Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨٩
( باب القناعة )
وقال أبو بكر المراغى : العاقل من دبر امر الدنيا بالقناعة والتسويف وأمر
الآخرة بالحرص والتعجيل ، وأمر الدين بالعلم والاجتهاد .
وقال أبو عبد الله بن خفيف : القناعة : ترك التشوف إلى المفقود ، والاستغناء
بالموجود .
وقيل فى معنى قوله تعالى: ((ليرزقهم الله رزقاً حسناً(١))) يعنى القناعة.
وقال محمد بن على الترمذى : القناعة : رضا النفس بما قسم لها من الرزق .
ويقال : القناعة : الاكتفاء بالموجود ، وزوال الطمع فيما ليس ىحاصل .
وقال وهب : إن العز والغنى خرجا يجولان ، يطلبان رفيقا ؛ فلقيا القناعة ،
فاستقرا .
وقيل : من كانت قناعته سمينة(٢) طابت له كل مرقة (٣) ومن رجع إلى الله
تعالى على كل حال رزقه الله القناعة (٤).
وقيل : مر أبو حازم نقصاب معه لحم سمين ، فقال : خذ يا أبا حازم فانه
سمين . فقال : ليس معی درهم .
فقال : أنا أنظرك . فقال : نفسى أحسن نظرة(٥) لى منك .
وقيل لبعضهم : من أقنع الناس ؟
فقال : أكثرهم للناس معونة ، وأقلهم عليهم مؤونة .
وفى الزبور : القانع غنى وإن كان جائعاً .
وقيل : وضع اللّه تعالى خمسة أشياء فى خمسة مواضع :
العز فى الطاعة ، والذل فى المعصية ، والهيبة فى قيام الليل ، والحكمة فى البطن
الخالى ، والغنى فى القناعة .
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى ، رحمه الله ؛ يقول : سمعت نصر بن
(١) آية ٥٨ من سورة الحج .
(٢) أى غزيرة كثيرة .
(٣) أى رضى بالقليل المتيسر.
(٤) وهذه العبارة من قوله: ومن رجع .. ساقطة فى بعض النسخ .
(٥) أى تاخيراً وصبراً.

٢٩٠
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى )
محمد يقول : سمعت سليمان بن أبى سليمان يقول: سمعت أبا القاسم بن أبى نزار يقول:
سمعت إبراهيم المارستانى تقول :
انتقم من حرصك بالقناعة ، كما تنتقم من عدوك بالقصاص .
وقال ذو النون المصرى: من قنع استراح من أهل زمانه ، واستطال على أقرانه .
وقيل : من قنع استراح من الشغل . واستطال على الكل .
وقال الكتانى : من باع الحرص بالقناعة ظفر بالعز والمروءة .
وقيل : من تبعت عيناه مافى أيدى الناس طال حزنه .
وأنشدوا :
وأحسن بالفتى من يوم عار ينال به الغنى كرم وجوع
وقيل : رأى رجل حكما يأكل ما تساقط من البقل على رأس ماء ، فقال:
لوخدمت السلطان لم تحتج إلى أكل هذا .
فقال الحكيم : وأنت لو قنعت بهذا لم تحتج إلى خدمة السلطان .
وقيل: ((العقاب (١) عزيز فى مطاره، لا يسمو إليه طرف (٢) صياد. ولاطعمه،
فاذا طمع فى جيفة علقت على حبالة (٣)، نزل من مطاره ، فتعلق فى حماله(٤)).
وقيل : لما نطق موسى عليه السلام، بذكر الطمع، فقال: ((لو شئت لا تخذت
عليه أجراً))(٥) .
قال الخضر له : ((هذا فراق بينى وبينك)).
وقيل : لما قال ذلك موسى عليه السلام وقف بين يدى موسى والخضر ،
عليهما السلام ظبى وكانا جائعين ، الجانب الذى على موسى عليه السلام غير مشوى ،
والجانب الذى بلى الخضر مشوى .
وقيل فى قوله تعالى: ((إن الأبرار لفى نعيم)) (٦): هو القناعة فى الدنيا، ((وإن
الفجار لفى جحيم))(٧) هو : الحرص على الدنيا .
(١) النسر .
(٣) شبكه يصاد بها .
(٥ ) آية ٧٧ من سورة الكهف .
(٧) آية ١٤ من سورة الإنفطار .
(٢) نظر .
٠. (٤) شباكه .
(٦) آية ١٣ من سورة الإنفطار .

