Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢٧
( باب الصمت )
وقال تعالى: ((وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همساً)) (١).
وكم بين عبد سكت تصاوناً عن الكذب والغيبة . وبين عبد سكت لاستيلاء
سلطان الهيئة عليه . وفى معناه أنشدوا :
وأحكم (٢) دائباً حجج المقال
أفكر ما أقول إذا افترقنا
فأنطق، حين أنطق، بالمحال (٣)
فأنساها إذا نحن التقينا
وأنشدوا :
إذا جئتكم لم أدر ىاليل ماهيا
فياليل (٤) كم من حاجة لى مهمة
وأنشدوا :
وكم حديث لك حتى إذا مكنت من لقياك أنسيته
وأنشدوا :
والصمت خبر لمن قد صمت
رأيت الكلام نزين الفتى
ومن ناطق ود أن لو سكت
فكم من حروف تجر الحتوف
والسكوت على قسمين : سكوت بالظاهر ، وسكوت بالقلب والضمائر .
فالمتوكل : بسكت قلبه عن تقاضى الأرراق .
والعارف : سكت قلبه مقابلة للحكم بنعت الوفاق.
فهذا ىجميل صنعه واثق ، وهذا بجميع حكمه قائع .
وفى معناه قالوا :
تجرى عليك صروفه وهموم سرك مطرقة (٥)
وربما يكون سبب السكوت حيرة البديهة ؛ فانه إذا ورد كشف عن وصف
البغتة خرست العمارات عند ذلك ، فلا بيان ، ولا نطق . وطمست الشواهد هنالك ،
فلا علم ، ولا حس .
قال الله تعالى: (( يوم مجمع اللّه الرسل فيقول: ماذا أجتم؟ قالوا: لا علم لنا (٦).
(١) آية ١٠٨ من سورة طه .
(٣) مالا يفيد الغرض.
(٥) راضية .
(٢) اتتمن .
(٤) أسم محبوبته ((ليلى)).
(٦) آية ١٠٩ من سورة المائدة .

٢٣٨
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى )
فاما إنثار أرباب المجاهدة السكوت : فلما علموا ما فى الكلام من الآفات
ثم ما فيه من حظ النفس ، واظهار صفات المدح ، والميل إلى أن يتميز بين أشكاله (١)
محسن النطق ، وغير هذا من آفات فى الخلق وذلك نعت أرباب الرياضات ، وهو
أحد أركانهم فى حكم المنازلة وتهذيب الخلق .
وقيل : إن داود الطائى ، لما أراد أن يقعد فى بيته اعتقد (٢) أن يحضر مجالس
أى حنيفة ، رحمه الله، إذ كان تلميذاً له ، وتقعد بين أقرانه من العلماء ولا تتكلم
فى مسألة ، فلما قوى نفسه على ممارسة هذه الخصلة سنة كاملة ، قعد فى بيته عند
ذلك وآثر العزلة .
وكان عمر بن عبد العزيز، رحمه الله ، إذا كتب كتاباً واستحسن لفظه مزق
الكتاب وغيره .
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى ، رحمه الله ، يقول : أخبر نا عبد الله بن
محمد الرازى ، قال : حدثنا أبو العباس محمد بن إسحق السراج قال : سمعت أحمد
ابن الفتح يقول : سمعت بشر بن الحارث تقول :
إذا أعجبك الكلام فاصمت ، وإذا أعجبك الصمت فتكلم .
وقال سهل بن عبد الله : لا يصح لأحد الصمت حتى يلزم نفسه الخلوة ،
ولا تصح له التوبة حتى يلزم نفسه الصمت .
وقال أبو بكر الفارسى : من لم يكن الصمت وطنه فهو فى الفضول وإن كان
صامتاً . والصمت ليس بمخصوص على اللسان ، لكنه على القلب والجوارح كلها .
وقال بعضهم: من لم يستغنم (٣) السكوت فاذا نطق نطق بلغو.
سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان تقول :
سمعت ممشاد الدينورى تقول : الحكماء ورثوا الحكمة بالصمت والتفكر .
وسئل أبو بكر الفارسى عن صمت السر فقال : ترك الاشتغال بالماضى والمستقبل.
وقال أبو بكر الفارسى : إذا كان العبد ناطقاً فيما نعنيه ، وفيما لا بد منه ، فهو
فى حد الصمت .
(١) أقرانه.
(٣) أى يعرف فضيلته ويعده غنيمة.
(٢) عزم.

