Indexed OCR Text

Pages 101-120

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الأول
١٠١
هم الذين لا يسترقون، ولا يتطيّرون، ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكَّلون))(١).
هذه أحاديث طيِّبة في عُلُوِّ الهمة ، فاحرص على أداء أعمالهم جيّدًا ،
وضعْها نُصْبَ عينيك، فهي أحاديث الذي لا ينطق عن الهوى عَ له ، أعلى
الناس هِمَّة .. ويكفيك من عُلُوِّ هِمَّته : تفرُّدُه وسؤاله أعلى درجات الجنة .
قال عَّ ◌ُله: ((إن الوسيلة درجة عند الله، ليس فوقها درجة، فسَلُوا
الله أن يؤتينيها على الخلق يوم القيامة))(٢) .
(١) رواه البخاري عن ابن عباس ، وأحمد ومسلم عن عمران بن حصين ، ومسلم
عن أبي هريرة .
(٢) حسن : رواه ابن مردويه عن أبي سعيد، وصحَّحه الألباني في صحيح الجامع
رقم (١٩٨٨)، وفضل الصلاة (٤٩).
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
الفصْلُ الثَّانِي
علو الهمة في الإخلاص
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
18 5-4 7
٠٠٫٠
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الأول
١٠٥
علو الهمة في الإِخلاص
من وجد الله فماذا فقد !! ومن فقد الله فماذا وجد !!
متى صِحّ منك الودُّ فالكُلُّ هَيِّنٌ وكلُّ الذي فوق التراب ترابُ
إذا اطّلع الخبير على الضمير فلم يجد في الضمير غير الخبير ، جعل فيه
سراجًا مُنيرًا .
قال عبد الله بن عروة بن الزبير : أشكو إلى الله عيبي ما لا أترك ،
ونعتي ما لا آتي، إنما نبكي بالدين للدنيا(١).
ويرحم الله الفضيل بن عياض: أدر كنا الناس وهم يُراءون بما يعملون،
فصاروا الآن يُراءون بما لا يعملون .
يا إخوتاه، قولوا لمن لم يكن صادقًا : لا تتعنَّى .
قال يحيى بن أبي كثير : تعلَّموا النية، فإنها أبلغ من العمل(٢).
قال الفضيل : من لم يكن في عمله أكيس من ساحر ؛ وقع في الرياء .
لله دَرُّهُمْ ، كم راعوا هذه الكلمة في أقوالهم وحر كاتهم وسكناتهم
وبكائهم !
قال نعيم بن حمَّاد : ضربُ السياط أهونُ علينا من النية الصالحة .
يا إخوتاه، أعربنا في القول، ولحنًّا في العمل، وإخلاصُنا يحتاج إلى
إخلاص .
كان طبيب القلوب الفضيل بن عياض يقول : إذا كان يَسألُ الصادقين
عن صدقهم، مثل إسماعيل وعيسى عليهما الصلاة والسلام؛ فكيف بالكذَّابين
(١) الزهد والرقائق صـ ٦٤ .
(٢) الحلية ٣ / ٧٠ .
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الأول
١٠٦
من أمثالنا .
وكان رحمه الله إذا قرأ ﴿ ونبلو أخباركم ﴾ يقول: اللهم إنك إن
بَلَوْتَ أخبارَنا ؛ فضحْتنا وهتكْت أستارنا ، وأنت أرحمُ الراحمين .
لله ما أحلى هذا الكلام !!
كان كلامهم دواءً للخطَّائين . قال مالك : أما رأيتموهم ؟ ثم يرجع
إلى نفسه ، فيقول : بلى ! والله لقد رأيناهم : الحسن ، وسعيد بن جبير ،
وأشباههم ، الرجل منهم يُحيي الله بكلامه الفئام من الناس .
ويرحم الله إبراهيم بن أدهم إذ يقول : كان العلماء إذا علموا عملوا ،
فإن عملوا شُغِلوا ، فإن شُغِلوا فُقدوا ، فإن فُقِدوا طُلبوا ، فإن طُلبوا هربوا .
سُئل الإِمام أحمد بن حنبل عن الصِّدق والإِخلاص ؟ فقال : بهذا
ارتفع القوم .
نعم ياإخوتاه ، بضاعة الآخرة لا يرتفع فيها إلا مُخلِصٌ صادقٌ !
يا إخوتاه ، الإِخلاص مِسْكُ القلب ، وماءُ حياتِهِ ، ومدارُ الفلاح
كلهِ عليه .
قال تعالى : ﴿ وما أُمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء
ويُقيموا الصلاة ويُؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة ﴾ [ البينة: ٥].
وقال تعالى : ﴿ قل إن صلاتي وتُسُكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين
لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين ﴾ [ الأنعام: ١٦٢، ١٦٣].
