Indexed OCR Text

Pages 141-160

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الأول
١٤١
علو الهمة في طلب العلم ونشره
اعلم ياأخي ((أن الله سبحانه وتعالى لما اقتضت حكمتُه إخراجَ آدم
وذريته من الجنة - أعاضهم أفضلَ منها ، وهو ما أعطاهم من عهده(١) ،
الذي جعله سببًا موصلًا لهم إليه ، وطريقًا واضحًا بيَّن الدلالة عليه ، منْ
تمسَّك به فاز واهتدى ، ومَنْ أعرض عنه شقي وغوى ، ولما كان هذا العهد
الكريم ، والصراط المستقيم ، والنبأ العظيم ، لا يُوصل إليه أبدًا إلا من باب
العلم والإرادة؛ فالإِرادة باب الوصول إليه، والعلم مفتاح ذلك الباب المتوقّف
فتحه عليه .
وكمال كل إنسان إنما يتمُّ بهذين النوعين: هِمَّة تُرقِيه، وعلْم يُبَصِّرُه
ويهديه .
فإن مراتب السعادة والفلاح إنما تفوت العبد من هاتين الجهتين ، أو
من إحداهما ؛ إما أن لا يكون له علمٌ بها فلا يتحرّك في طلبها ، أو يكون
عالمًا بها ولا تنهض هِمَّتُه إليها ، فلا يزال في حضيض طبعه محبوسًا ، وقلبه
عن كماله الذي خلق له مصدودًا منكوسًا ، قد أسام نفسه مع الأنعام ، راعيًا
مع الحمل، واستطاب لقيمات الراحة والبطالة، واستلان فراش العجز والكسل،
(١) وهو قوله تعالى: ﴿ قلنا اهبطوا منها جميعًا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي
فلا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون﴾ [البقرة: ٣٨]، وفي الآية الأخرى قال تعالى :
﴿ قال اهبطا منها جمیعًا بعضكم لبعض عدوٌّ فإما یأتینکم مني هدى فمن اتبع هداي
فلا يضلُّ ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشةً ضنكًا ونحشره يوم القيامة
أعمى قال ربِّ لِمَ حشرتني أعمى وقد كنت بصيرًا قال كذلك أتتك آياتُنا فنسيتها وكذلك
اليوم تُنسى﴾ [ طه : ١٢٣ - ١٢٦ ] .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
١٤٢
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الأول
لا کمن رُفع له علمٌّ فشمرٌ إليه ، وبورك له في تفُّده في طريق طلبه فلزمه
واستقام عليه ، قد أبت غلباتُ شوقه إلا الهجرة إلى الله ورسوله ، ومقتت
نفسُهُ الرفقاء إلا ابنَ سبيلٍ يُرافقه في سبيله .
ولما كان كمال الإرادة بحسب كمال مرادها، وشرفُ العلم تابعًا
الشرف معلومه ؛ كانت نهاية سعادة العبد - الذي لا سعادة له بدونها ،
ولا حياة له إلا بها - أن تكون إرادته متعلقةً بالمراد الذي لا يبلى ولا
يفوت ، وعزماتُ هِمَّته مسافرةً إلى حضرة الحي الذي لا يموت ، ولا سبيل
له إلى هذا المطلب الأسنى والحظ الأوفى ، إلا بالعلم الموروث عن عبده
ورسوله وخليله وحبيبه ، الذي بعثه داعيًا ، وأقامه على هذا الطريق هاديًا ،
وجعله واسطةً بينه وبين الأنام ، وداعيًا لهم بإذنه إلى دار السلام ، وأبى
سبحانه أن يفتح لأحد منهم إلّا على يديه ، أو يقبل من أحد منهم سعيًا
إلا أن يكون مبتدأ منه ومنتهيًا إليه، فالطرقُ كلها إلا طريقه عَّ له مسدودة ،
والقلوبُ بأسرها إلا قلوب أتباعه المنقادة إليه عن الله محبوسةٌ مصدودةٌ .
لبانًا له قد درَّ من ثدي قُدسِهِ
ومنْ لا يُربِّه الرسولُ ويسقِهِ
ولا يتعدَّى طورَ أبناءِ جنسِهِ
فذاك لقيطٌ ما له نسبة الولا
فحُقَّ على من كان في سعادة نفسه ساعيًّا ، وكان قلبُه حيًّا عن الله
واعيًا ؛ أن يجعل على هذين الأصلين مدار أقواله وأعماله ، وأن يُصيِّرُهما
أخبيته التي إليها مفزعُه في حياته »(١) .
فعياذًا بك اللهم ممن دنتْ هِمَّتُه ((وقصر في العلم باعُه ، وطال في
الجهل ، وأذى عبادك ذراعُه ، فهو لجهله يرى الإِحسان إساءةً ، والسنةً
بدعةً ، والعُرف ثُكرًّا، يُجالس أهل الغِ والجهالة ويزاحمهم بركبتيه ، قد
ارتوى من ماءٍ آجنٍ ، وتضلّع واستشرف إلى مراتب ورثة الأنبياء وتطلّع ،
(١) مفتاح دار السعادة جـ ١ / ٤٦ - ٤٧ .
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول
١٤٣
يركض في ميدان جهْله مع الجاهلين ، ويبرز عليهم في الجهالة ، فيظن
أنه من السابقين ، وهو عند الله ورسوله والمؤمنين عن تلك الوراثة النبوية
بمعزل ، وإذا أنزل الورثة منازلهم منها ، فمنزلته منها أقصى وأبعدُ منزل .
ونزلتُ بالبيداء أبعدَ منزلٍ))(١)
نزلوا بمكة في قبائل هاشم.