٢٢٩
( باب الصمت )
روى عن معاذ بن جبل ، رضى الله عنه ، أنه قال :
كلم الناس قليلا ، وكلم ربك كثيراً ؛ لعل قلمك يرى الله تعالى .
وقيل لذى النون المصرى : من أصون الناس لقلبه (١)؟ . قال : أملكهم للسانه .
وقال ابن مسعود : ما من شىء بطول السجن أحق من اللسان .
وقال على بن بكار : جعل الله تعالى لكل شىء بابين ، وجعل للسان أربعة
أبواب : فالشفتان مصراعان ، والأسنان مصراعان .
وقيل : إن أبا بكر الصديق ، رضى الله عنه ، كان يمسك فى فيه حجراً كذا
سنة ؛ ليقل كلامه .
وقيل : إن أبا حمزة البغدادى ، رحمه الله، كان حسن الكلام ، فهتف به
هاتف ، فقال له : تكلمت فأحسنت ، بقى أن تسكت فتحسن ؟ فما تكلم بعد ذلك
حتى مات قريباً من هذه الحالة على رأس أسبوع ، أو أقل ، أو أكثر .
وربما يكون السكوت تقع على المتكلم (٢) تأديباً له، لأنه أساء أدبه فى شىء.
كان الشبلى إذا قعد فى حلقته ، ولا يسألونه، يقول: ((ووقع القول عليهم
بما ظلموا فهم لا ينطقون ))(٣).
وربما يقع السكوت على المتكلم ، لأن فى القوم من هو أولى منه بالكلام .
سمعت ابن السماك يقول : كان بين شاه الكرمانى ، ويحيى بن معاذ صداقة ،
فجمعهما بلد ، فكان شاه لا يحضر مجلسه ، فقيل له فى ذلك ، فقال : الصواب
هذا . فمازالوا به حتى حضر يوماً مجلسه ، وقعد ناحية لا يشعر به يحيى بن معاذ ،
فلما أخذ يحيى فى الكلام سكت ، ثم قال : ها هنا من هو أولى بالكلام منى ،
وارتج (٤) عليه . فقال شاة : قلت لكم الصواب أن لا أحضر مجلسه .
وربما يقع السكوت على المتكلم لمعنى فى الحاضرين ، وهو أنه يكون هناك من
ليس بأهل لسماع ذلك الكلام فيصون اللّه تعالى لسان المتكلم غيرة وصيانة لذلك
الكلام عن غير أهله .
(١) فى نسخة لنفسه .
(٣) آية ٨٥ من سورة التحل .
(٢) أى يطلب منه .
(٤ ) تعذر عليه الكلام :

٢٣٠
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى )
وربما كان سبب السكوت الذى تقع على المتكلم ان بعض الحاضرين كان
معلوم الله تعالى من حاله انه سمع ذلك الكلام ، فيكون فتنة له ، إما لتو همه انه
وقته ولا يكون (١)، او لأنه يحمل نفسه مالا يطيق فيرحمه الله، عز وجل، بأن
يحفظ سمعه عن ذلك الكلام ، إما صيانة له ، أو عصمة عن غلطه .
وقال مشايخ هذه الطريقة .
ربما يكون السبب فيه حضور من ليس بأهل لسماعه من الجن ، إذ لا تخلو
مجالس القوم من حضور جماعة من الجن .
سمعت الأستاذ أبا على الدقاق ، رحمه الله ، يقول :
اعتللت مرة ((عمرو))، فاشتقت آن أرجع إلى ((نيسانور)) .. فرأيت فى المنام.
كأن قائلا يقول لى: لا يمكنك أن تخرج من هذا البلد، فان جماعة من الجن استحلوا (٢)
كلامك ، ويحضرون مجلسك ، فلآجلهم تجلس هاهنا .
وقال بعض الحكماء : إنما خلق للانسان لسان واحد ، وعينان ، وأذنان ،
ليسمع وبصر أكبر مما نقول .
ودعى إبراهيم بن أدهم إلى دعوة ؛ فلما جلس أخذوا فى الغيبة ، فقال :
عندنا بؤكل اللحم بعد الخبز ، وأنم ابتدأنم باكل اللحم ؟ أشار إلى قوله تعالى :
((أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً، فكرهتموه))(٢).
وقال بعضهم : الصمت ، لسان الحلم .
وقال بعضهم : تعلم الصمت ، كما تتعلم الكلام ؛ فان كان الكلام يهديك ،
فان الصمت يقيك .
وقيل : عفة اللسان صمته .
وقيل : مثل اللسان مثل السبع إن لم توثقه عدا عليك .
وسئل أبو حفص : أى الحالين للولى أفضل ؟ الصمت ، أو النطق ؟
(١) يتوهم أن هذا الكلام حالك أى المطلوب له ولا يكون الأمر كذلك.
(٢) انتفعوا به .
(٣) أية ١٢ من سورة الحجرات.