وقال تعالى: ﴿ إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مُخلصًا له
الدين ألا لله الدين الخالص ... ﴾ [ الزمر: ٣،٢ ].
قال أبو عثمان المغربي : الإِخلاص نسيان رؤية الخلق بدوام النظر إلى
الخالق .
قال سهل بن عبد الله التستري : نظر الأكياس في تفسير الإِخلاص ،
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الأول
١٠٧
فلم يجدوا غير هذا : أن تكون حركتُه وسكونُه في سرِّه وعلانيته لله تعالى ،
لا يُمازجه شيء ؛ لا نفس ، ولا هوى ، ولا دنيا .
قال ابن عباس : إنما يُحفظ الرجلُ على قدْر نَيَّته .
فحفظ القلب من الخيانة والحقد ؛ إنما هو بالإِخلاص :
عن أبي سعيد الخدري عن النبي عَ ◌ّم أنه قال في حجة الوداع :
((نضَّر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها ، فُرُبَّ حامل فقهٍ ليس بفقيه ، ثلاثٌ
لا يُغُلُّ(١) عليهن قلبُ امرئ مؤمن: إخلاص العمل لله، والمُناصحة لأئمة
المسلمين ، ولزوم جماعتهم ، فإن دعاءهم يُحيط من ورائهم))(٢) .
وتحفظ الأمة وتنصر بإخلاص رجالها :
قال رسول الله عَ له: ((إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها ؛ بدعوتهم
وصلاتهم وإخلاصهم )) (٣) .
وعن أبي بن كعب قال: قال رسول الله عَ له: ((بَشّر هذه الأمة
بالسناء والدين والرفعة والتمكين في الأرض ، فمن عمل منهم عَمَل الآخرة
للدنيا؛ لم يكن له في الآخرة من نصيب)) (٤) .
. (١) هو من الإِغلال: الخيانة في كل شيء، يروى ((يَغْلَّ)) بفتح الياء من الغِل وهو
الحقد والشحناء؛ أي لا يدخله حقد يُزيله عن الحق، وروي ((يُغَل))
بالتخفيف، و ((عليهن)) في موضع الحال، تقديره: لا يغل كائنًا عليهن قلب مؤمن.
(٢) رواه البزار،، وقال المنذري في الترغيب والترهيب : إسناده حسن ، وقال الألباني
في صحيح الترغيب والترهيب ١ / ٥ : صحيح .
(٣) صحيح : رواه النسائي وغيره ، وهو في البخاري وغيره دون ذكّر الإخلاص ،
وصحَّحه الألباني في صحيح الترغيب ١ / ٦ .
(٤) صحيح : رواه أحمد وابن حبان في صحيحه والحاكم والبيهقي ، وقال الحاكم :
صحيح الإسناد، وصحَّحه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ١٥/١-١٦.
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في غُلْوَ الهمة - المجلد الأول
١٠٨
وعند البيهقي: ((بشّر هذه الأمة بالتيسير والسناء والرفعة بالدين
والتمكين في البلاد والنصر ، فمن عمل منهم بعمل الآخرة للدنيا ؛ فليس
له في الآخرة من نصيب )).
فالنجاة : أن لا يُمازج العمل ما يشوبُه من شوائب إرادات النفس ؛
إما طلبُ التزيُّن في قلوب الخلق ، وإما طلبُ مدحهم ، والهرب من ذمِّهم ،
أو طلبُ تعظيمهم ، أو طلبُ أموالهم ، أو خدمتهم ، أو محبَّتهم ، وقضائهم
حوائجه ، أو غير ذلك من العلل والشوائب ، التي عقدُ مُتُفرِّقاتها هو : إرادة
ما سوى الله بعمله ، كائنًا ما كان .
قيل لحمدون بن أحمد : ما بال كلام السلف أنفع من كلامنا ؟
قال : لأنهم تكلَّموا لعزِّ الإِسلام ، ونجاة النفوس ، ورضا الرحمن ، ونحن
نتكلم لعزِّ النفوس ، وطلب الدنيا ، ورضا الخلق(١).
فاعقل درجتك ، ولا تزهو عند الخلق ، وجوهُرُك جوهر الفضائح ،
وسيماك سيما الأبرار، وعُدَّ نفسك مع أنفُس الكذّابين، وروحك مع أرواح
الهلكى ، وبدنك مع أبدان المُذنبين .
وأقبل على تعلَّم الإِخلاص، فوالله إنّ علْمَه خيرُ العلم ، وفقْهَه الفقهُ
كُلُّ الفقِهِ .
قالت رُقَيَّة العابدة : تفقّهوا في مذاهب الإِخلاص ، ولا تفقَّهوا فيما
يؤدِّيكم إلى ركوب القلاص .