وإذا كانت العين لا تكاد إلا على هؤلاء تُفتح ، والميزان بهم يخفّ
ولا يرجح ، فما أُحرى اللبيب بأن لا يُغيرهم من قلبه جزءًا من الالتفات ،
ويُسافر في طريق مقصده بينهم سفره إلى الأحياء بين الأموات ، وما أحسن
ما قال القائل :
وأجسامُهم قبل القبور قبورُ
وفي الجهل قبل الموت موتٌّ لأهلِهِ
وليس لهم حتى النشورِ نشورُ
وأرواحهم في وحشةٍ من جسومهم
(١) مفتاح دار السعادة ١ / ٤٧ - ٤٨ .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول
١٤٤
فضلُ العلم وشرفُهُ وعمومُ الحاجة إليه
O وتوقُّف كمال العبد ونجاته عليه O
وقد جلب شيخ الإسلام ابن القيم في كتابه «مفتاح دار السعادة))
في ((فضل العلم)) نفائس ، في مثلها يتنافس المتنافسون ، وجلب لنا فيه
عرائس، إلى مثِلهِنَّ بادر الخاطبون، وهي تحفة عرائس؛ معانيها تُجلى عليك،
وخودُ أبكارها البديعة الجمال ترفل في حُلَلها وهي تُزفُّ إليك، وشمسُ منازلها
بسعد الأسعد، وخودٌ لا تُزِقُّ إلى ضريرٍ مُقْعَدُ (١).
قوله تعالى : ﴿ شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم
قائمًا بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم ﴾ [ آل عمران: ١٨].
١ - فاستشهد الله أهَ العلم دون غيرهم من البشر .
٢ - وأقرن شهادتهم بشهادته .
٣ - وفي ضمن هذا تزكيتُهم وتعديلُهم ، فإن الله لا يستشهدُ من
خلقه إلا العدول .
٤ - أنه استشهد بهم على أجلّ مشهودٍ به وأعظمه وأكبره ، وهو
شهادة أن لا إله إلا الله وتوحيده ، والعظيم القدر إنما يستشهدُ على الأمر
العظيم أكابر الخلق وساداتهم .
٥ - نفى سبحانه التسوية بين أهل العلم وبين غيرهم ، كما نفى
التسوية بين أصحاب الجنة وأصحاب النار ، فقال تعالى : ﴿ قل هل يستوي
الذين يعلمون والذين لا يعلمون ﴾ [الزمر : ٩ ] .
(١) يسَّر الله إخراجها في كتيِّب مستقل هو تحت الطبع الآن .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
١٤٥
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول
٦ - جعل سبحانه أهل الجهل بمنزلة العميان الذين لا يبصرون ،
فقال تعالى: ﴿ أفمن يعلم أنما أُنزل إليك من ربك الحقُّ كمن هو أعمى ﴾
[ الرعد: ١٩]. فما ثمَّ إلا عالمٌ أو أعمى .
٧ - وأخبر سبحانه عن أولي العلم بأنهم يرون أن ما أُنزل من ربه
حقًّا ، وجعل هذا ثناءً عليهم ، فقال تعالى: ﴿ ويرى الذين أوتوا العلم
الذي أُنزل إليك من ربك هو الحقَّ﴾ [سبأ : ٦].
٨ - أمر سبحانه بسؤالهم والرجوع إلى أقوالهم، وجعل ذلك كالشهادة
منهم ، فقال تعالى: ﴿ وما أرسلنا من قبلك إلا رجالًا تُوحي إليهم فاسئلوا
أهل الذِّكْر إن كنتم لا تعلمون﴾ [ النحل: ٤٣]. وأهل الذِّكْر هم أهلُ العلم
بما أُنزل على الأنبياء .
٩ - واستشهد بهم على صحّة ما أنزل على رسوله عدّ له، فقال
تعالى: ﴿ أفغير الله أبتغي حَكَمًا وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مُفضَّلًا
والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه مُنزَّلْ من ربك بالحق فلا تكونن من
الممترين ﴾ [ الأنعام : ١١٤ ] .
١٠- وسلَّى نبيّه بإيمان أهل العلم به ، وأمره بأن لا يعبأً بالجاهلين
شيئًا ، فقال تعالى: ﴿ وقرآنًا فرقناه لتقرأه على الناس على مُكْث ونَزَّلناه
تنزيلا قل آمنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يُتلى
عليهم يخُرُّون للأذقان سُجَّدًا ويقولون سبحان ربنا إن كان وغْدُ ربنا لمفعولًا﴾
[ الإسراء: ١٠٦ - ١٠٨ ] .
١١- أنه سبحانه مدح أهل العلم وأثنى عليهم وشرَّفهم ؛ بأن جعل
كتابه آيات بيِّنات في صدورهم ، وهذه خاصَّةٌ ومنقبةٌ لهم دون غيرهم ، فقال
تعالى : ﴿بل هو آياتٌ بِيِّاتٌ في صدور الذين أوتوا العلم وما يجحد بآياتنا
إلا الظالمون ﴾ [ العنكبوت : ٤٩ ] .
١٢- أنه سبحانه أمر نبيَّه عَ ◌ّمِ أن يسأله المزيد من العلم ، وكفى
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
١٤٦
صلاح الأمة في غُلُوَّ الهمة - المجلد الأول
بهذا شرفًا للعلم . قال تعالى: ﴿ فتعالى الله الملك الحقُّ ولا تعجل بالقرآن
من قبل أن يُقضى إليك وحيُه وقل ربِّ زدني علمًا ﴾ [ طه: ١١٤].
١٣- أخبر سبحانه عن رفعة درجات أهل العلم والإِيمان خاصَّة ،
فقال تعالى : ﴿يأيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسَّحوا في المجالس فافسحوا
يفسح الله لكم وإذا قيل انشزوا فانشزوا يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين
أوتوا العلم درجات والله بما تعملون خبير ﴾ [ المجادلة: ١١ ] .