٢٣١
(بأب الصمت )
فقال : لو علم الناطق ما آفة النطق لصمت إن استطاع عمر نوح ، ولو علم
الصامت ما آفة الصمت لسأل الله ، تعالى ، ضعفى عمر نوح حتى بنطق(١).
وقيل : صمت العوام بألسنتهم ، وصمت العارفين بقلوبهم ، وصمت
المحبين بالتحفظ من خواطر أسرارهم .
وقيل لبعضهم : تكلم . فقال : ليس لى لسان فأتكلم .
فقيل له : اسمع ، فقال : ليس فى مكان فأسمع .
وقال بعضهم : مكثت ثلاثين سنة لا يسمع لسانى إلا من قلبى ، ثم مكثت
ثلاثين سنة لا يسمع قلبى إلا من لسانى .
وقال بعضهم : لو أسكت لسانك لم تنج من كلام قلك ، ولو صرت رميما لم
تتخلص من حديث نفسك ، ولوجهدت كل الجهد لم تكلمك روحك ، لأنها كاتمة
للسر .
وقيل : لسان الجاهل مفتاح حتفه .
وقيل : المحب إذا سكت هلك ، والعارف إذا سكت ملك .
سمعت محمد بن الحسين ، رحمه الله ، يقول : سمعت عبد الله بن محمد الرازى
يقول : سمعت محمد بن نصر الصائغ يقول : سمعت مردوبه الصائغ يقول : سمعت
الفضيل بن عياض يقول :
من عدَّ كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه .
(١) أى فلكل من النطق والصمت ضرر؛ فعلى المكلف العمل فيها بالهدى المحمدى ليغم أو يسلم.

الباب الثانى عشر
الخوف
الخوف من الله ملك ..
لا يسكن الا فى قلب متق ..

٢٣٤
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للأمام القشيرى)
باب الخوف
قال الله تعالى: ((يدعون ربهم خوفاً وطمعاً))(١).
أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد بن عبدوس الحبرى العدل ، قال : أخبرنا
أبو بكر محمد بن أحمد بن دلويه الدقاق قال : حدثنا محمد بن يزيد قال : حدثنا
عامر بن أبى الفرات قال : حدثنا المسعودى ، عن محمد بن عبد الرحمن ، عن
عيسى بن طلحة ، عن أبى هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
(( لا يدخل النار من بكى من خشية الله تعالى، حتى يلج (٢) اللبن فى الضرع.
ولا يجتمع غبار فى سبيل الله ودخان جهنم فى منخرى عبد أبداً)).
حدثنا أبو نعيم أحمد بن محمد بن إبراهيم المهرجانى قال : حدثنا أبو محمد عبد الله
" ابن محمد بن الحسن بن الشرفى، قال : حدثنا عبد الله بن هاشم قال : حدثنا يحيى
ابن سعيد القطان قال : حدثنا شعبة قال : حدثنا قتادة ، عن أنس ، قال : قال رسول
اللّه صلى الله عليه وسلم :
(لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا، ولبكيتم كثيراً))(٢) .
قلت : الخوف : معنى متعلقه فى المستقبل ، لأنه إنما يخاف أن يحل به
مكروه ، أو يفوته محبوب . ولا يكون هذا إلا لشىء يحصل فى المستقبل .
فأما ما يكون فى الحال موجوداً ، فالخوف لا بتعلق به .
والخوف من اللّه تعالى، هو: أن يخاف أن يعاقبه الله تعالى إما فى الدنيا ،
وإما فى الآخرة .
وقد فرض الله، سبحانه ، على العباد أن يخافوه، فقال تعالى: (( وخافون إن كنتم
مؤمنين ))(٤).
(١) آية ١٦ من سورة السجدة ٠ ١
(٢) يدخل والحديث رواه الترمذى وقال : حسن صحيح.
(٣) رواه أحمد والشيخان والترمذى والنسائى وابن ماجه .
(٤) آية ١٧٥ من سورة آل عمران.

٢٣٥
( باب الخوف )
وقال: ((فاياى فارهبون(١))) ومدح المؤمنين بالخوف فقال: ((يخافون ربهم
من فوقهم)) (٢) .
سمعت الأستاذ أبا على الدقاق ، رحمه الله ، يقول :
الخوف على مراتب : الخوف ، والخشية ، والهيبة .
فالخوف من شرط الإيمان وقضيته. قال الله تعالى: ((وخافون إن كنتم
مؤمنين))(٣) .
والخشية من شرط العلم، قال الله تعالى: ((إنما يخشى الله من عباده العلماء)) (٤)
والهيبة من شرط المعرفة، قال الله تعالى: ((ويحذركم الله نفسه))(٥).
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى ، رحمه الله ، يقول : سمعت محمد بن
على الخبرى يقول : سمعت محفوظاً يقول: سمعت أبا حفص يقول : الخوف سوط
الله تقوم به الشاردين عن بابه .
وقال أبو القاسم الحكيم : الخوف على ضربين : رهبة ، وخشية .
فصاحب الرهبة بلتجىء إلى الهرب إذا خاف ، وصاحب الخشية يلتجىء إلى
[ الرب .
قال رحمه الله: ورهب، وهرب ؛ يصح أن يقال: أنهما واحد معنى، مثل: (٦)
جذب ، وجبذ .
فاذا هرب انجذب فى مقتضى هواه ، كالرهبان الذين اتبعوا أهواءهم
فاذا كبحهم لجام العلم وقاموا بحق الشرع ، فهو الخشية .
سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت عبد الله بن محمد الرازى يقول : سمعت
أبا عتمان يقول : سمعت أبا حفص يقول :
الخوف ، سراج القلب ، به يبصر ما فيه من الخير والشر .
سمعت الأستاذ أبا على الدقاق ، رحمه الله ، يقول :
(١) آية ٥١ من سورة النحل .
(٢) آية ٥٠ من سورة النحل.
(٣) آية ١٧٥ من سورة آل عمران.
(٥) آية ٢٨ من سورة آل عمران .
(٤ ) آية ٢٨ من سورة فاطر .
(٦) فى نسخة : هما واحد أى معناهما واحد وهو الرجوع إلى الطاعة .