ولا نجاة ولا فقْه إلا مع سير السلف الصالحين ... فقد كان الشيوخُ
في قديم الزمان أصحاب قدَمٍ .. والطلابُ أصحابَ أَلَمٍ ، فذهب القدمُ
والألمُ ، اليوم لا غُصَّة ولا قصَّة .. وإن التربية بالقدوة خيرُ وسائل التربية .
والحكايات عن سلفنا جُندٌ من جنود الله تعالى، يُثِّتُ الله بها قلوبَ أوليائه.
(١) صفة الصفوة ٤ / ١٢٢ .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الأول
١٠٩
قال الإِمام أبو حنيفة : الحكايات عن العلماء ومحاسنهم أحبُّ إلَّي
من كثير من الفقه ؛ لأنها آداب القوم وأخلاقهم .
قال تعالى: ﴿لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب﴾ [يوسف: ١١١].
وقال تعالى لنبيه: ﴿ أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ... ﴾
[ الأنعام : ٩ ] .
قال مالك بن دينار : الحكايات تحفُّ الجنة .
وقال الجنيد : الحكايات جندٌ من جنود الله عز وجل ، يُقوِّي بها إيمان
المريدين ، فقيل له : هل لهذا من شاهد ؟ قال: قوله تعالى: ﴿وَكُلَّا نقصُّ
عليك من أنباء الرسل ما نُثَبِّت به فؤادك ﴾ .
((وخير وسيلة لإِشعال العزائم، وإثارة الروح الوثّابة، وقدْح المواهب،
وإذكاء الهِمَم ، وتقويم الأخلاق ، والتسامي إلى معالي الأمور ، والترفّع عن
سَفْسَافها ، والائتساء بالأسلاف الأجلّاء - هو قراءة سِيَر النُّبغاء الصُّلحاء ،
والتملِّي من اجتلاء مناقب الصالحين الربَّانيين ، والاقتراب من العلماء النُّهاء
العاملين المُجدِّين . فذلك خير مهماز لرفع الهِمَم، وشدِّ العزائم، وسُمُوِّ
المقاصد ، وإنارة القلوب ، واحتلال ذُرَى المجد الرفيع ، واغتنام الباقيات
الصالحات ، وإخلاص النّيَّات))(١).
وهذه نقطة من بحار السلف ... وعجائبهم ... فارعها قلبَك ، وإن
كانت غريبة في عالمنا ... وأي شيء عندهم لا يكون اليوم غريبًا ، ولسان
حالهم يقول :
تركنا البحار الزاخرات وراءنا
فمن أین یدري الناسُ أنَّ توجَّهنا
(١) ((صفحات من صبر العلماء على شدائد العلم والتحصيل)) لأبي غدة صـ ١٧ -
١٨، نشر مكتب المطبوعات الإسلامية بحلب.
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
١١٠
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول
الإخلاص في الصلاة :
فهذا الربيع بن خثيم تلميذ عبد الله بن مسعود الذي قال فيه عبد
الله بن مسعود: ياأبا يزيد، لو رآك رسول الله عَ لِ لأحبَّك، وما رأيتُك
إلا ذكرتُ المُخبتين ، وكان إذا دخل على عبد الله بن مسعود لم يكن عليه
إذنّ لأحد ، حتى يفرغ كل واحد من صاحبه(١) .
ما رُئي الربيع مُتَطَوِّعًا في مسجد قومه قطَّ إلا مرة واحدة .
وعامر بن عبد قيس: ما رُني مُتطوِّعًا في المسجد قط(٢).
قال أبو تميم بن مالك : كان منصور بن المعتمر إذا صلى الغداة ؛ أظهر
النشاط لأصحابه ، فُيُحدِّثهم ويُكثر إليهم ، ولعله إنما بات قائمًا على أطرافه ،
كل ذلك ليُخفي عليهم العمل(٣).
وهذا السليم الأسلم المذكور بالسواد الأعظم ، الطوسي محمد بن أسلم ،
قال خادمه أبو عبد الله : صحبتُ محمد بن أسلم نيِّفًا وعشرين سنة
لم أره يُصلي حيث أراه من التطوع إلا يوم الجمعة ، ولا يُسبِّح ولا يقرأ
حيث أراه ، ولم يكن أحد أعلمَ بسرِّه وعلانيته مني ، وسمعتُه يحلف كذا
كذا مّرة أن لو قدرتُ أن أتطوع حيث لا يراني ملكاي لفعلتُ ، ولكن
لا أستطيع ذلك ؛ خوفًا من الرياء(٤).