٢٩١
( باب القناعة )
وقيل فى قوله تعالى: ((فك رقبة))(١) أى: فكها من ذل الطمع .
وقيل فى قوله تعالى: ((إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت)) (٢) يعنى
الدخل، والطمع. ((ويطهركم تطهيراً)) يعنى : بالسخاء والإيثار.
وقيل فى قوله تعالى: ((هب لى ملكاً لا ينبغى لأحد من بعدى)) (٣) أى: مقاماً فى
القناعة انفرد به من أشكالى ، وأكون راضياً فيه بقضائك .
وقيل فى قوله تعالى: ((لأعذبنه عذاباً شديداً))(٤) يعنى: لأسلبنه القناعة، ولأبتلينه
بالطمع ، يعنى : أسأل الله تعالى ، أن يفعل به ذلك .
وقيل لأبى يزيد : بم وصلت إلى ما وصلت ؟
فقال: جمعت أسباب الدنيا ، فربطتها بحبل القناعة ، ووضعتها فى ((منجنيق))
الصدق ، ورميت بها فى بحر اليأس فاسترحت .
سمعت محمد بن عبد الله الصوفى بقول: سمعت محمد بن فرحان (( بسامرة))
بقول : سمعت خالى عبد الوهاب يقول : كنت جالساً عند الجنيد ، أيام الموسم ،
وحوله جماعة كثيرون من العجم والمولدين ،
فجاءه إنسان بخمسمائة دينار ، ووضعها بين بديه، وقال :
تفرقها على هؤلاء الفقراء .
فقال : ألك غيرها ؟ فقال نعم ، لى دنانير كثيرة . فقال : أتريد غير ما تملك ؟
فقال : نعم . فقال له الجنيد: خذها ، فانك أحوج إليها منا . ولم يقبلها.
ي
(١) آية ١٣ من سورة البلد .
(٣) آية ٣٥ من سورة ص .
(٢) آية ٣٣ من سورة الأحزاب.
(٤ ) آية ٢١ من سورة النمل .

الباب الحادى والعشرون
التوكل
علامة المتوكل ثلاث ..
لا يسأل .. ولا يرد ..
ولا يحبس ٠٠٠٠٠ !

٢٩٤
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى )
باب التوكل
قال الله عز وجل: ((ومن يتوكل على الله فهو حسبه))(١).
وقال: ((وعلى الله فليتوكل المؤمنون)) (٢).
وقال: ((وعلى اللّه فتوكلوا إن كنتم مؤمنين: (٣).
أخبرنا الإمام أبو بكر محمد بن الحسن بن فورك ، قال : أخبرنا عبد الله بن أحمد
الأصهانى قال : حدثنا يونس بن حبيب بن عبد القاهر قال : حدثنا أبو داود الطيالسى
قال : حدثنا حماد بن سلمة ، عن عاصم بن بهدلة ، عن زر بن حبيش ؛ عن عبد الله
ابن مسعود ؛ رضى الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال :
((أريت الأمم بالموسم(٤)، فرأيت أمتى قد ملأوا السهل والجبل ، فأعجبنى
كترتهم وهيئتهم ، فقيل : أرضيت ؟ فقلت : نعم . قال: ومع هؤلاء سبعون ألفاً
يدخلون الجنة بغير حساب ، لا يكتوون ، ولا يتطيرون ، ولا يسترقون ، وعلى
ربهم يتوكلون . فقام عكاشة بن محصن الآسدى ، فقال :
يا رسول الله، أدع الله أن يجعلنى منهم .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اللهم اجعله منهم .
فقام آخر ، فقال : ادع الله أن يجعلني منهم ، فقال صلى الله عليه وسلم: ،
(( سبقك بها عكاشة))(٥) .
سمعت عبد الله بن يوسف الأصبهانى يقول : سمعت أبا نصر السراج تقول :
سمعت أبا بكر الوجهى يقول : قال أبو على الروذبارى قلت : لعمرو بن سنان :
احك لى عن سهل بن عبد الله حكاية ، فقال إنه قال : علامة المتوكل ثلاث : لاسأل،
ولا يرد ، ولا يحبس .
(١) آية ٣ من سورة الطلاق.
(٣) آية ٢٣ من سورة المائدة.
(٢) آية ١١ من سورة إبراهيم .
(٥) متفق عليه .
(٤) أى موسم الحج .

٢٩٥
( باب التوكل )
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى ، رحمه الله يقول : سمعت منصور بن
عبد الله يقول : سمعت أبا عبد الله الشيرازى يقول : سمعت أبا موسى الديبلى يقول:
قل لأبى يزيد ؛ ما التوكل ؟ ...
فقال لى : ما تقول أنت؟ ، فقلت : إن أصحابنا يقولون :
لو أن السباع والأفاعى عن يمينك ويسارك ما تحرك لذلك سرك .
فقال أبو يزيد : نعم ؛ هذا قريب ؛ ولكن لو أن أهل الجنة فى الجنة يتنعمون
وأهل النار فى النار يعذبون . ثم وقع لك تمييز عليهما (١) خرجت من جملة التوكل.
وقال سهل بن عبد الله: أول مقام فى التوكل: أن يكون العبد بين يدى الله
عز وجل كالميت بين يدى الغاسل ، يقلبه كيف شاء ؛ لا يكون له حركة ولا تدبير.
وقال حمدون : التوكل: هو الاعتصام (٢) بالله تعالى .
سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت أبا بكر محمد بن أحمد البلخى يقول :
سمعت محمد بن حامد يقول : سمعت أحمد بن خضروبه يقول : قال رجل لحاتم الأصم:
من أين تأكل ؟
فقال: ((ولله خزائن السموات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون)) (٣).
واعلم أن التوكل محله القلب ، والحركة بالظاهر لا تنافى التوكل بالقلب ، بعد
ما تحقق العبد أن التقدير من قبل الله تعالى ؛ فان تعسر شىء فبتقديره ، وإن اتفق
شىء فىتيسيره .
أخبرنا على بن أحمد بن عبدان قال : حدثنا أحمد بن عبيد البصرى قال : حدثنا
غيلان بن عبد الصمد قال: حدثنا اسماعيل بن مسعود الجحدرى قال: حدثنا خالد
ابن يحيى قال: حدثنى عمى المغيرة بن أبى قرة ، عن أنس بن مالك قال: ((جاء رجل
على ناقة له ، فقال: يارسول الله، أدعها(٤) وأتوكل؟. فقال: اعقلها وتوكل).
وقال إبراهيم الخواص : من صح توكله فى نفسه ، صح توكله فى غيره .
(١) أى ميزت أحدهما على الآخر .
(٣) آية ٧ من سورة المنافقون .
(٢) الاعتماد عليه .
(٤ ) أتركها .