١٤- واستشهد سبحانه بأهل العلم والإيمان يوم القيامة على بطلان
قول الكفار ، فقال تعالى : ﴿ويوم تقوم الساعة يُقسم المجرمون ما لبثوا
غير ساعة كذلك كانوا يُؤفكون وقال الذين أوتوا العلم والإِيمان لقد لبثتم
في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون ﴾
[ الروم : ٥٥ - ٥٦ ] .
١٥- وأمر الله سبحانه أهل العلم بالفرح بما آتاهم ، وأخبر أنه خيرٌ
مما يجمع الناس ، فقال تعالى: ﴿ قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا
هو خير مما يجمعون ﴾ [ يونس : ٥٨ ] .
١٦- قال رسول الله عَ لّه: ((الدنيا ملعونةٌ، ملعونٌ ما فيها، إلا
ذكْر الله وما والاه وعالمٌ ومتعلمٌ ))(١) .
١٧- والعلم أفضل الجهاد ، وطلبُه من سبيل الله ؛ لأن به قوامَ
الإِسلام ، كما أن قوامه بالجهاد ، ولهذا كان الجهاد نوعين :
الأول : جهادٌ باليد واللسان ، وهذا المشارك فيه كثيرٌ .
الثاني : الجهاد بالحجة والبيان ، وهذا جهادُ الخاصة من أتباع الرسل ، وهو
(١) أخرجه الترمذي وابن ماجه والبيهقي في شعب الإيمان وابن عبد البر في ((جامع
بيان العلم )) عن أبي هريرة ، وإسناده حسن . وقد صحَّح الحديث بشواهده :
الضياء المقدسي والشيخ الألباني .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
١٤٧
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول
جهاد الأئمة ، وهو أفضل الجهادين ، لعِظَمِ منفعته ، وشدَّة مؤنته ، وكثرة
أعدائه .
قال تعالى في سورة الفرقان - وهي مكية -: ﴿ولو شئنا لبعثنا في
كل قرية نذيرًا فلا تُطع الكافرين وجاهدهم به جهادًا كبيرًا ﴾ [ الفرقان :
٥١ - ٥٢]، فهذا جهادٌ لهم بالقرآن وهو أكبر الجهادين ، وهو جهاد المنافقين
أيضًا ، فإن المنافقين لم يكونوا يُقاتلون المسلمين ، بل كانوا معهم في الظاهر ،
وربما كانوا يُقاتلون عدوّهم معهم ، ومع هذا فقد قال تعالى : ﴿ يأيها النبي
جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ﴾ [ التوبة : ٧٣ ] ، ومعلوم أن جهاد
المنافقين بالحجة والقرآن .
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَ له: ((من جاء
مسجدي هذا لم يأته إلا لخير يتعلَّمه أو يعلمُه فهو بمنزلة المجاهد في سبيل
الله، ومن جاء لغير ذلك فهو بمنزلة الرجل ينظر إلى متاع غيره ))(١).
١٨- وقال عَ له: ((إن الله وملائكته، حتى النملة في جحرها،
وحتى الحوت في البحر ؛ ليُصلُّون على مُعلِّم الناس الخير))(٢) .
١٩- وطلبة العلم هم وصية رسول الله عَّ له، فقد قال: ((سيأتيكم
أقوامٌ يطلبون العلم ، فإذا رأيتموهم ، فقولوا لهم : مرحبًا بوصية رسول الله
وأفتوهم))(٣).
(١) صحيح: رواه ابن ماجه والحاكم في المستدرك، وصحَّحه الحاكم ، والألباني في
صحيح الجامع رقم ( ٦٠٦٠ ) .
(٢) صحيح : رواه الطبراني في الكبير والضياء عن أبي أمامة ، وصحَّحه الألباني في
صحيح الجامع رقم (١٨٣٤ ) .
(٣) حسن : رواه ابن ماجه عن أبي سعيد ، وحسَّنه الألباني في صحيح الجامع رقم
( ٣٥٤٥ ) .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
١٤٨
صلاحِ الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول
٢٠- قال رسول الله عَ لّم: ((فضلُ العالم على العابد كفضلي على
أدناكم))(١).
وهل بعد هذا فضلٌ للعلم وأهله ؟!
وقال رسول الله عَّ اله: ((فضلُ العالم على العابد كفضل القمر ليلة
البدر على سائر الكواكب))(٢) .
٢١- والله تبارك وتعالى يُباهي ملائكته بالقوم الذين يتذاكرون العلم،
ويذكرون الله ويحمدونه على ما منَّ عليهم به منه .
٢٢- والملائكة تضع أجنحتها؛ تواضُعًا لطالب العلم، وتوقيرًا
وإكرامًا لما يحمله من ميراث النبوة ويطلبه ، والعلماء هم ورثة الأنبياء.
عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله عَ لّه يقول:
((مَنْ سلك طريقًا يبتغى فيه علمًا سلك الله به طريقًا إلى الجنة ، وإن الملائكة
لتضعُ أجنحتها رضا لطالب العلم ، وإن العالم ليستغفر له مَنْ في السموات
ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء ، وفضلُ العالم على العابد كفضل القمر
على سائر الكواكب ، إن العلماء ورثة الأنبياء ، إن الأنبياء لم يورثوا دينارًا
ولا درهمًا؛ إنما ورَّثوا العلم ، فمن أخذه أخذ بحظٍّ وافرٍ ، وموتُ العالم
مصيبةٌ لا تُجبر ، وتُلمةٌ لا تُسدُّ، ونجمٌ طُمِس ، وموت قبيلة أيسُرُ من موت
(٣)
عالم ))(٣) .
(١) صحيح: رواه الترمذي عن أبي أمامة، وصحَّحه الألباني في صحيح الجامع رقم (٤٠٨٩).