وهذا شيخ الإِسلام عبد الله بن المبارك نورُ مروٍ وجمالُها ، ونجمُها
وهلالُها ، يقول عنه محمد بن أعين - وكان صاحبه في أسفاره ، وكان كريمًا
(١) حلية الأولياء ٢ / ١٠٦.
(٢) الزهد لابن حنبل صـ ٢٢٣ .
(٣) صفة الصفوة ٣ / ١١٤.
(٤) صفة الصفوة ٤ / ١٢٦، الحلية ٩/ ٢٤٣.
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الأول
١١١
عليه -: كان ذات ليلة ونحن في غزاة الروم ، ذهب ليضع رأسه ليُريني
أنه ينام ، فقلتُ : أنا برمحي في يدي قبضت عليه ، ووضعتُ رأسي على
الرمح كأني أنام كذلك ، قال : فظنَّ إني قد نمتُ ، فقام فأخذ في صلاته ،
فلم يزل كذلك حتى طلع الفجر وأنا أرمُقُه ، فلمّا طلع الفجر أيقظني وظنّ
أني نائم ، وقال : يامحمد ، فقلتُ : إني لم أنم . قال : فلما سمعها مني
ما رأيتُه بعد ذلك يُكلِّمني ولا ينبسط إلَّي في شيء من غزاته كلها ، كأنه
لم يُعجِبْه ذلك مني ، لما فطنتُ له من العمل ، فلم أزل أعرفها فيه حتى
مات ، ولم أر رجلًا أسَّ بالخير منه(١) ..
وقال علي بن الحسن بن شقيق : لم أر أحدًا من الناس أقرأ من ابن
المبارك ولا أحسن قراءةً ، ولا أكثر صلاةً منه ، كان يُصلِّي الليل كله في
السفر وغيره ، وإنما ترك النوم في المحمل ؛ لأنه كان يُصلِّي ، وكان الناس
لا يدرون .
وهذا سيِّدُ الفتيان ، وفتى العُبَّاد والُّهبان: السختياني ؛ أيوب بن
كيسان ، يقوم الليل كله ، فُيُخفي ذلك ، فإذا كان عند الصبح رفع صوته ،
كأنه قام تلك الساعة(٢).
ولكن كيف يُخفي الليلُ بدرًا ساطعًا ؟!
أسائل عمن لا أريدُ وإنما أريدكمُ من بينهم بسؤالي
لساني بكم حتى ينمَّ بحالي
فيعثر ما بين الكلام ورجعه
وأُظهرُ للعذّال أني سالي
وأطوي على ما تعلمون جوانحي
رحمك الله ياسيِّد الفقهاء ؛ لسان حالك يقول :
صبرًا وذلك جمعٌ بين أضدادِ
أُكلِّفُ القلبَ أن يهوى وأُلزمُه
(١) الجرح والتعديل ١ / ٢٦٦، ٢٦٧ .
(٢) حلية الأولياء ٣ / ٨.
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
١١٢
صلاح الأمة في عَلَوَ الهمة - المجلد الأول
حاجاتِ نفسي لقد أتعبتُ زوّادي
وأكتُمُ الركبَ أوطاري وأسألُهُ
هل مدلجٌ عنده من مبكرٍ خبر وكيف يعلمُ حالَ الرائح الغادي
وكان ابن أبي ليلى إذا دخل داخل وهو يُصلي اضطجع على فراشه .
أفدي ظباءَ فلاةٍ ما عرفن بها مضغ الكلام ولا صبْغَ الحواجيبِ(١)
وهذا زيْنُ القراء محمد بن واسع ، يقول عنه أبو الطّب موسى بن
بشّار : صحبتُ محمد بن واسع من مكة إلى البصرة ، فكان يُصلِّي الليل
أجمع في المحمل جالسًا يومىء برأسه إيماءً، وكان يأمر الحادي يكون خلفه ،
ويرفع صوته حتى لا يفطن له، وكان ربما عَّس من الليل فينزل فيُصلِّي، فإذا
أصبح أيقظ أصحابه رَجُلًا رَجُلًا، فيجيء إليه فيقول: الصلاة الصلاة(٢).
وهذا نجيب بني أمية عمر بن عبد العزيز :
كانت له درَّاعةٌ من شَعْرٍ، وغُلُّ ، وكان له بيتٌ في جوف بيت ،
يُصلِّي فيه ، لا يدخل فيه أحدٌ ، فإذا كان في آخر الليل فتح ذلك السفط ،
ولبس تلك الدرَّاعة ، ووضع الغَلَّ في عُنقه ، فلا يزال يُناجي ربه ويبكي ،
حتى يطلع الفجر (٣) .
قال أبو إسحاق كعب الأحبار صاحب الكتب والأسفار : من تعبَّد
الله ليلة حيث لا يراه أحد يعرفه ، خرج من ذنوبه كما يخرج من ليلته (٤).