٢٣٦
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى )
الخوف ألا تعلل نفسك بعسى وسوف .
سمعت محمد بن الحسين ، يقول : سمعت أبا القاسم الدمشفى تقول : سمعت
آبا عمر الدمشقى يقول :
الخائف ، من يخاف من نفسه أكتر مما بخاف من الشيطان .
وقال ابن الجلاء : الخائف ، من تؤمنه المخوفات (١).
وقيل : ليس الخائف الذى يبكى ويمسح عينيه ، إنما الخائف من بترك ما يخاف
آن بعذب عليه .
وقيل للفضيل (٢) ، ما لنا لا نرى خائفا ؟
فقال : لو كنتم خائفين لرأيتم الخائفين ، إن الخائف لا يراه إلا الخائفون ،
وإن الثكلى(٣)، هى التى تحب أن ترى الثكلى.
وقال يحيى بن معاذ: مسكين ابن آدم ، لوخاف من النار كما يخاف من الفقر
لدخل الجنة .
وقال شاه الكرمانى : علامة الخوف : الحزن الدائم .
وقال أبو القاسم الحكيم : من خاف من شىء هرب منه ، ومن خاف من اللّه
عز وجل هرب إليه .
وسئل ذو النون المصرى ، رحمه الله، متى تتيسر على العمد سبيل الخوف ؟
فقال : إذا أنزل نفسه منزلة السقيم ، بحتمى من كل شىء ؛ مخافة طول
السقام .
وقال معاذ بن جبل ، رضى الله عنه: إن المؤمن لا يطمئن قلبه ، ولا تسكن روعته
حتى بخلف (٤) جسر جهيم وراءه .
وقال بشر الحافى : الخوف من الله ملك لا بسكن إلا فى قلب متف .
وقال أبو عتمان الخبرى : عيب الخائف فى خوفه السكون إلى خوفه لأنه أمر
خف .
(١) أى تجعله فى أمان. بأن يأمن منها فى حال طروقها عليه فلا تؤثر فيه لغيبته عنها بخوف الله.
(٢) الى فقدت ولدها .
(٤) بجاوز ويبرك.
(٣) هو ابن عياض.

٢٣٧
( باب الخوف )
وقال الواسطى : الخوف حجاب بين اللّه تعالى وبين العبد .
وهذا اللفظ فيه إشكال(١) ومعناه : أن الخائف متطلع لوقت ثان .
وأبناء الوقت (٢) لا تطلع لهم فى المستقبل، وحسنات الأبرار سيئات المقربين .
سمعت محمد بن الحسين ، رحمه الله ، يقول : سمعت محمد بن النهاوندى
يقول: سمعت ابن فاتك يقول: سمعت النورى يقول: ((الخائف يهرب من ربه
إلى ربه)) .
وقال بعضهم : علامة الخوف ، التحير (٣) والوقوف على باب الغيب :
سمعت أبا عبد الله الصوفى يقول : سمعت على بن إبراهيم العكبرى يقول :
سمعت الجنيد وقد سئل عن الخوف ، فقال :
هو توقع العقوبة مع مجارى الأنفاس .
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى ، رحمه الله يقول : سمعت الحسين بن
أحمد الصفار يقول : سمعت محمد بن المسيب يقول : سمعت هاشم بن خالد يقول :
سمعت أبا سليمان الدارنى يقول :
ما فارق الخوف قلباً إلا خرب .
وسمعته يقول : سمعت عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن يقول : سمعت
أبا عثمان يقول :
صدق الخوف ، هو الورع عن الآثام ظاهراً وباطناً .
وقال ذو النون : الناس على الطريق ما لم يزل عنهم الخوف ، فاذا زال عنهم
الخوف ضلوا عن الطريق .
وقال حاتم الأصم : لكل شىء زينة ، وزينة العبادة الخوف ، وعلامة الخوف
قصر الأمل .
وقال رجل لبشر الحافى : أراك تخاف الموت . .
فقال : القدوم على الله ، عز وجل ، شدید .
(١) لأن الخوف مطلوب، فكيف يكون حجاباً بين الخائف وربه ؟
(٢) وهم الصوفية .
(٣) أى القلق فى أسباب النجاة والخلاص مما يوجب العقاب.

