Indexed OCR Text

Pages 401-420

٤١٨
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى )
باب الجود والسخاء
قال الله عزوجل: ((ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة)) (١)(٢)
أخبرنا على بن أحمد بن عبدان قال : أخبرنا أحمد بن عبيد قال : حدثنا
الحسن بن العباس قال : حدثنا سهل قال : حدثنا سعيد بن مسلم ، عن يحيى بن
سعيد، عن محمد بن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عائشة ، رضى الله عنهما ، قالت :
قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم :
(( السخى: قريب من الله تعالى، قريب من الناس ، قريب من الجنة، بعيد
من النار .
والبخيل : بعيد من الله تعالى ، بعيد من الناس ، بعيد من الجنة ، قريب
من النار .
والجاهل السخى احب إلى الله تعالى من العابد البخيل)) (٣).
قال الأستاذ : ولافرق- على لسان القوم - بين الجود والسخاء ولا يوصف
الحق ، سبحانه ، بالسخاء والسماحة ؛ لعدم التوقيف . ٦؟
وحقيقة الجود : أن لايصعب عليه البذل .
وعند القوم ، السخاء: هو الرتبة الأولى ، بم الجود بعده ، ثم الإيثار ؛ فمن
أعطى البعض وأبوى البعض فهو صاحب سخاء ، ومن بذل الأكثر ، وأبهى لنفسه
شيئاً ، فهو صاحب جود" ، والذى قاسى الضرر وآثر غيره بالبلغة فهو صاحبإيثار،
كذلك سمعت الأستاذ أباً على الدقاق ، رحمه الله ، يقول : قال أسماء بن خارجة :
ما أحب أن أرد أحداً عن حاجة طلبها منى ؛ لأنه إن كان كريماً أصون عرضه ، وإن
كان لئيماً أصون عنه عرضى .
وقيل : كان مورق العجلى يتلطف فى إدخال الرفق على إخوانه ؛ يضع عندهم
ألف درهم ، فيقول : أمسكوها عندكم حتى أعود إليكم . ثم يرسل إليهم : أنتم
منها فى حل .
-- (١) خصاصة . دفر وحاجة.
(٢) آية ٩ من سورة الحشر.
(٣) فال كشف الحفا. ج٢ ص ٥٤٥، رواه الترمذى والعقيلى فى الصعفاء وعيرهما عن أبى هريرة رفعه وقال الترمذى
غريب ، وإنما يروى عن عائشة مرسلا ور واه الطبرانى فى الأوسط بسد فيه سعيد بن محمد الوراق ضعيف عن عائشة، وقال ابن
الجوزى فى الموضوعات لما ذكر هذا الحديث عن الدار قطنى قال لهذا الحديث طرق لا يثبت منها شىء، قال الحافظ بن حجر: ولا يلزم
من هذه العمارة أن يكون موضوعاً إذ تصدق بالضعيف ، والحكم عليه بالوصع ليس بجيد ، وقال النجم وفيه زيادة عند الترمذي:
والجاهل السخى أحب إلى الله من عابد بخيل، وزاد الدارقطنى: وأدوأ الداء البخل)) أهـ .

٤١٩
( باب الجود والسخاء )
وقيل: لقى رجل من أهل ((منبج)) رجلا من أهل المدينة ، فقال : من الرجل ؟
فقال: من أهل المدينة، فقال له: لقد أتانا رجل منكم يقال له ((الحكم بن عبدالمطلب
فأغنانا . فقال له المدنى : وكيف؟ وما أتاكم إلا فى جبه صوف . فتال . ما أغنانا
مال ، ولكنه علمنا الكرم . فعاد بعضنا على بعض حتى استغنينا .
سمعت الأستاذ أبا على الدقاق يقول: لما سعى غلام الخليل(١) بالصودية إلى
الخليفة أمر بضرب أعناقهم ؛ فأما الجنيد فانه تسير بالفقه ، وكان يمنى على مذهب
((أبى ثور))، وأما الشحام، والرقام، والنورى . وجماعة ، فقبض عليهم ؛ فبسط
النطع لضرب أعناقهم .. فتقدم النورى فقال له السياف : تدرى إلى ماذا تبادر ؟ .
فقال : نعم . فقال : وما يعجلك ؟
... فقال : أوثر على أصحابى بحياة ساعة .
فتحبر السياف ، وأنهى الخبر إلى الخليفة ، فردهم إلى القاضى ؛ ليتعرف حالهم ؛
فألقى القاضى على أبى الحسين النورى مسائل فقهية ، فأجابه الكل ، ثم أخذ يقول :
وبعد؛ فان لله عباداً إذا قاموا قاموا باللّه، وإذا نطقوا نطقوا بالله، وسرد ألفاظاً
أبكى بها القاضى فأرسل القاضى إلى الخليفة، وقال: إن كان هؤلاء زنادقة . فما على
وجه الأرض مسلم .
وقيل : كان على بن الفضيل (٢) يشترى من باعة المحلة ؛ فقيل له: لو دخلت
للسوق فاسترخصت .
فقال : هؤلاء نزلوا بقربنا رجاء منفعتنا .
وقيل : بعث رجل إلى ((جبلة))(٣) بجارية، وكان بين اصحابه، فقال: قبيح
أن اتخذها لنفسى وأنتم حضور ؛ وأكره أن أخص بهاً واحداً ، وكلكم له حق
وحرمة . وهذه لا تحتمل القسمة ، وكانوا ثمانين . فأمر لكل واحد بجارية أو وصيف.
وقيل : عطش عبيد الله بن أبى بكرة يوماً فى طريقه ، فاستمفى من منزل
امراة ، فأخرجت له كوزاً ، وقامت خلف الباب ، وقالت : تنحوا عن الباب ،
وليأخذه بعض غلمانكم ، فانى امرأة من العرب : مات خادمى منذ أيام ، فشرب
عبيد اللّه الماء . وقال لغلامه: احمل إليها عشرة آلاف درهم. فقالت : سبحان الله
٠
(١) ابن أحمد .
(٢) ابن عياض .
(٣) اس حيم.