وأبو سلمة مسعر بن كدام ، يقول عنه ابنه محمد : كان أبي لا ينام
حتى يقرأ نصف القرآن ، فإذا فرغ من ورده لفّ رداءه ، ثم هجع عليه هجعة
خفيفة ، ثم يثِبُ كما يثِبُ الرجلُ الذي فُقد منه شيء فهو يطلبه ، وإنما هو
(١) المدهش لابن الجوزي صـ ٤١٥ .
(٢) حلية الأولياء ٢ / ٣٤٦.
(٣) حلية الأولياء ٥ / ٢٩١.
(٤) حلية الأولياء ٥ / ٣٨٣.
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
١١٣
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الأول
السواك والطهور ، ثم يستقبل المحراب فكذلك إلى الفجر ، وكان يجتهد
على إخفاء ذلك جدًّا(١) .
وحسان بن أبي سنان ، تقول عنه زوجه : كان يجيء فيدخل في
فراشي ، ثم يُخادعني كما تخادع المرأة صبيَّها ، فإذا علم أني نمتُ سلَّ نفسه
فخرج، ثم يقوم فُيُصلِّي، قالت: فقلتُ له: ياأبا عبد الله، كم تُعذِّب نفسك،
ارفق بنفسك ، فقال: اسكتي ، ويحك ، فيوشك أن أرقد رقدةً لا أقوم
منها زمانًا(٢).
صدقة السِّر :
والله ما أحلى قول نبينا معَ له في السبعة الذين يُظلُّهم الله في ظلِّه يوم
لا ظلّ إلا ظلّه: ((ورجلٌ تصدَّق بصدقة فأخفاها، حتى لا تعلم شمالُه ما
تُنفقُ يِمِينُه )) .
ولبيت النبوة القدّحُ المعَلَّى في ذلك :
فهذا زيْنُ العابدين علي بن الحسين رحمه الله يقول عنه أبو حمزة الثمالي :
كان علي بن الحسين يحمل جراب الخبز على ظهره بالليل ، فيتصدَّق به ،
ويقول : إن صدقة السرِّ تطفىء غضب الرب عزَّ وجلَّ .
وعن شيبة بن نعمامة : كان علي بن الحسين يُبَخّل ، فلما مات وجدوه
يقوت مائة أهل بيت بالمدينة .
قال جرير : إنه حين مات وجدوا بظهره آثارًا مما كان يحمل بالليل
الجِرَب إلى المساكين .
وقال عمرو بن ثابت : لمّا مات علي بن الحسين فغسَّلوه ؛ جعلوا
ينظرون إلى آثار سواد بظهره ، فقالوا : ما هذا ؟ فقيل : كان يحمل جِرَبَ
(١) حلية الأولياء ٧ / ٢١٦.
(٢) حلية الأولياء ٣ / ١١٧.
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في غُلْوَ الهمة - المجلد الأول
١١٤
الدقيق ليلًا على ظهْره ، يُعطيه فقراء أهل المدينة .
وعن محمد بن إسحاق : كان ناس من أهل المدينة يعيشون ،
لا يدرون من أين كان معاشهم ، فلما مات علي بن الحسين فقدوا ما كانوا
يُؤْتَون به في الليل .
وعن ابن عائشة قال : قال أبي : سَمعتُ أهل المدينة يقولون : ما
فقدنا صدقة السرّ حتى مات علي بن الحسين(١).
والبيتُ يعرفُهُ والحِلُّ والحرمُ
هذا الذي تعرفُ البطحاءُ وطأَتَهُ
عند الحطيم إذا ما جاء يستلمُ
يكادُ يمسكه عرفانُ راحتِهِ
إلى مكارم هذا ينتهي الكرمُ
إذا رأته قريشٌ قال قائلُها
وشيخ الإسلام عبد الله بن المبارك ، يقول عنه محمد بن عيسى : كان
ابن المبارك كثير الاختلاف إلى طرسوس ، وكان ينزل الَّقة في خانٍ ، فكان
شابٌّ يختلف إليه ، ويقوم بحوائجه ويسمع منه الحديث ، فقدم عبد الله مرّة
فلم يره ، فخرج في النفير مُستعجلًا ، فلما رجع سأل عن الشابِّ ، فقال :
محبوس على عشرة آلاف درهم ، فاستدلّ على الغريم ، ووزن له عشرة
آلاف، وحلَّفه ألا يُخبر أحدًا ما عاش، فأخرج الرجل، وسرى ابن المبارك،
فلحقه الفتى على مرحلتين من الّقة ، فقال لي : يافتى ، أين كنت ، لم
أرك ؟ قال: ياأبا عبد الرحمن، كنت محبوسًا بدَيْن. قال: وكيف خلصت ؟
قال : جاء رجل فقضى دَيْني ولم أدر ، قال : فاحمد الله . ولم يعلم الرجل
إلا بعد موت عبد الله(٢).
