Indexed OCR Text

Pages 1-20

المختار
فَرَائِدِ النُّقُوا وَالأَشَدِ
مِن
الْقِسْمُ الثّاني
اختيار وتعلي.
محمّد عَوَامة
دَارُ السَِّ الإسْلامِيَّة

المخْتَار
مِن
فَائِ النُّقُولُوَالأَ

حُقُوقُ الطَّبِعْ مَخْفُوظَةٌ
الطّبعَةِ الثَّانِيَّة
١٤١٧ هـ ـ ١٩٩٧م
دَار البشائر الإسْلاميّة
للطباعة والنشروالتوزيع بیروت -لبنان -ص.ب: ٥٩٥٥ -١٤

بسْمِاللهِ الرَّمِ الرَِّ
الحمد لله ربِّ العالمين وليٍّ كلِّ خير
ورشاد، والصلاة والسلام على سيدنا محمد
سيد الأنبياء والعلماء والعُبَّاد، وعلى آله
وصحابته، ومن اقتفى أثره، واهتدى بهداه.
وبعد: فأقدِّم القسم الثاني من كتاب ((من
فرائد النقول والأخبار)) سائلاً المولى الكريم أن
يمنَّ بقبوله والانتفاع به، إنه على كل شيء
قدیر.
مُحمّد عَوَّامَِة

من هدي القرآن الكريم
١
من دعاء الآباء للأبناء ووصاياهم
﴿وإِذْ قالَ إِبراهيمُ: ربِّ اجْعَلْ هذا بلداً آمناً
وارْزُقْ أهَلَه مِنَ الثمراتِ مَنْ آمِنَ مِنهم بالله
واليومِ الآخرِ، قال: ومَن كَفَر فأُمتِّعُه قليلاً، ثم
أَضْطَرُّه إلى عذابِ النارِ، وبِئْسَ المصيرُ.
وإِذْ يرفعُ إبراهيمُ القواعدَ من البيتِ(١)
وإسماعيلُ، ربَّنا تَقَبَّلْ منَّا. إنك أنتَ السميعُ
العليم .
ربنا واجْعَلْنا مسلمَيْنِ لكَ ومِن ذُرِّيَّتِنا أمةً
(١) البيت: الكعبة المعظمة، والقواعد: أُسُسُها المبنيَّةُ عليها.
٧

مسلمةً لكَ، وأَرِنَا مناسِكَنا، وتُبْ علينا، إنك
أنتَ التوابُ الرحيم.
ربنا وابْعَثْ فيهم رسولاً منهم(١) يَتْلو عليهم
آياتِكَ وَيُعَلَّمُهِمُ الكتابَ والحكمةَ(٢) ويُزَكِّيهم،
إنك أنت العزيز الحكيم.
ومَنْ يَرْغَبُ عن مِلةِ إبراهيمَ إلّا مَن سَفِهَ
نَفْسَه؟! ولقدِ اصْطَفَيْناه في الدنيا، وإنه في
الآخرة لَمِن الصالحين. إذْ قال له ربه: أَسْلِمْ،
قال: أسلمتُ لربِّ العالمين.
(١) هو سيدنا محمدصل*، لذلك قال و ل﴿ عن بدء أمره: ((دعوةُ
أبي إبراهيم، وبُشْرى عيسى ... )) رواه أحمد في ((مسنده))
٤: ١٢٧ عن العِرْباض بن سارية، قال الهيثمي ٨: ٢٢٣:
((أحد أسانيد أحمد رجاله رجال الصحيح غير سعيد بن سويد
وقد وثقه ابن حبّان)) ورواه ٥: ٢٦٢ عن أبي أمامة الباهلي،
وقال الهيثمي في ((المجمع)) ٨: ٢٢٢: ((إسناده حسن وله
شواهد تقوِیه».
(٢) الحكمة: هي الحديث النبوي الشريف.
٨