(٢) صحيح : رواه أبو نعيم في الحلية عن معاذ، وصحَّحه الألباني في صحيح الجامع
رقم ( ٤٠٨٨ ) .
(٣) حسن : أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه ، وأحمد والدارمي ، والبغوي
في شرح السنة، وابن حبان، وابن عبد البر في «جامع بيان العلم»، والطحاوي
في ((مشكل الآثار))، وحسّنه ابن القيم في ((مفتاح دار السعادة)» ٦٣/١.
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول
١٤٩
فأعظِمْ بالعلم من ميراث جليل خطرُهُ !!
قال الفضيل بن عياض: ((عالمٌ عاملٌ مُعلِّمٌ يُدعى كبيرًا في ملكوت
السموات )) .
٢٣- قال تعالى: ﴿والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصِّدّيقون﴾
[الحديد: ١٩]. فالصِدِّيقُون هم أئمةُ أتباعِ الرسل، ودرجتهم أعلا الدرجات
بعد النبوة، والصدِّيقية هي كمال الإِيمان بما جاء به الرسول علمًا وتصديقًا
وقيامًا به ، فهي راجعة إلى نفس العلم . فالصدِّيقية شجرة ؛ أصولُها العلمُ ،
وفروعُها التصديقُ ، وثمرتُها العملُ .
فإنْ جرى قلمُ العالم بالصدِّيقية ، وسال مداده بها ؛ كان أفضلَ من
دم الشهيد الذي لم يلحقه في رتبة الصِّديقية، وإنْ سال دم الشهيد بالصدِّيقية،
وقطر عليها؛ كان أفضلَ من مداد العالم الذي قصر عنها، فأفضلُهما صدِّيقهما،
فإن استويا في الصدِّيقية استويا في المرتبة .
ولا شاة تموتُ ولا بغیرُ
تعلَّمْ ما الرزيةُ فقْد مالٍ
يموتُ بموته بشرٌ كثيرٌ
ولكنَّ الرزيةَ فَقْدُ حُرٍّ
٢٤- قال الإِمام أحمد: ((الناس محتاجون إلى العلم أكثر من حاجتهم
إلى الطعام والشراب ؛ لأن الطعام والشراب يحتاج إليه في اليوم مرة أو
مرتين ، والعلم يحتاج إليه بعدد الأنفاس )).
وقال ابن القيم :
((العلماء بالله وأمْره هم حياة الموجود وروحه، ولا يُستغنى عنهم طرفة
عين، فحاجةُ القلب إلى العلم ليست كالحاجة إلى التنفس في الهواء ؛ بل
أعظم ، وبالجملة فالعلم للقلب مثل الماء للسمك ، إذا فقده مات ، فنسبة
العلم إلى القلب كنسبة ضوء العين إليها )) .
وقال محمد بن إسماعيل الصائغ : كنتُ أُصوغُ مع أبي ببغداد ، فمرَّ
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول
١٥٠
بنا أحمد بن حنبل وهو يعدو ونعلاه في يديه ، فأخذ أبي بمجامع ثوبه ،
فقال : ياأبا عبد الله ، ألا تستحي ، إلى متى تعدو مع هؤلاء ؟ قال : إلى
الموت))(١) .
هذا دأب المؤمن إلى الممات !
(( قال الحسين بن منصور الجصّاص: قلت لأحمد بن حنبل رضي الله
عنه : إلى متى يكتب الرجل الحديث ؟ قال : إلى الموت .
وقال نعيم بن حماد : سمعت عبد الله بن المبارك رضي الله عنه ، وقد
عابه قوم في كثرة طلبه للحديث ، فقالوا له : إلى متى تسمع ؟ قال : إلى
الممات .
وقال عبد الله بن بشر الطالقاني : أرجو أن يأتيني أمري والمحبرة بين
يدي ، ولم يفارقني العلم والمحبرة .
وقال حميد بن محمد بن يزيد البصري: جاء ابن بسطام الحافظ يسألني
عن الحديث ، فقلت له : ما أشدَّ حرصَك على الحديث ! فقال: أو ما أُحِبُّ
أن أكون في قطار آل رسول الله عَ لَّه!
وسُئل الحسن عن الرجل له ثمانون سنة : أيحسُنُ أن يطلب العلم ؟.
قال : إن كان يحسُنُ به أن يعيش)) (٢) .
٢٥- وأخيرًا في شرف العلم وفضله حتى نُفرد له كتابًا مستقلًا ،
أنه سبحانه ذكر فضْله ومنَّته على أنبيائه ورسله وأوليائه بما آتاهم من العلم :
فذكر نعمته على خاتم أنبيائه ورسله عد له بقوله تعالى: ﴿وأنزل الله
عليك الكتاب والحكمة وعلَّمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك
﴾ [النساء: ١١٣ ] .
عظيمًا
(١) مفتاح دار السعادة ١ / ٧٤ .
(٢) مفتاح دار السعادة ١ / ٧٤ .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في غلوَ الهمة - المجلد الأول
١٥١
وأثنى الله على خليله إبراهيم بقوله تعالى: ﴿إن إبراهيم كان أُمَّةً قانتًا
لله حنيفًا ولم يكُ من المشركين شاكرًا لأنعمه اجتباه﴾ [النحل: ١٢٠ - ١٢١].
والأمة هو الذي جمع صفات الكمال من العلم والعمل ، والمقصود
أنه مدح خليله بأربع صفات ؛ كلُّها ترجع إلى العلم والعمل بموجبه وتعليمه
ونشره ، فعاد الكمال كله إلى العلم والعمل بموجبه ودعوة الناس إليه .
وقال في يوسف: ﴿ ولما بلغ أشْدَّه آتيناه حُكمًا وعلمًا وكذلك
نجزي المحسنين ﴾ [ يوسف: ٢٢ ] .