٢٩٦
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشبرى )
وقال شر الحافى: يقول أحدهم. توكلت على الله، ويكذب على الله تعالى،
لو توكل على الله لرضى بما فعله الله به.
وسئل يحيى بن معاذ: مى يكون الرجل متوكلا ؟
فقال : إذا رضى بالله تعالى وكيلا .
سمعت الشيخ انا عبد الرحمن السامى، رحمه الله ، يقول : سمعت محمد بن
على بن الحسين يقول : سمعت عبد الله بن محمد بن الصامت يقول: سمعت إبراهيم
الخواص يقول :
بينما أنا أسير فى المادية، وإذا تهاتف يهتف، فالتفت إليه ، فإذا أعراض سير
فقال لى: ما إبراهيم: التوكل عندنا : أقم عندنا حتى يصح توكلك، ألم تعلم آن رجاءك
لدخول بلد فيه أطعمة بحملك؟(١)، إقطع رجاءك عن البلدان، وتوكل .
وسمعته يقول : سمعت محمد بن أحمد الفلاسى يقول: سمعت ابن عطاء ،
وقد سئل عن حقيقة التوكل ، فقال : أن لا يظهر فيك انزعاج إلى الأساب مع شدة
فاقتلك إليها ، ولا تزول عن حقيقة السكون إلى الحق مع وقوفك علبها.
سمعت أبا حاتم السجستانى يقول : سمعت أبا نصر السراج يقول : شرط التوكل
ما قاله أبو تراب النخشبى ، وهو : طرح البدن فى العمودية ، وتعلق القلب بالربوبية ،
والطمانينة إلى الكفاية ، فان أعطى شكر وإن منع صبر .
وكما قال ذو النون : التوكل : ترك تدبير النفس ، والانخلاع (٢) من الحول
والقوة ، وإنما يقوى العبد على التوكل إذا علم أن الله سبحانه بعلم ويرى ما هو فيه .
سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت أبا الفرج الورثانى يقول: سمعت أحمد
ابن محمد القرمسينى يقول: سمعت الكتانى يقول : سمعت آرا جعفر بن أبي الفرج
تقول: رأيت رجلا بعرف: ((جمل عائشة)) مع الشطار تضرب بالسياط ، فقلت
له :
أى وقت يكون آلم الضرب عليكم أسهل ؟ فقال :
إذا كان من ضربنا لأجله يرانا .
(١) أى على الإقامة فيه .
(٢) فى الشعرى .

٢٩٧
( باب التوكل )
وسمعته يقول : سمعت عبد الله بن محمد يقول : قال الحسين بن منصور لإبراهيم
الخواص : ماذا صنعت فى هذه الأسفار ، وقطع هذه المفاوز ؟
قال : بقيت فى التوكل أصحح نفسى عليه .
:" فقال الحسين : أفنيت عمرك فى عمران باطنك ، فأين الفناء فى التوحيد .
سمعت أبا حاتم السجستانى يقول : سمعت أبا نصر السراج يقول : التوكل :
"مَّا فاله أبو بكر الدقاق، وهو: رد العيش(١) إلى يوم واحد ، وإسقاط هم غد.
قال : وهو ، كما قال سهل بن عبد الله، التوكل: الاسترسال مع الله، تعالى،
على ما يريد .
سمعت الشيخ أما عبد الرحمن السامى ، رحمه الله ، يقول : سمعت محمد بن
جعفر بن محمد تقول : سمعت أبا بكر البرذعى يقول سمعت أبا يعقوب النهر جور؟،
تقول :
. التوكل على الله تعالى بكمال الحقيقة (٢): ما وقع لإبراهيم ، عليه السلام، فى
الوقت الذى قال لجبريل، عليه السلام: أما إليك فلا ، لأنه غابت نفسه بالله تعالى ،
فلم يرمع اللّه غير الله عز وجل .
وسمعته بقول : سمعت سعید بن أحمد بن محمد يقول : سمعت محمد بن أحمد
ابن سهل يقول : سمعت سعيد بن عثمان الخياط يقول : سمعت دا النون المصرى ،
وسأل رجل فقال : ما التوكل . فقال : خلع الأرباب (٢) وقطع الأسباب .
فقال السائل : زدنى .
فقال : إلقاء النفس فى العبودية وإخراجها من الربوبية .
وسمعته يقول : سمعت عبد الله بن محمد المعلم يقول . سمعت عبد الله بن
. المبارك يقول : سمعت حمدون القصار ، وسئل عن التوكل ، فقال :
إن كان لك عشرة آلاف درهم ، وعليك دائق(٤) دين، لم تأمن أن تموت
(١) أى : هم العيش.
(٣) ترك الاعتماد على ماسوى الله.
(٢) أى : على الحقيقة الكاملة .
( ٤) الدائق : سدس الدرهم . .