ووصَّى بها(١) إبراهيمُ بنيه ويعقوبُ: يا بَنِيَّ
إن الله اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ، فلا تَمُوتُنَّ إلّ وأنتم
مسلمون .
أم كنتُم شُهداءَ إِذْ حَضَرَ يعقوبَ الموتُ إِذْ
قال لبنيه: ما تَعبدونَ مِن بعدي؟ قالوا: نعبد
إلَهَك وإلّهَ آبائِكَ إبراهيم وإسماعيلَ وإسحاقَ
إلهاً واحداً، ونحن له مسلمون﴾(٢).
(١) بكلمة الإخلاص والتوحيد: لا إله إلّ الله.
(٢) الآيات من سورة البقرة الآية ١٢٦ - ١٣٣.
٩

من هدي القرآن الكريم
من دلائل وحدانيَّة الله عزَّ وجلَّ
٢
﴿قل: الحمدُ لله، وسلامٌ على عباده الذينَ
اصْطَفَى، آللَّهُ خيرٌ أَمَّا يُشْرِكون؟! أمَّنْ خَلَقَ
السمواتِ والأرضَ وأَنْزلَ لكم من السماءِ ماءً
فأنْبْنا به حَدَائقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ، ما كان لكم أَنْ تُنْبِتوا
شَجَرَها؟ أَإِلّهُ مع الله؟ بلْ همْ قَوْمٌ يَعْدِلون(١).
أُمِّن جعلَ الأرضَ قَراراً، وجَعَلَ خِلالَها
أنهاراً، وجَعَل لِهِا رواسيَ، وجَعَل بين
البَحْرِينِ (٢) حاجزاً؟ أَإِلّه مع الله؟! بل أكثرُهم لا
يعلمون.
(١) يشركون ويميلون عن الحق إلى الباطل.
(٢) الماء العَذْب والماء المِلْح لا يختلطان معاً في البحر.
١٠

أمَّن يُجيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاه ويَكْشِفُ
السوءَ، ويجعلُكُم خُلَفاءَ الأرض؟ أَإِلّهُ مع الله؟!
قليلاً ما تَذَكَّرون.
أمَّن يَهْدِيكم في ظُلُماتِ البرِّ والبحرِ؟ ومن
يُرسلُ الرياحَ بُشْراً بين يَدَيْ رحمته؟(١) أُإِلّه مع
الله؟! تعالى الله عما يُشْركون.
أَمَّن يَبدأ الخَلْقَ ثم يُعيدُه، ومَنْ يَرزقُكُم من
السماء والأرض؟ أَإِلَه مع الله؟! قل: هاتُوا
بُرْهانَكُم إنْ كنتُم صادقين﴾(٢).
(١) الرحمة هنا: المطر.
(٢) الآيات من سورة النمل: ٥٩ - ٦٤.
١١

من هدي القرآن الكريم
٣
من وصايا الآباء للأبناء
﴿وإذْ قال لُقْمانُ لابْنِه - وَهُو يَعِظُه -: يا بُنَيَّ
لا تُشرِكْ بالله، إن الشِّرْكَ لظُلْمٌ عظيم.
ووصَّيْنا الإنسانَ بوالدَيْه، حَمَلَتْهِ أُمُّه وَهْناً
على وَهْن(١)، وفِصالُه في عامين(٢)، أَنِ اشْكُرْ
لِي ولوالدَيْك، إليَّ المصيرُ. وإنْ جاهَدَاك على
أنْ تُشْرِكَ بي ما ليس لك به عِلْمٌ: فلا تُطِعْهُما،
وصاحِبْهما في الدنيا معروفاً، واتَّبِعْ سبيلَ مَنْ
(١) تزداد ضَعفاً على ضَعف.
(٢) أي: فطامُه في سنتين.
١٢

أنابَ إليّ(١)، ثم إليَّ مَرْ جِعُكم، فَأَنَّئُكُم بما كنتم
تعملون.
يا بُنِيَّ إنها إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ من خَرْدَلٍ،
فَتَكُنْ في صخرة أو في السمواتِ أو في الأرضِ
يأتِ بها الله، إن الله لطيفٌ خبير.
يا بنيَّ أقمِ الصلاةَ، وأُمُرْ بالمعروف، وانْهَ
عن المنكر، واصْبِرْ على ما أصابك، إن ذلك
من عَزْمِ الأمورِ(٢).
ولا تُصَعِّرْ (٣) خَدَّكَ للناس، ولا تَمْشِ في
الأرض مَرَحاً(٤) إن الله لا يُحبُّ كلَّ مُختالٍ
فَخُور.
(١) أقبَلَ على الله تعالى.
(٢) أي: واجبات الأمور.
(٣) لا تُعرض عن الناسِ بوجهك تكبُّراً.
(٤) خُيَلاء.
١٣