٤٢٠
كتاب الشعب ( الرسالة الفشيرية للامام الفشيرى )
تسخر بى؟ . فقال: احمل إليها عشرين ألف درهم . فقالت : اسأل الله تعالى
العافية . فقال : يا غلام احمل إليها ثلاثين ألف درهم ، فردت الباب وقالت : أف لك.
فحمل إليها ثلاثين ألف درهم ، فأخذتها فما أمست حتى كثر خطاها .
وقيل : الجود : إجابة الخاطر الأول :
سمعت بعض أصحاب أبى الحسن البوشنجى ، رحمه الله ، يقول : كان
أبو الحسن البوشنجى فى الخلاء ، فدعا تلميذاً له ، وقال له : انزع عنى هذا القميص ،
وادفعه إلى فلان ؛ فقيل له : هلا صبرت حتى تخرج من الخلاء؟ فقال : لم آمن
على نفسى أن يتغير على ما وقع لى من التخلف منه بذلك القميص .
وقيل لقيس بن سعد بن عبادة : هل رأيت أحداً أسخى منك ؟ فقال له : نعم ،
نزلنا بالبادية على امرأة ، فحضر زوجها ، فقالت له : إنه نزل بك ضيفان ، فجاء
بناقة ونحرها ، وقال : شأنكم بها ..
فلما كان بالغد جاء بأخرى ونحرها ، وقال : شانكم بها ، فقلنا : ما أكلنا من
التى نحرت لنا البارحة إلا اليسير ..
فقال : إنى لاأطعم أضيافى الغاب (١) . فبقينا عنده يومين أو ثلاثة، والسماء تمطر،
وهو يفعل كذلك ..
فلما أردنا الرحيل وضعنا له مائة دينار فى بيته ، وقلنا للمرآة : اعتذرى لنا إليه ..
ومضينا ، فلما متع (٢) النهار إذا نحن برجل يصيح خلفنا : قفوا أيها الركب اللئام:
أعطيتمونى ثمن قراى ... ثم إنه لحقنا وقال : لنأخذنه ، وإلا طعنتكم برمحى هذا .
فأخذناه وانصرف ، فأنشأ يقول .
وإذا أخذت ثواب ما أعطيته فكفى بذاك لنائل تكديرا ..
سمعت الشيخ أباعبد الرحمن السلمى ، رحمه الله يقول : دخل أبو عبد الله
الروزبارى دار بعض أصحابه ، فوجده غائباً ، وباب بيت له مقفل ، فقال :.
صوفى وله باب بيت مقفل . .ا اكسروا القفل ، فكسروا القفل وأمر بجميع ما وجد
فى الدار والبيت ، وأنفذه إلى السوق، وباعوه، وأصلحوا وقتاً من (٣) الثمن، وقعدوا
} فى الدار .. فدخل صاحب المنزل ولم يمكنه أن يقول شيئاً .
(١) البائت .
(٣) أى واشتروا بعض حاجات لهم من النمن الذى باعوابه.
(٢) ارتفع وقوى .

٤٢١
( بات الجود والسخاء )
فدخلت امرأته بعدهم الدار ، وعليها كساء ، فدخلت بيتاً ، ورمت الكساء ،
وقالت : يا أصحابنا ، هذا أيضاً من جملة المتاع فبيعوه . فقال الزوج لها : لم تكلفت
هذا باختيارك ؟
فقالت له : اسكت ، مثل هذا الشيخ يباسطنا ، ويحكم علينا ، ويبنى لنا شىء
ندخره عنه ؟ .
وقال بشر بن الحارث : النظر إلى البخيل يقسى القلب .
وقيل مرض قيس بن سعد بن عبادة ، فاستبطأ إخوانه . فسأل عنهم ، فقيل له :
إنهم يستحيون مما لك عليهم من الدين ؛ فقال : أخزى الله مالا يمنع الإخوان من
الزيارة .. ، ثم أمر من ينادى(١) من كان لقيس عليه دين فهو منه فى حل ،
فكسرت عتبته بالعشى ، لكثرة من عاده .
وقيل لعبد الله بن جعفر: إنك تبذل الكثير إذا سئلت ، وتضن فى القليل إذا
نوجزت .
فقال : إنى أبذل مالى وأضن بعقلى .
وقيل : خرج عبد الله بن جعفر إلى ضيعة له .. فنزل على نخيل قوم ، وفيها
غلام أسود يعمل فيها ؛ إذ أتى الغلام بقوته ، فدخل كلب الحائط (٢) ودنا من الغلام ،
فرمى إليه الغلام بقرص ، فأكله ، ثم رمى إليه بالثانى، والثالث، فأكله ، وعبد الله بن
جعفر ينظر إليه فقال له : ياغلام ، كم قوتك كل يوم ؟ قال : ما رأيت . قال :
فلم آثرت هذا الكلب ؟
قال : ماهى بأرض كلاب ، إنه جاء من مسافة بعيدة جائعاً ، فكرهت رده .
قال : فما أنت صانع اليوم ؟. قال له : أطوى يومى هذا . فقال عبد الله بن
جعفر : أألام على السخاء ؟ . إن هذا الأسخى منى ، فاشترى الحائط والغلام وما فيها
من آلات ، فأعتق الغلام ووهبها له .
وقيل : أتى رجل صديقاً له ، ودق عليه الباب ، فلما خرج إليه قال : لماذا
جئتنى ؟ .
(١) وفى نسخة ((مناديا)).
(٢) الحديقة التى بها النخل .