الصوم :
وإذا ذُكر الصومُ وإخفاؤه ، فاذكر داود بن أبي هند .
(١) حلية الأولياء ٣ / ١٣٥ - ١٣٦.
(٢) تاريخ بغداد ١٠ / ١٥٩ .
٫٠٠ ٠
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٠٠

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول
١١٥
صام داود بنُ أبي هند أربعين سنة لا يعلم به أهله ولا أحد ، وكان
خزّازًا ، يحمل معه غداءه من عندهم ، فيتصدَّق به في الطريق ، ويرجع
عشيًّا فيُفطر معهم(١) ، فيظنُّ أهلُ السوق أنه قد أكل في البيت ، ويظنُّ
أهله أنه قد أكل في السوق .
فأصبح في حُبِّي بغير يقينٍ
ومستخبٍ عن سرِّ حُبِّي رددتُهُ
يقولون خبّرْنا فأنت حبيبُه وما أنا إن خَّرتهم بأمينٍ
وعمرو بن قيس الملائي : أقام عشرين سنة صائمًا ، ما يعلم به أهلُه ،
يأخذ غداءه ويغدو إلى الحانوت، فيتصدق بغدائه، ويصوم، وأهله لا يدرون.
وكان إذا حضرته الرقّة ، يُحوِّل وجهَه إلى الحائط ، ويقول لجلسائه : ما
أشدّ الزكام(٢).
وعن المسيح عيسى ابن مريم قال : إذا كان صومُ يوم أحدكم ، فليدهنْ
أو لِمسحْ شفتيه من دهنه ، حتى ينظر إليه الناظر ، فلا يرى أنه صائم ، وإذا
صلَّى أحدكم في بيته فليُخف عليه ستره ، فإن الله يقسم الثناء كما يقسم
الرزق(٣) .
وعَلَمُ الزهاد أبو محفوظ معروف الكرخي : سُئل : كيف تصوم ؟
فغالط السائل وقال: صوم نبينا معٍَّ كان كذا وكذا ، وصوم داود كذا
وكذا ، فألحَّ عليه ، فقال : أصبح دهري صائمًا، فمن دعاني أكلتُ ، ولم
أقل إني صائم(٤) .
قال إبراهيم بن أدهم : لا تسأل أخاك عن صيامه ، فإن قال : أنا
(١) صفة الصفوة ٣ / ٣٠٠ .
(٢) صفة الصفوة ٣ / ١٢٤ .
(٣) الزهد لهنَّاد بن السري ، ورجاله ثقات .
(٤) تاريخ بغداد ١٣ / ٢٥٢، وسير أعلام النبلاء ٩ / ٣٤١.
١
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
١١٦
صلاحِ الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الأول
صائم فرحتْ نفسُه بذلك، وإنْ قال: أنا غير صائم حزنت نفسه، وكلاهما
من علامات الرياء، وفي ذلك فضيحة للمسئول واطّلاع على عوراته من السائل.
الذِّكْر وقراءة القرآن :
قالت سُرّية الربيع بن خثيم : كان عملُ الربيع كلُّه سرّا ، إن كان
ليجيء الرجل ، وقد نشر المصحف ؛ فيُغطِّيه بثوبه(١) .
قال ابن الجوزي : كان إبراهيم النخعي إذا قرأ في المصحف فدخل
داخل غطّاه(٢).
وإمام أهل السنة أحمد بن حنبل ، يقول عنه تلميذه أبو بكر المروزي :
كنتُ مع أبي عبد الله نحوًا من أربعة أشهر بالعسكر ، وكان لايدع قيام الليل
وقراءات النهار ، فما علمت بختمة ختمها ، وكان يُسُّ بذلك .
قال رجل خراساني للإِمام : الحمد لله الذي رأيتُك ، فقال له : اقعدْ ،
أي شيء ذا ؟ ومن أنا ؟
رحمك الله يا إمام، والله لأنت أولى الناس بقولك: القلانس من السماء
تنزل على رؤوس قوم يقولون برؤسهم هكذا وهكذا . والمعنى أنهم لا يُريدون
الرئاسة ، وهي تقع عليهم .
قال الإِمام أحمد : أشتهي ما لا يكون ... أشتهي مكانًا لا يكون فيه
أحد من الناس .
كان شيخ الإسلام إذا أصبح النهار يخرج إلى الصحراء، ويقول مُتمثِّلًا:
أُحدّث عنك القلبَ بالسر خاليا
وأخرج مِنْ بين البيوت لعلَّني
(١) حلية الأولياء ٢ / ١٠٧.