وقال في كليمه موسى: ﴿ ولما بلغ أشُدَّه واستوى آتيناه حُكمًا
وعلمًا وكذلك نجزي المحسنين ﴾ [ القصص: ١١٤ ].
وقال في حقِّ المسيح: ﴿ ياعيسى ابن مريم اذكرْ نعمتي عليك وعلى
والدتك إذ أَيَّدتك بروح القُدُسِ تُكلِّمُ الناس في المهد وكهلًا وإذ علَّمتك
الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ﴾ [ المائدة: ١١٠].
وقال في حقِّ داود: ﴿وآتيناه الحكمة وفصْل الخطاب﴾ [ص: ٢٠].
وقال في حقِّ الخضر صاحب موسى وفتاه : ﴿ فوجدا عبدًا من عبادنا
آتيناه رحمةً من عندنا وعلَّمناه من لدُنَّا علمًا ﴾ [ الكهف: ٦٥ ].
وقال في داود وسليمان: ﴿ففهّمناها سليمان وكُلّ آتينا حُكمًا
وعلمًا ﴾ [ الأنبياء: ٧٩].
وقال في حقِّ هذه الأُمَّة : ﴿ هو الذي بعث في الأُميين رسولا منهم
يتلو عليهم آياته ويُزكِّيهم ويُعلِّمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبلُ
لفي ضلال مُبين﴾ [ آل عمران: ١٦٤]، فامتنَّ عليهم سبحانه بأنْ علَّمهم بعد
الجهل ، وهداهم بعد الضلالة ، ويالها من منَّة عظيمة فاتت المنن ، وجَلَّت
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
١٥٢
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الأول
أن يقدر العباد لها على ثمن!))(١).
قال ميمون بن مهران : (( بنفسي ، العلماءُ هم ضالتي في كل بلدة ،
وهم بُغيتي إذا لم أجدهم، وجدت صلاح قلبي في مجالسة العلماء))(٢).
قال سابق البربري في قصيدة له :
كما يُجلي سوادَ الظُّلمَةِ القمرُ
والعلمُ يجلو العمی عن قلبِ صاحبِهِ
ولا البصيرُ كأعمى ما له بصرُ
ولیس ذو العلم بالتقوی کجاهلها
وقال أحمد بن عمر بن عصفور في العلم :
وعنه فكاشفْ كلَّ من عنده فهمُ
مع العلم فاسلك حيث ما سلك العلمُ
وعونٌ على الدِّينِ الذي أمرُهُ حتمُ
وذو العلم في الأقوام يرفعُه العلمُ
وينفذُ منه فيهمُ القولُ والحكمُ
وأفنى سنيه وهو مستعجمٌ فدم(٣)
تركَّب في أحضانِها اللحمُ والشحمُ
بدت رحضاءُ العيّ في وجهه تسمو
من أشيب لا علمٌ لديه ولا حلمُ
فأوَّلُها خِزيّ وآخرها ذُ
فصحبتُهم زيْنٌ وخُلْطتُهم غُنْمُ
نجومٌ إذا ما غاب نجمٌ بدا نجمُ
ولا لاح من غيبِ الأمورِ لنا رسمُ(٤
ففيه جلاءٌ للقلوبِ من العمى
فإني رأيتُ الجهلَ يُزري بأَهِلِهِ
يُعدُّ كبيرَ القومِ وهو صغيرُهم
وأي رجاءٍ في امرئ شاب رأسُه
يروحُ ويغدو الدهرَ صاحبٌ بطنٍ
إذا سُئل المسكينُ عن أمر دِينِهِ
وهل أبصرتْ عيناك أقبحَ منظرٍ
هي السوءةُ السوءاءُ فاحذرْ شماتَها
فخالطْ رواةَ العلْم واصحبْ خيارَهم
ولا تعدونْ عيناك عنهم فإنهم
فوالله لولا العلمُ ما اتضح الهدى
(١) انتهى مُلخصا من مفتاح دار السعادة لابن القيم.
(٢) جامع بيان العلم وفضله ١ / ٢٢١ تحقيق الشيخ حسن أبي الأشبال الزهيري .
(٢) بعيد الفهم .
(٤) جامع بيان العلم وفضله ١ / ٢١٩ - ٢٢٠ .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الأول
١٥٣
قال أبو الأسود الدؤلي :
فاطلبْ هُديتَ فنونَ العلم والأدبا
العلمُ زيْنٌ وتشريفٌ لصاحبِهِ
حتى يكون على ما زانه حدبا
لا خيرَ فيمن له أصلٌ بلا أدبٍ
قدمٍ لدی القومِ معروفٍ إذا انتسبا
كم من كريم أخي عِّ وطمطمٍ
كانوا الرؤوسَ فأمسى بعدهم ذَنَّبًا
في بيت مكُرُمةٍ آباؤه نُجُبٌ
نال المعالي بالآداب والُّبا
نعم القرينُ إذا ما صاحبٌ صحبا
وخاملِ مُقرفٍ الآباءِ ذي أدبِ
العلمُ كنزٌ وذُخْرٌ لا نفادَ له
عما قليل فيلقى الذُّلَّ والحَربَا
قد يجمعُ المرءُ مالًا ثم يُسْلَبِّهُ
فلا يُحاذرُ فوتًّا لا ولا هَرَبا
لا تعدلنَّ به دُرًّا ولا ذهبا(١)
وجامعُ العلم مغبوطٌ به أبدًا
ياجامعَ العلم نعم الذُّخرُ تجمعُهُ
قال بعض العلماء : ((من شرفِ العلم وفضلِهِ: أنَّ كلّ من نُسب
إليه فرح بذلك وإن لم يكن من أهله ، وكل من دُفع عنه ونُسب إلى الجهل
عَّ عليه ونال ذلك من نفسه وإن كان جاهلاً))(٢) .