٢٩٨
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرىّ)
ويبقى ذلك فى عنقك ، ولو كان عليك عشرة آلاف درهم دين ، من غير أن تترك
لها وفاء ، لا تيأس من الله تعالى أن يقضيه عنك .
وسئل أبو عبد الله القرشى عن التوكل فقال : التعلق بالله تعالى فى كل حال .
فقال السائل : زدنى . فقال : ترك كل سبب بوصل إلى سبب حتى يكون الحق
هو المتولى لذلك .
وقال سهل بن عبد الله: التوكل حال(١) النبى صلى اللّه عليه وسلم ، والكسب
سنته ؛ فمن بقى على حاله ، فلا يتركن سنته :
وقال أبو سعيد الخراز : التوكل: اضطراب بلا سكون، وسكون بلااضطراب (٢)
وقيل : التوكل: أن يستوى عندك الإكثار والتقلل .
وقال ابن مسروق : التوكل : الاستسلام لجريان القضاء والأحكام .
سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت عبد الله الرازى يقول : سمعت أبا عثمان
الحبرى يقول : التوكل : الاكتفاء باللّه ، تعالى ، مع الاعتماد عليه .
وسمعته : يقول : سمعت محمد بن غالب يحكى عن الحسين بن منصور ال :
المتوكل المحق لا يأكل شيئاً وفى البلد من هو أحق به منه .
وسمعته يقول : سمعت عبد الله بن على يقول : سمعت منصور بن أحمد
الحربى يقول: حكى لنا ابن أبى شيخ قال : سمعت عمر بن سنان يقول :
اجتاز بنا إبراهيم الخواص ، فقلنا له : حدثنا بأعجب ما رأيته فى أسفارك،
فقال : لقينى الخضر عليه السلام ، فسألنى الصحبة ، فخشيت أن بفسدعلى توكلى
بسكونى إليه . ففارقته .
وسئل سهل بن عبد الله عن التوكل، فقال: هو قلب عاش مع الله تعالى
بلا علاقة (٣) .
سمعت الأستاذ أبا على الدقاق ، رحمه الله ، يقول: للمتوكل ثلاث درجات :
(١) أى صفته وخلقه ومقامه .
(٢) أى جرى وزاء الأسباب بلا سكون إليها وسكون إلى اللّه بلا اضطراب.
(٣) أى بلا تعلق بغيره .

٢٩٩
( باب التوكل )
التوكل ، ثم التسليم ، ثم التفويض .
فالمتوكل سكن إلى وعده (١) ، وصاحب التسليم يكتفى بعلمه ، وصاحب
التفويض يرضى بحكمه .
... وسمعته يقول : التوكل: بداية، والتسليم: واسطة، والتفويض نهاية.
.. وسئل الدقاق عن التوكل ، فقال: الأكل بلاطمع .
وقال يحيى بن معاذ :
لبس الصوف (٢) حانوت (٣)، والكلام فى الزهد حرفة ، وصحبة القوافل تعرض
وهذه كلها علاقات (٤) ...
,٠." وجاء رجل إلى الشبلى يشكو إليه كترة العيال، فقال:
ارجع إلى بيتك ، فمن ليس رزقه على الله ، تعالى ، فاطرده عنك.
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى، رحمه الله، يقول: سمعت عبد الله بن
٠
على يقول : سمعت أحمد بن عطاء يقول : قرأت على محمد بن الحسين ؛ قال
سهل بن عبد الله :
من طعن فى الحركة (٥) فقد طعن فى السنة ، ومن طعن فى التوكل فقد طعن فى
الاعات ... 4."
•" وسمعته يقول: سمعت أحمد بن على بن جعفر بقول: سمعت جعفراً للخلدى
يقول : قال إبراهيم الخواص : كنت فى طريق مكة ، فرأيت شخصاً وحشياً ..
فقلت : جنى أم- إنّسى ؟ فقال: جنى . فقلت إلى أين ؟ فقال: إلى مكة . فقلت :
بلا زاد؟ فقال .. فينا أبضا من يسافر على التوكل . فقلت : إيش التوكل ؟ فقال :
الأخذ من اللّه تعالى .
وسمعته يقول : سمعت أبا العباس البغدادى بقول : سمعت الفرغانى بقول :
كان إبراهيم الخواص مجرداً فى التوكل ، بدقق فيه ، وكان لايفارقه إبرة وخيوط
(١) إلى وعده تعالى فى قوله ((وما من دابة فى الأرض الا على الله رزقها)).
(٢) أى : زى الصالحين.
(٤) أى تعلقات بالأسباب ..
(٥ ) أى الكسب .
(٣) تسبب.