(٢) المدهش صـ ٤١٥ .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الأول
١١٧
البكاء :
قال الثوري : البكاء عشرة أجزاء ؛ تسعة لغير الله ، وواحد لله ، فإذا
جاء الذي لله في السنة مرة فهو كثير (١) .
لشدّ ما حاسبوا أنفسهم ودّققوا ... حتى الدموع ياأمير المؤمنين في
الحديث !!.
قال سفيان: إذا استكمل العبد الفجور ملك عينيه، يبكي بهما متى يشاء.
هذا العالم العابد ، الإِمام المُدقّق ، سفيان الثوري ، له مع الفضيل بن
عياض- طبيب القلوب- وقفة يحكيها لنا الأصبهاني في حلية الأولياء (٦٤/٧):
التَّقَى سفيان الثوري وفضيل بن عياض فتذاكرا ، فبكيا ، فقال سفيان : إني
لأرجو أن يكون مجلسنا هذا أعظمَ مجلسٍ جلسناه بركةً . قال فضيل : ترجو،
لكني أخاف أن يكون أعظمَ مجلسٍ جلسناه علينا شؤمًا، أليس نظرتَ إلى
أحسن ما عندك ، فتزيَّنْتَ به لي ، وتزيَّنت لك به ، فعبدتَني وعبدتك . قال
فبكى سفيان حتى علا نحيبه ، ثم قال : أحياك الله كما أحييتني .
وهذا أيوب السختياني : كان في ثوبه بعضُ الطول لستر الحال ، وكان.
إذا وعظ فرقٌّ ؛ فَرَقَ من الرياء ، فيمسح وجهه ويقول : ما أشدّ الُّكام !!
كأنني أضبطُ عبدًا آبقًا
أحبس دمعي فيند شاردًا
يوم الرحيل في الهوى منافقاً(٢)
ومن محاشاة الرقيب خلتني
قال ابن الجوزي : كان ابن سيرين يتحدَّث بالنهار ويضحك ، فإذا
جاء الليل فكأنه قتل أهل القرية .
الليل هزَّتني إليك المضاجِعُ
نهاري نهار الناس حتى إذا بدا
ويجمعني والهمّ بالليل جامع
أُقضِّ نهاري بالحديث وبالمنى
الحلية ٧ / ١١ .
(١)
(٢) المدهش ٤١٤ .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
١١٨
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الأول
كان خوفهم من الرياء يُوجب مدافعة النهار ، فإذا خلوْا بالحبيب
لم يصبر الشوق .
وفي الليل يدعوني الهوى فأُجيبُ
أحنُّ بأطرافِ النهارِ صبابةٌ
كأنَّ زمانَ الشوق ليس يغيبُ (١)
وأيامُنا تفنى وشوقي زائدٌ
قال الحسن البصري : إن كان الرجل ليجلسُ المجلس ، فتجيئه عبرته
فيردّها ، فإذا خشى أن تسبقه قام(٢).
قال عبد الكريم بن رشيد: كنت في حلقة الحسن، فجعل رجل يبكي
وارتفع صوته ، فقال الحسن : إن الشيطان ليُبكي هذا الآن(٣).
وعن عيسى بن زاذان قال : يأتي على الناس زمان ؛ يسكن الشيطان
في أعين الناس ، فمن شاء أن يبكي بكى(٤) .
عن عاصم قال : كان أبو وائل إذا صلَّى في بيته ينشُجُ نشيجًا ، ولو
جُعلت له الدنيا على أن يفعله وأحدٌ يراه ما فعله(٥) .
يقول زيْنُ القرّاء محمد بن واسع : لقد أدركتُ رجالًا ، كان الرجل
يكون رأسُه مع رأس امرأته على وسادة واحدة ، قد بَلَّ ما تحت خدِّه من
دموعه، لا تشعر به امرأته، ولقد أدركتُ رجالًا، يقوم أحدهم في الصف،
فتسيل دموعُه على خدِّه ، ولا يشعر به الذي إلى جنبه(٦).
والله إنها لأغرب من الخيال ... !!
(١) المدهش .
(٢) الزهد لأحمد بن حنبل صـ ٢٦٢ .
(٣) الزهد لأحمد صـ ٢٧٣.
(٤) الزهد لأحمد صـ ٢٧٥ .
(٥) الزهد لأحمد صـ ٣٥٨ .
(٦) حلية الأولياء ٢ / ٣٤٧.
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الأول
١١٩
سودًا وكانت بكم بيضًا ليالينا
حالت لفقدكمُ أيامُنا فغدتْ
حزنا مع الدهر لا يبلى ويُبلينا
مَنْ مُبلِغُ الملبسينا عنا بانتزاحهم
أُنْسًا بقربهمُ قد عاد یُبكينا
أن الزمانَ الذي قد كان يُضحكُنا
لُيُسقَ عهدُكمُ عهدُ السرور فما كنتم لأرواحنا إلا رياحينًا
قال محمد بن واسع : إن كان الرجل ليبكي عشرين سنة وامرأته
معه لا تعلم به (١) .