وقال ابن شهاب الزهري: ((العلمُ ذكّرٌ يُحِبُّه ذكورة الرجال ويكرهُهُ
مؤنثوهم ))(٣) .
قال العباس بن محمد الخراساني :
وزينةُ المرءِ في الدنيا الأحاديثُ
رحلتُ أطلبُ أصلَ العلم مجتهدًا
وليس يبغضُه إلا المخانيثُ
لا يطلبُ العلمَ إلا بازلٌ ذكْرٌ
(١) الفقيه والمتفقه (١ / ٥٢) للخطيب البغدادي.
(٢) جامع بيان العلم وفضله ١ / ٢٥١. وهو قول علّي، كما جاء في المجموع
للنووي ١ / ٤١ .
(٣) جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر ٢٥١/١ .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الأول
١٥٤
لا تعجبنَّ بمال سوف تتركُهُ
فإنما هذه الدنيا مواريثُ(١)
قال ابن القيم رحمه الله :
(( السعادة الحقيقية هي سعادة نفسانية روحية قلبية ، وهي سعادة
العلم النافع ثمرته ، فإنها هي الباقية على تقلُّب الأحوال ، والمصاحبة للعبد
في جميع أسفاره وفي دُوره الثلاثة، وبها يترقَّى معارج الفضل ودرجات الكمال،
كلما طال الأمدُ ازدادت قوةً وعلوًّا ، وهذه السعادة لا يعرف قدرَها ويبعث
على طلبها إلا العلمُ بها ؛ وإنما رغَّب أكثر الخلق عن اكتساب هذه السعادة
وتحصيلها - وعورة طريقها ، ومرارة مباديها ، وتعبُ تحصيلها ، وأنها لا تُنال
إلا على جسر من التعب ، فإنها لا تحصل إلا بالجدّ المحض .
وسعادة العلم لا يورثك إياها إلا بذلُ الوسع ، وصدقُ الطلب ،
وصحةُ النّيَّة ، وقد أحسنَ القائُ في ذلك :
بغير اجتهادٍ رجوتَ المُحالا
فقلْ لمُرَجّي معالي الأمور
وقال الآخر :
الجودُ يُفقر والاقدامُ فَتَّالُ
لولا المشقةُ ساد الناسُ كلُّهُمُ
ومن طمحت هِمَّته إلى الأمور العالية ؛ فواجبٌ عليه أن يَشُدَّ على
محبة الطرق الدينية وهي السعادة ، وإن كانت في ابتدائها لا تنفكُّ عن ضرب
من المشقة والكُره والتأذِّي ، وأنها متى أُكرهت النفسُ عليها ، وسيقت طائعةً
وكارهةً إليها، وصبرت على لأوائها وشدَّتِها- أفضت منها إلى رياض مونقة،
ومقاعد صدقٍ ، ومقام كريم ، تجد كلّ لذةٍ دونها لعبَ الصبِّّ بالعصفور
بالنسبة إلى الذَّات الملوك ، فحينئذٍ حالُ صاحبها كما قيل :
(١) الرحلة في طلب الحديث للخطيب البغدادي صـ ٩٦ تحقيق د . نور الدين عتر .
طبع دار الكتب العلمية .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول
١٥٥
إلى غاية ما بعدها لي مذهبُ
و كُنتُ أرى أنْ قد تناهى بي الهوى
تيقّنتُ أني إنما كنتُ ألعبُ
فلما تلاقينا وعاينت حُسْنَها
فالمكارمُ منوطةٌ بالمكاره ، والسعادة لا يُعبّرُ إليها إلا على جسر
المشقة ، فلا تُقطع مسافتُها إلا في سفينة الجدِّ والاجتهاد.
قال مسلم في صحيحه : قال يحيى بن أبي كثير : لا يُنال العلمُ
براحة الجسد . وقد قيل : من طلب الراحة ترك الراحة .
فيا وصلَ الحبيبِ أما إليه بغير مشقَّةٍ أبدًا طريقُ
ولولا جهلُ الأكثرين بحلاوة هذه اللذة وعِظَمِ قدرها؛ لتجالدوا
عليها بالسيوف، ولكن حُفَّت بحجابٍ من المكاره، وحُجبوا عنها بحجاب
من الجهل ؛ ليختصَّ الله لها مَنْ يشاء، والله ذو الفضل العظيم)) (١) .
((قال عقبة بن عامر رضي الله عنه: ((تعلّموا قبل الظَّانين)). قال
البخاري: يعني الذين يتكلَّمون بالظن))(٢) .
(( ومعناه : تعلَّموا العلم من أهله المُحقِّقين الورِعين قبل ذهابهم ومجيء
قوم يتكلّمون في العلم بظنونهم التي ليس لها مُسْتَنَدٌّ شرعِيٍ))(٣).
وقال سفيان بن عيينة رحمه الله : أرفعُ الناس منزلةً عند الله مَنْ كان
بين الله وبين عباده ، وهم الرسل والعلماء(٤) .
قال أبو بكر بن دُريد ؛ أعلمُ الشعراءِ ، وأشعُرُ العلماءِ :
وأودُّهم في الله ذي الآلاءِ
أهلاً وسهلاً بالذين أُحِبُّهم
غُرِّ الوجوهِ وزينِ كلّ ملاءٍ
أهلًا بقومٍ صالحين ذوي تقی
(١) مفتاح دار السعادة .
كتاب الفرائض من صحيح البخاري .
(٢)
(٣) فضل العلم صـ ٩٤ للشيخ محمد سعيد رسلان .
(٤) مفتاح دار السعادة ١ / ١٢٨ .
