Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨٣ ( أبو الحسن أحمد بن محمد النورى ) سمعت عبد الله بن يوسف الأصبهاني رحمه الله يقول : سمعت أبا عمرو بن نجيد يقول : سمعت أبا عتمان يقول : من أمر (١) السنة على نفسه قولا وفعلا نطق بالحكمة ، ومن امر الهوى على نفسه قولا وفعلا نطق بالبدعة، قال الله تعالى: ((وإن تطيعوه مهتدوا))(٢). أبو الحسين أحمد بن محمد النورى بغدادى المولد والمنشأ ، بغوى الأصل . صحب السرى السقطى ، وابن أبى الحوارى . وكان من أقران الجنيد رحمه الله . مات سنة : خمس وتسعين ومائتين . وكان كبير الشأن ، حسن المعاملة واللسان . قال النورى ، رحمه الله : التصوف : ترك كل حظ للنفس . وقال النورى : أعز الأشياء فى زماننا شيئان : عالم تعمل بعلمه ، وعارف ينطق عن حقيقة . سمعت أبا عبد الله الصوفى ، رحمه الله، يقول: سمعت أحمد بن محمد البرذعى يقول : سمعت المرتعش يقول : سمعت النورى يقول : من رأيته يدعى مع الله حالة تخرجه عن حد العلم الشرعى فلا تقرين منه . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى ، رحمه الله ، يقول: سمعت أبا العباس البغدادى يقول : سمعت الفرغانى بقول : سمعت الجنيد يقول : منذ مات النورى لم يخبر عن حقيقة الصدق أحد . وقال أبو أحمد المغازلى : (١) لازمها ولم يخرج عنها . (٢) آية ٥٤ من سورة النور ، ومن أقواله أيضاً: ((حق على من أعزه الله بالطاعة، أن لا يذل نفسه بالمعصية)) ((أصل التعليق بالخير، قصر الأمل .. ومادمت تتبع شهوتك وإرادتك فأنت مسجون. فاذا فوضت أمرك إلى الله وسلمت استرحت)) .. أى مع العمل . ((أسحب الأغنياء بالتعزز، والفقراء بالتذلل .. فان التعزز على الأغنياء تواضع، والتذلل للفقراء شرف . («علامة السعادة أن تطيع الله وتخاف أن تكون مردودا، والشقاوة : أن تعصيه وترجو أن تكون مقبولا . ٨٤ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى ) ما رأيت أعبد من النورى ، قيل : ولا الجنيد . قال : ولا الجنيد . وقال النورى: كانت المراقع غطاء على الدر ، فصارت اليوم مزابل على جيف . وقيل : كان يخرج كل يوم من داره ، ويحمل الخبز معه ، تم يتصدقبه فى الطريق ، ويدخل مسجداً يصلى فيه إلى قريب من الظهر ؛ ثم يخرج منه ويفتح باب حانوته ، ويصوم(١) . فكان أهله يتوهمون أنه يأكل فى السوق ، وأهل السوق يتوهمون أنه يأكل فى بيته . وبقى على هذا (٢) فى ابتدائه عشرين سنة(٣). أبو عبد الله أحمد بن يحيى الجلاء بغدادى الأصل ، أقام بالرملة ودمشق . من أكابر مشايخ الشام . . صحب أبا تراب ، وذا النون ، وأبا عبيد البسرى : وأباه يحيى الجلاء . سمعت محمد بن الحسين ، رحمه الله ، يقول : سمعت محمد بن عبد العزيز الطبرى بقول : سمعت أبا عمر الدمشقى ، يقول : سمعت ابن الجلاء يقول : قلت لأبى وأمى : أحب أن تهبانى لله عز وجل. فقالا: قد وهبناك لله عز وجل . فغبت عنهما مدة ، فلما رجعت كانت ليلة مطيرة ، فدققت الباب ، فقال لى أبى : من ذا ؟ قلت : ولدك أحمد . فقال: كان لنا ولد ، فوهبناه لله تعالى ، ونحن من العرب لا نسترجع ماوهبناه . ولم يفتح لى الباب . وقال ابن الجلاء : من استوى عنده المدح والذم ، فهو زاهد . ومن حافظ على الفرائض فى أول مواقيتها فهو عابد ، ومن رأى الأفعال كلها من اللّه ، فهو موحد لا يرى إلا واحداً . ولما مات ابن الجلاء نظروا إليه ، وهو يضحك : فقال الطبيب : إنه حى . ثم نظر إلى مجسته فقال: إنه ميت . ثم كشف عن وجهه ، فقال: لا أدرى أهو ميت أم حى .. (١) بقية يومه. (٢) وفى نسخة أخرى ((وبنى على هذا النهج)) أى الطريق: وهو اخفاء حاله فى عبادة ربه . (٣) ومن كلامه : ((من وصل إلى وده، أنس بحبه .. ومن توصل بالوداد، فقد اصطفاه الله من بين العباد)). ((فعت الفقير السكون عند العدم، والبذل والإيثار عند الوجدان)) .. ٨٥ ( أبو محمد رويم بن أحمد ) وكان فى داخل جلده عرق على شكل ( الله) . وقال ابن الجلاء ، رحمه الله ، كنت أمشى مع أستاذى ، فرأيت حدثاً جميلا، فقلت : ما أستاذى ، ترى يعذب الله هذه الصورة ؟ فقال: أو نظرت إليه .. سترى غيه (١). قال : فنسيت القرآن بعده بعشرين سنة (٢). أبو محمد رويم بن أحمد بغدادى ، من أجلة المشايخ . مات : سنة ثلاث وثلاثمائة . وكان مقرئاً ، وفقيهاً على مذهب داود (٣) . قال رويم : من حكم الحكيم ، أن يوسع على إخوانه فى الأحكام ويضيق على نفسه فيها ، فان التوسعة عليهم اتباع العلم ، والتضييق على نفسه من حكم الورع . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السامى ، رحمه الله ، يقول : سمعت عبد الواحد ابن بكر يقول : سمعت أبا عبد الله بن خفيف يقول: سألت روما ، فقلت : أوصنى . فقال: ما هذا الأمر ، إلا ببذل الروح (٤)، فان أمكنك الدخول فيه مع هذا ، وإلا فلا تشتغل بترهات (٥) الصوفية . وقال رويم : قعودك مع كل طبقة من الناس أسلم من قعودك مع الصوفية ، فان كل الخلق قعدوا على الرسوم(٦) ، وقعدت هذه الطائفة على الحقائق وطالب الخلق كلهم أنفسهم بظواهر الشرع ، وطالب هؤلاء أنفسهم بحقيقة الورع ، ومداومة الصدق ، فمن قعد معهم وخالفهم فى شىء مما يتحققون به نزع الله نور الإيمان من قلبه . (١) غبه : عاقبته . (٢) ومن أقواله : (( سمت هم المريدين إلى طلب الطريق إليه، فافنوا نفوسهم فى الطلب، وسمت هم العارفين إلى مولاهم فلم تعطف على شى سواء. الحق استصحب أقواما الكلام ، واستصحب أقواما للخلف .. من استصحبه الحق لمعنى ابتلاه بأنواع المحن .. فليحذر أحدكم طلب رتبة الأكابر . (( ... من بلغ بنفسه إلى رتبة سقط عنها ، ومن بلغ به تبت عليها . (٣) داود الظاهرى: وهو أبو سليمان، داود بن على بن خلف الأصبهافى، أحد الأئمة المجتهدين فى الإسلام تنسب إليه الطائفة الظاهرية، وسميت بذلك لأخذها بظاهر الكتاب والسنة واعراضها عن التأويل والرأى والقباس. مولده فى الكوفة سنة ٢٠١هـ، (٤) أى بذل الجهد فى الطاعات والإعراض عن المحرمات. وتوفى ببغداد سنة ٢٧٠ هـ . (٥ ) جمع ترهة : وهى الأباطيل والخرافات . (٦) أى أكتفوا بالأعمال الظاهرية. ٨٦ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى ) وقال رويم : اجتزت ببغداد وقت الهاجرة ببعض السكك ، وأنا عطشان ، فاستقيت من دار، ففتحت صبية بابها ، ومعها كوز، فلما رأتنى قالت : صوفی یشرب بالنهار .. فما أفطرت بعد ذلك اليوم قط . وقال رويم: إذا رزقك الله المقال (١)، والفعال ، فأخذ منك المقال وأبقى عليك الفعّال فانها نعمة ، وإذا أخذ منك الفعال ، وأبقى عليك المقال ، فانها مصيبة ، وإذا أخذ منك كليهما فهى نقمة وعقوبة (٢) . أبو عبد الله محمد بن الفضل البلغی ساكن سمرقند : بلخى الأصل ، أخرج منها ، فدخل سمرقند ، ومات بها . وصحب أحمد بن خضرويه ، وغيره ، وكان أبو عتمان الحبرى يميل إليه جداً . مات سنة : تسع عشرة وثلاثمائة . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى ، رحمه الله، يقول : سمعت أحمد بن محمد الفراء ، يقول : سمعت أبا بكر بن عتمان يقول: كتب أبوعتمان الحبرى إلى محمد بن الفضل يسأله : ما علامة الشقاوة ؟ فقال : ثلاثة أشياء : يرزق العلم ويحرم العمل ، ويرزق العمل ويحرم الإخلاص ، ويرزق صحبه الصالحين ولا يحترم لهم . وكان أبوعتمان الحيرى يقول : محمد بن الفضل سمسار (٣) الرجال. سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت عبد الله الرازى يقول : سمعت محمد ابن الفضل يقول : الراحة فى السجن (٤) من آمانى النفوس. سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت أبا بكر الرازى يقول : سمعت محمد ابن الفضل بقول : (١) المقال: أى العلم - والفعال: أى العمل به. (٢) ومن أقواله . ((السكون إلى الأحوال اغترار)) .. ،. ((ريا العارفين أفضل من إخلاص المريدين))،. ((الفقر له حرمة، وحرمته ستره وإخفاؤه والغيرة عليه والضن بكشفه)) . (( الاخلاص: ارتفاع رؤيتك عن فعلك، والفتوة: أن تعذر إخوانك فى زللهم، ولا تعاملهم بما يحوح إلى الاعتذار إليهم )) ((الصبر : ترك الشكوى، والرضا : التلذذ بالبلوى، واليقين : المشاهدة بالبصيرة. (٣) أى يعرف أقدارهم ورتبهم، فى الدين، كما يعرف سمسار السلع قدرها وقدر أثمانها . (٤) المراد بالسجن: الدنيا، مصداقاً لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: ((الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر)). ٨٧ أبو بكر أحمد بن نصر الزقاق الكبير ذهاب الإسلام من أربعة : لا يعملون بما يعلمون ، ويعملون بما لا يعلمون ، ولا يتعلمون مالا يعلمون ، ويمنعون الناس من التعلم . وبهذا الإسناد ، قال : العجب ممن بقطع المفاوز ليصل إلى بيته(١) ، فيرى آثار النبوة ، كيف لايقطع نفسه وهواه ، ليصل إلى قلبه فيرى آثار ربه عز وجل . ؟ وقال : إذا رأيت المريد يستزيد من الدنيا ، فذلك من علامات إداره . وسئل عن الزهد ، فقال : النظر إلى الدنيا بعين النقص والإعراض عنها تعززاً، وتظرفاً (٢)، وتشرفا . أبو بكر أحمد بن نصر الزقاق الكبير كان من أقران الجنيد . من أكابر مصر . سمعت محمد بن الحسين ، رحمه الله ، يقول : سمعت الحسين بن أحمد يقول: سمعت الكتانى يقول : لما مات الزقاق انقطعت حجة الفقراء فى دخولهم مصر (٣). وقال الزقاق: من لم يصحبه التقى فى فقره أكل الحرام المحض . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى ، رحمه الله ، يقول : سمعت محمد ابن عبد الله بن عبد العزيز يقول : سمعت الزقاق بقول : تهت فى تيه بنى إسرائيل مقدار خمسة عشر يوماً ، فلما وقعت على الطريق استقبلنى إنسان جندى ، فسقانى شربة من ماء ، فعادت قسوتها على قلبى ثلاثين سنة . (٢) ومن أفواله: ((أعرف الناس بالله: اشدهم مجاهدة فى أوامره، وأتبعهم (١) أى بيت الله تعالى. لسنة نبيه صلى الله عليه وسلم)) قال: ((من استوى عنده مادون الله نال المعرفة بالله)) ((أنزل نفسك منزلة من لا حاحه له فيها، ولا بدله منها، فان من ملك نفسه عز، ومن ملكته نفسه دل) . ومن كلامه : (ست خصال يعرف بها الجاهل : الغضب فى غير شىء؛ والكلام فى غير نفع، والعظة فى غير موضعها؛ وإفشاء السر؛ والمقه بكل أحد ، ولا يعرف صديقه من عدوه أهـ . (٣) أى أن الفقراء الذين يدخلون مصر بعد وفاته يهمون بأن دخولهم مصر إما يكون الاستزادة من خير اها المادية الوافرة وليس للاستفادة الروحية التى انتهت - فى نظر القائل - بوفاة الزقاق. ٨٨ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى ) أبو عبد الله عمرو بن عثمان المكى لقى أنا عبد الله النباجى ، وصحب أنا سعيد الخراز ، وغيره . شيخ القوم ، وإمام الطائفة فى الأصول والطريقة . مات ببغداد سنة : إحدى وتسعين ومائتين : سمعت محمد بن الحسين ، رحمه الله ، يقول : سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان ، بقول : سمعت أبا بكر محمد بن أحمد بقول : سمعت عمرو بن المكى يقول: كل ماتوهمه قلبك ، أو رسخ (١) فى مجارى فكرتك ، أو خطر فى معارضات قلبك من حسن ، أو بهاء ، أو أنس ، أو جمال ، أو ضياء ، أو شبح ، أو نور ، أو شخص، أو خيال، فالله تعالى بعيد من ذلك، ألا تسمع إلى قوله تعالى: ((ليس كمثله شىء؛ وهو السميع البصير)) وقال: ((لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد)). وبهذا الإسناد قال : العلم قائد ، والخوف سائق ، والنفس حرون بين ذلك ، جموح ، خداعة ، رواغة ، فاحذرها بسياسة العلم ، وسقها بتهديد الخوف يتم لك ما تريد . وقال : لا تقع على الواجد (٢) عبارة، لأنه سر الله عند المؤمنين (٣) . سمنون بن حمزة وكنيته : أبو الحسن ، ويقال : أبو القاسم . ١ صحب السرى ، وأبا أحمد القلانسى ، ومحمد بن على القصار ؛ وغيرهم . قيل إنه أنشد : وليس لى فى سواك حظ فكيفما شئت فاختبر نى (١) وفى نسخة أخرى ( أو سنح) أى عرض وخطر . (٢) وفى نسخة أخرى (الوجد). عبارة : أى يعبر بها عنه. (٣) وقال: (الصبر: الثبات مع اللّه، وملاقاة بلائه بالرحب والدعة المروءة: التفاعل عن رلل الإخوان ) ٨٩ ( سمنون بن حمزة ) فأخذه الآسر (١) من ساعته . فكان يدور على المكاتب ، ويقول : ادعوا لعمكم الكذاب . وقيل : إنه أنشد هذه الأبيات ، فقال بعض أصحابه لبعض : سمعت البارحة ، وكنت فى الرستاق صوت أستاذنا ((سمنون)) يدعو الله، ويتضرع إليه، ويسأله الشفاء. فقال آخر : وأنا أيضاً ، كنت سمعت هذا البارحة ، وكنت بالموضع الفلانى . فقال ثالث ، ورابع ، مثل هذا ، فأخبر سمنون ، وكان قد امتحن بعلة الأسر ، وكان يصبر ولا يجزع ، فلما سمعهم يقولون هذا ؛ ولم يكن هو دعا ؛ ولانطق بشىء من ذلك ، علم أن المقصود منه إظهار الجزع تأدباً بالعبودية ، وستراً لحاله ، فأخذ يطوف على المكاتب ويقول : ادعوا لعمكم الكذاب . سمعت محمد بن الحسين ، رحمه الله ، يقول : سمعت أبا العباس محمد بن الحسن البغدادى يقول : سمعت جعفراً الخلدى يقول : قال لى أبو أحمد المغازلى: كان يبغداد رجل فرق على الفقراء أربعين ألف درهم ، فقال لى سمنون : يا أبا أحمد ، ألا ترى ما قد أنفق هذا ، وما قد عمله؟ ونحن ما نجد شيئاً .. فامض بنا إلى موضع نصلى فيه بكل درهم أنفقه ركعة . فمضينا إلى المدائن ، فصلينا أربعين ألف صلاة . وكان سمنون ظريف الخلق ، أكثر كلامه فى المحبة (٢). وكان كبير الشأن . مات قبل الجنيد ، كما قيل . (١) الأسر: احتباس البول، ويروى ابن عربى سبب ذلك فيقول: ((لما أساء سمنون الأدب مع الله وأراد أن يقاوم القدرة الإلهية لما وجد فى نفسه من حكم الرضا والصبر، ابتلى بالأسر الذى هو احتباس البول فكان يتلوى منه كالحية على الرمل ؛ إذ مقاومة القهر الالهى سوء أدب . ولما تاب الله عليه ؛ وشفاه ، أنشد : أنا راض بطول صدك عنى لبس إلا لأن ذاك هواكا فامنحن بالجفا ضمبرى على الود ودعنى معلقاً برجاكا (٢) ومن كلامه فى ذلك: أول وصل العبد هجرانه لنفسه، وأول هجران العبد الحق مواصلته لنفسه . وسئل عن المحبة فقال: صفاء الود مع دوام الذكر، وعن التصوف، فقال: أن لا تملك شيئاً ولا يملكك شىء .. وقيل له : إنا نذكر الله ولا نحد فى قلوبنا حلاوة. فقال: ((احمدوا الله على أن زبن جارحة من جوارحكم بذكره)). ٩٠ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية الامام القشيرى ) أبو عبيد البرى من قدماء المشايخ . صحب أبا تراب النخشبى . سمعت محمد بن الحسين ، رحمه الله ، يقول : سمعت عبد الله بن على يقول : سمعت الدقى يقول : سمعت ابن الجلاء يقول : لقيت ستمائة شيخ فما رأيت مثل أربعة : ذى النون المصرى ، وأبى (١) ، وأبى تراب ، وأبى عبيد البسرى . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى ، رحمه الله ، يقول : سمعت أحمد بن محمد البغوى يقول : سمعت محمد بن معمر يقول : سمعت أبا زرعة الحسنى يقول : كان أبو عبيد البسرى يوماً على ((جرجر))(٢) يدرس قمحاً . وبينه وبين الحج ثلاثة أيام ؛ إذ أتاه رجلان ، فقالا : يا أبا عبيد ، تنشط للحج . فقال : لا . ثم التفت إلى وقال : شيخك على هذا (٣) أقدر منهما . يعنى نفسه . أبو الفوارس شاه بن شجاع الكرمانى كان من أولاد الملوك . صحب أبا تراب النخشبى ، وأبا عبيد البسرى ، وأولئك الطبقة . وكان أحد الفتيان (٤) كبير الشأن(٥)، مات قبل الثلاثمائة. (١) هو يحيى الجلاء : (٢) نورج . (٣) أى: على الحج قبل فوات أوانه عن طريق هذا الأمر المسمى ((بعلى الأرض)) (٤) من أهل الفتوة والبذل . (٥) ومن كلامه: (لأهل الفضل فضل مالم يروه؛ فاذا رأوه فلا فضل لهم، ولأهل الولاية ولاية مالم يروها فاذا رأوها فلا ولاية لهم ) . ( من صحبك على مايحب ، وخالفك فيما يكره ، فإنما يصحب هواه) . ( التوكل : سيكون القلب إلى الله تعالى فى حالتى الموجود والمفقود ). ٩١ ( أبو الفوارس شاه شجاع الكرمانى ) وقال شاه : علامة التقوى الورع ، وعلامة الورع الوقوف عند الشبهات . وكان يقول لأصحابه : اجتنبوا الكذب ، والخيانة ، والغيبة ، ثم اصنعوا ما بدالكم . سمعت الشيخ أنا عبد الرحمن السلمى بقول : سمعت جدى ابن نجيد بقول : : قال شاه الكرمانى: من غض بصره عن المحارم، وأمسك نفسه عن الشهوات وعمر باطنه بدوام المراقبة ، وظاهره باتباع السنة وعود نفسه أكل الحلال لم تخطىء له فراسة . يوسف بن الحسين (١) شيخ الرى والجبال فى وقته . وكان نسيج وحده فى إسقاط التصنع (٢). وكان عالماً أدبياً ، صحب ذا النون المصرى ، وأبا تراب النخشبى ، ورافق أبا سعيد الخراز . مات سنة : أربع وثلاثمائة . قال يوسف بن الحسين: لأن ألقى الله تعالى بجميع المعاصى أحب إلى من أن ألقاه بذرة من التصنع. وقال يوسف بن الحسين: إذا رأيت المريد يشتغل بالرخص ، فاعلم أنه لايجىء (٣) منه شيء . وكتب إلى الجنيد : لا أذاقك اللّه طعم نفسك(٤) . فانك إن ذقتها لم تذق بعدها خبرا أبداً . وقال يوسف بن الحسين : رأيت آفات الصوفية فى صحبة الأحداث ، ومعاشرة الأضداد ، ورفق النسوان (٥) (١) هو يوسف بن الحسين أبو بعضوب الرازى. (٢) أى التزين والتحسن للخلف بالطهار العبادة والطاعة (٣) مما يرجوه من معالى الأمور. (٤) أى لذة شهواتها الذميمة كلدة الرئاسة والمنزلة ونعظم الخلق. (٥) أى الانتفاع بالعطايا والهبات وقبول مابدفعنه من ذلك. ٩٢ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى ) أبو عبد الله محمد بن على الترمذى (١) من كبار الشيوخ ، وله تصانيف فى علوم القوم . صحب أبا تراب النخشي ، وأحمد بن خضرويه ، وابن الجلاء ، وغيرهم . سئل محمد بن على عن صفة الخلق ، فقال : ضعف ظاهر ، ودعوى عريضة . وقال محمد بن على : ما صنفت حرفاً عن تدبير ، ولا لينسب إلى شىء منه ولكن کان إذا اشتد على وقتی أتسلى به . أبو بكر محمد بن عمر الوراق الترمذى أقام ببلغ . وصحب أحمد بن خضرويه ، وغيره . وله تصانيف فى الرياضات . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن يقول : سمعت محمد بن الحسين ، رحمه الله ، بقول : سمعت محمد بن محمد البلخى يقول : سمعت أبا بكر الوراق يقول : من أرضى الجوارح بالشهوات غرس فى قلبه شجر الندامات. سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى، يقول : سمعت أبا بكر البلخى يقول : سمعت أبا بكر الوراق يقول : لو قيل للطمع من أبوك ؟ قال : الشك فى المقدور . ولو قيل : ماحر فتك ؟ قال : اكتساب الذل . (١) نسبة إلى ترمذ: مدينة على طرف نهر بلخ المسمى بجيحون. قال الحافظ ابن النجار فى تاريخه: كان إماماً من أئمة المسلمين له التصانيف الكثيرة فى التصوف وأصول الدين ومعانى الحديث، وقال الكلا باذى فى ((التعرف)) هو: من أئمة الصوفية: وقال ابن عطاء الله: كان الشاذلى والمرسى يعظمانه ويقولان : هو أحد الأوتاد الأربعة . ومن حكمه: إذا سكنت الأرواح بالسر نطقت الجوارح بالبر، وقال: ((الولى أبداً فى ستر حالة والكون ناطق بولايته ، ومدعى الولاية ناطق بولايته والكون كله يكذبه)) وقال: (( ما استصغرت أحداً من المسلمين إلا وجدت نقصاً فى معرفى وإيمانى . وما منع الناس من الوصول إلا الركضهم فى الطريق بغير دليل » . ٩٣ ( أبو سعيد بن عيسى الخراز ) ولو قيل : ما غايتك ؟ قال : الحرمان . وكان أبو بكر الوراق يمنع أصحابه عن الأسفار والسياحات ويقول: مفتاح كل بركة الصبر فى موضع إرادتك (١) إلى أن تصح لك الإرادة ، فان صحت لك الإرادة ، فقد ظهرت عليك أوائل البركة . أبو سعيد بن عيسى الخراز من أهل بغداد . صحب ذا النون المصرى ، والنباجى ، وأبا عبيد البسرى، والسرى : وبشراً ، وغيرهم .. مات سنة : سبع وسبعين ومائتين . قال أبو سعيد الخراز : كل باطن مخالفه ظاهر فهو باطل . سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت أبا عبد الله الرازى يقول : سمعت أبا العباس الصياد يقول : سمعت أبا سعيد الخراز بقول : رأيت إبليس فى النوم ، وهو يمر عنى ناحية ، فقلت له : تعال ، مالك ؟ فقال : إيش أعمل بكم ، وأنتم طرحتم عن نفوسكم ما أخادع به الناس ! ! فقلت : وماهو ؟ قال : الدنيا . فلما ولى عنى ، التفت إلى، وقال : غير أن لى فيكم لطيفة (٢). فقلت : وماهى ؟ قال : صحبة الأحداث . وقال أبو سعيد الخراز : صحبت الصوفية ما صحبت ، فما وقع بينى وبينهم خلاف . قالوا : لم ؟ قال : لأنى كنت معهم على نفسى . (١) إرادتك : سلوكك. (٢) لطيفة : أى أمر خفى. ٩٤ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى ) أبو عبد الله محمد بن اسماعيل المغربى أستاذ إبراهيم بن شيبان(١) ، وتلميذ على بن رزين . عاش مائة وعشرين سنة . ومات سنة : تسع وتسعين ومائتين . كان عجيب الشأن ، لم يأكل مما وصلت إليه يد بنى آدم سنين كثيرة ، وكان متناول من أصول الحشيش أشياء تعود أكلها . وقال أبو عبد الله المغرض : أفضل الأعمال عمارة الأوقات بالموافقات (٢). وقال : أعظم الناس ذلا فقير داهن غنياً ، أو تواضع له . وأعظم الخلق عزا غنى تذلل للفقراء ، وحفظ حرمتهم (٢). أبو العباس أحمد بن محمد بن مسروق من اهل طوس(٤). سكن بغداد ، وصحب الحارس المحاسبى ، والسرى السقطى توفى ببغداد سنة تسع ، وقيل : سنة تمان وتسعين ومائتين . قال ابن مسروق: من راقب اللّه تعالى فى خطرات قلبه عصمه الله فى حركات ٠ جوارحه . وقال : تعظيم حرمات المؤمنين من تعظيم حرمات الله تعالى ، وبه يصل العبد إلى محل حقيقة التقوى . ٠٠ (١) الخواص . (٢) ببن أعمال القلب والجوارح بأن تكون واقعة على أفضل ما يرضى الله، وفى نسخة بالمراقبات. (٣) ومن أقواله: ((الفقبر لا برجع إلى مستند فى الكون، غبر الالتجاء إلى من إليه فقره، ليغنيه بالاستغناء به))، ((من أدعى العبودية وله مراد باق فهو كذاب، وإنما تصمح العبودية لمن أفنى مراداته فى مرادات سيده)) .. ، ((العارف تضىُ له أنوار العلم فينظر بها عجائب الغيب)) .. (٤) أخذ الحديث عن كثير بن . ومن أقواله: من لم يحرز بعقله من عفاء اعقله، وهلك بعقله، وقال: المؤمن يقوى بدكر