قال حمّاد بن زيد : دخلنا على محمد بن واسع في مرضه نعوده .
قال : فجاء يحيى البكَّاء يستأذن عليه ، فقالوا : ياأبا عبد الله ، هذا أخوك
أبو سلمة على الباب . قال : منْ أبو سلمة ؟ قالوا : يحيى . قال : منْ يحيى ؟
قالوا : يحيى البكَّاء . قال حمَّاد: وقد علم أنه يحيى البكّاء ؟! فقال: إن
شَّ أيامكم يومّ نسبتم فيه إلى البكاء(٢) .
قال سفيان بن عيينة : أصابتني ذات يوم رِقّةٌ فبكيتُ ، فقلتُ في
نفسي: لو كان بعض أصحابنا لرقَّ معي، ثم غفوتُ، فأتاني آتٍ في منامي،
فرفسني ، وقال : ياسفيان ، خذْ أجرك ممّنْ أحببتَ أن يراك .
عن القاسم بن محمد قال : كنا نسافر مع ابن المبارك ، فكثيرًا ما كان
يخطر ببالي ، فأقول في نفسي : بأي شيء فضُل هذا الرجل علينا ، حتى
اشتهر في الناس هذه الشهرة ، إن كان يُصلِّ إنا لنُصلِّي ، وإنْ كان يصوم
إنا لنصوم ، وإن كان يغزو فإنا لنغزو ، وإن كان يحجّ إنا لنحجّ ؟! قال :
فكنا في بعض مسيرنا في طريق الشام ليلة نتعشَّى في بيت، إذا طُفِىء السِّراج،
فقام بعضنا فأخذ السِّراج، وخرج يستصبح، فمكث هنيهة، ثم جاء بالسراج،
فنظرتُ إلى وجه ابن المبارك ، ولحيته قد ابتلّت من الدموع ، فقلتُ في
(١) حلية الأولياء ٢ / ٣٤٧.
(٢) حلية الأولياء ٢ / ٣٤٧.
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
١٢٠
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الأول
نفسي : بهذه الخشية فضُل هذا الرجل علينا ، ولعلّه حين فُقد السراج فصار
إلى ظُلْمةٍ ذكر القيامة(١).
وهذا شيخ الإِسلام محمد بن أسلم الطوسي ، يقول عنه خادمه أبو
عبد الله : كان محمد يدخل بيتًا ويُغلق بابه ، ويُدخل معه كوزًا من ماء ،
فلم أدر ما يصنع ، حتى سمعتُ ابنًا صغيرًا له يبكي بكاءه ، فنهتْه ◌ُمُّه ، فقلتُ
لها : ما هذا البكاء ؟ فقالت : إن أبا الحسن يدخل هذا البيت ، فيقرأ القرآن
ويبكي ، فيسمعه الصبي فيحكيه ، فكان إذا أراد أن يخرج غسل وجهه ؛
فلا يُرى عليه أثرُ البكاء . وكان يصل قومًا ويُعطيهم ويكسوهم ، فيبعث
إليهم ، ويقول للرسول : انظر أن لا يعلموا مَنْ بعثه إليهم ، فيأتيهم هو
بالليل ، فيذهب به إليهم ، ويُخفي نفسه ، فربما بليتْ ثيابُهم ، ونفد ما
عندهم ، ولا يدرون مَنِ الذي أعطاهم(٢) .
الله دَرُّك ياأبا الحسن !!
لما مات الطوسي قالوا لأحمد بن نصر : ياأبا عبد الله ، صلَّى عليه
ألفَ ألفٍ من الناس ، وقال بعضهم : ألف ألفٍ ومائة ألفٍ من الناس ؛ يقول
صالحهم وطالحهم : لم نعرف لهذا الرجل نظيرًا ، فقال أحمد بن نصر :
ياقوم ، أصلِحوا سرائركم بينكم وبين الله ، ألا ترون رجلًا دخل بيته بطوس ،
فأصلح سرَّه بينه وبين الناس ، ثم نقله الله إلينا ، فأصلح الله على يديه ألف
ألفٍ ومائة ألفٍ من الناس(٣).
الدعاء :
قال ابن المنكدر : إني لَلَيلة حذاء هذا المنبر جوف الليل أدعو ، إذا
(١) صفة الصفوة ٤ / ١٢١.
(٢) حلية الأولياء ٩ / ٢٤٣.
(٣) حلية الأولياء ٩ / ٢٤٠ - ٢٤١.
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com