٢٣٨
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى )
سمعت الأستاذ أبا على الدقاق ، يقول : دخلت على الإمام أبى بكر بن فورك
عائداً ، فلما رآ نى دمعت عيناه ، فقلت له : إن شاء(١) الله تعالى بعافيك ويشفيك .
فقال لى : ترانى أخاف من الموت؟ إنما أخاف مما وراء الموت ! !.
أخبرنا على بن أحمد الأهوازى قال : أخبرنا أحمد بن عبيد قال : حدثنا محمد
ابن عثمان قال : حدثنا القاسم بن محمد قال : حدثنا يحيى بن يمان ، عن مالك بن
مغول ، عن عبد الرحمن بن سعيد بن موهب ، عن عائشة رضى الله عنها ، قالت :
قلت :
· يا رسول الله، الذين يؤتون ما آتوا ، وقلوبهم وجلة ، أهو الرجل يسرق ويزنى
ويشرب الخمر ؟
قال: لا ، ولكن الرجل يصوم ويصلى ويتصدق ويخاف أن لا يقبل منه (٢).
وقال ابن المبارك ، رحمه الله ، الذى يهيج الخوف حتى بسكن فى القلب دوام
المراقبة فى السر والعلانية .
سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت محمد بن الحسن يقول : سمعت أبا القاسم
ابن أبى موسى يقول : سمعت محمد بن أحمد ، قال : حدثنا على الرازى قال :
سمعت ابن المبارك ، رحمه الله يقول ذلك .
وسمعت محمد بن الحسين يقول ، سمعت أبا بكر الرازى يقول : سمعت
إبراهيم بن شيبان يقول :
إذا سكن الخوف القلب أحرق مواضع الشهوات منه ، وطرد رغبة الدنيا عنه .
وقيل ، الخوف ، قوة العلم بمجارى الأحكام .
وقيل ، الخوف ، حركة القلب من جلال الرب .
وقال أبو سليمان الدارانى ، ينبغى للقلب أن لا يكون الغالب عليه إلا الخوف ،
فانه إذا غلب الرجاء على القلب فسد القلب .
(١) وفى نسخة إن الله سبحانه.
(٢) رواه أحمد والترمذى .

٢٣٩
( باب الخوف )
ثم قال : يا أحمد ، بالخوف ارتفعوا ، فان ضيعوه نزلوا .
وقال الواسطى : الخوف؛ والرجاء ، زمامان على النفوس ، لئلا، تخرج إلى
رعوناتها .
وقال الواسطى : إذا ظهر (١) الحق على السرائر ، لا يبقى فيها فضلة الرجاء
ولا لخوف .
قال الأستاذ أبو القاسم : وهذا فيه إشكال . ومعناه : إذا اصطلمت (٢) شواهد
الحق ، تعالى ، الأسرار ملكتها ، فلا يبقى فيها مساغ لذكر حدثان (٣) ، والخوف
والرجاء من آثار بقاء الإحساس بأحكام البشربة .
وقال الحسين بن منصور : من خاف من شىء سوى الله عز وجل أو رجا سواه
أغلق عليه أبواب كل شىء ، وسلط عليه المخافة ؛ وحجبه (٤) بسبعين حجاباً أسرها
الشك ، وإن مما أوجب شدة خوفهم ، فكرهم فى العواقب ، وخشية تغير أحوالهم ،:
قال الله تعالى: ((وبدالهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون)) (٥) وقال الله تعالى: ((قل هل
ننئكم بالأخسرين أعمالا ؟ الذين ضل سعيهم فى الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم
يحسنون صنعا .. (٦).
فكم من مغلوط (٧) فى أحواله أنعكست عليه الحال ، ومنى بمقارنة (٨) قبيح
الأفعال ، فبدل بالأنس وحشة ، وبالحضور غيبة ..
سمعت الأستاذ أما على الدقاق ، رحمه الله ، ينشد كثيراً :
أحسنت ظنك بالأيام إذ حسنت ولم تخف سوء ما بأتى به القدر
وعند صفو الليالى يحدث الكدر
وسالمتك الليالى فاغتررت بها
سمعت منصور بن خلف المغربى يقول :
كان رجلان اصطحبا فى الإرادة (٩) برهة من الزمان . تم إن أحدهما سافر، وفارق
(١) غلب .
(٣) أى حديث أو حادثة .
(٦) آية ١٠٤ من سورة الكهف .
(٧) المغبوط: هو من يتمنى غيره مثل ماثبت له من الخير مع عدم ميل ذلك الغير إلى زوال نعمته عنه.
(٨) مخالطة .
(٢) استأصلت .
(٤) وفى نسخة ((وحجب قلبه)).
(٥ ) آية ٤٧ من سورة الزمر .
(٩) إرادة العبادة والخير .

