيتُ في هذا العلم ثلاثمائة وخمسة وستون شيخًا من آخر المغرب إلى باب فَرْغانة يمينًا وشمالًا وجبلًا وبحرًا، ولو علمتُ أحدًا يُقَدَّم علَّي في هذه الطريقة في جميع بلاد الإِسلام؛ لقصدته. قال الأمير ابن ماكولا: كان يدرس علم النحو، ويفهم الكلام والفقه، وكان قد قَرَّره الوزير نظام الملك في مدرسته بنيسابور ، فقعد سنين وأفاد ، وكان مُقدَّمًا في النحو والصرف وعِلَل القراءات ، وكان يحضر مجلس أبي القاسم القشيري ويأخذ من الأصول ، وكان القشيري يُراجعه في مسائل النحو والقراءات ويستفيد منه ))(٢). . (١) معرفة القراء الكبار للذهبي ١ / ٤٢٩ - ٤٣٣. (٢) غاية النهاية في طبقات القرّاء ٢ / ٣٩٧ - ٤٠١. تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٤٠٠ صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الأول ١٩١ - الإِمام الخيَّاط: القدوة المقرىء ، شيخ الإِسلام ، أبو منصور ، محمد بن أحمد بن علي البغدادي الخيَّاط . جلس لتعليم كتاب الله دهرًا، وتلا عليه أُممٌ . قال السمعاني : صالح ثقة ، عابد مُلقّن ، له ورد بين العشاءين يسُبْعُ(١) . وقال آخر : كان إمام مسجد ابن جَرْدة بحريم دار الخلافة ، لقّن العُميان دهرًا لله ، وكان يسأل لهم ، ويُنفق عليهم ؛ بحيث إنّ ابن النجار نقل في (( تاريخه)) أن أبا منصور الخيَّط بلغ عدد مَنْ أقرأهم من العميان سبعين ألفًا ، ثم قال : هكذا رأيتُ بخطٍّ أبي نصر اليُونارتي الحافظ . قال الذهبي: ((هذا مُستحيل، والظاهر أنه أراد أن يكتب (نَفْسًا)، فسبقه القلم فخط ( ألفًا ) ، ومَنْ لقّن القرآن لسبعين ضريرا؛ فقد عمل خيرًا كثيرًا . ونقل السِّلَفي عن علي بن الأيسر العُكْبري ، قال : لم أرَ أكثر خلقًا من جنازة أبي منصور ، رآها يهودي ، فاهتال(٢) لها وأسلم))(٣). ١٩٢ - الرَّوَّاسي أبو الفتيان : الشيخ الإِمام ، الحافظ المُكثر الجوّال ، أبو الفتيان ، عمر بن عبد الكريم بن سعدويه الدِّهسْتاني ، الرواسي . قال الذهبي ((طوَّف في هذا الشأن خراسان والحرمين والعراق ومصر والشام والسواحل ، وكان بصيرًا بهذا الشأن مُحقِّقًا)). (١) أي كان يقرأ سبعًا كاملًا من القرآن بين العشاءين. (٢) ففزع . سير أعلام النبلاء ٢٢٢/١٩ - ٢٢٣ . (٣) تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/