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
١٥٦
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الأول
ومدادُ ما تجري به أقلامُهم أزكى وأفضلُ من دم الشهداءِ
يا طالبي علمَ النّبِ محمد ما أنتُمُ وسواكمُ بسواءٍ
((وقال الأحنف بن قيس : كاد العلماء أن يكونوا أربابًا، وكلّ عزّ
لم يؤكد بعلم فإلى ذُلِّ ما يصير .
وقال أبو الأسود الدؤلي: الملوك حُكَّامٌ على الناس، والعلماءِ حُكَّام
على الملوك )) (١) .
انظر رحمك الله إلى قصة الفراء أمير المؤمنين في النحو ، وإمام الكوفيين
وأعلمهم باللغة والنحو :
يقول الخطيب البغدادي في تاريخه ١٥/١٤ :
((كان الخليفة المأمون قد وكَّل الفرّاء يُلَقِّنُ ابنَيْه النحو، فلما كان يومًا
أراد الفَرَّاء أن ينهض إلى بعض حوائجه ، فابتدرا إلى نعل الفَرّاء يُقدِّمانها له ،
فتنازعا أيهما يُقدِّمُها ، ثم اصطلحا على أن يُقدِّم كل واحدٍ منهما فردةً ،
فقدَّماها وكان المأمون له على كل شيء صاحبُ خَبَرٍ ، فرفع إليه ذلك الخبر ،
فوجَّه إلى الفَرّاء فاستدعاه ، فلما دخل عليه قال له : من أعزّ الناس ؟ قال :
ما أعرفُ أحدًا أعزّ من أمير المؤمنين ، قال : بلى ، مَنْ إذا نهض تَقَاتَ على
تقديم نعليه وليًّا عهد المسلمين ، حتى رضي كلّ واحدٍ منهما أن يُقدِّم له
فردةً .
قال : ياأمير المؤمنين ، لقد أردتُ منْعهما من ذلك ، ولكن خشيتُ
أن أدفعَهما عن مكرمة سبقا إليها، وأكسر نفوسهما عن شريفة حصلا عليها،
وقد رُوي عن ابن عباس أنه أمسك الحسن والحسين رضي الله عنهما ركابيهما
حتى خرجا من عنده ، فقال له بعض مَنْ حضر : أَتُّمسك لهذين الحَدَثَيْن
ركابَيْهما وأنت أسنُّ منهما ؟ فقال له : اسكُتْ ياجاهل، لا يعرفُ الفضل
(١) جامع بيان العلم وفضله ١ / ٢٥٦ - ٢٥٧.
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الأول
١٥٧
لأهل الفضل إلا ذوو الفضل .
قال له المأمون : لو منعتهما عن ذلك ؛ لأوجعتُك لومًا وعُثْبًا،
وألزمتُك ذنبًا ، وما وَضَعَ ما فعلاه من شرفهما ؛ بل رفع من قدْرهما ، وبيَّن
عن جوهرهما ، ولقد ثبتت لي مَخيلة الفراسة بفعلهما ، فليس يكبُرُ الرجل
وإن كان كبيرًا عن ثلاث: عن تواضُعِهِ لسلطانه ، ووالده ، ومُعلِّمه العلمَ ،
وقد عَوَّضتُهما بما فعلاه عشرين ألف دينار ، ولك عشرة آلاف درهم على
حُسن أدبك لهما )).
((قيل لأبي جعفر المنصور - الخليفة العباسي -: ياأمير المؤمنين ، هل
بقي شيء من اللذّات لم تنله ؟ قال : شيء واحد ، قالوا : وما هو ؟ قال :
قول المُحدِّث للشيخ : مَنْ ذكرتَ رحمك الله ، فاجتمع وزراؤه وكُتَّابُه ،
وجلسوا حوله ، وقالوا : ليُمل علينا أمير المؤمنين شيئا من الحديث ،
فقال : لستُ منهم ، إنما هم الدَّنِسةُ ثيابُهم ، المُشَّقَقةُ أرجلُهم ، الطويلة
شعورُهم، روَّادُ الآفاق، وقُطَّاع المسافات؛ تارةً بالعراق، وتارةً بالحجاز ،
وتارةً بالشام، وتارةً باليمن، فهؤلاء نقلةُ الحديث))(١).
((رحم الله مَنْ تَسابَقَ أبناءُ الملوك إلى تقديم نعالهم ، ولهم عند الله تعالى
في الدار الآخرة من الأجر والمقام المحمود ؛ ما لا عينٌ رأت ، ولا أُذُنْ
سمعت ، ولا خطر على قلب بشر .
وما أُغمضت منهم العيون لوداع هذه الدار الفانية ، حتى تلقَّتهم
رحابُ الخلد ، واستقبلتهم حورُها في الدار الباقية ، فلقوا التكريم والهناء ،
ونسوا الشقاء والبلاء ، فكان لهم كما قيل :
هناءٌ محا تلك العزاء المُقدَّما فما عبس المحزونُ حتى تَبَسَّمَا))(٢)
(١) البداية والنهاية ١٢٥/١٠، ١٢٦.
(٢) صفحات من صبر العلماء على شدائد التحصيل صـ ٣٨٨.
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
١٥٨
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الأول
رحم الله مَنْ كانت حياتُهم عسلًا مُصفَّى، وكاملًا مُوَفَّى، وغدت
الأحاديث عنهم حوافز ، واستماعُ أخبارِهم مُتَعًا ولذائذ .
إيه أحاديث نعمانٍ وساكنهِ إن الحديثَ عن الأحباب أسماءُ
جنونًا فزدني من حديثك یاسعدُ
وحدَّثتني ياسعدُ عنها فزدتني
فليس له قبلٌ وليس له بعدُ
هواها هوئَّ لم يعرف القلبُ غيرَهُ
قال ابن القيم :
(( لا يُنال العلمُ إلا بهجر اللَّذات وتطليق الراحة . قال إبراهيم
الحربي : أجمع عقلاءُ كل أمَّة أن النعيم لا يُدرك بالنِّعم ، ومَنْ آثر الراحة
فاتتْه الراحة ، فما لصاحب اللَّذات وما لدرجة ورثة الأنبياء .