٢٤٠
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى )
صاحبه ... وأنّ عليه مدة من الزمان ولم يسمع منه (١) خبرا .. فيينا هذا الآخر
كان فى غزاة يقاتل عسكر الروم إذ خرج على المسلمين رجل مقنع فى السلاح ،
يطلب المبارزة .. فخرج إليه من أبطال المسلمين واحد ، فتتله الرومى .. ثم خرج
آخر فقتله .. ثم ثالث فقتله ، فخرج إليه هذا الصوفى .. وتطاردا (٢) ، فحسر الرومى
عن وجهه ، فإذا هو صاحبه للذى صحبه فى الإرادة والعبادة سنين .
فقال : هذا له : إيش الخبر ؟
فقال: إنه ارتد .. وخالط القوم .. وولد له أولاد .. واجتمع له مال .
فقال له : كنت تقرأ القرآن بقراءات كثيرة ؟ .
فقال : لا أذكر منه حرفا .
فقال له هذا الصوفى : لا تفعل ، وارجع . فقال : لا أفعل ، فلى فيهم جاه
ومال ، فانصرف أنت عنى ، وإلا لأفعلن بك ما فعلت بأولئك .
فقال له الصوفى : اعلم أنك قتلت ثلاثة من المسلمين ، وليس عليك أنفة فى
الانصراف ، فانصرف أنت وأنا أمهلك .
فرجع الرجل مولياً . . فتبعه هذا الصوفى ، وطعنه ، فقتله .
فبعد تلك المجاهدات ، ومقاساة تلك الرياضيات ، قتل على النصرانية .
وقيل : لما ظهر على إبليس ماظهر ، طفق جبربل ، وميكائيل ، عليهما السلام
يبكيان زماناً طويلا ، فأوحى الله، تعالى، إليهما: مالكما تبكيان كل هذا البكاء ؟
فقالا : ياربنا ، لا نأمن مكرك .
فقال الله تعالى : هكذا كونا ، لا تأمنا مكرى .
ويحكى عن السرى السقطى أنه قال :
إنى لأنظر إلى آنفى فى اليوم كذا مرة ؛ مخافة أن يكون قد اسود ، لما أخافه من
للعقوبة ! !
وقال أبو حفص : منذ أربعين سنة اعتقادى فى نفسى ، أن الله؛ تعالى ، نظر
إلى نظر السخط ، وأعمالى تدل على ذلك .
(١) أى عنه .
( ٢) تضاربا .

٢٤١
· ( باب الخوف )
وقال حاتم الأصم : لا تغتر بموضع صالح ، فلا مكان أصلح من الجنة ، فلقى
آدم ، عليه السلام، فيها ما لقى !!. ولا تغتر بكثرة العادة؛ فان إبليس بعد طول
تعبده لفى مالق !! ولا تغتر بكثرة العلم؛ فان ((بلعام)) (١) كان يحسن اسم الله الأعظم
فانظر ماذا لف ! ! ولا تغتر برؤية الصالحين فلا شخص أكبر قدراً من المصطفى ،
صلى الله عليه وسلم ، ولم ينتفع بلقائه أقاربه وأعداؤه .
وخرج ابن المبارك يوماً على أصحابه فقال :
" إنى قد اجترأت البارحة على الله عز وجل : سألته الجنة .
وقيل : خرج عيسى عليه السلام ، ومعه صالح من صالحى بنى إسرائيل فتبعهما
رجل خاطىء مشهور بالفسق فيهم ، فقعد منتبذاً عنهما ، منكسراً، فدعا الله سبحانه
وقال : اللهم اغفر لى .
ودعا هذا الصالح وقال : اللهم لا تجمع غدا بينى وبين ذلك العاصى ..
فاوحى الله تعالى إلى عيسى عليه السلام: أنى قد استجبت دعاءهما جميعاً،
رددت ذلك الصالح ، وغفرت لذلك المجرم .
وقال ذو النون المصرى : قلت لسليم . لم سميت مجنوناً؟ .
خال ، لا طال حبسى عنه صرت مجنوناً لخوف فراقه فى الآخرة .
وى معناه انشدوا :
لو آن مائى على صخر لأنحله فكيف يحمله خلق من الطين ؟
وقال بعضهم ، ما رأيت رجلا أعظم رجاء لهذه الأمة ، ولا أشد خوفاً على
نفسه، من ((ابن سيرين)).
وقيل ، مرض سفيان الثورى ، فعرض دليله(٢) على الطبيب ، فقال هذا رجل
قطع الخوف كمده .
ثم جاء وجس عرقه(٣) ، ثم قال ، ماعلمت أن فى الحنيفية مثله .
وسئل الشلى ، لم تصفر الشمس عند الغروب ؟ .
(١) ويقال له: ((بلعم بن باعورا) من علماء بنى إسرائيل.
(٢) أى ما يستدل به على مرضه .
(٣) نبضه,

٢٤٢
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشبرى )
--
فقال : لأنها عزلت عن مكان التمام ، فاصفرت لخوف المقام .
وكذا المؤمن إذا قارب خروجه من الدنيا اصفر لونه ، لأنه يخاف المقام .
فإذا طلعت الشمس طلعت مضيئة ، كذلك المؤمن ، إذا بعث من قبره خرج
ووجهه شرق .
ويحكى عن أحمد بن حنبل ، رحمه الله تعالى ، أنه قال :
سألت ربى ، عز وجل ، أن يفتح على باباً من الخوف ، ففتح ، فخفت على
عقلى ، فقلت : يارب ، اعطنى على قدر ما أطيق ، فسكن ذلك عنى .