واقصِدْ فِي مَشِْكَ(١)، واغْضُضْ مِن صوتِكَ،
إِنَّ أنكرَ الأصواتِ لَصَوتُ الحمير﴾(٢).
(١) تَوَسَّطْ في مِشْيتك، بين التأنِّي والسرعة.
(٢) الآيات من سورة لقمان: الآية ١٣ - ١٩.
١٤

صَلَ الله
وَسية
من هدي النبي
١
کیف یُقبض العلم
عن عبد الله بن عمروبن العاص رضي الله
عنهما قال :
سمعت رسول الله والله يقول: ((إن الله لا
يَقْبِضُ العلمَ انتزاعاً(١) يَنْتَزِعُه من العِباد، ولكن
يَقْبِضُ العلم بقبضِ العلماءِ، حتى إذا لم يُبْقِ
عالماً اتَّخَذَ الناسُ رؤوساً جُهّالاً، فَسُئِلوا فأَفْتُوا
بغيرِ علمٍ، فَضَلُوا وأَضَلُّوا))(٢).
(١) قال الحافظ في ((فتح الباري)) ١: ٢٠٥: ((انتزاعاً: أي:
مَحْواً من الصدور، وكان تحديثُ النبي ## بذلك في حجة
الوداع)).
(٢) الحديث رواه البخاري في ((صحيحه)) كتاب العلم - باب =
١٥

٠
= كيف يقبض العلم ١: ٢٠٥، وفي كتاب الاعتصام بالكتاب
والسنة - باب ما يُذكر من ذمّ الرأي وتكلُّف القياس ١٧ : ٤٣،
وأفاض الحافظ في الكلام عليه، ولخّص ما عنده العلامة
المناوي رحمه الله في ((فيض القدير)) ٢: ٢٧٣ وزاد عليه
كلاماً نفيساً للراغب الأصفهاني رحمه الله.
ومما فيه: ((في الحديث: تحذيرٌ من ترئيس الجهلة، وأن
الفتوى هي الرئاسة الحقيقية، وذمُّ من يُقْدِمُ عليها بلا علم،
ولا يلزم من بقاء القرآن حينئذ بقاء العلم، لأنه مُسْتَنْبَطٌ
منه . ..
قال الراغب: لا شيءَ أوجبُ على السلطان من رعاية أحوال
المتصدِّين للرئاسة بالعلم، فمن الإخلال بها ينتشر الشرُّ
ويكثر الأشرار، ويقع بين الناس التباغض والتنافر ... )) إلى
آخر ما فيه، وهو في كتابه ((الذريعة)) ص ١٥٨ .
١٦

من هدي النبي
صَلَ الله
عَبـ
٢
كيا الله
رسلة
من وصاياه الجامعة
عن أبي ذَرِّ الغِفاري رضي الله عنه قال:
قلت: يا رسول الله أُوْصِني.
قال: ((أوصيك بتقوى الله، فإنها رأسُ
أَمرِك))(١).
قلت: يا رسول الله زِدْني.
قال: ((عليك بتلاوة القرآنِ، وذِكْرِ الله، فإنَّ
ذلك لك نورٌ في السموات، ونورٌ في الأرض)».
(١) التقوى: عمل ما يَقِيك ويحفظُك من نار الله وعذابه، لذلك
وَصَفها النبي ◌َّ بأنها رأس الأمر، ومعنى رأس الأمر:
مجتمعُ الخير. فالوصية بها وصية بكل خير.
١٧

قلت: يا رسول الله زدني.
قال: ((لا تُكْثِرِ الضَّحِكَ، فإنه يُميتُ
القلبَ(١)، ويُذْهِبُ نورَ الوجه))(٢).
قلت: يا رسول الله زِڈني .
قال: ((عليك بالجهاد، فإنه رَهْبانيَّةُ أُمتي))(٣).
٠
قلت: يا رسول الله زدني
٥
قال: ((عليك بالصَّمتِ إلا من خير، فإنه
مَطْرَدةٌ للشيطان عنك، وعَوْنٌ لك على أمرٍ
دينك))(٤) .
(١) أي: إن الضحك يُقَسِّي القلب، وقسوة القلب سبب الغفلة
عن الله، وليس موت القلب إلّ الغفلة.
(٢) نور الوجه: بهاؤه ووقاره، فمن أكثر الضحك سقطت هيبته.
(٣) عليك بالجهاد: أي: الْزَمِ الجهاد ولا تتركه. والرَّهْبائيّة: ما
يتكلّفُه النصارى من أنواع المجاهداتِ والتبتّلِ ، فكذلك
الجهاد وبالنسبة الأمة المحمدية، هو رهبانيتها وتفرغها من
الدنيا ومشاغلها .
(٤) الطرد: هو الإبعاد، والمعنى هنا: أن الصمت سبب لإبعاد
١٨

قلت: يا رسول الله زدني.
قال: (((انْظُرْ إلى مَن هو دونك، ولا تنظُرْ
إلى من هو فوقَك(١)، فإنه أَجْدَرُ أن لا تَزْدَرِيَ
نعمةَ الله عندك))(٢).
قلت: يا رسول الله زدني .
قال: ((صِلْ قَرَابَتَكَ وإن قَطَعوك))(٣)
الشيطان عنك، فتُحفَظَ منه، فتَعانَ على القيام بأمور دينك.
=
والصمت يحتاج إلى مجاهدة («لأنه سكوت مع القدرة على
الكلام، وهذا هو المأمور به)) كما قال المناوي في ((فيض
القدير)) ٦: ٢١٠.
(١) وهذا إنما يكون في الأمور الدنيوية، أما في الأمور الدينية:
فينبغي أن ينظر إلى من هو فوقه فيها.
(٢) أجدر: أي أحقُّ وأخلقُ، والمعنى: لكيلا تزدريَ نعمةَ الله
عليك. والازدراء: الاستخفاف والاحتقار.
(٣) صِلْ: فعل أمر من وَصَل، وهو أمر بصلة الأرحام وإن قطعوا
رحمك، وفي الحديث: ((ليس الواصلُ بالمكافىء، ولكنَّ
الواصلَ الذي إذا قُطِعتْ رَحِمُه وَصَلَها)). رواه البخاري عن
ابن عَمْروٍ مرفوعاً ١٠: ٤٢٣ - بشرحه ((فتح الباري)» -.
١٩

قلت: يا رسول الله زدني .
قال: ((لا تَخَفْ في الله لَوْمَةَ لائم)).
قلت: يا رسول الله زدني .
قال: ((تُحِبُّ للناس ما تُحبُّ لنفسك)).
ثم ضرب بيده على صدري فقال: ((يا أبا ذر
لا عَقْلَ كالتدبير (١)، ولا وَرَعَ كالكفّ(٢)، ولا
حَسَبَ (٣) كحُسْنِ الخُلُقِ)) (٤).
(١) أي: أفضل العقل وأكمله ما يَحملُ الإنسانَ على النظر في
عواقب الأمور قبل الوقوع فيها. فالتدبير: بمعنى التدبُّر، كما
في ((القاموس)).
(٢) أي: الورعُ الحقُّ الصحيح ما حَمَل صاحبه على الكفِّ
عما يَشْتبه المسلم في حِلُّه وحرمته. لأن الورع: اجتناب
الشُّبُهات.
(٣) الحَسَب: مكارمُ الرجل ومآثِرُه. والمعنى: أن الذي يُكْسِب
المفاخرَ والمكارمَ للرجل هو حُسْنُ خُلُقه.
(٤) رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) ٢: ١٦٨. وفيه
إبراهيم بن هشام الغساني، وهو مختلف فيه، وقال العزيزي=
٢٠