فدعْ عنك الكتابة لستَ منها ولو لطّختَ وجْهَك بالمدادِ
فإن العلمَ صناعةُ القلب وشُغُلُه ، فما لم تتفرّغْ لصناعته وشغله ،
لم تنلها ، ومن لم يغلب لذة إدراكه العلم وشهوته على لذة جسمه وشهوة
نفسه ؛ لم ينل درجة العلم أبدًا))(١).
(١) مفتاح دار السعادة ١ / ١٤٢ .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الأول
١٥٩
صفحاتٌ نورانيةٌ في عُلُوِّ الهِمَّةِ في طلبِ العِلْمِ ونشْرِهِ
١ - رحلة كليم الله موسى وفتاه لطلب العلم على يد الخضر :
قال ابن قيم الجوزية في مفتاح دار السعادة ١ / ٥٥ - ٥٦ :
((إن الله سبحانه أخبرنا عن صفيِّهِ وكليمه ؛ الذي كتب له التوراة
بيده ، وكلَّمه منه إليه ، أنه رحل إلى رجل عالم (١) يتعلَّم منه ويزداد علمًا
إلى علمه ، فقال تعالى: ﴿وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع
البحرين أو أمضي حُقُبًا﴾ [ الكهف: ٦٠]؛ حرصًا منه على لقاء هذا العالم
وعلى التعلّم منه ، فلما لقيه سلك معه مسلك المُتعلِّم مع مُعلِّمه ، وقال له :
﴿ هل أَتَّبِعُك على أن تُعلِّمن مما عُلِّمت رُشْدًا﴾ ، فبدأ بعد السلام
بالاستئذان على متابعته، وأنه لا يتَّبِعُه إلا بإذنه، قال: ﴿ على أن تُعلِّمنِ
مما عُلِّمتَ رُشدًا﴾، فلم يجىء مُمتحِنًا ولا مُتعنتًا، وإنما جاء مُتَعلمًا مُستزيدا
علمًا إلى علمه . وكفى بهذا فضلًا وشرفًا للعلم ، فإن نبي الله وكليمه سافر
ورحل ، حتى لقي النَّصَبَ من سفره في تعلُّم ثلاث مسائل من رجل عالم ،
ولمّا سمع به لم يَقَّ له قرارٌ ، حتى لقيه ، وطلب منه متابعته وتعليمه ، وفي
قصتهما عِبِرٌ وآيات وحِكَمٌ ، ليس هذا موضعَ ذكرها )).
قال الخطيب البغدادي :
(( قال بعض أهل العلم : إن فيما عاناه موسى ؛ من الدأب والسفر
والصبر عليه ، ومن التواضع والخضوع للخضر ، بعد معاناة قصْده ، مع
محلٌّ موسى من الله ، وموضعِه من كرامته ، وشرفٍ نُبُوَّتِه - دلالةً على ارتفاع
قدْر العلم ، وعُلُوِّ منزلة أهله ، وحُسْنِ التواضع لمِن يُلتمس منه ويؤخذ
(١) هو نبي الله الخضر .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
١٦٠
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الأول
عنه ، ولو ارتفع عن التواضع لمخلوق أحدٌ بارتفاع درجةٍ وسُمُوِّ منزلةٍ ؛
لسبق إلى ذلك موسى ، فلما أظهر الجدَّ والاجتهاد ، والانزعاج عن
الوطن ، والخرص على الاستفادة ، مع الاعتراف بالحاجة إلى أن يصل من
العلم إلى ما هو غائبٌ عنه - دلَّ على أنه ليس في الخلق مَنْ يعلو على
هذه الحال ولا يكبُرُ عنها))(١).
ولقد بوَّب الإِمام البخاري في صحيحه في كتاب العلم، باب (( ما
ذكر في ذهاب موسى في البحر إلى الخَضِر عليهما السلام ، وقوله تعالى :
﴿هل أتَّبِعُك على أن تُعلِّمنِ مما عُلِّمتَ رُشْدًا﴾)).
عن ابن عباس رضي الله عنهما (( أنه تمارى - أي اختلف - هو والحُرّ
ابن قيس الفزاري في صاحب موسى عليه السلام مَنْ هو ؟ فقال ابن عباس :
هو خَضِر ، فمَّ بهما أُبِّيّ بن كعب ، فدعاه ابن عباس ، فقال : إني تماريتُ
أنا وصاحبي هذا في صاحب موسى الذي سأل السبيل إلى لُقِيِّه ، هل سمعت
النبي عَِّ يذكر شأنه؟ قال: نعم؛ سمعتُ رسول الله عَ ◌ّهم يقول: بينما
موسى في ملأ من بني إسرائيل ، جاءه رجلٌ ، فقال: هل تعلمُ أحدًا أعلم
منك ؟ قال موسى : لا ، فأوحى الله إلى موسى : بل عبدنا الخضر ، فسأل
موسى السبيل إليه ، فجعل الله له الحوت آية ، وقيل له : إذا فقدت الحوت ؛
فارجع ، فإنك ستلقاه . وكان يتبع أثر الحوت في البحر ، فقال لموسى فتاه :
: أرأيتَ إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيتُ الحوت وما أنسانيه إلا الشيطانُ
أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا قال ذلك ما كنا نبغ فارتدًّا على
آثارهما قصصًا﴾ [الكهف : ٦٣ - ٦٤]، فوجدا خضرًا، فكان من شأنهما
الذي قصَّ الله عز وجل )).
(١) الرحلة في طلب الحديث صـ ١٠٦، ١٠٧، للخطيب البغدادي . تحقيق : نور
الدين عتر . دار الكتب العلمية .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/