الباب الثالث عشر
الرجاء
أحلى العطايا فى قلبى رجاؤك
.. وأعذب الكلام على لسانى
ثناؤك .. وأحب الساعات
الى ساعة يكون فيها لقاؤك ..

٢٤٤
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للأمام القشيرى)
باب الرجاء
قال الله تعالى: ((من كان يرجو لقاء الله، فان أجل اللّه لآت)) (١).
أخبرنا أبو الحسن على بن أحمد الأهوازى ، قال : أخبرنا أحمد بن عبيد
الصفار ، قال : حدثنا عمرو بن مسلم الثقفى قال : حدثنا الحسن بن خالد قال : حدثنا
العلاء بن زيد ، قال :
دخلت على مالك بن دينار ، فرأيت عنده شهر بن حوشب .. فلما خرجنا من
عنده ، قلت لشهر : برحمك الله تعالى ، زودنى ، زودك الله تعالى :
فقال : نعم ، حدثتنى عمى أم الدرداء ، عن أبى الدرداء ، عن نبى الله ، صلى
الله عليه وسلم، عن جبريل عليه السلام، قال: ((قال ربكم عز وجل عبدى ،
ما عدتنى ورجوتني ولم تشرك بي شيئاً غفرت لك على ما كان منك ، ولو استقبلتنى
ملء الأرض خطايا وذنوبا، استقبلتك بمثلها (٢) مغفرة، فأغفر لك ولا أمالى)) (٣).
أخبرنا على بن أحمد قال : أخبرنا أحمد بن عبيد قال . حدثنا بشر بن موسى ،
قال : حدثنا خلف بن الوليد ، قال : حدثنا مروان بن معاوية الفزارى قال : حدثنا
أبو سفيان طريف ، عن عبد الله بن الحارث ، عن أنس بن مالك قال : قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم (( يقول الله تعالى، يوم القيامة: أخرجوا من النار من كان فى
قلبه مثقال حبة شعير من إيمان ، ثم يقول : أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال
حبة خردل من إيمان ، ثم يقول : وعزتى وجلال لا أجعل من آمن بى ساعة من ليل
أو نهار کمن لم يؤمن بی )»(٤) .
الرجاء : تعلق القلب بمحبوب سيحصل فى المستقبل .
وكما أن الخوف يقع فى مستقبل الزمان ، فكذلك الرجاء يحصل لما يؤمل فى
الاستقبال وبالرجاء عيش القلوب ، واستقلالها (٥)
(١) آية ٥ من سورة العنكبوت.
(٢) وفى رواية بمثلهن.
(٣) رواه الطبر انى عن أبى الدرداء بسند حسن والترمذى بنحوه وقال حسن.
(٤) أوله فى الصحيحين .
(٥) أى: بالأجر الأخروى.

٢٤٥
( باب الرجاء )
والفرق بين الرجاء ، وبين التمنى، أن التمنى: يورث صاحبه الكسل (١)، ولا سلك
.طريق الجهد والجد ، ويعكسه صاحب الرجاء ، فالرجاء محمود، والتمنى معلول (٢).
وتكلموا فى الرجاء ، فقال شاه الكرمانى : علامة الرجاء : حسن الطاعة .
وقال ابن خبيق : الرجاء ثلاثة :
رجل عمل حسنة ، فهو يرجو قبولها .
ورجل عمل سيئة ، ثم تاب ، فهو يرجو المغفرة .
والثالث : الرجل الكاذب ، يتمادى فى الذنوب ، ويقول أرجو المغفرة .
ومن عرف نفسه بالإساءة ينبغى أن يكون خوفه غالباً على رجائه .
وقيل : الرجاء : ثقة الجود من الكريم الودود .
وقيل : الرجاء : رؤية الجلال بعين الجمال .
وقيل : هو قرب القلب من ملاطفة الرب .
وقيل : سرور الفؤاد بحسن المعاد .
وقيل : هو النظر إلى سعة رحمة الله تعالى.
سمعت الشيخ أنا عبد الرحمن السلمى ، رحمه الله، يقول : سمعت منصور بن
عبد الله يقول : سمعت أبا على الروذبارى بقول : الخوف ، والرجاء ، هما كجناحى
الطائر، إذا استوبا استوى الطير، وتم طيرانه ، وإذا نقص أحدهما وقع فيه النقص ،
وإذا ذهبا صار الطائر فى حدّ الموت .
وسمعته يقول : سمعت النصراباذى يقول : سمعت ابن أبى حاتم يقول : سمعت
على بن شهرذان يقول : قال أحمد بن عاصم الأنطاكى ، وسئل ماعلامة الرجاء
فى العبد ؟ قال :
أن يكون إذا أحاط به الإحسان أهم الشكر ، راجياً لتمام النعمة من الله تعالى
عليه فى الدنيا ، وتمام عفوه فى الآخرة .
وقال أبو عبد الله بن خفيف: الرجاء : استبشار بوجود فضله.
(١) وفى نسخة ((يصاحبه الكسل)) .
(٢) مدموم.

٢٤٦
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للأمام القشيرى )
وقال : ارتياح القلوب لرؤية كرم المرجو المحبوب .
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى ، رحمه الله ، يقول : سمعت أبا عثمان
المغربى يقول : من حمل نفسه على الرجاء تعطل ، ومن حمل نفسه على الخوف
قنط ، ولكن من هذه مرة ، ومن هذه مرة .
وسمعته يقول : حدثنا أبو العباس البغدادى قال: حدثنا الحسن بن صفوان قال:
حدثنا ابن أبى الدنيا ، قال : حدثت عن بكر بن سليم الصواف ، قال : دخلنا على
مالك بن أنس فى العشية التى قبض فيها ، فقلنا . يا أبا عبد اللّه ، كيف تجدك ؟
فقال : ما أدرى ما أقول لكم ؛ غير أنكم ستعاينون من عفو الله تعالى ، ما لم
يكن لكم فى حساب ، ثم ما برحنا حتى أغمضناه .
وقال يحيى بن معاذ : يكاد رجائى لك مع الذنوب ، يغلب رجائى لك مع
الأعمال ؛ لأنى أجدنى أعتمد فى الأعمال على الإخلاص ، وكيف أحرزها(١) وأنا
بالآفة معروف .. وأجدنى فى الذنوب أعتمد على عفوك ، وكيف لا تغفرها وأنت
بالجود موصوف .
وكلموا ذا النون المصرى، وهو فى النزع ، فقال لا تشغلونى ؟ فقد تعجبت من
. كثرة لطف الله تعالى معى .
وقال يحيى بن معاذ : الهى ، أحلى العطايا فى قلبى رجاؤك ، وأعذب الكلام
على لسانى ثناؤك ، وأحب الساعات إلى ساعة يكون فيها لقاؤك .
وفى بعض التفاسير ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على أصحابه،
من باب بنى شيبة ، فرآهم يضحكون فقال : أتضحكون ؟ لو تعلمون ما أعلم
لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيراً)) ثم مر ، ثم رجع الفهقرى ، وقال : نزل على جبريل ،
عليه السلام، وأتى بقوله تعالى: ((نيء عبادى أنى أنا الغفور الرحيم)) (٢) .
أخبرنا أبو الحسن على بن أحمد الأهوازى قال : حدثنا أبو الحسن الصفار قال :
حدثنا عباس بن تميم قال : حدثنا يحيى بن أيوب قال حدثنا مسلم بن سالم قال : حدثنا
خارجة بن مصعب ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن عائشة ، قالت :
(١) أى أحفظها من الآفة .
(٢) آية ٤٩ من سورة الحجر والحديث رواه ابن أبي حاتم وابن جرير بنحو).

٢٤٧
( باب الرجاء )
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن الله تعالى ليضحك من يأس
العباد وقنوطهم وقرب الرحمة منهم ، فقلت : بأبى وأمى يا رسول الله ، أو يضحك
ربنا عز وجل ؟
فقال: والذى نفسى بيده ، إنه ليضحك، فقالت: لا يعدمنا خبراً إذا ضحك)).
واعلم أن الضحك فى وصفه من صفات فعله ، وهو إظهار فضله ، كما يقال:
ضحكت الأرض بالنبات(١) . وضحكه من قنوطهم إظهار تحقيق فضله الذى هو
ضعف انتظارهم له .
وقيل : إن مجوسياً استضاف (٢) ابراهيم الخليل، عليه السلام ، فقال له : إن
أسلمت أضفتك . فقال المجوسى : إذا أسلمت فأى منة تكون لك على ؟ فمر المجوسى ،
فأوحى الله تعالى إلى ابراهيم ، عليه السلام: با ابراهيم، لم تطعمه إلا بتغييره دينه ؟.
"ونحن منذ سبعين سنة نطعمه على كفره ، فلو أضفته ليلة ماذا عليك ؟
قمر ابراهيم ، عليه السلام ، خلف المجوسى ، وأضافه ، فقال له المجوسى : أى
شىء كان السبب فى الذى بدا لك ؟ فذكر له ذلك ، فقال له المجوسى: أهكذا يعاملنى ؟
ثم قال : أعرض على الإسلام . فأسلم .
سمعت الشيخ أبا على الدقاق ، رحمه الله ، يقول : رأى الأستاذ أبو سهل
الصعلوكى ، رحمه اللّه ، أبا سهل الزجاج فى النوم(٣)، وكان بقول بوعيد الأبد(٤)
فقال له : كيف حالك ؟
فقال : وجدنا الأمر أسهل مما توهمنا .
سمعت أبا بكر بن أشكيب بقول : رأيت الأستاذ أبا سهل الصعلوكى فى المنام
على هيئة حسنة لا توصف ، فقلت له . يا أستاذ ، بم نلت هذا ؟ ، فقال : بحسن
ظنى بربى .
(١) أى أخرجته منها .
(٢) طلب منه أن يضفه .
(٣) وفى نسخة: فى ((المنام)).
(٤) أى أن اللّه إذا توعد على معصية بعقاب ((فلا بد من وقوعه .