الله، والمنافق بالأكل والشرب .. ٩٥ ( أبو الحسن على بن سهل الاصبهانى ) وقال : شجرة المعرفة تسفى بماء الفكرة ، وشجرة الغفلة تسفى بماء الجهل ، وشجرة التوبة تسفى بماء الندامة ، وشجرة المحبة تسقى بماء الاتفاق (١) والموافقة . وقال: متى طمعت فى المعرفة (٢)، ولم تحكم قبلها مدارج الإرادة(٣) فأنت فى جهل ، ومتى طلبت الإرادة قبل تصحيح مقام التوبة ، فأنت فى غفلة عما تطلب . أبو الحسن على بن سهل الأصبهاني من أقران الجنيد . قصده عمرو بن عثمان المكى فى دين ركبه ، فقضاه عنه ، وهو ثلاثون ألف درهم . لقى أنا تراب النخشبى والطبقه (٤). سمعت محمد بن الحسين ، رحمه الله، يقول: سمعت أبا بكر محمد بن عبد الله الطبرى يقول : سمعت على بن سهل يقول : المبادرة إلى الطاعات من علامة التوفيق . . والتقاعد عن المخالفات من علامات حسن الرعاية . ومراعاة الأسرار من علامات التيقظ . . وإظهار الدعاوى من رعونات البشرية . ومن لم تصح مبادىء إرادته لا يسلم فى منتهى عواقبه (٥) . (١) أى اتفاق مراد العبد ومطلوب الرب تعالى. والموادفة الكتاب والسنة. (٢) المعرفة بالله. (٣) السلوك . (٤) أى الذين فى طبقته، ومن كلامه: حرام على من عرف الله أن يسكن لغبره وقال الصوف: النبرى: عمن دونه، والتخلى عما سواه . (٥) ومن أقواله: ((من فقه قلبه أورثه ذلك الإعراض عن الدنيا وأهلها، فان من جهل القلب متابعه سرور لا يدوم)). د ٩٦ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى ) أبو محمد أحمد بن محمد بن الحسين الجريرى (١) من كبار أصحاب الجنيد . وصحب سهل بن عبد اللّه . أقعد بعد الجنيد فى مكان وكان عالماً بعلوم هذه الطائفة ، كبير الحال . مات سنة : إحدى عشرة وثلاثمائة . سمعت أبا عبد الله الشيرازى، يقول : سمعت احمد بن عطاء الروذبارى يقول: مات الجريرى سنة الهبير(٢)، فجزت به بعد سنة ، فاذا هو مستند جالس وركبته إلى صدره ، وهو مشير إلى الله (٣) بأصبعه . سمعت محمد بن الحسين ، رحمه الله ، يقول : سمعت أبا الحسين الفارسى يقول : سمعت أبا محمد الجريرى يقول : من استولت عليه النفس صار أسيراً فى حكم الشهوات ، محصورا فى سجن الهوى ، وحرم الله على قلبه الفوائد ، فلا بستلذ بكلام الحق تعالى ؛ ولا يستحليه وإن كثر ترداده على لسانه؛ لقوله تعالى: (( سأصرف عن آياتى الذين بتكبرون فى الأرض بغير الحق)) (٤). وقال الجريرى : رؤية الأصول(٥) باستعمال الفروع، وتصحيح الفروع بمعارضة الأصول (٦) ، ولاسبيل إلى مقام مشاهدة الأصول إلا بتعظيم ماعظم الله من الوسائط والفروع (٧) . (١) نسبة إلى جرير بن عباد من بنى بكر بن وائل . (٢) أى السنة التى كان فيها هلاك الناس وتقطيعهم . (٣) إلى انفراده سبحانه بالوحدانية . (٤ ) آية ١٤٦ من سورة الأعراف . (٥) أصول الأحكام الشرعية وهى الكتاب والسنة . (٦) أى عرض الفروع عليها . (٧) والمقصود أن اعتقاد العظمة والصحة فى الأصول فرع اعتقاد العظمة والصدق فيمن شرعها، واعتقاد علمه الأصول لا يتم إلا بايقاع الفروع صحيحة على مواففتها، وإلا فلا فائدة .. ومن كلامه: إن اللهلا يعبأ بصاحب حكاية وإنما يعبأ بصاحب قلب ورواية . وقال : من توهم أن أعماله توصله إلى مأموله الأعلى أو الأدنى فقد ضل عن الطريق: لأن المصطفى صلى الله عليه وسلم يقول: لن ينحى أحدكم عمله. فمالا ينحى من الخوف كيف يبلغ المأمول؟، ومن صح اعتماده على فضله (مع العمل) فذاك الذى يرجى له الوصول . 1 ٩٧ ( أبو اسحاق إبراهيم بن أحمد الخواص ) أبو العباس أحمد بن محمد بن سهل بن عطاء الآدمى (١) من كبار مشايخ الصوفية وعلمائهم (٢) ، كان الخراز بعظم شأنه . وهو من أقران الجنيد ، وصحب إبراهيم المارستانى . مات سنة : تسع وثلاثمائة . سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت أبا سعيد القرشى يقول : سمعت ابن عطاء يقول : من ألزم نفسه آداب الشربة نور الله قلبه نور المعرفة ، ولا مقام أشرف من مقام متابعة الحبيب صلى الله عليه وسلم ، فى أوامره ؛ وأفعاله ، وأخلاقه . وقال ابن عطاء : أعطم الغفلة غفلة العبد عن ربه عز وجل، وغفلته عن أوامره ونواهيه ، وغفلته عن آداب معاملته . سمعت أبا عبد الله الشيرازى، رحمه الله، يقول: سمعت عبد الرحمن بن أحمد الصوفى يقول : سمعت أحمد بن عطاء تقول : كل ما سئلت عنه فاطله فى مفازة (٣) العلم ، فان لم تجده ، ففى ميدان الحكمة ، فان لم تجده فزنه بالتوحيد (٤) ، فان لم تجده فى هذه المواضع الثلاثة فاضرب به وجه الشيطان . أبو اسحاق إبراهيم بن احمد الخواص من أقران الجنيد ، والنورى . وله فى التوكل والرياضات حظ كبير . مات بالرى سنة : إحدى وتسعين ومائتين . كان ((مبطوناً))(٥)؛ فكان كلما قام توضأ ، وعاد إلى المسجد وصلى ركعتين ، فدخل مرة الماء فمات . رحمه الله . (١) بفتح الهمزة والدال: نسبة إلى بيع الأدم وهو الجلد. (٢) قال: رأيت فى النوم فائلا بقول: أى شىّ أصح فى الصلاة (؟ قلت: صحة القصد. فقال هاتف: بل رؤية المقصود باسقاط رؤية القصد. وقال ((رؤية الثواب عند ذكر الله غفلة عن الله)). (٣) أى مجاله لا تساعه وهو الأدلة المأخوذة من الكتاب والسنه. (٤) أى بما تقرر فى علم التوحيد هل تلق نسبته إلى الله أم لا، (٥) أى مريضا بداء البطن وهو الإسهال . ٩٨ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى ) سمعت محمد بن الحسين ، بقول : سمعت أبا بكر الرازى بقول : سمعت الخواص ٠٠ يقول : ليس العلم بكثرة الرواية ، إنما العالم من اتبع العلم واستعمله ؛ واقتدى بالسين وإن كان قليل العلم . سمعت محمد بن الحسين ، رحمه الله ، يقول : سمعت أحمد بن على بن جعفر يقول : سمعت الأزدى يقول : سمعت الخواص يقول : دواء القلب خمسة أشياء : قراءة القرآن بالتدبر ، وخلاء البطن ، وقيام الليل ؛ والتضرع عند السحر ، ومجالسة الصالحين (١). أبو محمد عبد الله بن محمد الخراز من أهل الرى . جاور بمكة . صحب أبا حفص ، وآبا عمران الكبير . وكان من المتورعين . مات قبل العشرة والثلاثمائة . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى ، يقول : سمعت أبا نصر الطوسى يقول : سمعت الدقى يقول : دخلت على عبد الله الخراز ، ولى أربعة أيام لم آكل ، فقال : دجوع أحدكم أربعة أيام فيصبح بنادى عليه الجوع . ثم قال : إش يكون لو أن كل نفس منفوسة (٢) تلفت فيم تؤمله عند الله ترى يكون ذلك كثيراً . وقال أبو محمد عبد الله الخراز : الجوع طعام الزاهدين ، والذكر طعام العارفين (٣) . (١) ومن فوائده: ((من لم يصبر لم يظفر)). وكان عامة مناجاته: ((برح الخفاء وفى التلفى راحة هى يشتو خل بغير خليله. (٢) منفوسة . مولودة . (٣) قال العروسى: وإنما كان طعامهم الذكر لأنهم تحققوا بالله ورفضوا ماسواه فكانت حيانهم بالذكر، وتنعماتهم بالفكر، وأنهم بالقرب .. فجناتهم بالمشاهدات، ونارهم بالغفلات .. فرضى الله عنهم وأرضاه عنا . ٩٩ ( أبو الحسن بنان بن محمد الحمال ) أبو الحسن بنان بن محمد الحمال واسطى الأصل . أقام بمصر ، ومات بها سنة : ست عشرة وثلاثمائة . كبير الشأن ، صاحب الكرامات. سئل بنان عن أجل أحوال الصوفية ، فقال : الثقة بالمضمون (١)، والقيام بالأوامر، ومراعاة السر (٢)، والتخلى من الكوفيين. سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت الحسن بن أحمد الرازى ، يقول : سمعت أبا على الروذبارى يقول : ألقى بنان الحمال بين يدى السبع (٣) ، فجعل السبع يشمه ولا يضره . فلما أخرج ، قيل : ما الذى كان فى قلبك حيث شمك السبع ؟ قال : كنت أفكر فى اختلاف العلماء فى سؤر (٤) السبع . أبو حمزة البغدادى البزاز مات قبل الجنيد ، وكان من أقرانه صحب السرى ، والحسن المسوحى وكان عالماً بالقراءات ، فقيهاً . وكان من أولاد عيسى بن أبان ، وكان أحمد بن حنبل يقول له فى المسائل : ما تقول فيها ياصوفى ؟ قيل : كان بتكلم فى مجلسه يوم جمعة فتغير عليه الحال ، فسقط عن كرسيه : ومات فى الجمعة التالية . (١) وهو الرزق. (٢) السر القلب . (٣) بأمر ابن طولون حين اشتد فى الأمر بالمعروف، أو حين اهم بما يستحق العقوبة . (٤) رطوبة فمه هل هى طاهرة أو ليست بطاهرة. ١٠٠ "كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى ) وقيل : مات سنة تسع ومانين ومائتين . قال أبو حمزة : من علم طريق الحق تعالى سهل عليه سلوكه ، ولا دليل على الطريق إلى الله تعالى إلا متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم فى أحواله، ، ف اله وأقو 4 وقال أبو حمزة : من رزق ثلاثة أشياء ، فقد نجا من الآفات : بطن خال مع قلب قائع ، وفقر دائم معه زهد حاضر ، وصبر كامل معه ذكر دائم . أبو بكر محمد بن موسى الواسطى خراسانى الأصل. من ((فرغانة)). صحب