٤٢٢
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام العسيرى )
قال لأربعمائة درهم دين ركبتنى ، فدخل الدار ، ووزن له أربعمائة درهم
وأخرجها إليه ، ودخل الدار باكياً ، فقالت له امرأته : هلا تعللت حين شق عليك
الإجابة ؟ .
فقال : إنما أبكى لأنى لم أتفقد حاله حتى أحتاج إلى مفاتحى به .
وقال مطرف بن الشخير : إذا أراد أحدكم منى حاجة فليرفها فى رقعة ؟ فانى
أكره أن أرى فى وجهه ذلّ الحاجة .
٤. وقيل : أراد رجل أن يضار عبد الله بن العباس، فأتى وجوه البلد وقال لهم :
يقول لكم ابن العباس تغدوا عندى اليوم . فأتوه ، فملئوا الدار ، فقال : ما هذا ؟
فأخبر الحبر : فأمر بشراء الفواكه فى الوقت ، وأمر بالخبز ، والطبخ ، وأصلح
أمرا ، فلما فرغوا قال لوكلائه :
أموجود لنا كل يوم هذا ؟ فقالوا : نعم . فقال : فليتغد هؤلاء كلهم عندنا
كل يوم .
سمعت الشيخ أباعبد الرحمن السلمى ، رحمه الله ، يقول : كان الأستاذ
أبوسهل الصعلوكى يتوضأ يوماً فى صحن داره ، فدخل إليه إنسان وسأله شيئاً من
الدنيا ، ولم يحضره شىء . فقال : اصبر حتى أفرغ .
فصبر .. فلما فرغ قال له : خذ القمقمة واخرج . فأخذها ، وخرج ، تم صبر
حتى علم أنه بعد، فصاح وقال : دخل انسان وأخذ القمقمة. فمشوا خلفه ، فلم
يدركوه .
وإنما فعل ذلك : لأن أهل المنزل كانوا يلومونه على كترة البذل .
وسمعته يقول : وهب الأستاذ أبوسهل جبته من إنسان فى الشتاء ، وكان يلبس
جبة النساء حين يخرج إلى التدريس ، إذ لم تكن له جبة أخرى ، فقدم الوفد
المعروفون من فارس ، فيهم من كل نوع : إمام من الفقهاء ، والمتكلمين ، والنحويين،
فأرسل إليه صاحب الجيش أبوالحسن وأمره بأن يركب للاستقبالّ فليس دراعة
فوق تلك الجبة التى للنساء ، وركب ، فقال صاحب الجيش : إنه يستخف بى أمام
البلد: يركب فى جبة النساء .. ثم إنه ناظرهم أجمعين فظهر كلامه على كلام جميعهم
فى كل فن .
وسمعته يقول : لم يناول الأستاذ أبو سهل أحداً شيئاً بيده ، وكان يطرحه على

٤٢٣
( باب الجود والسخاء )
الأرض ليأخذه الآخذ من الأرض ، وكان يقول ؛ الدنيا أقل خطراً من أن أرى
لأجلها یدی فوق ید أحد .
وقد قال صلى الله عليه وسلم: ((اليد العليا خير من اليد السفلى)) (١).
وقيل : كان أبو مرتد ، رحمه اللّه ، أحد الكرام ، فمدحه بعض الشعراء ،
فقال : ماعندى ما أعطيك ، ولكن قدمنى إلى القاضى ، وادع على عشرة آلاف
درهم ، حتى أقر لك بها ، تم أحبسنى ، فان أهلى لا يتركونى مسجوناً ، ففعل ذلك ،
فلم يمس حتى دفع إليه عشرة آلاف درهم ، وخرج من السجن .
وقيل : سأل رجل الحسن بن على بن أبى طالب ، رضى الله عنه ، شيئاً فأعطاه
خمسين ألف درهم وخمسمائة دينار ، وقال : ائت بحمال يحمله لك . فأنى بحمال
فأعطاه ((طيلسانه)) وقال : يكون كراء الحمال من قبلى .
وسألت امرأة الليث بن سعد ((سكرجةٍ)) عسل ، فأمر لها بزق من عسل فقيل
له فى ذلك ، فقال : إنها سألت على قدر حاجتها ، ونحن نعطيها على قدر نعمنا .
وقال بعضهم : صليت فى مسجد الأشعث بالكوفة الصبح أطلب غريماً لى ،
هلما سلمت وضع بین یدی کل واحد حلة ونعلین(٢) . وکذلك وضع بین یدی،
- فقلت : ماهذا ؟
فقالوا : إن الأشعث قدم من مكة ، فأمر بهذا لأهل جماعة مسجده .
فقلت : إنما جئت أطلب غريماً لى ، ولست من جماعته .
فقالوا : هو لكل من حضر .
وقيل : لما قربت وفاة الشافعى ، رضى الله تعالى عنه ، قال : مروا فلانا
يغسلنى .
وكان الرجل غائباً .. فلما قدم أخبر بذلك ، فدعا بتذكرته (٣). فوجد عليه
سبعين ألف درهم ديناً ، فقضاها ، وقال : هذا غسلى إياه .
وقيل: لما قدم الشافعى من ((صنعاء)) إلى مكة كان معه عشرة آلاف دينار ،
فقيل له: تشترى بها ((قنية))(٤) فضرب خيمته خارج مكة ، وصب الدنانير ، فكل
(١) حديث صحيح وتمامه وأبدأ بمن تعول أخرجه أحمد فى مسنده والطبرانى فى المعجم الكبير عن ابن عمر.
(٢) وفى نسخة ((ونعلان)) وهى الأصوب.
(٤) أى شيئاً ي يقتنى .
(٣) أى بدفتر الشافعى.

٢٢٤
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى )
من دخل عليه كان يعطيه قبضة قبضة ، فلما جاء وقت الظهر قام ونفض الثوب ولم
يبق شىء .
وقيل : خرج السرى يوم عيد ، فاستقبله رجل كبير الشأن ، فسلم السرى عليه
سلاماً ناقصاً . فقيل له : هذا رجل كبير الشأن . فقال : قد عرفته ، ولكن روى
مسنداً : أنه إذا التقى المسلمان قسمت بينهما مائة رحمة : تسعون لأبشهما ، فأردت
أن يكون معه الأكثر .
وقيل : بكى أمير المؤمنين على بن أبى طالب رضى الله عنه يوماً ، فقيل له :
ما يبكيك ؟ فقال : لم يأتنى ضيف منذ سبعة أيام، وأخاف أن يكون الله تعالى قد
أهانى .
وروى عن أنس بن مالك ، رضى الله عنه ، أنه قال : زكاة (١) الدار أن يتخذ .
فيها بيت للضيافة .
وقيل فى قوله تعالى: هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين .. )) (٢) قيل قيامه
عليهم بنفسه ، وقيل : لأن ضيف الكريم كريم .
وقال إبراهيم بن الجنيد: كان يقال : أربعة لا ينبغى للشريف أن يأنف منهن ،
وإن كان أميراً : قيامه من مجلسه لأبيه ، وخدمته لضيفه ، وخدمته لعالم يتعلم منه ،
والسؤال عماً لم يعلم .
وقال ابن عباس رضى الله عنهما فى قوله تعالى: (( ليس عليكم جناح أن تأكلوا
جميعاً أو أشتاتاً))(٣) : إنهم كانوا يتحرجون فى أن يأكل أحدهم وحده ؛ فرخص
لهم فى ذلك .
وقيل : أضاف ((عبد الله بن عامر بن كريز)) رجلا ، فأحسن قراه ، فلما أراد
الرجل أن يرتحل عنه لم يعنه غلمانه ، فقيل له فى ذلك. فقال عبد الله: إنهم لا يعينون
من يرتحل عنا .
أنشد عبد الله بن باكوية الصوفى قال : أنشدنا المتنبى فى معناه :
أن لايفارقهم فالراحلون هم
إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا
(١) أى بركتها ونموها.
(٢) آية ٢٤ من سورة الذاريات.
(٣) آية ٦١ من سورة النور .

٤٢٥
( بات الجود والسخاء )
وقال عبد الله بن المبارك : سخاء النفس عما فى أيدى الاس أفضل من سخاء
النفس بالبذل .
وقال بعضهم : دخلت على بشر بن الحارت فى يوم شديد البرد وقد تعرى من
الثياب وهو ينتفض ، فقلت : يا أبا نصر . الناس يزيدون فى الثياب فى مثل هذا
اليوم وأنت قد نقصت ؟ ...
فقال: ذكرت الفقراء وماهم فيه ، ولم يكن لى ما أواسهم به . فأردت أن
أرافقهم بنفسى فى مقاساة البرد .
سمعت الشيخ أباعبد الرحمن السلمى رحمه الله يقول : سمعت أبا بكر الرازى
يقول : سمعت الدقاق يقول : ليس السخاء أن يعطى الواجد المعدم . إنما السخاء
أن يعطى المعدم الواجد .

٠
الباب التاسع والثلاثون
الغيرة
يقول الشبلى : الغيرة غير تان - غيرة
البشرية على النفوس .. وغيرة الالهية
على القلوب ..

٤٢٨
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى )
باب الغيرة
قال الله تعالى: ((قل إنما حرم ربى الفواحش ماظهر منها وما بطن)) (١).
أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد بن عبدوس المزكى قال : أخبرنا أبو أحمد حمزة
ابن العباس البزاز ببغداد قال : حدثنا محمد بن غالب بن حرب قال : حدثنا عبد الله
ابن مسلم ، قال : حدثنا محمد بن الفرات ، عن إبراهيم الهجرى ، عن أبى الأحوص
عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما أحد أغير من
اللّه تعالى . ومن غيرته حرم الفواحش ماظهر منها وما بطن))(٢) .
أخبرنا على بن أحمد الأهوازى قال : أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار ، قال :
حدثنا على بن الحسن بن بنان قال : حدثنا عبد الله بن رجاء قال : أخبرنا حرب بن
شداد قال : حدثنا يحيى بن أبى كثير عن أبى سلمة : أن أباهريرة رضى الله عنه،
حدثهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله يغار، وإن المؤمن يغار ،
وغيرة الله تعالى: أن يأتى العبد المؤمن ماحرم الله عليه)) (٣).
والغيرة : كراهية مشاركة الغير ، وإذا وصف الله سبحانه بالغيرة ، فمعناه :
أنه لايرضى بمشاركة الغير معه فيما هو حق له تعالى من طاعة عبده له .
حكى عن السرى السقطى: أنه قرىء بين يديه: ((وإذا قرأت القرآن جعلنا
بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستوراً)) (٤). فقال السرى لأصحابه:
أتدرون ماهذا الحجاب؟ . هذا حجاب الغيرة . ولا أحد أغير من الله تعالى .
ومعنى قوله: ((هذا حجاب الغيرة)) يعنى : أنه لم يجعل الكافرين أهلا لمعرفة
صدق الدين .
وكان الأستاذ أبو على الدقاق ، رحمه الله : يقول : إن أصحاب الكسل عن
عبادته تعالى هم الذين ربط الحق بأقدامهم مثقلة الحذلان (٥) ، فاختار لهم البعد عنه ،
وآخرهم عن محل القرب ؛ ولذلك تأخروا .
(١) آية ٢٣ من سورة الأعراف.
(٢) وروى بحوه عن عائشة فيما أخرحه البخارى: عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ماأحد أغير من الله أن يرى عنده
أو أمته تزنى، ياأمة محمد لو تعلمون ما أعلم اصحكم قلبلا ولبكيتم كثيراً)).
(٣) والمراد بالغيرة هنا عدم الرضا والحديث أخرجه أحمد فى مسنده والبخارى ومسلم فى صحيحيهما، والترمددى وقال
حديث صحيح .
(٤) آية ٤٥ من سورة الإسراء.
(٥) والمعنى كما قاله الإمام العروسى يعنى ربط أقدامهم بمقتلات الخذلان عن العبادة بحيث يتمنونها ولا يجدون عليها عوناً.

٤٢٩
( باب الغيرة )
وأنشدوا :
ما احتيالى لسوء رأى الموالى
أنا صب لمن هويت ولكن
وفى معناه أيضاً قالوا : سقيم ليس يعاد . ومريد ولا يراد .
سمعت الأستاذ أبا على ، رحمه الله ، يقول : سمعت العباس الزوزنى يقول :
كان لى بداية حسنة ... وكنت أعرف كم بقى بينى وبين الوصول إلى مقصودى
من الظفر بمرادى ، فرأيت ليلة من الليالى فى المنام كأنى أتدهده(١) من حالق
جبل ، فأردت الوصول إلى ذروته . قال : فحزنت ، فأخذنى النوم فرأيت قائلا
يقول : ياعباس ، الحق لم يرد منك أن تصل إلى ما كنت تطلب ، ولكنه فتح على
لسانك الحكمة ، قال : فأصبحت وقد ألهمت كلمات الحكمة .
وسمعت الأستاذ أباعلى ، رحمه الله ، يقول : كان شيخ من الشيوخ له حال
ووقت مع الله ، فخفى مدة لم ير بين الفقراء ، ثم إنه ظهر بعد ذلك لاعلى ما كان
عليه من الوقت . فسئل عنه فقال : آه . وقع حجاب .
وكان الأستاذ أبو على ، رحمه الله تعالى ؛ إذا وقع شىء فى خلال المجلس
يشوش قلوب الحاضرين يقول : هذا من غيرة الحق سبحانه ، يريد أن لايجرى
عليهم ما يجرى من صفاء هذا الوقت .
وأنشدوا فى معناه :
همت باتياننا حتى إذا نظرت إلى المرآة نهاها وجهها الحسن
وقيل لبعضهم : تريد أن تراه ؟ فقال : لا ، فقيل : لم ؟
فقال : أنزه ذلك الجمال عن نظر مثلى .
وفى معناه أنشدوا :
إنى لأحسد ناظرى عليكا حتى أغض إذا نظرت إليكا
هى فتنتى فأغار منك عليكا
وأراك تخطر فى شائلك التى
وسئل الشبلى: متى تستريح؟(٢) فقال: إذا لم أر له ذاكراً .
سمعت الأستاذ أباعلى ، رحمه الله ، يقول فى قول النبى صلى الله عليه وسلم
فى مبايعته فرساً من أعرابى ، وأنه استقاله فأقاله ، فقال الأعرابى : عمرك الله تعالى،
ممن أنت ؟
(١) أتدحرج.
(٢) أى من الغيرة .

٤٣٠
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى )
-
فقال له النبي صلى اللّه عليه وسلم : امرؤ من قريش.
فقال بعض أصحابه من الحاضرين للأعرابى : كفاك جفاء أن لا تعرف نبيك .
وكان رحمه اللّه يقول : إنما قال امرؤ من قريش غيرة ، وإلا كان واجباً
عليه التعرف إلى كل أحد : أنه من هو ؟ .. ثم إن اللّه ؛ سبحانه ، أجرى على لسان
ذلك الصحابى التعريف للأعرابى بقوله : كفاك جفاء أن لاتعرف نبيك ..
ومن الناس من قال : إن الغيرة من صفات أهل البداية ، وإن الموحد لا يشهد الغيرة،
ولا يتصف بالاختيار ، وليس لّه فيما يجرى فى المملكة تحكم ، بل الحق سبحانه ،
أولى بالأشياء فيما يقضى على ما يقضى .
سمعت الشيخ أباعبد الرحمن السلمى ، رحمه الله ، يقول : سمعت أباعثمان
المغربى يقول : الغيرة عمل المريدين ، فأما أهل الحقائق فلا .
وسمعته يقول : سمعت أبانصر الأصبهانى يقول : سمعت الشبلى يقول : الغيرة
غيرتان : غيرة البشرية على النفوس ، وغيرة الإلهية على القلوب .
وقال الشبلى أيضاً : غيرة الإلهية على الأنفاس أن تضيع فيما سوى الله تعالى ،
والواجب أن يقال : الغيرة غيرتان :
غيرة الحق ، سبحانه ، على العبد : وهو أن لا يجعله للخلق ، فيضن به عليهم
وغيرة العبد للحق ، وهو أن لايجعل شيئاً من أحواله وأنفاسه لغير الحق تعالى
فلا يقال : أنا أغار على الله تعالى، ولكن يقال: أنا أغار لله، فاذن الغيرة على الله
تعالى جهل ، وربما تؤدى إلى ترك الدين ؛ والغيرة لله توجب تعظيم حقوقه وتصفية
الأعمال له .
واعلموا أن من سنة الحق ، تعالى ، مع أوليائه : أنهم إذا ساكنوا غيراً ،
أو لاحظوا شيئاً ، أوضاجعوا بقلوبهم شيئاً ، شوش عليهم ذلك ، فيغار على قلوبهم
بأن يعيدها خالصة لنفسه ، فارغة عما ساكنوه أو لاحظوه أو ضاجعوه ، كآدم ،
عليه السلام ، لما وطن نفسه على الخلود فى الجنة أخرجه منها .
وإبراهيم ، عليه السلام ، لما أعجبه إسماعيل ، عليه السلام ، أمره بذبحه حتى
أخرجه من قلبه ((فلما أسلما وتله للجبين))(١) وصفا سره منه أمره بالفداء عنه .
(١) آية ١٣ من سورة الصافات.

٤٣١
( باب الغيرة )
سمعت الشيخ أباعبد الرحمن السلمى ، رحمه الله ، يقول : سمعت أبا زيد
المروزى ، رحمه الله ، يقول : سمعت إبراهيم بن شيبان يقول . سمعت محمد بن
حسان يقول : بينا أنا أدور فى جبل لبنان ، إذ خرج علينا رجل شاب قد أحرقته
السموم(١) والرياح ؛ فلما نظر إلى ولى هارباً ، فتبعته ، وقلت له تعظى بكلمة ؟
فقال لى : احذر ، فانه غيور ، لا يحب أن يرى فى قلب عبده سواه .
سمعت الشيخ أباعبد الرحمن ، رحمه الله ، يقول : قال النصر اباذى : الحق
تعالى غيور ، ومن غيرته : أنه لم يجعل إليه طريقاً سواه .
وقيل : أوحى الله ، سبحانه، إلى بعض أنبيائه: أن لفلان إلى حاجة ، ولى
أيضاً إليه حاجة ، فان قضى حاجتى قضيت حاجته ؛ فقال ذلك النبى ، عليه السلام
فى مناجاته : إلهى ؛ كيف يكون لك حاجة ؟ فقال : إنه ساكن بقلبه غيرى فليفرغ
قلبه عنه أقض حاجته .
وقيل : إن أبا يزيد البسطامى رأى جماعة من الحور العين فى منامه .. فنظر
إليهن ، فسلب وقته أياماً ، ثم إنه رأى فى منامه جماعة منهن ، فلم يلتفت إليهن وقال :
إنكن شواغل .
وقيل : مرضت رابعة العدوية ، فقيل لها : ماسبب علتك ؟
فقالت : نظرت بقلبى إلى الجنة فأدبى ، فله العتبى ، لا أعود .
ويحكى عن السرى أنه قال : كنت أطلب رجلا صديقاً لى مدة من الأوقات
فررت فى بعض الجبال ، فاذا أنا بجماعة زمنى وعميان ومرضى ، فسألت عن
حالهم ، فقالوا : هاهنا رجل يخرج فى السنة مرة يدعو لهم فيجدون الشفاء ، فصبرت
حتى خرج .. ودعا لهم فوجدوا الشفاء ، فقفوت أثره وتعلقت به ، وقلت له :
بى علة باطنة .. فما دواؤها ؟
فقال : يا سرى ، خل عنى ، فانه - تعالى - غيور لايراك تساكن غيره فتسقط
من عينه .
قال الأستاذ : ومنهم من غيرته ، حين يرى الناس يذكرونه ، تعالى بالغفلة
فلا يمكنه رؤية ذلك وتشق عليه .
هو
(١) الريح الحارة .

٤٣٢
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى )
سمعت الأستاذ أباعلى الدقاق ، رحمه الله ، يقول : لما دخل الأعرابى مسجد
رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبال فيه (١)، وتبادر إليه الصحابة لإخراجه،
قال ، رحمه الله، إنما أساء الأعرابى الأدب، ولكن الخجل وقع على أصحابه ،
والمشقة حصلت لهم حين رأوا من وضع حشمته ، كذلك العبد إذا عرف جلال
قدره ، سبحانه يشق عليه سماع ذكر من يذكره بالغفلة ، وطاعة من لايعبده
بالحرمة .
حكى أن أبا بكر الشبلى مات له ابن كان اسمه ((أبا الحسن)) فجزعت أمه
عليه ، وقطعت شعر رأسها ، فدخل الشبلى الحمام وتنور (٢) بلحيته ، فكل من أتاه
معزياً قال : ماهذا يا أبا بكر ؟
فكان يقول : موافقة الأهلى .
فقال له بعضهم : أخبرنى يا أبا بكر لم فعلت هذا ؟
فقال : علمت أنهم يعزوننى على الغفلة (٣)، ويقولون: آجرك اللّه تعالى،
ففديت ذكرهم لله تعالى بالغفلة (٤) للحيتى .
وسمع النورى رجلا يؤذن ، فقال(٥): طعنة وسم الموت ، وسمع كلباً ينبح
فقال : لبيك وسعديك . فقيل له : إن هذا ترك للدين .. فانه يقول للمؤمن فى تشهده
طعنة وسم الموت، ويلبى عند نباح الكلاب ، فسئل عن ذلك فقال أما ذلك فكان
ذكره الله على رأس الغفلة، وأما الكلب فقال تعالى :
((وإن من شيء إلا يسبح بحمده))(٦).
وأذن الشبلى مرة ، فلما انتهى إلى الشهادتين قال : لولا أنك أمرتنى ماذكرت
معك غيرك .
٠٠
وسمع رجل رجلا يقول : جل الله . فقال له : أحب أن تجله عن هذا .
(١) أخرج البخارى فى صحيحه عن أنس بن مالك أن البى صلى الله عليه وسلم رأى أعرابياً سل فى المسجد ففال. دعوه
حتى إدا فرع دعا بماء يعد علمه وفيما رواه أبو هريرة قال: قام أعرابى فال فى المسجد فتار له الاس فعال لهم النبى صلى الله عليه
وسلم . دعوه وشردوا على موك سجلا من ماء أو ذفرداً من ماء فانما بعتم ميسرين، ولم تبعوا معسرين، أحرجا البحارى.
(٢) أى أنه حلتها
(٣) أى وهم غافلون عن نعطم الله .
(٤) أى مع العملة .
(٥) داعياً علبه .
(٦) آية ٤٤ من سروة الاسراء.

٤٣٣
( باب الفسيرة )
سمعت بعض الفقراء يقول : سمعت أبا الحسن الخز فانى رحمه الله يقول :
لا إله إلا الله من داخل القلب (١). محمد رسول الله من القرط (٢) ومن نظر إلى ظاهر
هذا اللفظ توهم أنه استصغر الشرع . ولاكما يخطر بالبال ، إذ الإخطار للأغيار
بالإضافة إلى قدر الحق سبحانه متصاغرة فى التحقيق (٣).
(١) أى يقولها من يقولها من داخل قلبه .
(٢) والدى يقول محمد رسول الله يقولها من خلف القرط: أى بغير اختيار - والقرط ( بضم القاف وإسكان الراء) هو
ما يعلق فى شحمة الأذن .
(٣) وقد عقب شيخ الإسلام زكريا الأنصارى على هذا التأويل بقوله ((وإذا كان التأويل محتملا إلا أن بشاعة هذا القول وشناعته
وقبح ظاهره لا يخفى على من له أدنى ذوق فى طريق الأدب ، لأن تعظيم رسل الله بأمر الله تعظيم الله.

الباب الأربعون
الولاية
قال أبو تراب الخشبى : إذا ألف
القلب الاعراض عن الله صحبته
الوقيعة فى أولياء الله تعالى ..

٤٣٦
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى )
باب الولاية
قال الله تعالى: ((ألا إن أولياء الله لاخوف عليهم ولاهم يحزنون))(١).
أخبرنا حمزة بن يوسف السهمى ، رحمه الله، قال: حدثنا عبد الله بن عدى
الحافظ ، قال : حدثنا أبو بكر محمد بن هارون بن حميد ، قال : حدثنا محمد بن
هارون المقرى قال : حدتنا حماد الخياط ، عن عبد الواحد بن ميمون مولى عروة ،
عن عروة، عن عائشة، رضى الله عنها، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((يقول
اللّه تعالى: من آذى ولياً فقد استحل محاربتى ، وما تقرب إلى العبد مثل أداء ما افترضت
عليه ، وما يزال العبد يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه ، وما ترددت فى شىء أنا
فاعله كترددى فى قبض روح عبدى المؤمن ؛ لأنه بكره الموت وأكره مساءته
ولا بد له منه(٢) .
الولى: له معنيان: أحدهما : فعيل بمعنى مفعول، وهو ٦ من يتولى اللّه سبحانه
أمره؛ قال الله تعالى: ((وهو يتولى الصالحين)) (٣) فلا يكله إلى نفسه لحظة ، بل يتولى
الحق ، سبحانه ، رعايته .
والثانى : فعيل مبالغة من الفاعل، وهو الذى يتولى عبادة الله وطاعته،
فعبادته تجرى على التوالى ، من غير أن يتخللها عصيان .
وكلا الوصفين واجب (٤) حتى يكون الولى وليا: يجب قيامه بحقوق اللّه تعالى
على الاستقصاء والاستيفاء ، ودوام حفظ الله تعالى إياه فى السراء والضراء .
ومن شرط الولى: أن يكون محفوظاً ، كما أن من شرط النبى أن يكون معصوماً ،
فكل من كان للشرع عليه اعتراض فهو مغرور مخدوع .
سمعت الأستاذ أبا على الدقاق رحمه اللّه ، يقول : قصد أبو يزيد البسطامى
بعض من وصف بالولاية ، فلما وافى مسجده قعد ينتظر خروجه ، فخرج الرجل،
(١) أية ٦٢ من سورة يونس .
(٢) وروى: ما تقرب إلى عدى شىء أحب إلى مما أفترضته عليه، ولا يزال عبدى يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه، فاذا
أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الدى ببصر به ويده التى يبطش بها ورجله التى مشى عليها ولئن سألنى لأعطيته ولئن
استعاذفى لأعذته وما ترددت فى شى ء أنا فاعله أنظر الجامع الصغير ورياض الصالحين باب المجاهدة . . الخ .
(٣) من آية ١٩٦ من سورة الأعراف
(٤) أى وكلا المعنيين واجب تحققه

٤٣٧
( باب الولاية )
وتنخم فى المسجد ، فانصرف أبو يزيد ولم يسلم عليه ، وقال : هذا رجل غير مأمون
على أدب من آداب الشريعة ، فكيف يكون أميناً على أسرار الحق ؟ .
واختلفوا فى أن الولى : هل يجوز أن يعلم أنه ولى ، أم لا ؟
فمنهم من قال : لايجوز ذلك ؛ وقال : إن الولى يلاحظ نفسه بعين التصغير ،
وإن ظهر عليه شىء من الكرامات خاف أن يكون مكراً ، وهو يستشعر الخوف
دائماً أبداً ؛ لخوف سقوطه عما هو فيه ، وأن تكون عاقبته بخلاف حاله ، وهؤلاء
يجعلون من شرط الولاية : وفاء المآل .
وقد ورد فى هذا الباب حكايات كثيرة عن الشيوخ ، وإليه ذهب من شيوخ
هذه الطائفة جماعة لا يحصون ، و لو اشتغلنا بذ کر ما قالوا لخرجنا عن حدالاختصار،
وإلى هذا كان يذهب من شيوخنا الذين لقيناهم الإمام أبو بكر بن فورك ، رحمه
الله .
ومنهم من قال : يجوز أن يعلم الولى أنه ولى ، وليس من شرط تحقيق الولاية
فى الحال الوفاء فى المآل .
ثم إن كان ذلك من(١) شرطه أيضاً فيجوز أن يكون هذا الولى خص بكرامة
هى: تعريف الحق إياه أنه مأمون العاقبة ؛ إذ القول بجواز كرامات الأولياء واجب ،
وهو وإن قارفه(٢) خوف العاقبة ، فما هو عليه من الهيبة والتعظيم والإجلال فى الحال
أتم وأشد ؛ فان اليسير من التعظيم والهيبة أهد للقلوب من كثير من الخوف .
ولما قال صلى الله عليه وسلم: ((عشرة فى الجنة من أصحابى))، فالعشرة -
لا محالة - صدقوا الرسول صلى الله عليه وسلم وعرفوا سلامة عاقبتهم، ثم لم يقدح
ذلك فى حالهم .
ولأن من شرط صحة المعرفة بالنبوة : الوقوف على حد المعجزة ، ويدخل
فى جملته العلم بحقيقة الكرامات ، فاذا رأى الكرامات ظاهرة عليه لا يمكنه أن
لا يميز بينها وبين غيرها ، فاذا رأى شيئاً من ذلك علم أنه فى الحال على الحق .
ثم يجوز أن يعرف أنه فى المآل يبقى على هذه الحالة ، ويكون هذا التعريف كرامة
له . والقول بكرامات الأولياء صحيح .
(١) أى الوفاء فى المآل .
(٢) أى خالطه .

٤٣٨
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى )
وكثير من حكايات القوم يدل على ذلك ( كما نذكر طرفاً من ذلك فى باب
كرامات الأولياء إن شاء الله تعالى) .
وإلى هذا القول كان يذهب من شيوخنا الذين لقيناهم ، الأستاذ أبو على الدقاق ،
رحمه الله .
وقيل : إن إبراهيم بن أدهم قال لرجل : أتحب أن تكون اللّه ولياً ؟ فقال:
نعم ، فقال : لا ترغب فى شىء من الدنيا والآخرة ؛ وفرغ نفسك لله تعالى، وأقبل
بوجهك عليه ليقبل عليك ويواليك .
وقل يحيى بن معاذ فى صفة الأولياء : هم عباد تسربلوا بالأنس بالله تعالى
بعد المكابدة ، واعتنقوا الروح(١) بعد المجاهدة ، بوصولهم إلى مقام الولاية .
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى ، رحمه الله ، يقول : سمعت منصور بن
عبد الله يقول : سمعت عمى السطانى يقول : سمعت أبى يقول : سمعت أبا يزيد
يقول : أولياء الله تعالى عرائس الله ... ولا يرى العرائس إلا المحرومون .. وهم
مخدرون (٢) عنده فى حجاف الأنس ، لا يراهم أحد فى الدنيا ولا فى الآخرة .
سمعت أبا بكر الصيدلانى - كان رجلا صالحاً - قال : كنت أصلح اللوح
فى قبر ((أبى بكر الطمستانى)) أنقر فيه اسمه فى مقبرة ((الحيرة)) كثيراً، وكان يقلع
ذلك اللوح ويسرق .. ولم يقع مثله فى غيره من القبور ، فكنت أتعجب منه ،
فسألت أبا على الدقاق ، رحمه الله، يوماً عن ذلك فقال: إن ذلك الشيخ آثر الخفاء
فى الدنيا ، وأنت تريد أن تشهر قبره باللوح الذى تصلحه فيه ، وإن الحق سبحانه
يأبى إلا إخفاء قبره ، كما آثر هو ستر نفسه .
وقال أبوعثمان المغربى : الولى قد يكون مشهوراً ، ولكن لايكون مفتوناً ..
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى ، رحمه الله ، يقول : سمعت النصر اباذى
يقول : ليس للأولياء سؤال ؛ إنما هو الذبول والخمول .
قال : وسمعته يقول : نهايات الأولياء بدايات الأنبياء .
(١) أى الراحة والنعيم .
(٢) أى وعرائس الله محجوبون .

٤٣٩
( باب الولاية )
وقال سهل بن عبد اللّه: الولى: هو الذى توالت أفعاله على الموافقة.
وقال يحيى بن معاذ : الولى لإيرانى ، ولا ينافق ، وما أقل صديق من كان
هذا خلقه . .
وقال أبو على الجوزجانى : الولى هو الفات فى حاله ، الباقى فى مشاهدة الحق
سبحانه ، تولى الله سياسته فتوالت عليه أنوار التولى ، لم يكن له عن نفسه إخبار
ولا مع غير الله قرار .
وقال أبو يزيد : حظوظ الأولياء مع تباينها من أربعة أسماء ، وقيام كل فريق
منهم باسم : وهو : الأول ، والآخر ، والظاهر ، والباطن ، فمتى فتى عنها بعد
ملابستها فهو الكامل التام، فمن كان حظه من اسمه تعالى ((الظاهر)) لاحظ عجائب
قدرته ومن كان حظه من اسمه ((الباطن)) لاحظ ماجرى فى السرائر من أنواره.
ومن كان حظه من اسمه ((الأول)) كان شغله ما سبق ، ومن كان حظه من اسمه
((الآخر)) كان مرتبطاً بما يستقبله ، وكل كوشف على قدر طاقته إلا من تولاه
الحق ، سبحانه بيره ، وقام عنه بنفسه :
وهذا الذى قاله أبو يزيد يشير إلى أن الخواص من عباده ارتقوا عن هذه
الأقسام ، فلا العواقب هم فى ذكرها ، ولا السوابق هم فى فكرها ، ولا الطوارق
هم فى أسرها ... وكذا أصحاب الحقائق يكونون محوراً عن نعوت الخلائق كما
قال الله تعالى ((وتحسبهم ايقاظا وهم رقود))(١)
وقال يحيى بن معاذ: الولى ريحان الله ، تعالى، فى الأرض ، يشمه الصديقون
فتصل رائحته إلى قلوبهم فيشتاقون به إلى مولاهم ، ويزدادون عبادة على تفاوت
أخلاقهم .
وسئل الواسطى : كيف يغذى(٢) الولى فى ولايته ؟ فقال : فى بدايته بعبادته وفى
كهولته بستره بلطافته ، تم يجذبه إلى ما سبق له من نعوته وصفاته ، ثم يذيقه طعم
قيامه به فى أوقاته .
وقيل : علامة الولى ثلاثة : شغله باللّه ، وفراره إلى اللّه، وهمه إلى الله.
(١) آية ١٨ من سورة الكهف .
(٢) أى يربى .