٣٠٠
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القُشيرى )
وركوة(١). ومقراض (٢) فقيل له: يا أبا إسحاق لم تحمل هذا وأنت نمتنع من كل)
شىء ؟ .
فقال : مثل هذا لا ينقض (٣) التوكل، لأن الله، سبحانه، علينا فرائض،
والفقير لا يكون عليه إلا ثوب واحد ؛ فربما تخرق(٤) ثوبه، فان لم يكن معه إبرة
وخيوط تبدو عورته ، فتفسد عليه صلاته ، وإذا لم يكن معه ركوة تفسد عليه طهارته ،
فاذا رأيت الفقير بلا ركوة ولا إبرة ، ولا خيوط ، فاتهمه فى صلاته .
وسمعت الأستاذ أبا على الدقاق ، رحمه الله ؛ يقول :
التوكل : صفة المؤمنين ؛ والتسليم : صفة الأولياء ، والتفويض : صفة الموحدين ؟
فالتوكل : صفة العوام ، والتسليم : صفة الخواص : والتفويض: صفة خواص
الخواص .
وسمعته يقول : التوكل صفة الأنبياء ، والتسليم صفة إبراهيم عليه السلام ،
والتفويض : صفة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ..
سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت أبا العباس البغدادى يقول سمعت محمد
ابن عبد اللّه الفرغانى يقول : سمعت أبا جعفر الحداد بقول: مكثت بضع عشرة سنة
أعتقد التوكل (٥) وأنا أعمل فى السوق، وآخذ كل يوم أجرتى ؛ ولا أنتفع منها بشربة
ماء، ولا بدخلة حمام. ولكن كنت أجىء بأجرتى إلى الفقراء فى ((الشونزية)) وأكون
مستمرا على حالى .
وسمعته يقول : سمعت أبا بكر محمد بن عبد الله بن شاذان يقول : سمعت
الخواص يقول : سمعت الحسين أخا سنان يقول : .
حججت أربع عشرة حجة ، حافياً ، على التوكل ، فكان يدخل فى رجلى شوكة
فأذكر أنى قد اعتقدت على نفسى التوكل ، فأحكها فى الأرض وأمشى . .
وسمعته يقول : سمعت محمد بن عبد الله الواعظ يقول : سمعت خبراً النساج
يقول : سمعت أبا حمزة يقول : إنى لأستحى من الله تعالى أن أدخل البادية وأنا
(١) دلو صغيرة .
(٣) أى لايناقض.
(٥) أى عقدته على نفسى .
(٢) مقص .
(٤) وفى نسخة: ((يتمزق)).

٣٠١
( باب التوكل )
شبعان، وقد اعتقدت (١) التوكل ، لئلا يكون سعى على الشع زاداً اتزود به ..
وسئل حمدون عن التوكل ، فقال:
تلك درجة لم أبلغها بعد ، وكيف يتكلم فى التوكل من لم يصح له حال الإيمان ؟
وقيل : المتوكل كالطفل ، لا يعرف شيئاً يأوى إليه إلا ثدى أمه، كذلك المتوكل
لا يهتدى إلا إلى ربه تعالى .
وعن بعضهم قال : كنت فى البادية فتقدمت القافلة فرأيت قدامى واحداً ...
فتسارعت حتى أدركته ، فاذا هى امرأة بيدها عكاز ، تمشى على التؤدة ...
فظننت أنها آعيت ، فأدخلت بدى فى جيبى ، فأخرجت عشرين درهماً ، فقلت :
خذبها وامكى حتى تلحقك القافلة فتكترى بها .. ثم ائتينى الليلة حتى أصلح أمرك.
فقالت : بيدها هكذا فى الهواء ، فاذا فى كفها دنانير ، فقالت : أنت أخذت
الدراهم من الجيب ، وأنا آخذت الدنانير من الغيب .
ورأى أبو سليمان الدارانى رجلا مكة ، لاتتناول شيئاً إلا شربة من ماء زمزم ..
فمضى عليه أيام ، فقال له سلمان يوماً :
أرأيت لوغارت زمزم إش كنت تشرب ؟
فقام ، وقبل رأسه ، وقال : جزاك الله خيراً ، حيث أرشدتنى ، فانى كنت
أعد(٢) زمزم منذ أيام . ومضى .
وقال إبراهيم الخواص : رأيت فى طريق الشام شاباً حدثاً ، حسن المراعاة ،
فقال لى :
هل لك فى الصحة ؟ فقلت : إنى أجوع . فقال : إن جعت جعت معك .
فيقينا أربعة أيام ، ففتح علينا شىء ، فقلت: هلم. فقال: اعتقدت (٣) أنى
لا آخذ بواسطة فقلت : يا غلام دققت (٤). فقال: يا إبراهيم، لا تتهرج(٥)، فان
الناقد مصير ، مالك والتوكل ؟ ثم قال : أقل التوكل : أن ترد عليك موارد الفاقات(٦)
فلا تسمو نفسك إلا إلى من إليه الكفاءات .
(١) أى: عزمت عليه.
(٣) عزمت .
(٥) لا تمدعنى.
(٢) أي متعلقا بها ساكنا إلى غير الله.
(٤) أى فى الكلام على التوكل.
(٦) جمع : فاقة ، وهى الحاجة.

٣٠٢
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى )
وقيل : التوكل : نفى الشكوك ، والتفويض إلى ملك الملوك .
وقيل : دخل جماعة على الجنيد رحمه الله ، فقالوا : أين نطلب الرزق ؟
فقال : إن علمتم فى أى موضع هو ، فاطلبوه منه ، قالوا : فنسأل الله تعالى ذلك .
فقال : إن علمتم أنه ينساكم فذكروه . فقالوا : ندخل البيت فنتوكل ؟ فقال :
التجربة شك(١) .
قالوا : فما الحيلة ؟ فقال : ترك الحيلة .
وقال أبو سليمان الداراني لأحمد بن الحوارى :
يا أحمد ، إن طرق الآخرة كثيرة ، وشيخك عارف بكثير منها إلا هذا التوكل
المبارك ، فانى ما شممت منه رائحة .
وقيل : التوكل : الثقة بما فى يد الله تعالى ، واليأس عما فى أيدى الناس.
وقيل : التوكل : فراغ السر عن التفكر فى التقاضى فى طلب الرزق .
وسئل الحارث المحاسبي ، رحمه الله ، عن المتوكل : هل يلحقه طمع
قال : يلحقه من طريق الطباع خطرات، ولا تضره شيئاً، ويقويه على
إسقاط الطمع اليأس مما فى أيدى الناس .
وقيل : جاع النورى فى البادية ، فهتف به هاتف : أىما أحب إليك : سبب
أو كفاية(٢) .
فقال : الكفاية ليس فوقها نهاية ، فبهفى سبعة عشر بوماً لم يأكل .
وقال أبو على الروذبارى : إذا قال الفقير بعد خمسة أيام : أناجائع ، فازموه
للسوق ، ومروه بالعمل والكسب .
وقيل : نظر أبو تراب النخشبى إلى صوفى مد يده إلى قشر بطيخ ليأكله بعد
ثلاثة أيام .
فقال له : لا يصلح لك التصوف إلزم السوق .
وقال أبو يعقوب الأقطع البصرى :
(١) أى أن فعلتم ذلك مجربين هل يرزقكم الله أم لا، يكون ذلك بمثابة الشك فى أن اللّه ضامن الأرزاق.
(٢) أى قوة تغنيه عن الطعام والشراب.

٣٠٣
( باب التوكل )
جعت مرة بالحرم عشرة أيام ، فوجدت ضعفاً .. فحدثتنى نفسى .. فخرجت
إلى الوادى، لعلى أجد شيئاً يسكن ضعفى ... فرأيت ((سلجمة)) (١) مطروحة ..
فأخذتها .. فوجدت فى قلبى منها وحشة .. وكأن قائلا يقول لى : جعت عشرة أيام
وآخره يكون حظك سلجمة متغيرة . فرميت بها .. ودخلت المسجد فقعدت ، فإذا
أنا برجل أعجمى، جلس بين يدى ووضع ((قمطرة)) (٢)، وقال : هذه لك.
فقلت : كيف خصصتنى بها؟ . فقال : اعلم أنا كنا فى البحر منذ عشر أيام ..
وأشرفت السفينة على الغرق .. فنذر كل واحد منا : إن خلصنا الله ، تعالى ، أن
يتصدق بشىء ، ونذرت أنا : إن خلصنى الله تعالى أن أتصدق بهذه على أول من
يقع مصرى عليه من المجاورين(٣) . وأنت أول من لقيته .
فقلت : افتحها . ففتحها ، فاذا فيها : كعك سميد (٤) مصرى ، ولو ز مقشور ،
وسكر كعاب (٥) فقبضت قبضة من ذاً، وقبضة من ذا ، وقبضة من ذا .
وقلت : رد الباقى إلى صبيانك ، هو هدية منى لكم ، وقد قبلها (٦) .
ثم قلت فى نفسى : رزقك يسبر إليك من عشرة أيام وأنت تطلبه من الوادى !!
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى، رحمه الله ، يقول : سمعت أبا بكر
الرازى يقول : كنت عند ممشاد الدينورى ، فجرى حديث للدين ، فقال :
كان على دين : فاشتغل قلبى .. فرأيت فى النوم كآن قائلا يقول :
ما يخيل ، أخذت علينا هذا المقدار ، خذ ؛ عليك الأخذ ، وعلينا العطاء فما
حاسبت بعد ذلك بقالا ، ولا قصارا ، ولا غيرهم .
ويحكى عن بنان الحمال ، قال : كنت فى طريق مكة حرسها الله . أجىء من
مصر ، ومعى زاد ، فجاءتنى امرأة ، وقالت لى : يا بنان ، أنت حمال تحمل على
ظهرك الزاد ، وتتوهم أنه لا يرزقك.؟؟. قال : فرميت بزادى . ثم أتى على
ثلاث ((لم آكل)) فوجدت خلخالا فى الطريق .. فقلت فى نفسى: أحمله حتى
يجىء صاحبه ، فربما بعطينى شيئاً فأرده عليه فإذا أنا بتلك المرأة ، فقالت لى :
(١) وهو النبات المعروف بـ ((اللفت))
(٣) أى المجاروين الحرم.
(٥) معقود .
(٢) القمطرة،: والقمطر ما يحفظ فيه الكتب .
(٤) الدقيق الجيد .
(٦) أى القمطرة بما فيها ، فاقبل هديتى الباقى .

٣٠٤
كباب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى )
أنت تاجر ؟؟ تقول : حتى يجىء صاحبه فآخذ منه شيئاً ؟ نم رمت إلى شيئاً من
الدراهم ، وقالت: أنفقها فاكتفيت بها إلى قريب من مكة (١).
ويحكى عن بنان أنه احتاج إلى جارية تخدمه ، فانبسط إلى إخوانه فجمعوا له
ثمنها ، وقالوا : هو ذا ، يجىء النفر فتشترى ما يوافقك .
فلما ورد النفر ، اجتمع رأيهم على واحدة ، وقالوا : إنما تصلح له .
فقالوا لصاحبها : بكم هذه ؟ فقال : إنها ليست للبيع . فألحوا عليه ، فقال :
إنها لبنان الحمال، أهدتها إليه امرأة من ((سمرقند)) فحملت إلى بنان، وذكرت
له القصة .
سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت محمد بن الحسين المخزومى يقول : حدثنا
أحمد بن محمد بن صالح قال : حدثنا محمد بن عبدون ، قال : حدثنا الحسن الخياط
قال :
كنت عند بشر الحافى ، فجاء نفر فسلموا عليه ، فقال : من أين أنتم .
قالوا : نحن من الشام ، جئنا لنسلم عليك ، ونريد الحج .
فقال : شكر الله تعالى لكم فقالوا : تخرج معنا. فقال : بثلاث شرائط لا نحمل
معنا شيئاً ، ولا نسأل أحداً شيئاً ، وإن أعطانا أحد شيئاً لا نقبله ؟ قالوا : أما آن
لا نحمل ، فنعم . وأما أن لا نسأل ، فنعم ، وأما أن لا نقبل إن أعطينا ، فهذا
لا نستطيعه .
فقال : خرجتم متوكلين على زاد الحجيج . ثم قال : ياحسن ، الفقراء ثلاثة :
فقير لا يسأل ، وإن أعطى لا يأخذ ، فذاك من جملة الروحانيين .
وفقير لا يسأل، وإن أعطى قبل ، فذاك مما يوضع له موائد فى حظائر القدس (٢).
وفقير يسأل ، وإن أعطى قبل قدر الكفاية ، فكفارته صدقة .
وقيل لحبيب العجمى : لم تركت التجارة ؟ فقال : وجدت الكفيل ثقة .
وقيل: كان فى الزمن الأول رجل فى سفر ومعه قرص ، فقال : إن أكلت مت .
(١) وفى نسخة ((من مصر)).
(٢) أى الطهر .

٣٠٥
( باب التوكل )
فو كل اللّه تعالى به ملكأ، وقال : إن أكله فارزقه، وإن لم يأكله فلا تعطه
غيره . فلم يزل القرص معه حتى مات ، ولم يتآكل ، وبفى عنده القرص .
وقيل : من وقع فى ميدان التفويض زف إليه المراد كما تزف العروس إلى
أهلها ، والفرق بين التضييع والتفويض : أن التضبيع فى حق الله تعالى ، وذلك
مذموم ، والتفويض فى حقك ، وهو محمود .
وقال عبد الله بن المبارك : من أخذ فلساً من حرام ، فليس بمتو كل .
سمعت محمد بن عبد الله الصوفى ، رحمه الله ، يقول : سمعت نصر بن أبى
نصر العطار يقول : سمعت عليا بن محمد المصرى يقول : سمعت أبا سعيد الخراز
تقول : دخلت البادية مرة بغير زاد ، فأصابتنى فاقة ، فرأيت المرحلة (١) من بعيد ،
فسررت بأنى وصلت .. ثم فكرت فى نفسى : أنى سكنت واتكلت على غيره ،
فآليت أن لا أدخل المرحلة إلا أن أحمل إليها .. فحفرت لنفسى فى الرمل حفرة ..
وداريت جسدى فيها إلى صدرى ، فسمعوا صوتاً فى نصف الليل عالياً ، يقول :
يا أهل المرحلة، إن للّه تعالى ولياً ، حبس نفسه فى هذا الرمل ، فألحقوه .
فجاءنى جماعة فأخرجونى وحملونى إلى القرية .
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى ، رحمه الله ، يقول : سمعت محمد بن
الحسين المخزومى يقول : سمعت ابن المالكى يقول : قال أبو حمزة الخراسانى :
حججت سنة من السنين ، فبينما أنا أمشى فى الطريق ، إذا وقعت فى بئر ،
فناز عتنى نفسى أن أستغيث ، فقلت : لا والله، لا أستغيث .. فما استتممت هذا
الخاطر حتى مر برأس البئر رجلان .. فقال أحدهما للآخر : تعالى حتى نسد رأس
هذه البئر، لئلا يقع فيها أحد .. فأتوا: بقصب وبارية (٢)، وطموا (٣) رأس البئر،
فهممت أن أصيح ثم قلت فى نفسى : أصيح (٤) إلى من هو أقرب منهما .. وسكنت .
فبينما أنا بعد ساعة ، إذ أنا شىء جاء .. وكشف عن رأس البتر ، وأدلى رجله ،
وكأنه يقول لى: تعلق بى ، فى همهمة (٥) له كنت أعرف ذلك منه، فتعلقت به ..
(١) أى نهاية المرحلة أى القرية.
(٢) بارية حصير خشن.
(٣) لم البئر بالتراب أى: ملأها حتى أستوت مع الأرض.
(٤ ) وفى نسخة أشكو .
(٥ ) وفى نسخة بهمهمة .

٣٠٦
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى )
فاخرجى ، فاذا هو سبع ، فمر (١) . وهتف بى هاتف : يا أبا حمزة ، اليس هذا
احسن .. نجيناك من التلف بالتلف (٢) مشيت وأنا أقول :
وسرى يبدى ما تقول له طرفى (٣)
أهالك آن أيدى إليك الذى آخفى
وأغنيتى بالفهم منك عن الكشف
تهانى حياتى منك أن أكتم الهوى
إلى غائبى (٥) واللطف بدرك باللطف
تلطفت فى أمرى . فأبديت شاهدى (٤)
تبشرنى فى الغيب آنك فى الكف
تراءيت لى بالغيب ، حتى كأنما
فتؤنسنى باللطف منك وبالعطف
أراك وبى من هيبتى لك وحشة
وذا عجب كون الحياة مع الختف (٦)
وتحيي محبا أنت فى الحب حتفه
سمعت محمد بن الحسين ، رحمه الله ، يقول : سمعت منصور بن عبد الله
تقول : سمعت أبا سعدان التاهرنى يقول: سمعت حذيفة المرعشى بقول ، وكان
قد خدم إبراهيم بن أدهم ، وصحبه ، فقيل له : ما أعجب ما رأيت منه ؟ فقال :
لقينا فى طريق مكة أياماً لم نجد طعاماً ، ثم دخلنا الكوفة ، فأوينا إلى مسجد
خراب ، فنظر إلى براهيم بن أدهم ، وقال : ياحذيفة ، رأى بك آثر الجوع !! :
نقلت : هو ما رأى الشيخ . فقال . على بدواة ، وقرطاس .
فجئت به ، فكتب: (( بسم الله الرحمن الرحيم ، أنت المقصود إليه بكل حال ،
والمشار إليه بكل معنى :
أنا جائع أنا نائع (٧) آنا عارى
أنا حامد أنا شاكر أنا ذاكر
فكن الضمين لنصفها بابارى(٨)
هى ستة وأنا الضمين لنصفها
فأجر عبيدك من دخول النار (١٠)
مدحى لغيرك لهب(٩) نار خضتها
(١ ) أى جاوربى .
٤
(٢) وفى نسخة ((بجيناك بالتلف من التلف)(أى خلصناك بسبب التلف من سبب التلف أى خاصناك بالسبع من تغطية البئر.
(٣) وبعض النسخ سقط فيها « البيت الأول.
(٤) حاضر الحاضر.
(٦) الموت .
(٧) عطشان.
(٩) وفي نسخة وهج .
(٥ ) حالى الغائب عى .
(٨) وفى نسخة ياجارى أى ياقريبا .
(١٠) أى: من مدح غيرك.

٣٠٧
( باب التوكل )
أن لا تكلفى دخول النار (١)
والنار عندی کالسؤال فهل ترى
ثم دفع إلى الرقعة : قال :
أخرج ، ولا تعلق قلبك بغير الله تعالى ، وادفع الرقعة إلى أول من يلقاك .
قال : فخرجت .. فأول من لقينى رجل كان على بغلة ، فدفعتها إليه ، فأخذها
وبكى ، وقال : ما فعل صاحب هذه الرقعة ؟ فقلت : هو فى المسجد الفلانى .
فدفع إلى صرة فيها ستمائة دينار .
ثم لقيت رجلا آخر ، فقلت له : من صاحب هذه البغلة ؟ فقال لى : هو نصرانى
نجئت إلى إبراهيم بن أدهم ، وأخبرته بالقصة ، فقال :
لاتمسها (٢) ، فانه يجىء الساعة .
فلما كان بعد ساعة ، وافى النصرانى ؛ وأكب على رأس إبراهيم بن أدهم
وأسلم .
(١) وسقط هذا البيت الآخير فى بعض النسخ .
(٢) أى الصرة .

و
الباب الثانى والعشرون
الشكر
اذا قصرت يدك على
المكافأة .. فصل لسانك
بالشكر ١٠٠٠٠٠٠
1

٣١٠
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى )
الحد
باب الشكر
قال الله عز وجل: ((لئن شكرتم لأزيدنكم))(١).
وحدثنا أبو الحسن على بن أحمد بن عبدان الأهوازى قال: أخبرنا أبو الحسن
الصفار ، قال : حدثنا الأسقاطى قال : حدثنا منجاب قال : حدثنا يحيى بن يعلى ، عن
أبى خباب ، عن عطاء ، قال :
دخلت على عائشة ، رضى الله عنها ، مع عبيد بن عمير ، فقلت :
أخبربنا بأعجب ما رأيت من رسول الله ، صلى الله عليه وسلم .
فيكت ، وقالت :
وأى شأنه لم يكن عجباً؟ .. إنه أتانى فى ليلة .. فدخل معى فى فراشى ،
أو قالت : فى لحافى : . حتى مس جلدى، ثم قال : يا بنت أبى بكر ، ذرنى أتعبد
لربى .
قالت : قلت : إنى أحب قربك (٢) فأذنت له ، فقام إلى قربة من ماء .. فتوضأ ..
وأكثر صب الماء .. ثم قام يصلى .. فبكى ، حتى سالت دموعه على صدره ..
ثم ركع فبكى ، ثم سجد فبكى ، ثم رفع رأسه فبكى .. فلم يزل كذلك حتى جاء بلال
فآذنه (٣) بالصلاة .
فقلت له : يا رسول الله، ما يبكيك ، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك
وما تأخر ؟ .
فقال: أفلا أكون عبداً شكوراً؟ ولم لا أفعل، وقد أنزل الله على: ((إن فى
خلق السموات والأرض ... الآية)).
(١) آية ٧ من سورة إبراهيم .
(٢) فى ابن كثير: أنى أحب قريك وأحب أن تعبد دبك والحديث دواه ابن مردويه وعبد بن حميد وابن أبى حاتم وابن
حبان فى صحيحه وابن أبى الدنيا فى كتاب التفكر والامتهاد ..
(٣) أعلمه ،