الجنيد والنورى . عالم كبير الشأن . أقام بمرو ، ومات بها بعد العشرين والثلاثمائة . قال الواسطى : الخوف والرجاء زمامان يمنعان العبد من سوء الأدب . وقال : مطالعة الأعواض (١) على الطاعات من نسيان الفضل . وقال الواسطى : إذا أراد الله هوان عبد ألقاه إلى هؤلاء الأنتان والجيف ، بريد له صحبة الأحداث . سمعت محمد بن الحسين ، رحمه الله ، يقول : سمعت ابا بكر محمد بن عبد العزيز المروزى، يقول : سمعت الواسطى يقول : جعلوا سوء أدبهم إخلاصا ، وشره نفوسهم انبساطا ؛ ودناءة الهمم جلادة ، فعموا عن الطريق ، وسلكوا فيه المضيق ، فلاحياة تنمو فى شواهدهم (٢)، ولاعبادة تزكو فى محاضرتهم ، إن نطقوا فبالغصب وإن خاطبوا فبالكبر ، توثب أنفسهم بنيء عن خبث ضمائرهم ، وشرههم فى المأكول يظهر ما فى سويداء أسرارهم . قاتلهم الله أنى يؤفكون . (١) الأعواض: جمع عوض. وهو ما يكون فى مقابلة الشىء والمراد به هنا: الأجر المرتب على الطاعة: والمطالعة: التشوف والمطالبه : (٢) شواهدهم: مشاهدتهم : ١٠١ ( أبو الحسن بن الصائغ ) سمعت الأستاذ أباعلى الدقاق ، رحمه الله ، يقول : سمع بعض المراوزة إنساناً صيدلانياً ، يقول : اجتاز الواسطى يوم جمعة بباب حانوتى ، قاصداً إلى الجامع فانقطع شسع (١) نعله ، فقلت : أيها الشيخ ، أتأذن لى أن أصلح نعلك ؟ فقال : أصلح . فأصلحت شعه ، فقال : أتدرى لم انقطع شسع نعلى ؟ فقلت : حتى يقول !! قال : لأنى ما اغتسلت للجمعة !! فقلت له: يا سيدى ، هاهنا حمام تدخله؟ فقال: نعم. فأدخلته الحمام فاغتسل (٢). أبو الحيتين بن الصائغ واسمه : على بن محمد بن سهل الدينورى . أقام بمصر ، ومات بها ، وكان من كبار المشايخ . قال أبو عثمان المغربى : ما رأيت من المشايخ أنور من أبى يعقوب الهرجورى ، ولا أكتر هيبة من أبى الحسن بن الصائغ . مات سنة : ثلاثين وثلاثمائة . سئل ابن الصائغ عن الاستدلال بالشاهد على الغائب ، فقال : كيف يستدل بصفات من له مثل ونظير على من لا مثل له ولا نظير ؟ !. وسئل عن صفة المريد ، فقال : (١) أحد سيوره : (٢) ومن فوائده: الخوف والرجاء زمامان بمعان من سوء الأدب: وقال الذكر: الخروج من ميدان الغفلة. إلى فضاء المشاهدة ، على حلبة الخوف وشدة الحب .. إذا تجلى الحق على السرائر ذهب الخوف والرجاء ، أفقر الفقراء من ستر الحق حقيقة حقه عنه؛ الكلمة التى بها كملت المحاسن: الاستقامة. ١٠٢ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية تلامام القشيرى) ما قال الله عز وجل: ((وضاقت عليهم الأرض بما رحبت ، وضاقت عليهم أنفسهم ))(١) الآية. وقال : الأحوال كالبروق ، فاذا ثبتت فهو حديث النفس وملازمة للطبع (٢)، أبو اسحق ابراهيم بن داود الرقى من كبار مشايخ الشام . من أقران الجنيد ، وابن الجلاء . وقد عمر ، وعاش إلى سنة : ست وعشرين وثلاثمائة . وقال إبراهيم الرقى : المعرفة : إنبات الحق على ماهو ، خارجا عن كل ماهو موهوم . وقال : القدرة ظاهرة ، والأعين مفتوحة . ولكن أنوار البصائر قد ضعفت وقال : أضعف الخلق : من ضعف عن رد شهواته ، وأقوى الخلق : من قوى على ردها . (٣) . وقال : علامة محبة الله: إيثار طاعته، ومتابعة نبيه صلى الله عليه وسلم١ ممشاد الدينورى من كبار مشائخهم (٤). مات سنة : تسع وتسعين ومائتين . قال ممشاد : أدب المريد فى التزام حرمات المشائخ ، وخدمة الإخوان ، والخروج عن الأساب ، وحفظ آداب الشرع على نفسه . (١) الآية هى: حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم)): التوبة آية : ١١٨: (٢) وفى بعض النسخ، وملاءمة الطبع أى موافقته: (٣) ومن كلامه: نفسك سائرة بك، وقلبك طائر بك، فكن مع أسرعهما وقال: ((قيمة كل إنسان بقدر همته)) وإن كانت همته الدنيا فلا قيمة له، وإن كانت همته رضا الله فلا يمكن إدراك غاية قيمته ولا الوقوف عليها : وقال: السياحة بالنفس لأرباب الظواهر علما وشرعا وخلقا، والسياسة بالقلب لأرباب البواطن حالا ووجدا وكشفا » (٤) صحب ابن الجلاء، وكان عابداً زاهداً، من أقواله : إنماورث الحكماء الحكمة بالصمت والتفكير. وقال: ما أقبح الغفلة عن طاعة من لا يغفل عن برك، وعن ذكر من لا يغفل عن ذكرك: وقال: لو جمعت حكم الأولين والآخرين، وادعيت أحوال الأولياء والصادقين، لم تصل إلى درجة العارفين، حتى يسكن سرك إلى الله تعالى، وتثق به فيماضمن لك: